الفصل الثامن

في أحد الشركات الضخمـة التي تعد من أضخم الشركات الموجودة في الشركة الأوسط على سطح هذه الشركة تهبط طائرة هليكوبتر ويخرج منها ذاك الوسيم المدعو سيمون وفي إنتظـارهُ ذرعـهُ الأيمن ديفيد صافحـهُ ديفيد بحرارة مُرددًا ببتسـامة واسعة:_أنرت مصر سيدي..

ابتسم سيمون ابتسامة واسعـة وتحدث بلكنة مصرية أصيلة وكأنها لُغتـهُ الأُم وقد عاش حياتُه كلها بمصر:_قولتها يا ديفيد إحنا بقينا في مصر، يعني نتكلم مصري ولا إيه؟
ضحك ديفيد قائلًا:_عندك حق يا باشا..
انطلقوا ذاهبان معًا نحو الأسفل عن طريق الحامل الكهربائي والذي يُدعى "أصنسير" فكانت في انتظارهم سيارة سوداء فاخـرة وإثنان من الحُراس ذات البنية القوية، صعد سيمون وبجانبهُ ديفيد إلى السيارة التي انطلقت سريعًا نحو وجهتها وبعد مرور أقل من ساعة كانت تدلف السيارة إلى قصر غاية في الفخامة والبساطة فمن يرى ذاك القصر لا يُصدق أن صاحبه هو نفس صاحب ذاك الصرح أو المدينة الخاصة التي تحدثنا عنها سابقًا، فهذا القصر هو أبسط وأصغر بكثير، ذو حديقة صغيرة ولكن رائعـة يبدو أنها تُلقى اهتمامًا كبيرًا..
وقفت السيارة أمام باب القصر فهبط سيمون وهو يُزيل نظارته الشمسية وينظر للقصر ببتسـامة واسعة فأتى ديفيد ووقف بجانبـهُ وهو يقول بثقة:_سوف يُعجبك أكثر عندما تراه من الداخل.

نظر لهُ سيمون بحاجب مرفوع فوضع ديفيد يـده على فمهُ بتذكر مُرددًا:_آسف جدًا، بس أكيد مش هتعود إني أتكلم بالعربية في ساعة يعني!
ارتدى سيمون نظارته مرة ثانية ودلف إلى الداخل قائلًا بغموض وخُبث:_لأ، لازم تتعود علشان قاعدتنا هنا هتطول شوية يا قطع حديثه والتف لهُ مستطردًا ببتسامة واسعة خبيثة آسـر..

ضحك ديفيد بقـوة قائلًا:_آه يا أخي، حقيقي معتش قادر أفهم دماغك..
نظر له بثقـة قائلًا بغرور:_ومش هتقدر تفهمها..
وتركـهُ ودلف إلى الداخل فضحك ديفيد أو آسـر وهو يهز رأسـه بيأس ودلف ورائـهُ..

"لنقف هُنا قليلًا حتى نتعرف على هذان الثُنائي المُختلف والذي سيكون دورهم مهم في قصتنا "أولًا سيمـون شاب من أب مصري وأم إيطالية يمتلك من العُمر واحد وأربعون وكمان عرفنا سابقًا أنه يمتلك هيئة غربية فهو شديد الشبه بوالدتهُ ديانا تلك الإيطالية، ذو دهاء وذكاء لا يقارن بأحد،فهو شخصيـة غامضـة جدًا لا يستطع أحد أن يعلم ماذا يُفكر، وسنتعرف عليه كثيرًا مع الأحداث..
أم ذاك المرح الصغير هو ديفيد أو آسر كما لقبهُ سيمون، يمتلك من العُمر ثلاثون عامًا، يوجد به بعض الشبه من سيمون ولكن من يراهُ يقسم أنه شاب شرقي برغم عيناه التي بلون الأرض الخضراء وبشرتهُ البيضاء التي يوجد به بعض الذهبات الشمسية الموجودة في ملامح الشاب المصري الأصيل، يكون ذراع سيمون الأيمن وأيضًا شقيقهُ الأصغر ذو شخصيـة تختلف كثيرًا عن أخيـهِ فهو بطبعهِ مرح يمتلك قوة وأيضًا ذكاء ولكن برغم قوته وذكائه فهو لا يُقارن بأخيـهِ وأيضًا سنتعرف عليه أكثر أثناء الأحداث.."

بعد أن دلفوا إلى الداخل وجلسوا في صالة الجلوس الواسعة ذات النظام الكلاسيكي الرائع أردف ديفيـد مستفهمًا:_إيه الخطوة الجاية؟
نظر له سيمون بخُبـث ونهض من على المقعد مرددًا ببساطة:_الخطـوة الجاية هي النوم طبعًا..

رفع ديفيد حاجبيه بدهشة وهو يرى سيمون يبتعد عنه ذاهبًا باتجاة الدرج ثم همس بعدم تصديق بلكنته البريطانية:_حقًا سيجعلني أموت حتـمًا..

*************

دائمًا الحياة لا تُعطينا كُل شيء، فهي تأخذ مننا الكثير والكثير من أجل قدرٍ بسيط من السعـادة، تشعر أنها ولأول مرة حُـرة تستطيع أن تفعل ما تُريد دون صراعات أو خـوف، وكأنها ولدت من جديد ولكن هل سيكون ميلادها الجديد أفضل أم مُجرد حلاوة البدايات فقط ثم تبدأ دائرة الصراعات مرةً أخرى؟
لا يُهم يكفي أن تستمتع بذلك الوقت وتلك الأيام وستترك ما سيأتي يأتي مهما كان بحلوة ومُرة وبالتأكيد لن يكون مرارهُ مثل مرارة الأيام التي عاشتهـا..
كان تجلس وترتشف من كوب العصير الذي أمـامها، تبتسم بلطف وهي تنظر للأشخاص الذين يسيرون في الشارع أمامها كلًا من هؤلاء لهُ لديـه قصته الخاصة التي لا يعرف عنها أحد، يعيش تفاصيلها بمفردهُ لا يشاركهُ فيها أحد سوى تلك الأوقات السعيدة التي يملأها العديد من الأشخـاص أم الحزينة فلا يوجد سوى نفسك وحوائط غرفتك الأربعـة!

_اتأخرت عليكِ
رفعت نظرها وابتسمت مرددة:_لأ أبدًا أنا اللي جيت بدري..
جلس أمامها مُتسائلًا ببتسامة هادئـة:
_أخبارك إيه يا هبة؟
أمأت برأسها إماءة بسيطة وأجابته بنفس ابتسامتها:_الحمدلله أموري كلها تمام.. ثم تنهدت مستطردة: بعتذر إني أزعجتك بس كنت حابـه أشكرك يا حسن على مساعدتك ليا في اليوم ده وأنك كُنت السبب في إنقاذ ندى..
ابتسم لها حـسن بود قائلًا:_مفيش داعي للشكر يا هبة أنا عملت الصح واللي كان مفروض إني أعملهُ، وبعدين هدفًا كان واحد..

اتسعت ابتسامة هبة وظلت صامتـة قليلًا ثم تساءلت:_سمعت إنك هتسـافر؟
أمأ برأسه قائلًا:_أيـوة جوز أختي شافلي شُغل في الشركة اللي بيشتغل فيها وهبدأ من جديد..
عقدت حاجبيها بستفهام مُتسائلة:_في شركة، والجريدة!
ضحك حـسن وأجابها:_أنا مش صحفي أصلًا يا هبـة، وجودي في الجريدة بتاعتكم كان بأمـر من محمود علشان أعرف بس مين هـو الشخص اللي دعبس وراه وأجيبله معلومات عنه..

ابتسمت هبـة بغباء فكيف لم تُلاحظ ذلك فلقد مكث حسن في العمل معاهم أقل من إسبوع واحد فقط ثم اختفى، ولكنها تذكرت أمرًا ما فقالت بترقب:_وحكاية إنك مُعجب بندى كان من ضمن الخطـة بردو؟
أمأ رأسـهُ بنعم قائلًا:_أيـوة محمود كان عاوزني أقرب منها أكتر علشان كان في دماغهُ خطة تانية خالص بعد ما عرف إنها بنت عِـز، بس أنا أتردد في آخر لحظـة ولقيتها ما تستحقش إنها تقع في إيد محمود، علشان كدا اقنعتهُ إن الخطـة دي مش هتكون مضمونة..

ابتسمت هبة بحزن فهذه الأمور ليست بعيدة عن والدها، ولكن هو الآن عند سيد الخلق وسيأخذ جزاته بالتأكيـد، نهضت هبة من على مقعدها وهو تقول بامتنان:_أنا بشكرك مرة تانيـة يا حسن وبتمنالك كل التوفيق في حياتك..
وقف حسن أمامها قائلًا:_وليكِ أنتِ كمان يا هبـة..
ابتسمت لهُ واستأذنت ذاهـبة مُجرد أن دلفت خارج المقهى تنفست بعمق هامسـة:_كدا الماضي اتقفل عليه نهائيًا..

أوقفت سيارة أجرة وأملتهُ عنوان منزل ندى التي تسكن فيه بعد إصرار من هيام وندى، أما حسن فخرج خلفها وانطلق هو الآخر نحو منزله أخذ حقيبته ووالده وانطلق نحو المطار فاليوم هو معاد سفرهُ، فيبدو أن اليوم هو بداية جديدة للجميع، فهل ستكون بداية سعيدة ومبشرة لحيـاة أفضل أم ستكـون هُناك صراعات أخرى!

*************

توقفت سيارة زين أمام منزل يارا وإنجي هبطت إنجي دون حديث بينما نظرت لهُ يارا قائلة بشكر:_شُكرًا لحضرتك على التوصيلة، وسوري لو كنا عطلناك..
نظر لها ببتسامة مُعتذرة:_آنسـة يارا أنا بعتذر لحضرتك على الإسلوب اللي اتكلمت بيه، بس أحيانًا الشخص بيخرج عن شعورهُ غصب عنه..

تفاهمت يارا حديثهُ فابتسمت مرددة:_حصل خير، بس الناس مش بيكون ليها علاقة بالحالة النفسية اللي بتمر بيها ومش كل الناس هتفهم أنت بتمر بإيه، فلازم تقدر تفرق وتفصل بين حالتك النفسية وحياتك!
أمأ له بمتنان مرددًا:_هحـاول، شكرًا ليكِ..
بادلته الابتسامة وهبطت من السيارة كانت إنجيل تنتظرها أمام بوابة المبنى وعندما اقتربت منها سألتها بفضول:_كان بيقولك إيه ده؟
أجـابتها يارا باستفزاز:_مالكيش دعوة..
كادت إنجي أن تتحدث ولكنهم التفتوا على صوت زين الذي تحدث باسمها عقدت يارا حاجبيها فماذا يريد؟ ولكنها تفاجأت عندما مد يده بهاتفها مُرددًا:_موبايل حضرتك..
أخذته يارا منهُ قائلة بشكر:_شُكرًا جدًا ليك..

_مفيش شكر ولا حاجه، عنئذنكم..
وكاد أن يذهب ولكنه وقف مكانه بصـدمة ثواني واحمرت عينـاه غضبًا..

نُعطي لأشخاص قيمة وهم لا يستحقونها، هما مُجرد ثُقب مؤلم في حياتنا يؤلمنا كل لحظـة تمر علينا وهم ما زالوا بداخل حياتنا..
تقدم زين كصعق من هذه الفتاة التي تقف مع أحد الشباب وتضحك بطريقـة مُستفزة وأردف بغضب:_نادين!!

انتفضت الفتاة بُرعب ونظرت له بتوتر فأمسكها من كتفاها بـعنف صارخًا:_أنتِ بتعملي إيه هنا؟ ثم نظر لذاك الشاب مُتسائلًا:_ومين القمور ده؟
نزعها الشاب من بين يـده مُتسائلًا بغضب:_أنت اللي مين حضرتك وإزاي تمسكها كدا؟

دفعهُ زين بقـوة قائلًا:_إركن على جمب دلوقتي لحد ما يجي دورك.. ثم نظر لتلك الواقفة برعب ونظر لها نظرة مُرعبة مُرددًا ببطء مُرعب:_بتعملي إيه في وقت زي ده هنا يا نادين!
ابتلعت ريقها بتوتر فلا تعرف ماذا تقول..

أما على مسافة قليلة منهم كانتا إنجي ويارا ما زال يقفان ينظرون لما يحدثون بعدم فهم، فتساءلت إنجي بفضول:
_هي مين البت الملزقة دي اللي اتعصب أوي كدا أول ما شافها؟
رفعت يارا كتفاها بعدم معرفة قائلة وهي تنظر لهم بتركيز:_مش عارفة..
أردفت إنجي بصدمة:_الحقي البت سابتهم يتعاركوا اجريت!!

حيث دفع الشاب زين بقوة عنها قائلًا:_أنت باين عليا مش بتفهم بالزوق..
ولكمـهُ بشدة في وجههُ فمسح زين بجانب فمهُ بهدوء وهـز رأسـه بينما الآخر ينظر لهُ بسخرية وابتسـامة باردة فأغمض زين عينه لبرهة وبدون سابق إنذار قام بلكم ذاك الشاب بغضب ولم يكتفي بلكمة واحدة بل ظل يلكمهُ بقوة وغضب حتى وقع على الأرض يتنفس بعمق وألم، فجذبهُ زين وقربهُ منهُ مُتسائلًا بغضب:
_انطق يلا تعرف البنت دي منين؟
نظر له الشاب بضعف ولم يجب فصرخ به زين بعُنف:_أخلص يلا بدل ما أخليك تطلع على التُرب النهاردة..
تحدث الشاب بخوف ونبرة متلعثمة:_دي بنت شمال عرفتها في الديسكو..
اتسعت صدمة زين وتركـهُ من يده بدهشـة وألم فنهض الشاب بضعف وأخذ يبتعد عنه بخوف، بينما زين ظل واقف مكانهُ لا يشعُـر بالعالم من حولهُ فقد يتذكر ما قاله ذاك الشاب "عرفتها في الديسكو"..

أردفت إنجي مُتسائلة:_هو الشاب ده قاله إيه خلاه واقف مصدوم كدا؟
كانت يارا لا تُزيل نظرها من عليه وعندما وجدته في تلك الحالة أردفت وهي تتوجه نحوه:_أنا مش هسيبـه كدا..
وتركت وذهبت باتجاة فأردفت إنجي بضيق:_يا بنتي وإحنا مالنا خودي هنا..
ولكن لم تستمع يارا لها وعندما وصلت وراء زين مباشرةً أردفت بهدوء:_أُستاذ زين!
ظل زين على حالتـهُ ولم يتحرك فظنت أنه لم يستمع إليها وعندما كادت أن تتحدث مرةً أخرى وجدتهُ يلتفت لها وعيناه حزينـة وتلك اللكمة التي تلقاها من ذاك الشاب تركت أثر بجانب شفتاهُ حزنت يارا من أجلهُ ولكنها انصدمت عندما مر من جانبها ولم يُعيرها أي اهتمام، نظرت له بدهشة فوجدته يصعد سيارته وانطلق بها بسرعـة البرق، حيث أصدرت عجلات السيارة صرير عالي يصم الأُذن! علمت يارا أن تلك الفتاة تهمهُ بشدة وذاك الشاب بالتأكيد قال لهُ حقيقة جارحـة، جعلته في تلك الحالة التي وإن دلت فهي تدُل على آلم ووجع لا يُطاق!
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي