الحب والكرامة

الفصل الثانى
المواجهة ام الفرار
تمسح دموعها من آن للآخر في قسوة كادت أن تؤذى عينيها ، ما زالت تتطلع نحو المرأة في عدم تصديق لما قال ، تتمنى أن تدخل حماتها إليها الآن لتخبرها ان كل ما قيل ليس إلا مجرد مزحة ثقيلة الظل القتها فاطمة لتضايقها ليس أكثر، و لكنها تعلم أن فاطمة لا تفعل هذا و ليس مثلها من يقول كلام دون تأكيد ، عادت للتحدث لنفسها هامسة في شبه ضياع :
" دايما الحب كان من طرفي بس ، العطاء كان منى انا و بس ، عمرك ما اهتميت انا عاوزة ايه ، دايما كنت بدور على راحتك انت وأولادى لكن انا دايما كائن غير مرئي و غير مهم ، لكن كل دا هيتغير من النهاردة .نفسى ثم نفسى و الباقى كله ورا ضهرى "
أسرعت لتنفيذ ما قررته و أخرجت حقيبة كبيرة و بدأت في وضع ملابسها داخلها في انفعال وعدم نظام بسبب حزنها و ألمها الشديد و هى تفكر جديا بأن الآتى لن يكون سهلا على الجميع و ليس عليها هى وحدها فقط .
جلس حسام بجوار فاطمة والدته و هو متأهب للرد و الجدال و لكنه فوجئ بصمت والدته التام بعد أن أخبرها أنه قد اتفق مع أهل عروسه الثانية على عقد القران بعد يومين فقط و تململ في ضيق و عدم راحة حين طال الصمت و غمغم في ضيق شديد من صمت والدته:
" ماما ممكن اعرف حضرتك ساكته كدا ليه ؟ ايه يا ماما هو انتِ هتاخدى صف نيرة و لا ايه ؟ دا انا ابنك حبيبك و اظن انك اكتر واحدة عارفه انى كنت بحب ياسمين اوى لكن النصيب خلاها تتجوز و ما صدقت انها بقت ارملة و حرة نفسها يا ماما و اخيرا هترجع ليا روحى و حياتى و حبى الاول و الاخير اللى اتسرق منى يا ست الكل ، و نيرة لا يمكن اظلمها كل اللى هتطلبه يتنفذ و البيت واسع الحمد لله و في شقتين فاضين مش واحدة بس يبقى فين المشكلة؟ و الحال ميسر و اقدر افتح بيت و اتنين و تلاتة لو حبيت، ارجوكى يا ماما بلاش جو الاكتئاب اللى انتى فيه دا كفاية عليا نيرة و باقى العيلة لسه الله اعلم هيفضل الزعل لحد امتى وايه هيحصل يا ترى قدام ؟"
فتحت والدته فمها لترد عليه إلا أنها توقفت تماما حين رفعت نظراتها لترى نيرة تدخل عليهم في هدوء تام و هى تحمل حقيبة ملابسها و الأطفال الثلاثة بملابس البيت يتحركون خلفها دون فهم و كلهم بعيون متسعة و الخوف واضح داخلها ، ضيق حسام عينيه في شك وتساءل فى حذر :
" رايحة فين ان شاء الله يا هانم و الشنطة دى تبع مين و فيها ايه ؟"
تجاهلته نيرة تماما و لم ترد علي تساؤلاته و اقتربت من حماتها هاتفة في هدوء بارد أشعل النار داخل صدره و ارتفع ضغطه حين سمعها تتحدث في عدم اكتراث:
" أنا راجعة بيت اهلى يا حماتى، خلاص كل حاجة في الدنيا و لها نهاية و انا نهايتى في البيت دا كانت النهاردة، بس يا ريت تخلى بالك من أولاد ابنك، انا عارفة انك بتحبيهم و تخافى عليهم من الهوا الطاير اكتر منى كمان ، و انا هكون مطمنة و هم في حضنك يا ست الكل "
الذهول التام يعترى كل من حسام و والدته فهما لم يتوقعا مطلقا ردة الفعل هذه بالذات من شخصية ضعيفة منقادة طوال الوقت مثل نيرة و لكن أسرع حسام بتمالك نفسه و أخذته العزة بالنفس و شعر بالغضب الشديد و صرخ فيها في جنون :
" براحتك يا نيرة هانم ، تتوقعى انك هتذلينى بأنك تسيبى الأولاد يا هانم أولادك هانوا عليكى تمشى و تسيبيهم، لاء يا هانم ، اتفضلى روحى بيت أهلك و طلاق انا مش هطلق انا لا عملت و لا هعمل حاجه عيب او حرام دا جواز يعنى حلال و على شرع الله "
لم ترد عليه نيرة مطلقا بل لم تضع عينيها في عينيه مباشرة كأنه غير موجود على الإطلاق معها او لا تراه من الأساس في حين أسرعت والدته بالاقتراب منها و احتضنتها و هى تهتف في خوف و تضرع:
" ليه كدا بس يا نيرة ؟ يا بنتى ما انا قلتلك العقل زينة ، و اية يعنى لما يتجوز تانى يا نيرة ! عادى كل الرجالة بتلف و ترجع لحضن مراته الاولانية حبيبته أم عياله، و بدل ما يقع في الحرام و الغلط يا بنتى، اسمعى الكلام الله يهديكى و بلاش تخربى على نفسك و تضيعى حقك و حق اولادك"
ضحكت نيرة فى جنون و انفعال و هتفت في انكسار واضح مس قلب الام و لكن لم يحرك شعرة واحدة في زوجها حسام :
" اخرب على بيتى! هو فين بيتى دا يا حماتى ؟هو انا هضحك على نفسى و لا اية؟ حسام عمره ما حبنى طول عمره بياخد منى حب و بس من غير ما يبادلنى الشعور، لكن في المقابل هو مجرد فلوس و قلة تقدير ليا لا اكتر ولا أقل، بس هو عنده حق اى حاجة بتزيد عن حدها بتنقلب ضدها وأى حد يلاقى دلال زايد لازم يفسد و يتبتر على النعمة اللي معاه"
" صرخ حسام فيها مرة أخرى و هو يحاول أن يمسك زمام نفسه حتى لا يتهور و يمد يده عليها من شدة عصبيته و تزداد المشكلة حجما و تتسع الفجوة لما لا يمكن احتوائه و هو لا يريد هذا مطلقا :
" مين يا هانم إللى بيتبتر على النعمة اللي معاه دا انا و لا انتِ ، راحتك هنا يا نيرة و الحب مش كل حاجة في الدنيا و القلب مش بأيدى يا نيرة ، و طلاق لا يمكن هيحصل و جواز انا هتجوز ، دا أمر منهى لا رجعة و مفهوش نقاش اصلا، اكلك و شربك و مصاريف اولادك كله تحت أمرك و لا يمكن هظلمك، بس انك تذلينى بالأولاد فدا لا يمكن يحصل و لا هيكون أبدا، و اعملى حسابك انا لا هروح اصالحك و لا اقولك تعالى ارجعى بيتك و افتكرى كويس انك انتى إللى سبتى أولادك بمزاجك مش غصب عنك يعنى مش من حقك تطالبى بيهم بعد كدا مفعوم؟"
ابتسمت في شر و سخرية شديدة لم تكن يوما من طبعها و اجابت في قسوة صارمة هزت قلب حماتها المسكينة هلعا على ما سيكون :
" لاء متخافش انا عارفة كويس انى سبت الولاد بمزاجى و بعدين هو أنا سيبتهم عند حد غريب ، عند أبوهم و جدتهم يعنى انا متطمنة جدا عليهم ، مش عاوزة انك تقلق خالص يا حسام لا يمكن في يوم هطلب اخدهم منك كفاية إللى راح من عمرى يا حسام بيه و انا في انتظار كلمة منك او حتى بادرة حب او مجرد احترام لشخصى، انت حقك تتجوز تانى و انا حقى اطلب الطلاق و برضه زيك بالضبط برضاك او غصب عنك و كفاية إللى ضاع من عمرى في محاولة إرضاء سموك هعيش لنفسى من هنا ورايح، و كل واحد له حق يدور عليه بطريقته"
اتسعت عيناه في ذهول و اندهاش و هز رأسه غير مصدق لما يسمع منها و لم يستطيع الرد و هو لا يعرف ماذا يقول لها فى حين هتفت والدته في ضعف شديد بعد أن شعرت بما قررته نيرة :
" و يهون عليكى أولادك يا نيرة ؟ كدا برضه يا بنتى و انا إللى بقول عليكى عاقلة و فاهمة الدنيا صح ، ذنبهم ايه الولاد تحرميهم منك و هم في السن الصغيرة دى؟"
اقتربت نيرة لتقبل رأس حماتها فاطمة و يدها هاتفة في هدوء غريب :
" ذنبهم ان ابوهم مش بيحب امهم و لا عمره اهتم بيها و لا بطلباتها كأنها شئ مسلم به في حياته مجرد حتة ديكور اشتراه و حطه في بيته، لا دور و لا عمره اهتم بتعبهم علشان يتجوز صح لازم يعرف ان معاه اولاد لهم حق عليه ، حقى انا عادى اسامح فيه لكن حق أولاده لاء. انا هسبهم هنا لأنه مش هيطلق ولاده معايا ولا ايه ؟ و بعدين انا مش هرميهم يا ست الكل انا بس هسيبهم يتربوا في بيت و عز ابوهم حقهم عليه و هم أمانة عنده و مين احن عليهم في الدنيا من ابوهم يا حماتى؟"
تحركت للخروج سريعا قبل أن تخذلها عيناها و تبدأ في البكاء الشديد من شدة الانفعال و التأثر. قلبها يتمزق و هى تحاول ان تتماسك في قوة واهية من الخارج و هى تتحطم داخليا إلى شظايا تجرح بقسوة كل انش من قلبها و لكنها اتخذت القرار و انتهى الأمر و لا رجعة فيه مهما حدث و لن تظل فقط مجرد خادمة له و لاولاده و لوالدته أيضا دون أن يشعر بها أو حتى يعطيها جزء من حبه او اهتمامه، لن تتركه أبدا يتمتع بالحب و الدلال مع زوجته الجديدة على حسابها هى ، لقد أدركت بحسها الانثوى الصادق ان القادم لن يكون في صالحها مطلقا و ان الكفة الراجحة دائما ستكون كفة العروس الجديدة و لن تنتظر لتشحذ الاهتمام سواء لها او لاولادها من زوجها المبجل .
تعرف ان سبب تمسكه بها هو الاولاد فقط حتى يرتاح من هذا الأمر تماما و لا يفكر في في كل سبل سعادته الجديدة و لكن هذا لن يكون .
لقد اختار الحب و ضحى بالأبناء و الاستقرار الاسرى ، ضحى بحبها الشديد له إلى الآن تحبه و هذا جل ما يعذبها، كيف لم يشعر و لو للحظة واحدة بحبها باهتمامها، بل كيف استطاع إلا يبادلها نفس الاهتمام و الشعور .
لكن ما كان قد كان و لن تبكى على ما قد سبق و لكنها ستضع من اليوم قواعد جديدة و على الجميع احترام تلك القواعد و احترامها هى شخصيا ..
نهاية الفصل الثاني
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي