محسن وابتسام

الفصل الثالث
يجلس محسن في ضيق و تململ شديد و هو يحمل صغيرته مها محاولا تهدئتها من نوبة الصراخ المعتادة و التى تبدأها حين يحملها هو بالذات. وفى مرة أخرى و نادى على زوجته محاولا استعطافها:
" ابتسام يا ابتسام ردى عليا ، خلصتى و لا لسه؟"
خرجت زوجته و هى تضع قناعا اخضر اللون على وجهها و روحت بيدها أمامه صارخة :
" هو في اية يا محسن ! الواحد ميعرفش ياخد راحته شوية في البيت دا ولا اية ؟ انت يادوب بتلعب مع مها من ساعتين و احنا اتفقنا على أربعة حصل؟"
طلع إليها و هو يتحدث في نبرة خافتة مستكينة:
" حصل يا حبيبتى، بس البنت بتعيط جامد و رافضة تلعب او حتى تسكت معايا فقلت يعنى ...
قاطعته و الشر بادى على وجهها :
" يعنى ايه يا استاذ محسن إن شاء الله بلاش اعمل تنظيف عميق لمسام وجهى اسيبه يبقع و لونه يبهت و انت تبص على البنات برا الحلوين المهتمين بنفسهم، لاء فوق يا استاذ دا لا يمكن يحصل أبدا، انا لازم اخلص كل مراحل الماسك والتقشير للخلايا الميتة على بشرتى مفهوم؟"
رد في استسلام فهو يعلم أنه لا يستطيع مجابهتها فالأفضل التراجع أمامها و إلا سيحدث ما لا يحمد عقباه لذا ابتسم في هدوء وهز رأسه هاتفا:
" ايوة طبعا يا حبيبتى لازم تخلصى كل المراحل علشان تبقى قمر الزمان و انتى اصلا قمر يا ابتسام ، خلاص براحتك انا هحكى لها حدوتة و إن شاء الله تنام و تهدى "
مطت ابتسام شفتيها في عدم رضا رغم محاولات محسن العديدة و المتوالية ارضائها و تحركت للعودة إلى غرفتها إلا أنها توقفت حين دق جرس الباب لتقف متسمرة لا تعرف أين تذهب فالقناع الذى تضعه يجعلها من المستحيل أن تقابل اى شخص فهى لا تتحمل السخرية منها مطلقا، أسرعت نحو زوجها محسن و حملت ابنتها الصغيرة مها و هتفت و هى تدخل بها إلى غرفتها:
" محسن رد انت على زوار اخر الليل دا و حاول تنجز معاه بسرعة ، مش وقت زيارات نهائيا دلوقتى"
ابتسم محسن في سعادة وراحة شديدة و هو يشكر الزائر في نفسه على إنقاذه من الصغيرة دائمة الصراخ و الشكوى مثل والدتها تماما.
أسرع بفتح الباب لينعقد حاجباه في توتر و قلق حين رأى أخيه أمامه و بيده ابنته نورا هو الآخر فهتف به في خوف:
" هو في اية يا حسام حصل حاجة معاك و لا اية ؟"
دخل حسام المنزل في هدوء و جلس على أحد الكراسى و هتف في برود :
" ابدأ محصلش اى حاجة يا محسن بس نورا حابة تقعد معاكم يومين علشان شوية ظروف حصلت كدا"
ارتعب محسن و هو يسأل في قلق:
" حصل ايه بس يا حسام؟ و فين نيرة ؟ معقولة هتقبل ان نورا تبات عندنا و تسيبها كدا ؟ دى عمرها ما حصلت !"
تطلع اليه حسام و اجابه في خفوت:
" نيرة سابت البيت من الصبح يا محسن و مش بس كدا يا اخويا دى كمان طالبة الطلاق "
وقع محسن حرفيا على الكرسى المجاور لأخيه و هو يكرر ذاهلا :
" طالبة الطلاق؟ ليه في اية ؟ حصل اية انطق قول بلاش جو الاكشن و السسبنس إللى معيشنى فيه دا"
مط حسام شفتيه و هتف في عدم اكتراث:
" ابدا كل ما هنالك انى قررت اتجوز و هى شكلها اتجننت و عقلها بح سابت العيال و مشيت و ماما متقدرش على طلباتهم لوحدها فقلت اخلى نورا معاك و مع البنات "
ردد محسن كلامه في عدم تصديق و غيظ لبرود أعصاب حسام:
" قررت ايه يا اخويا هو مين اللي اتجنن انت ولا هى ؟ تتجوز و تخرب بيتك بأيدك ليه يا بنى؟"
نظر اليه حسام و صرخ فيه فاقدا لاعصابه من شدة الضغط الذى يتحمله بسبب وجود الأولاد تحت رعايته و هو ما لم يتوقعه أبدا بل لم يكن يضعه في الحسبان:
" اتجوز يبقى خراب بيت ! ليه ؟ دا حلال وشرع ربنا أفضل ما اقع في الغلط عارف انا هتجوز مين يا محسن ؟"
سأله محسن و هو لا يعرف هل يضربه بالمزهرية التى على المنضدة أمامه ام يكتفى بمطفأة السجائر كحل مؤقت فقد يرد هذا له عقله:
" قول يا فالح يا ابو عبد الرحمن هتتجوز مين يعنى؟ السفيرة عزيزة بذات نفسها مثلا؟"
مط شفتيه و هو لا يهتم بنبرة التهكم و السخرية الواضحة من كلام أخيه و هتف به:
" اخيرا هتجوز ياسمين، فاكر ياسمين يا محسن ؟ فاكر حب حياتى إللى ضاع منى؟"
نظر اليه محسن و هو يفكر جديا انه الآن يحتاج إلى مطرقة من الحديد فهى فقط من يستحقها الآن و هتف في غيظ و صرامة :
" فاكر يا حبيبى فاكر ، فاكر يا دنجوان عصرك و حبيب الشارع و الشوارع المجاورة كمان، ياسمين يا حسام ، ياسمين إللى سابتك و اتجوزت واحد اكبر من أبوها علشان غنى رغم أننا الحمد لله نعتبر معانا فلوس بس طبعا مش زى المرحوم جوزها عقلك ضاع و هتضيع بيه مراتك و اولادك منك يا حسام"
احمرت عينا حسام من شدة الغيظ و الانفعال و هتف مبررا:
" اتجوزت غصب عنها يا محسن الظروف وقتها كانت اقوى منى و منها و أظن انك فاكر كويس ان ابويا رحمة الله عليه رفض تماما أنى اتقدم لها من الأساس و كان بيكره اى حد من طرفها او حتى انى اجيب سيرة الارتباط بيها حصل؟"
مط محسن شفتيه و اجابه صادقا:
" حصل يا حسام بس فعلا هى ما صدقت يا بنى يادوب شهرين و اتجوزت راجل في سن أبوها تبقى انسانة مادية ملهاش مبدأ و لا عندها الحب و لا اهتمام حقيقى إلا بنفسها"
صرخ فيه حسام هذه المرة و علا صوته للغاية:
" أنا مش اسمحلك أنك تتكلم بالطريقة دى على ياسمين يا محسن ، احنا خلاص اتفقنا كتب الكتاب آخر الأسبوع الجاى يعنى هى حاليا في مقام مرات اخوك فاهم ؟ و بعدين انا مطلبتش رأيك فى الموضوع. انا بس بقولك من باب العلم لا أكتر ولا أقل، دلوقتى هتخلى نورا معاكم و لا لاء"
تنهد محسن في عدم اقتناع و هز رأسه في قبول صامت و هو يدرك جيدا ان حسام مقبل على فترة صعبة في حياته و تأخذه فكرة الحب الأول و العودة و الحنين إلى الماضى إلى منعطفات خطرة قد تضيع منه زوجته و اولاده و استقراره للأبد.
أغلق الباب خلف أخيه في هدوء و هو يمسك في يده نورا الصامتة في حزن على غير عادتها لتخرج ابتسام و عيناها تطلقان الشرر و صرخت في زوجها في جنون:
" اخوك قرر يتجوز على نيرة يا محسن ؟ لاء و اية و حب حياته وحبيبته الاولانية و حكاية كبيرة و موال و انت يا باشا ! يا ترى مين كان حب حياتك و ظروفها ايه دلوقتى؟ اعترف بسرعة يلا ."
دمعت عينا محسن وهو يهمس لنفسه في خوف :
" منك لله يا حسام كدا الموضوع هيقلب دماغ مراتى انا كمان و هى اصلا دماغها مش سليمة و هيبقى الشك موجود على طول و الصداع يشتغل ليل و نهار اه يا راسى يانى ياما"
لم يرد عليها بأى كلمة وتركها ترغى و تزبد مع نفسها و لنفسها و ظل هو يفكر في حال أخيه ناظرا إلى الصغيرة المرتجفة أمامه كورقة في مهب ريح عاصف ..
اغلقت ياسمين هاتفها النقال و هى تبتسم في حب و هيام و تهمس لنفسها في حلم :
" ياااه اخيرا هنتجوز يا حسام ، عمرى ما تخيلت إن دا ممكن يحصل في يوم من الأيام بس اهو حصل واخيرا هنكون لبعض بعد اكتر من عشر سنين بعد"
دخلت عليها والدتها لتجدها تحتضن الهاتف في رقة و حنان و تتحدث في صوت خافت فهتفت في ضيق:
" ايه يا ست ياسمين ! ليل و نهار تليفونات! امال نخلص باقى طلبات كتب الكتاب امتى يا بنتى؟"
وقفت ياسمين و تحركت ناحية والدتها في سرعة و احتضنتها في سعادة هاتفة فى فرحة شديدة:
" و اخيرا يا ست الحبايب هعيش مع انسان احبه و يعجبنى مش زى العجوز إللى دفنت حياتى معاه ، يا خسارة إللى ضاع من عمرى و انا تحت سقف واحد مع الراجل دا مش عاوزة افتكر يا مانا"
نظرت نحوها والدتها و تنهدت في حيرة و هزت كتفيها في عدم رضا هاتفة:
" حسام متجوز يا ياسمين يا بنتى ، فاهمة يعنى اية هتكونى زوجة تانية "
مطت شفتيها في عدم اهتمام هاتفة في ثقة شديدة بالنفس :
" عادى و اية يعنى مراته الأولى دى مجرد ديكور و لا لها أي لازمة ، هو اصلا بيحبنى انا ، بيعشقنى انا هعيش معايا انا و بكرا تشوفى"
مطت والدتها شفتيها في سخرية و هتفت في ثقة:
" دى مراته ام اولاده و عشرة عمره يا ناصحة و المثل بيقول " القديمة تحلى و لو كانت .....
هزت كتفيها في استهزاء واضح هاتفة في غرور:
"و انا حب عمره ، الأمل إللى عايش علشان يحققه، متخافيش يا ماما ، هعرف ازاى اخليه ينسى الدنيا كلها و يفتكر ياسمين و حب ياسمين و دلع ياسمين "
نظرت إليها في قلق و همست:
" طيب فلنفترض انك نسيتيه مراته يا فالحة طيب واولاده هيبقوا شركا ولا دول كمان ممكن ينساهم"
لم ترد عليها ياسمين مطلقا بل سرحت في افكارها و فكرت في حديث والدتها و تنهدت في ضيق و حيرة شديدة غير عالمة بما يمكن أن يحدث فيما بعد لكنها صدقا لن تفكر في المستقبل بل ستقبل بالحاضر بكل ما فيه فلن تترك فرصة الارتباط بحسام تمر هكذا من بين يديها و هى تثق تمام الثقة انه يحبها و يتمنى وصالها مثلها هى الاخرى بل ربما أكثر لذا فلتسعد ولتدع الغد للغد ....
نهاية الفصل الثالث
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي