الفصل الأول
عندما نعشق تصبح قلوبنا أكثر ضعفًا على من نُحب، تَشعُر بأن قلبك يخرج من مكانهُ بمجرد أن تتخيل بأن بهِ سوء..
عندما فقدت ندى الوعي قام الرجال بحملها برفق ودلفوا خارج الغرفة بحذر شديد أخذوا درجات السلم ولكن دون أن ينتبهوا حرك أحدهما يدهُ فوقعت المزهرية التي كانت مُوضوعة في نهاية الدرج فهبطت على الأرض بقوة منكسرة إلى قطع صغيرة.. أردف الرجل الذي يحمل ندى لصديقهُ بغضب وصوت منخفض:_يا غبي مش تاخد بالك!
التف الآخر حولهُ ثم نظر له مرددًا بستعجال:_إحنا هنتعارك هنا، يلا بسرعة قبل ما حد منهم يصحى..
وانطلقوا بسرعة ناحية الباب الذي دلفوا منهُ، أما بالأعلى كان قد استيقظ الجميع أثر صوت المزهرية، وأول من دلف إلى الخارج كان الجد يلية كلًا من عز وزوجتهُ الذين يمكثون في الغُرفة المجاورة أردفت هيام بخوف:_إيه اللي حصل؟
رفع الحد كتفاهُ بعدم معرفة قائلًا وهو يذهب باتجاة الدرج:_مش عارف، سمعت صوت حاجه انكسرت..
خرجت نيرة هي الأخرى من غُرفتها بخوف وملامح مضطربة فرأت أبيها وأُمها وجدها يقفان فانطلقت إلى والدها متسائلة:_في إيه يا بابا، إيه الصوت ده؟
ابتسمت هيام باطمئنان لطفلتها وهي تضع يدها على كتفاها قائلة:_مفيش حاجه يا حبيبتي ما تخفيش..
هبطت عز وراء والدهُ وبمجرد أن هبطوا الدرج حتى نظروا لبعضهم بستغراب عندما رأوا المزهرية المكسورة، وقبل أن يستوعبوا شيء استمعوا إلى صوت سيارة في الخارج، فركض عز سريعًا وذهب وراءه ندى وهيام وأيضًا الجد، رآى عز البوابة الحديدية الكبيرة مفتوحة على وسعها والحراس ملقيان على الأرض ولا يوجد أثر لشيء أمام المنزل سوى من طيف السيارة التي اختفت في الظلام، وضعت نيرة يدها على فمها بخوف بينما ركع عز أمام الحراس يحاول أفاقتهم ولكنهُ توقف بصدمة وخوف عندما أردفت زوجتهُ قائلة بتساؤل وترقب:
_ندى بنتي فين؟
رفع عز رأسهُ بصدمة فقد تذكر ابنته، ومن المُحال أنها ما زالت نائمة فهي تستيقظ من أقل صوت، أما نيرة فلم تنتظر وركضت سريعًا نحو غُرفة شقيقتها وركض خلفها عز حتى تقدمها وخلفهم هيام والجد، وصل عز إلى غُرفة ابنته التي كان مفتوح بابها دلف عز سريعًا واندهش عندما وجد فراشها فارغ..
اتسعت صدمت عز وبدأت عيناهُ تطلق شرارًا وأردف بوجه غاضب:_عملها محمود الكلب، والله لهقتله!
تقدمت نيرة منه وبدأت عيناها تلمع بالدموع مُرددة بصوت مرتعش:_محمود مين يا بابا، وندى أختي فين؟
هبطت دموع هيام بخوف على ابنتها، وظلت تنظر لزوجها بصمت بينما أردفت نيرة مرة أخرى:_بابا ندى فين؟
تنهد عز بقوة يضبط أنفعالهُ ونظرة لها باطمئنان قائلًا:_ما تقلقيش يا حبيبتي ندى هترجع وهتكون بخير..
وتركها ودلف للخارج فوجد والدهُ يقدم له الهاتف مرددًا بثبات:
_كلم حُسام وأدهم يجوا حالًا..
*************
ظل أدهم لوقتٍ طويل يُفكر في تلك الطفلة البريئة التي سرقت قلبهُ، كانت ابتسامتهُ تتسع تدريجيًا كلما تذكر موقف حدث معهم، تذكر عندما كانا صغران كان وقتها أدهم يجلس على فراشهُ ويلعب في هاتفهُ المحمول، انتفض عندما وجد الباب يُفتح على مصرعهُ وتلك قصيرة القامة تدلف بغضب طفولي فرفع حاجبيه بستغراب بينما تقدمت حتى وقفت بجانب الفراش ووضعت يداها الإثنان في خصرها قائلة بغضب وكأنها فتاة بالغة وليست طفلة لم تتعدى السبع سنوات:
_أنت جيبت شكولاة لسارة النهاردة؟
أمأ رأسهُ بستغراب وهو يقول:_أيوة..
ضيقت عيناها بغيظ وأشارة إليه بسبابة مُرددة بغضب:_أنت ما تجيبش شكولاة لأي بنت غيري، أصلًا أنت مش تكلم أي بنت غيري.. ثم ترقرقت الدموع في عيناها بطفولية مستطردة: أنا زعلانة منك أوي، إزاي تعمل كدا!
نهضت أدهم من على الفراش وجلس أمامها وهو يبتسم بحنان قائلًا بهدوء ورزانة لا تتناسب مع سنهُ الذي أكمل الثاني عشر:_زعلانة مني ليه بس يا نودي، دي هي ظهرت فجأة قدام العجلة بتاعتي ووقعت فأنا أدتها شكولاته علشان أعتذر ليها بس مش أكتر، وبعدين أنا ميهمنيش حد في البنات غيرك أصلًا، مش أنتِ عارفة كدا!
أمأت رأسها بطفولية قائلة:_يعني مش هتجيب لأي بنت حاجه ولا هتتكلم مع أي بنت غيري..
خفف بيده تلك الدمعة الحزينة التي هبطت من عسليتها قائلًا بحنان:_أوعدك مش هكلم أي بنت ولا هجيب لأي بنت حاجه غيرك..
ظهرت ابتسامة ندى السعيدة وقبلته من خدهُ بسعادة مرددة:_بحبك أوي يا دومي..
وانطلقت ذاهبة بفرح إلى الخارج..
ظل أدهم يتذكر تلك المواقف التي جمعتهُ بصغيرته والابتسامة لا تُفارق وجههُ حتى تذكر ما حدث بينهم منذ قليل وأخيرًا استسلم أدهم للنوم والابتسامة على وجههُ، لم يمر وقت طويل حتى استمع أدهم إلى صوت رنين هاتفهُ فنفخ بانزعاج، فمن هذا السمج الذي يتصل في ذلك الوقت المُتأخر، ولكنه لم يعطي للهاتف أهمية ولكن يبدو أن المُتصل يُصر فمد أدهم يدهُ وأمسك الهاتف بنوم، وعندما رآى اسم المُتصل انتفض فزعًا وفتح الخط سريعًا فلم يكن غير عز الدين الذي هتف بقلق:
_أدهم تعالى بسرعة..
سألهُ أدهم بخوف وترقب:_في إيه يا خالي؟
تنهد عز بضعف وأجابهُ بحُزن:_ندى اتخطفت يا أدهم!
انتفض أدهم من على الفراش بصدمة فكيف حدث ذلك، هو تركها فقط منذ ساعات قليلة، مرددًا بصدمة وخوف:
_أيه!! حضرتك بتقول إيه، وإزاي حصل كدا وإمتا؟
أجـابهُ عز بستعجال:_مش وقته يا أدهم تعالى بسرعة وهعرفك كل حاجه، محمود الكلب قدر يدخل بيتي ويخطف بنتي..
أحمرت عيناي أدهم غضبًا وقلبهُ يرتعش خوفًا قائلًا بقوة:_الكلب، موتهُ هيكون على إيدي، أنا جاي حالًا..
وأغلق الهاتف وانطلق يُبدل ملابسهُ سريعًا ثم أخذ مفاتيح سيارتهُ وانطلق سريعًا إلى الخارج فوجد والده يخرج هو الآخر من غُرفته وعندما رأه أردف بقلق:_عرفت اللي حصل يا أدهم؟
نظر إلى والدهُ وعيناه مليئة بالخوف ولكنه أردف بغضب:_لو طلع هو والله ما هرحمهُ..
أردف والدهُ مهدئًا إياهُ:_طب إهدى بس وإن شاء الله هتكون ندى بخير..
تنفس بقوة وهو يدعو بداخلهُ أن يحفظها الله من كل سوء ثم سألهُ بهدوء بعض الشيء:_خالي عِز اللي كلم حضرتك؟
أجـابهُ حسام نافيًا:_لأ، واحد من الحُراس كلمني وحكالي اللي حصل، وطبعًا مفيش غير الحيوان اللي اسمه محمود اللي عمل كدا..
ابتلع أدهم ريقهُ وأردف بغضب:_والله ما هرحمه لو لمس منها شعرة واحدة بس..
ربط حسام على كتفاه قائلًا بهدوء:_ما تقلقش هنلحقهُ قبل ما يفكر حتى إنه يأذيها، يلا بينا بس علشان نلحق نتصرف، علشان تواجدها مع محمود ساعة واحدة بس خطورة عليها..
أمأ له أدهم بخوف وانطلقوا سريعًا نحو منزل عز الدين..
***********
كانت هبة ما زالت مستيقظة تجلس على فراشها وهي تُفكر في طريقة للهروب من ذلك المنزل، الذيةبالنسبة لها ما هو اللي سجن، أو كهف تُشعر فيه بالاختناق، والخوف والألم، فجميع المشاعر الموجعة تجمعت بداخلها بسبب ذلك المنزل وذاك المدعو محمود..
وأثناء شرودها استمعت إلى صوت الباب يفتح من الخارج فانتبهت حتى دلف ذلك الشاب مفتول العضالات وهو يحمل فتاة لم ترى هبة بعد ملامح وجهها، وورائه يدلف والدها هذا الرجل الذي لا يعرف عن الإنسانية شيء، وكيف ذلك وهو في الأساس ليس لديه قلب..
نهضت هبة من على الفراش تنظر لهم بتعجب ودهشة وقلبها يرتجف خوفًا من أن يكون والدهُا نفذ تهديدهُ، وضع الشاب الفتاة على الفراش فظهرت ملامح وجهها التي جعلت هبة تنصدم بشدة عندما صدق حساها ولم تكن الفتاة سوى صديقتها ندى الفاقدة للوعي، صرخت هبة بانفعال وغضب في وجهها والدها الذي يقف ببرود:
_أنت عملت فيها إيه؟
ابتسم بسخرية وهو يضع يده في جيب بنطاله بكبرياء مُرددًا بثقة:_دا أنا لسه هعمل، أنا بس جيبتهالك علشان تودعيها، لأن للأسف يا بيبو يا حبيبتي أنتِ مش هتشوفيها تاني!
قال جملته الأخيرة وهو يربط على وجنتيها بخبث، فدفعت هبة يدهُ بغضب ثم أردفت بستفهام وعدم فهم:_أنت قصدك إيه بأني مش هشوفها تاني، أنت ناوي تعمل فيها إيه يا محمود يا شامي؟
قهقة محمود بشدة وصفق بيده بخبث مرددًا:_لأ حلوة، بئا ليكِ لسان وبتعرفي تتكلمي يا بنت محمود الشامي، لأ عجبتني!
اغتاظت من بروده وأردفت بانفعال:_ولسه هعجبك أكتر لو أوصلك لحبل المشنقة بإيدي..
ابتسم بسخرية واقترب منها قليلًا ثم أردف:_دم محمود الشامي بدأ يظهر عليكِ، ودي حاجه عجبتني أوي، بس مينفعش النمر يكبر على أبوهُ اللي ورث منهُ الشراسة..
ثم نظر لها من فوق لأسفل وهو يبتسم بخبث وانطلق ذاهبًا إلى الخارج بعد أن أغلق الباب خلفهُ بأحكام، بينما هبة تنهدت بغضب وحزن، واتجهت نحو صديقتها مرددة:_أنا آسفة يا ندى، أنا السبب في كل اللي أنتِ في ده، إنا اللي دخلتك الدايرة دي من البداية..
هبطت دموعها بألم وأخذت تحاول معها حتى تفيق ولكن دون فائدة، فظلت تبكي بجانبها بشدة..
************
وصل أدهم وحسام إلى بيت عز في وقت قياسي فقد كان أدهم يقود بسرعة عالية وهو يشعُر بالقلق الشديد على حبيبته وزوجتهُ، بينما قام حُسام بالاتصال بفريق أدهم وأصدقائهُ، الذين بمجرد أن علم بما حدث ارتدوا ملابسهم جميعًا وانطلقوا نحو منزل عز..
هبط أدهم وحسام من السيارة ودلفوا إلى الداخل فوجدوا الجميع يجلس في بهو الفيلة والقلق بادي على وجههم بينما عز كان يأخذ المنزل ذهابًا وإيابًا وهو يتحدث في الهاتف، تقدم حُسام منه وعانقهُ بقوة فهو يعلم أن صديقهُ يُعاني لأنه يعرف محمود حق المعرفة ويُريد أن ينتقم من عز أشد أنتقام:
_ما تقلقش يا عز، إن شاء الله هنلحقها قبل ما يحصل ليها حاجه!
نظر له عز بضعف مرددًا:_أخدها من نص بيتي يا حسام ومقدرتش أحميها..
تقدم منه أدهم مرددًا:_مش هيقدر يعمل ليها حاجه يا خالي وهوصلهُ ووقت مش هرحمهُ صدقني، بس عاوز من حضرتك تحكيلي حصل إيه بالظبط وإزاي دخلوا البيت بالسهولة دي؟
أمأ له عز وبدأ يسرد ما حدث قائلًا:_أنا مش عارف إزاي دخلوا البيت، إحنا كنا نايمين فجأة سمعنا صوت تكسير فصحينا كلنا على الصوت واتفجأنا بالمزهرية مكسورة عند السلم، وبعدها سمعنا صوت عربية برة فطلعنا نشوف في أي لقينا البوابة مفتوحة على وسعها والحُراس مضروبين، وبعدها طلعنا أوضة ندى مالقنهاش..
احمرت عيناي أدهم وقبل أن يتحدث استمعوا إلى صوت جرس الباب ذهب أدهم لكي يفتح فرآى أصدقائهُ الأربعة يقفون أدخلهم إلى الداخل وسرد لهم ما حدث ربط سيف على كتفاه مرددًا:_هنلاقيها يا أدهم بإذن الله..
وعندما نظر إلى الجهة التي تجلس فيها عائلة ندى وجد تلك الملاك التي اقتحمت حصون قلبهُ تجلس في أحضان والدتها وتبكي بقوة، اندهش من وجودها هُنا ولكنه أبعد عينهُ سريعًا واندمج مع أصدقائهُ الذين بدأوا يتحدثون في الأماكن التي قد يأخذ ندى إليها..
ظلوا على تلك الحالة قليل من الوقت حتى هتف والد ندى وهو ينتفض من مكانهُ بتذكر:_السلسلـة!!
عندما فقدت ندى الوعي قام الرجال بحملها برفق ودلفوا خارج الغرفة بحذر شديد أخذوا درجات السلم ولكن دون أن ينتبهوا حرك أحدهما يدهُ فوقعت المزهرية التي كانت مُوضوعة في نهاية الدرج فهبطت على الأرض بقوة منكسرة إلى قطع صغيرة.. أردف الرجل الذي يحمل ندى لصديقهُ بغضب وصوت منخفض:_يا غبي مش تاخد بالك!
التف الآخر حولهُ ثم نظر له مرددًا بستعجال:_إحنا هنتعارك هنا، يلا بسرعة قبل ما حد منهم يصحى..
وانطلقوا بسرعة ناحية الباب الذي دلفوا منهُ، أما بالأعلى كان قد استيقظ الجميع أثر صوت المزهرية، وأول من دلف إلى الخارج كان الجد يلية كلًا من عز وزوجتهُ الذين يمكثون في الغُرفة المجاورة أردفت هيام بخوف:_إيه اللي حصل؟
رفع الحد كتفاهُ بعدم معرفة قائلًا وهو يذهب باتجاة الدرج:_مش عارف، سمعت صوت حاجه انكسرت..
خرجت نيرة هي الأخرى من غُرفتها بخوف وملامح مضطربة فرأت أبيها وأُمها وجدها يقفان فانطلقت إلى والدها متسائلة:_في إيه يا بابا، إيه الصوت ده؟
ابتسمت هيام باطمئنان لطفلتها وهي تضع يدها على كتفاها قائلة:_مفيش حاجه يا حبيبتي ما تخفيش..
هبطت عز وراء والدهُ وبمجرد أن هبطوا الدرج حتى نظروا لبعضهم بستغراب عندما رأوا المزهرية المكسورة، وقبل أن يستوعبوا شيء استمعوا إلى صوت سيارة في الخارج، فركض عز سريعًا وذهب وراءه ندى وهيام وأيضًا الجد، رآى عز البوابة الحديدية الكبيرة مفتوحة على وسعها والحراس ملقيان على الأرض ولا يوجد أثر لشيء أمام المنزل سوى من طيف السيارة التي اختفت في الظلام، وضعت نيرة يدها على فمها بخوف بينما ركع عز أمام الحراس يحاول أفاقتهم ولكنهُ توقف بصدمة وخوف عندما أردفت زوجتهُ قائلة بتساؤل وترقب:
_ندى بنتي فين؟
رفع عز رأسهُ بصدمة فقد تذكر ابنته، ومن المُحال أنها ما زالت نائمة فهي تستيقظ من أقل صوت، أما نيرة فلم تنتظر وركضت سريعًا نحو غُرفة شقيقتها وركض خلفها عز حتى تقدمها وخلفهم هيام والجد، وصل عز إلى غُرفة ابنته التي كان مفتوح بابها دلف عز سريعًا واندهش عندما وجد فراشها فارغ..
اتسعت صدمت عز وبدأت عيناهُ تطلق شرارًا وأردف بوجه غاضب:_عملها محمود الكلب، والله لهقتله!
تقدمت نيرة منه وبدأت عيناها تلمع بالدموع مُرددة بصوت مرتعش:_محمود مين يا بابا، وندى أختي فين؟
هبطت دموع هيام بخوف على ابنتها، وظلت تنظر لزوجها بصمت بينما أردفت نيرة مرة أخرى:_بابا ندى فين؟
تنهد عز بقوة يضبط أنفعالهُ ونظرة لها باطمئنان قائلًا:_ما تقلقيش يا حبيبتي ندى هترجع وهتكون بخير..
وتركها ودلف للخارج فوجد والدهُ يقدم له الهاتف مرددًا بثبات:
_كلم حُسام وأدهم يجوا حالًا..
*************
ظل أدهم لوقتٍ طويل يُفكر في تلك الطفلة البريئة التي سرقت قلبهُ، كانت ابتسامتهُ تتسع تدريجيًا كلما تذكر موقف حدث معهم، تذكر عندما كانا صغران كان وقتها أدهم يجلس على فراشهُ ويلعب في هاتفهُ المحمول، انتفض عندما وجد الباب يُفتح على مصرعهُ وتلك قصيرة القامة تدلف بغضب طفولي فرفع حاجبيه بستغراب بينما تقدمت حتى وقفت بجانب الفراش ووضعت يداها الإثنان في خصرها قائلة بغضب وكأنها فتاة بالغة وليست طفلة لم تتعدى السبع سنوات:
_أنت جيبت شكولاة لسارة النهاردة؟
أمأ رأسهُ بستغراب وهو يقول:_أيوة..
ضيقت عيناها بغيظ وأشارة إليه بسبابة مُرددة بغضب:_أنت ما تجيبش شكولاة لأي بنت غيري، أصلًا أنت مش تكلم أي بنت غيري.. ثم ترقرقت الدموع في عيناها بطفولية مستطردة: أنا زعلانة منك أوي، إزاي تعمل كدا!
نهضت أدهم من على الفراش وجلس أمامها وهو يبتسم بحنان قائلًا بهدوء ورزانة لا تتناسب مع سنهُ الذي أكمل الثاني عشر:_زعلانة مني ليه بس يا نودي، دي هي ظهرت فجأة قدام العجلة بتاعتي ووقعت فأنا أدتها شكولاته علشان أعتذر ليها بس مش أكتر، وبعدين أنا ميهمنيش حد في البنات غيرك أصلًا، مش أنتِ عارفة كدا!
أمأت رأسها بطفولية قائلة:_يعني مش هتجيب لأي بنت حاجه ولا هتتكلم مع أي بنت غيري..
خفف بيده تلك الدمعة الحزينة التي هبطت من عسليتها قائلًا بحنان:_أوعدك مش هكلم أي بنت ولا هجيب لأي بنت حاجه غيرك..
ظهرت ابتسامة ندى السعيدة وقبلته من خدهُ بسعادة مرددة:_بحبك أوي يا دومي..
وانطلقت ذاهبة بفرح إلى الخارج..
ظل أدهم يتذكر تلك المواقف التي جمعتهُ بصغيرته والابتسامة لا تُفارق وجههُ حتى تذكر ما حدث بينهم منذ قليل وأخيرًا استسلم أدهم للنوم والابتسامة على وجههُ، لم يمر وقت طويل حتى استمع أدهم إلى صوت رنين هاتفهُ فنفخ بانزعاج، فمن هذا السمج الذي يتصل في ذلك الوقت المُتأخر، ولكنه لم يعطي للهاتف أهمية ولكن يبدو أن المُتصل يُصر فمد أدهم يدهُ وأمسك الهاتف بنوم، وعندما رآى اسم المُتصل انتفض فزعًا وفتح الخط سريعًا فلم يكن غير عز الدين الذي هتف بقلق:
_أدهم تعالى بسرعة..
سألهُ أدهم بخوف وترقب:_في إيه يا خالي؟
تنهد عز بضعف وأجابهُ بحُزن:_ندى اتخطفت يا أدهم!
انتفض أدهم من على الفراش بصدمة فكيف حدث ذلك، هو تركها فقط منذ ساعات قليلة، مرددًا بصدمة وخوف:
_أيه!! حضرتك بتقول إيه، وإزاي حصل كدا وإمتا؟
أجـابهُ عز بستعجال:_مش وقته يا أدهم تعالى بسرعة وهعرفك كل حاجه، محمود الكلب قدر يدخل بيتي ويخطف بنتي..
أحمرت عيناي أدهم غضبًا وقلبهُ يرتعش خوفًا قائلًا بقوة:_الكلب، موتهُ هيكون على إيدي، أنا جاي حالًا..
وأغلق الهاتف وانطلق يُبدل ملابسهُ سريعًا ثم أخذ مفاتيح سيارتهُ وانطلق سريعًا إلى الخارج فوجد والده يخرج هو الآخر من غُرفته وعندما رأه أردف بقلق:_عرفت اللي حصل يا أدهم؟
نظر إلى والدهُ وعيناه مليئة بالخوف ولكنه أردف بغضب:_لو طلع هو والله ما هرحمهُ..
أردف والدهُ مهدئًا إياهُ:_طب إهدى بس وإن شاء الله هتكون ندى بخير..
تنفس بقوة وهو يدعو بداخلهُ أن يحفظها الله من كل سوء ثم سألهُ بهدوء بعض الشيء:_خالي عِز اللي كلم حضرتك؟
أجـابهُ حسام نافيًا:_لأ، واحد من الحُراس كلمني وحكالي اللي حصل، وطبعًا مفيش غير الحيوان اللي اسمه محمود اللي عمل كدا..
ابتلع أدهم ريقهُ وأردف بغضب:_والله ما هرحمه لو لمس منها شعرة واحدة بس..
ربط حسام على كتفاه قائلًا بهدوء:_ما تقلقش هنلحقهُ قبل ما يفكر حتى إنه يأذيها، يلا بينا بس علشان نلحق نتصرف، علشان تواجدها مع محمود ساعة واحدة بس خطورة عليها..
أمأ له أدهم بخوف وانطلقوا سريعًا نحو منزل عز الدين..
***********
كانت هبة ما زالت مستيقظة تجلس على فراشها وهي تُفكر في طريقة للهروب من ذلك المنزل، الذيةبالنسبة لها ما هو اللي سجن، أو كهف تُشعر فيه بالاختناق، والخوف والألم، فجميع المشاعر الموجعة تجمعت بداخلها بسبب ذلك المنزل وذاك المدعو محمود..
وأثناء شرودها استمعت إلى صوت الباب يفتح من الخارج فانتبهت حتى دلف ذلك الشاب مفتول العضالات وهو يحمل فتاة لم ترى هبة بعد ملامح وجهها، وورائه يدلف والدها هذا الرجل الذي لا يعرف عن الإنسانية شيء، وكيف ذلك وهو في الأساس ليس لديه قلب..
نهضت هبة من على الفراش تنظر لهم بتعجب ودهشة وقلبها يرتجف خوفًا من أن يكون والدهُا نفذ تهديدهُ، وضع الشاب الفتاة على الفراش فظهرت ملامح وجهها التي جعلت هبة تنصدم بشدة عندما صدق حساها ولم تكن الفتاة سوى صديقتها ندى الفاقدة للوعي، صرخت هبة بانفعال وغضب في وجهها والدها الذي يقف ببرود:
_أنت عملت فيها إيه؟
ابتسم بسخرية وهو يضع يده في جيب بنطاله بكبرياء مُرددًا بثقة:_دا أنا لسه هعمل، أنا بس جيبتهالك علشان تودعيها، لأن للأسف يا بيبو يا حبيبتي أنتِ مش هتشوفيها تاني!
قال جملته الأخيرة وهو يربط على وجنتيها بخبث، فدفعت هبة يدهُ بغضب ثم أردفت بستفهام وعدم فهم:_أنت قصدك إيه بأني مش هشوفها تاني، أنت ناوي تعمل فيها إيه يا محمود يا شامي؟
قهقة محمود بشدة وصفق بيده بخبث مرددًا:_لأ حلوة، بئا ليكِ لسان وبتعرفي تتكلمي يا بنت محمود الشامي، لأ عجبتني!
اغتاظت من بروده وأردفت بانفعال:_ولسه هعجبك أكتر لو أوصلك لحبل المشنقة بإيدي..
ابتسم بسخرية واقترب منها قليلًا ثم أردف:_دم محمود الشامي بدأ يظهر عليكِ، ودي حاجه عجبتني أوي، بس مينفعش النمر يكبر على أبوهُ اللي ورث منهُ الشراسة..
ثم نظر لها من فوق لأسفل وهو يبتسم بخبث وانطلق ذاهبًا إلى الخارج بعد أن أغلق الباب خلفهُ بأحكام، بينما هبة تنهدت بغضب وحزن، واتجهت نحو صديقتها مرددة:_أنا آسفة يا ندى، أنا السبب في كل اللي أنتِ في ده، إنا اللي دخلتك الدايرة دي من البداية..
هبطت دموعها بألم وأخذت تحاول معها حتى تفيق ولكن دون فائدة، فظلت تبكي بجانبها بشدة..
************
وصل أدهم وحسام إلى بيت عز في وقت قياسي فقد كان أدهم يقود بسرعة عالية وهو يشعُر بالقلق الشديد على حبيبته وزوجتهُ، بينما قام حُسام بالاتصال بفريق أدهم وأصدقائهُ، الذين بمجرد أن علم بما حدث ارتدوا ملابسهم جميعًا وانطلقوا نحو منزل عز..
هبط أدهم وحسام من السيارة ودلفوا إلى الداخل فوجدوا الجميع يجلس في بهو الفيلة والقلق بادي على وجههم بينما عز كان يأخذ المنزل ذهابًا وإيابًا وهو يتحدث في الهاتف، تقدم حُسام منه وعانقهُ بقوة فهو يعلم أن صديقهُ يُعاني لأنه يعرف محمود حق المعرفة ويُريد أن ينتقم من عز أشد أنتقام:
_ما تقلقش يا عز، إن شاء الله هنلحقها قبل ما يحصل ليها حاجه!
نظر له عز بضعف مرددًا:_أخدها من نص بيتي يا حسام ومقدرتش أحميها..
تقدم منه أدهم مرددًا:_مش هيقدر يعمل ليها حاجه يا خالي وهوصلهُ ووقت مش هرحمهُ صدقني، بس عاوز من حضرتك تحكيلي حصل إيه بالظبط وإزاي دخلوا البيت بالسهولة دي؟
أمأ له عز وبدأ يسرد ما حدث قائلًا:_أنا مش عارف إزاي دخلوا البيت، إحنا كنا نايمين فجأة سمعنا صوت تكسير فصحينا كلنا على الصوت واتفجأنا بالمزهرية مكسورة عند السلم، وبعدها سمعنا صوت عربية برة فطلعنا نشوف في أي لقينا البوابة مفتوحة على وسعها والحُراس مضروبين، وبعدها طلعنا أوضة ندى مالقنهاش..
احمرت عيناي أدهم وقبل أن يتحدث استمعوا إلى صوت جرس الباب ذهب أدهم لكي يفتح فرآى أصدقائهُ الأربعة يقفون أدخلهم إلى الداخل وسرد لهم ما حدث ربط سيف على كتفاه مرددًا:_هنلاقيها يا أدهم بإذن الله..
وعندما نظر إلى الجهة التي تجلس فيها عائلة ندى وجد تلك الملاك التي اقتحمت حصون قلبهُ تجلس في أحضان والدتها وتبكي بقوة، اندهش من وجودها هُنا ولكنه أبعد عينهُ سريعًا واندمج مع أصدقائهُ الذين بدأوا يتحدثون في الأماكن التي قد يأخذ ندى إليها..
ظلوا على تلك الحالة قليل من الوقت حتى هتف والد ندى وهو ينتفض من مكانهُ بتذكر:_السلسلـة!!
