الفصل السادس

الحُـب لا يأتي بعد يوم أو شهر، لا يحدث من أول نظرة كما يعتقد البعض، ليس من مجرد دقات قلب عالية، ولا لمعة عينان مُنبهرة!
الحُب يُثبت بعد مائة ألف موقف، بعد نظرات لا تُعد ولا تُحسى، بعد أعوام من اللهفة والشوق، وإحساس الأمان الذي يزيد ويكبر بالتدريج، بعد معرفة الكثير من المُميزات والتي هي بالأساس مجرد عيوب تعوق استمرار الحياة ولكن في نظر المُحب هي أعظم مميزات قد يتصف بها..

أخذت ندى تنظر لهُ بلهفـة وحُب، هو ليس مُجرد شخصًا في حياتها بل هو حياتها بالكامل، فمن قال أن حُب الطفولة لا يُعتدى به وهو في الأساس أنقى أنواع الحُب جلست بجانبهُ وهي تفترس ملامحهُ بنظراتها البريئة المليئة بالعشق التي كانت دائمًا تُحاول إخفاءه!
أمسكت يده بحنان ودمعة حزينة سالت من مقلتيها وبدأت الحديث بهمس:_تعرف! كل يوم وأنت بعيد عني كنت بقول لنفسي إني مستحيل هكلمك ولو شوفت في طريق همشي من الطريق التاني، لأنك خلفت بوعدك معايا، بس مقدرتش أمنع مشاعري اتجاهك، كنت متعلقة بيك أوي وأنا صغيرة ولما كبرت قولت دي مجرد تعلق عابر وأكيـد أنت معتش بالنسبة ليا حاجه بس دلوقتي اكتشفت أني محبتش حد غيرك وأن قلبي عمره ما دق لحد غير ليك أنت بس..
وأني فعلًا اتكتبت على اسمك من أول ما جيت الدنيا.. ابتسمت بين دموعها وهي تُكمل بُحـب: فاكر يوم خطوبتنا أقولك سر، أنا كنت مبسوطة جدًا أني بقيت مراتك، أنا مُتأكدة إنك هتكون كويسـة وهنقضي حياتنا مع بعض، بس عاوزك تقوم بسرعـة..
مالت عليه قليلًا ثم همست بُحب عند أُذنية بحبك أوي..
تراجعت للخلف قليلًا فوجدت ابتسامة جميلة ترتسم على وجههُ وما زال مغمض العينان، فاتسعت ابتسامتها هي الأخرى، مر بعض الوقت حتى عادت ندى إلى غرفتها مرة الأخرى وكان معاها شقيقتها وأصدقائها وأيضًا هِبة، التي ما زال الحُزن مرسوم على ملامحها شعرت بها ندى فنظرت لنيرة قائلة بهدوء:
_ما تروحي يا أبلة نيرة تجيبلنا حاجه ناكُلها، بدل ما أنتِ منشفاها علينا كدا..

ضحكت نيرة وهي تنهض من مكانها مُرددة بسعادة:_بس كدا من عونيا يا ست نودي هجيبلكم أكلها ما حصلتش..
أردفت ندى وهي تنظر لها بنظرة ذات معنى:_طب يا ستي لما نشوف ظبطينا بئا أنتِ والبنات..

أمـأت نيرة رأسها بتفهم ونظرة لكُلًا من يارا وإنجي قائـلة:_يلا بينا يا شباب تعالو معايا علشان نجيب أكل يا ست ندى ونغذيها..
نهضت الفتاتان معها وانطلقوا إلى الخارج وبعد ذهابهم نظرت ندى لهبة قائلة بحنان:_ها بئا يا ست بيبو مالك؟
آفاقت هبة من شرودها ونظرت لها ببتسامة بسيطة قائلة:
_مالي ما أنا كويسة أهو..
رفعت حاجبيها مرددة بستنكار:_لا والله، فعلًا باين إنك كويسـة خالص.. ثم أكملت حديثها بجديـة:_أنا عارفة أن مهما حصل هو والدك وأكيد زعلانه عليه..
هزت هبة رأسها نافية وقاطعتها قائلة:_أنتم ليه مش قادرين تفهموا إنه حتى ميستحقش أزعل عليه! أنا كل اللي بفكر فيه يا ندى هي الأيام الجاية يا ترى هتكون مخبي ليا إيه! صحيح أنا مكنتش بعتبره أبويا بس كان حميني كان الأسم أن ليا أهل دلوقتي معتش ليا حد.. بدأت الدموع تهبط من عيناها بصمت مستطردة: ماما وماتت ومكنش ليها حد غير أخ معرفش عنه حاجه يمكن حتى مش قادرة أفتكر ملامحهُ وأب وأنتِ عارف كان عامل إزاي..
أردفت ندى بعتاب وحزن على حالها:_وهو أنتِ مش بتعتبريني أختك يا هبة ولا إيه؟

نظرت لها مُرددة بامتنان:_أنتِ أكتر من أختي يا ندى، يكفي إنك قدرتي موقفي ومش زعلتي مني إني دخلتك في حاجه مالكيش ذنب فيها وكان ممكن تخسري حياتك بسببي..
ابتسمت لها بود مرددة:_بطلي هبل يا هبة بالعكس أنا مش زعلانه منك نهائيًا ومقدرة موقفك..

عانقتها هبة بحُب فالقد خسرت كل شيء ولكن كسبت صديقها وأخت مثل ندى، ابتعدت عنها ببتسامة عريضة قائلة بيقين:
_إن شاء الله خير، والحمدلله إن الفترة دي انتهت والكابوس انتهى، وهبدأ من جديد..
عقدت ندى حاجبيها بعدم فهم مُتسائلة ببتسامة:_هتعملي إيه؟

تنهدت هبة قائلة:_كنت بحلم دايمًا إني يكون عندي شركة أزياء خاصـة بيا، بس كنت مستنية الوقت المناسب ودا أنسب وقت..
دَهشت ندى وأردفت ببلاهة:_شركة أزياء، طب والصحافة؟

ضحكت هبة موضحة:_يا بنتي أنا ماليش في الصحافة أصلًا بس كانت كلية والسلام، إنما شغفي الحقيقي كان في التصميم والأزياء وأنا شاطرة في جدًا بس كنت منتظرة الوقت المناسب، وخلاص الوقت المناسب جيه، وهبدأ أبني شركتي الخاصة..
عقدت ندى حاجبيها مُتسائلة:_أيوة بردو إزاي، على حد معرفتي إنهم حجزوا على كل أملاك محمود الشامي!

ظهر الحُزن على ملامح هبة مرةً أخرى وأردفت:_وأنتِ فاكرة إن لو حتى الفلوس دي مش اتحجز عليها أنا كنت هاخود منها جنية! ماما الله يرحمها كتبت ورثها كله باسمي قبل ما أموت ولما تميت الـ ٢١ سنه استلمتهُ بس سِيبته في البنك لحد ما يجي الوقت المُناسب، وكمان ماما ليها شقة هروح أقعد فيها بإذن الله..
نظرت لها ندى ورفعت حاجبيها قائلة:
_ومين قالك أصلًا إني هسيبك تقعدي في شقة لوحدك، أنسي الموضوع ده أنتِ هتفضلي قاعدة معانا في البيت..
أردفت هبة بهدوء:_طبعًا مينفعش يا ندى أنا استنيت بس لحد ما أطمن عليك..

أردفت ندى بإصرار ونبرة حاسمة:_الكلام انتهى في الموضوع ده أنتِ هتعيشي معانا..
حاولت هبة أن توضح لها وجهة نظرها قائلة:_يا ندى افهميني مش هينفع، علشان باباكِ ومامتك بردو مش يعرفوني وأنا بنت غريبة، وكمان أنتِ ناسية إني بنت الراجل اللي حاول يقتلك!

نهرتها ندى بنظرتها قائلة:_وبعدين يا هبة، الموضوع ده اتقفل خلاص، وماما وبابا عمرهم ما يعترضوا على وجودك معانا..
في ذلك الوقت دلفت والدة ندى ببتسامة حنونة فرأت الفتاتان ملامحهم مُنقلبة فأردفت وهي تغلق الباب خلفها بمرح:
_مالكم يا قمرات شكلكم مش مظبوط كدا ليه؟

أردفت ندى وهي تنظر لهبة:_شوفي يا ماما هبة عاوزة تقعد لوحدها في شقة، وبقولها تقعدي معانا مش موافقة وبتقول أنكم هتعترضوا وكلام غريب كدا..
نظرت هيام لها بعتاب قائلة:_ليه بس يا هبة يا بنتي تزعليني كدا، دا أنا مصدقت أني شوفتك دا أنتِ من ريحة الغالية!
عقدت ندى حاجبيها بعدم فهم مُتسائلـة:_هو أنتِ تعرفي هبة يا ماما ومين الغالية دي؟

ابتسمت هيام بحزن مجيبة:_هبة يا ندى طلعت بنت صحبتي فريدة اللي كنت بحكيلك عنها دايمًا..
رمشت ندى بعينها بعدم استيعاب فحقًا غريب ذلك القدر، فهل حقًا هبة التي تعرفت عليها هي ابنتة صديقة والدتها الوحيدة والتي كانت تحكي عنها دائمًا وتتمنى أن تلتقي بها مرةً أخرى.. بينما هيام تركت ندى في صدمتها ونظرت لهبة قائلة بحنان:
_أنتِ بقيت بنت من بناتي يا هبة وأنا مستحيل أسيب بنتي تقعدوفي مكان لوحدها أبدًا، وكمان في حجات كتير أوي لسه هنتكلم فيها مع بعض..

كادت هبة أن تعترض ولكن قاطعتها هيام بحسم مرددة:_مش عاوزة أسمع منك أي كلمة علشان أنا قررت خلاص..
ابتسمت هبة لها بامتنان وأمأت برأسها بالموافقة، بينما صرخت ندى قائلة بحماس:_لأ معلش أنا عاوزه أفهم كل حاجه بدل ما أنا زي الأطرش في الزفة كدا..
ضحكت هيام وهبة عليها، وفي نفس الوقت دلفت نيرة ويارا وإنجي وقالوا معًا دون أن يفهموا ما يحدث:_وإحنا كمان عاوزين نفهم..

انفجرت هيام وهبة ضاحكان وشاركتهم ندى فأردفت هيام:_أول ما ندى تطلع وتبقى بخير هي وأدهم هنعمل قعدة ستات حلوة كدا ونفهم كل حاجه كلنا مع بعض..
صفقت الفتيات بحماس وبدأوا يضحكون جميعًا ويمرحون واندمجت معهم هبـة سريعًا التي شعرت بالألفـة والراحة في ذلك الجو الذي افتقدتهُ طوال حياتها.. فهل ستستمر الحيـاة بتلك الراحة أم ستكون الأيام لها رآى آخر!

***********

في تلك البلد الأجنبية التي تسير على قواعد ومعايير أخرى غير الموجودة في بلادنا، فمن يعيش في تلك البلاد يجد اختلاف جذري، عندما نقترب قليلًا من تلك المنطقة الخالية من كل شيء سوى من ذلك القصر الذي لا تستطع أن تحصر مساحتهُ بالظبط فهو يبدو كمدينة مُستقلة بحالـها، يوجد به العديد من الرجال الأقوياء ذو الزي المُوحد وهي تلك البذلة السوداء الأنيقة ذات المركة الفاخرة والنظارة السوداء التي تُغطي عيناهم يقف كُلًا منهما في مكانه المُحدد لهُ وكأنه إنسانًا آليًا لا يصدر منه أي حركة أو همسة، يوجد العديد منهما مُنتشرًا في ذاك القصر أو عفوًا في تلك المدينة الخاصـة!
مدينة ذات بوابـة حديدية عملاقة وأسوار عاليـة وكأنها خط دفاع تُحميها من أي مُحتل قد فقد عقلـهُ وأراد أن يكتشف ذلك الصرح الشامخ.. بداخل ذلك السور العملاق يوجد حديقة وكأنها غــابة ليس لها مثيل من جمال ما يوجد بها فجميع أنواع الأشجار والزهور توجد في تلك الحديقة التي من الأمام تنبهر من جمال تصميمها أم من الخلف تموت خوفًا من شدة ظلامها وأيضًا مساحتها، فمن يدلف إلى ذلك المكان أُراهن أنه لن يستطع الخروج منهُ سوى من يعرف طُرقهُ حق المعرفة!

دعونا ندلف إلى داخل هذا القصر الذي لو أردنا وصفهُ لن نستطع من شدة جمـالهُ وفخامتـه وأيضًا اتساعـهُ الذي لن نُعطيه حقهُ بداخل أحد غُرف ذاك القصر كان يجلس ذلك الأمير فهو حقًا أمـير من ذلك المقعد الذي يجلس عليه بوقار وقوة يضع قدم فوق الآخر وبيده سِجارهُ الفاخر الذي أظن أنه صُنع خصيصًا لأجلهُ.. ذات جاذبيـة خاص بملامحـهُ الغربية وأيضًا تناسق جسده الذي يُظهرهُ وكأنه شاب ما زال في الثلاثون من عمرهُ وليس رجل قد بداية في عقـده الرابع مُنذ عدة أشهـر تقف ورائهُ ملكتان من ملكات هذه البلاد الغربيـة فهما حقًا شديدان الجمال فأحدهما شديدة البيت ذات عينان بلون البحر في صفاءِ والأخرى ذات بشر خمرية جاذبة..
دلف إليه ذاك الشاب الجذاب ووقف أمـامهُ بعملية مُرددًا بلكنتهُ الغربية الأصيلة:_لقد مات محمود سيدي..

ابتسم ذاك الغامض بخبث وارتشف من كوب النبيذ الخاص بهِ ثم أردف بثقـة:_كُنت أعرف أن ذاك الغبي لن يستمر كثيرًا على قيد الحيـاة، حسنًا وماذا عن الفتـاة؟

أجـابـهُ:_إنها مع عائلتها الآن، وأيضًا ابنة محمود معهم..
وضع كأسهُ في يد تلك الجميلة البيضاء ونهض من على مقعدهُ الملكي قائلًا:_أه جيد جدًا، حسنًا ديفيد استعـد فسوف نزور مصر للمرة الأولى..

أردف ديفيد بتعجب:_ولمـاذا لا نأتي بها إلى هُنا سيدي؟
أجابها بتسلية وغموض:_لقد اشتقتُ للتسلية عزيزي ديفيد، ولا أُريد أن أضع هذه المُغامرة الرائعـة فسوف نستمتع كثيرًا..
ابتسم ديفيد بمكر قائلًا:
_حسنًا سيد سيمون ستكون مُتعـة مُختلفة ورائعـة كما تُريد..
ابتسم سيمون ابتسامة خبيثـة وهو يهمس بستمتاع:_بالتأكيد سوف نستمتع كثيرًا..
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي