الفصل التاسع
جلست ندى على الفراش وهي تبتسم بهدوء، تتذكر ما مرت به في هذه الأيام السابقة واتسعت ابتسامتها فما حدث حقًا لا يُصدق وكأنها كانت تعيش في أحد أفلام الأكشن التي لا تُحبهم قط، استمعت إلى صوت طرق على الباب فأذن للطارق بالدخول، فأطلت نيرة ببتسامة رائعة قائلة بمرح:
_حد كاشف راسهُ؟
ابتسمت ندى واعتدلت في جلسته قائلة:_تعالي يا مصيبـة..
دلفت وجلست بجانبها قائلة:_مكلمتيش هبة؟
_كلمتها وقالت جاية في الطريق..
أمأت برأسها ثم تساءلت بخبث:_اطمنتي على أدهم؟
ضيقت ندى عيناها وهي تبتسم بهدوء وأجـابتها بمرح:_مالكيش دعوة..
رفعت حاجبيها بستنكار قائلة:_بئا كدا يعني، طيب مش هحكيلك اللي كنت جاي علشانه..
نظرت ندى له بتدقيق مُرددة ببتسامة:_أمممممم، يلا قري واعترفي عملتي إيه؟
ضحكت نيرة بخجل وأردفت:_أنا حاسـة كدا والله وأعلم أني وقعت..
ضيقت ندى عيناها بعدم فهم، ومالبث أن اتسعت عيناها بصدمة قائلة:_أوعي تقولي...
أمـأت رأسها بتأكيد فاستطردت ندى:_أنتِ بتحبي! مين وإزاي وحصل إمتا؟
ضحكت نيرة وربعت قدماها أمامها على الفراش وبدأت تسرد لها كل شيء عن سيف وإعجابها بهِ وتلك الصدف التي جمعتها بهِ وبعد أن انتهت ختمت حديثها بحماس:_وبس يا ستي، وحاسـة إنه بيبادلني نفس الشعور..
تنهدت ندى ونظرت لها ببتسـامة حنونة مُـرددة:_بُصي يا نيرو يا حبيبتي، الحُب طبعًا مش عيب، لإنه حاجه مش بإيدينا، دي عبارة عن مشاعر نبيلـة ربنا بيحوطها في قلوبنا تجاة شخص مُعين، بس مش عاوزاكِ تعلقي نفسك بحاجه مش أكيدة، هو لو بيبادلك نفس المشاعر هيجي عالطول يتقدم وأعتقد أن مفيش قدامه أي مانع، الأهم إنك بتمشيش وراى مشاعرك وتعملي حاجه مُخالفة عن تربيتنا وأخلاقنا.. فهماني يا حبيبتي؟
ابتسمت لها نيرة بتفهم وأردفت:_أنا عارفه الكلام ده كويس جدًا يا ندى، وأكيد طبعًا مش هروح أكلمهُ أو أعبرلهُ عن مشـاعري أنا هفضل محتفظة بيها جوايا لحد ما يجي الوقت المُناسب وأكيد لو هو ده الحُب الحقيقي هنتقابل مع بعض بس في الحلال..
اتسعت ابتسامة ندى بفخر على تفكير شقيقتها الناضج، وظلو يتحدثون معًا في أشياء شتى حتى أتت هبة وانضمت إليهم ومن ورائها والدتهم هيـام التي أخذت تتحدث عن ذِكرياتها هي وصديقة عمرها فريدة، حتى تساءلت ندى بفضول:_بس يا ماما أنتِ وطنط فريدة اتفرقتوا إزاي وفضلتوا طول السنين دي بُعاد عن بعض؟
ظهر الحُـزن على ملامح هيام وشردت في ذلك اليوم المشئوم..
****************
ظل أدهم يُهاتف زين أكثر من مرة ولكن دون فائدة لا إجابة حتى أغلق الهاتف نهائيًا، فزفر أدهم بضجر فهو يعلم أن زين بهِ شيء ولكنه من التعب خلد إلى النوم، بينما في نفس التوقيت كان زين يجلس على مقدمة سيارته في منطقة عالية يرى من خلالها معالم القاهرة التي غشى الظلام عليها ولكن تلك الأنوار زينتها وكأنها لؤلؤ في وسط سماء صافية..
تنـهد زين بُحزن لا يعلم على يحزن على ألم قلبهُ أم يسخر من سذاجـتهُ، تذكر تلك الفتـاة الهادئة نادين عندما التقى بها أول مرة سحرته من أول نظرة برغم ملابسـة العارية بعض الشيء، ولكنه انجذب إلى وجهها الملائكي الخادع، حذرهُ أصدقائهُ منها وأنها ليست الفتاة المُناسبة لهُ ولكنه لم يعطي لحديثهم بالًا حتـى والدتُهُ عندما أخبرها عنها وطلبت مُقابلتها أخبرتهُ بستنكار ودهشـة:_بئا هي دي اللي أنت عاوز تتجوزها يا زين، دي اللي هتكون أم لولادك يا بني؟
أردف ببتسـامة هادئة:_أيـوة يا ست الكل..
هزت رأسـها بعدم تصديق مرددة باعتراض:_لأ يا بني، دي مش تنفعك أنا مش موافقة عليها..
سألها بترقب:_أنتِ معترضة علشان طريقة لبسها يا أمي، إن شاء الله لما تكون مراتي وليا حكم عليها هتكلم معاه بخصوص اللبس ده ومع الأيام هيتغير للأحسن..
تنهدت والدته بحنان مرددة بحكمة:_يا حبيبي اللبس عمره ما كان مقاييس برغم أنه عامل مهم جدًا في الإسلام أن البنت تصون نفسها، بس لو الجوهر نقي يبقا سهل تغير الظاهر، بس دي جوهرها مش نقي يا بني، مش دي اللي هتصونك وتكون أم لولادك، مش دي اللي تستحق زين بقلبه النقي المسامح..
وقتها رفض حديث والدتهُ برغم صدقهُ وأصر على الزواج بها وبسبب هذا الزواج وقت خلافات كثيرة معها آخرها كان البارحة عندما حدثت مناقشة حادة بينهما، ابتسم زين بألم على ساذجتهُ فكيف لم يرى ذلك السوء بها كما رأهُ من حولهُ..
تنهـد بغضب وهبطت دموعهُ من عيناه دون أن يشعُـر
*************
_أنا وفريدة كانت أسررنا كلها مع بعض في آخر سنه لينا في الجامعة كنت أنا وعِز بنحب بعض وكانت فريدة طبعًا مشاركاني كل التفاصيل لحد ما في يوم كنا راجعين البيت سوى طبعًا بيوتنا كانت جمب بعض يعتبر بنا مسافة صُغيرة جدًا، في اليوم ده اتصدمنا لما شوفنا بيت فريدة بيولع كان البيت عبارة عن بركان نار فريدة من الصدمة مقدرتش تتحرك من مكانها مسكت إيديها وسحبتها معايا وأول ما وصلنا سمعنا واحد بيقول أن اللي كانوا في البيت مقدرناش ننقذهم وماتوا، وكانوا خرجوا جثث محروق مش باين ليهم ملامح..
أول ما فريدة شافت المنظر أغمى عليها، أنا مبقتش عارفة أعمل إيه قعدت جمب فريدة وفضلت أعيط وبحاول أفوقها لكن مفيش فايدة لحد ما شوفت أخوها مالك الكبير بيجري علينا كان مالك أكبر مننا بسنتين بس، روحنا المستشفى وللأسف دخلت في غيبوبة، لأنها كانت مريضة سكر ومع الصدمة دخلت في غيبوبة سكر وفضلت فيها يومين ولما فاقت كانت كأنها فاقدة الذاكرة مش فاكرة حد وبقت بتصوت كتير وجالها حالة خوف، عرضناها على دكاترة نفسيين وفضلت شهور ومفيش أي نتيجة إيجابية لحد ما صحيت في يوم وروحت علشان أزورها لقيت مالك سيب ليا رسالة إنه أخدها وسافر برة علشان يعالجها من الحالة دي وميعرفش العلاج هيستمر قد إيه وأنها أول ما تشفى هيجيبها ويرجع تاني بس ما كتبش هو أخدها أنهي بلد..
حسيت أن كل حاجه اسودت في وشي، فريدة مكنتش بس صاحبتي دي كانت أختي اللي ماليش غيرها بعد بابا وماما بس صبرت نفسي وقولت أكيد أول ما تكون كويسة هترجع تاني وفات خمسة وعشرين سنه ومرجعتش!
أنهت هيام حديثها وهي تمسح تلك الدمعة التي هبطت دون أن تشعر بينما هبة تذكرت والدتها وبكت بشدة فأخذتها هيام في أحضانها بحنان مُرددة:_فريدة مش رجعت بس رجعت حتـة منها اللي هي في الأساس حتـة مني..
اشتدت هبة في عِناقها، واستلقوا جميعًا بجانب بعضهم على فراش ندى، وغلبهم النعاس..
*********************
مرت يومان على هذه الأحداث، تحسنت صحة أدهم كثيرًا وبدأت هبـة في بناء شركتها الصغيرة والتي ساعدتها فيهـا ندى كثيرًا وأيضًا هيام، أم زين فقد اختفى منذ هذه الليلة ولا أحد يعرف عنه شيء حتى والدتهُ التي أخبرها أنه في عمل هام لا يعلم متى سينتهي، قلق عليه أدهم كثيرًا فهو الأقرب لهُ بل وصديقهُ الأول..
كانوا الشباب جميعهم يجلسون في منزل أدهم يفكرون في أين ذهب زين بالظبط أردف سـيف بضجـر:_أنا مش عارف والله الواد ده اختفى راح فين، دا فص ملح وداب..
تحدث خالد مؤكدًا:_إحنا ما سبناش مكان ما دورناش فيه، بس الفكرة أصلًا هو اختفى ليه؟
أردف أحمد بتفكير:_ممكن يكون اتخانق مع والدته تاني بخصوص جوازهُ من نادين دي!
نفخ سيف بضجر مرددًا بشمئزاز:_مش عارف والله هو عاجبهُ فيها إيه البت الملزقة دي..
نظر أحمد لأحدهم الصامت وكأنهُ يفكر في شيءٍ ما مرددًا:_مالك يا أدهم ساكت ليه؟
أجـابه أدهم بهدوء:_مفيش.. ثم تنهـد مستطردًا:_المهم ما تقلقوش على زين، هو لما يحب يرجع هتلاقوه رجع لوحده، هو مش عيل صُغير هنخاف عليه..
أمأ أحمد برأسهُ ثم نهض من مكانهُ قائلًا:_عندك حق، المهم أنا همشي دلوقت علشان عندي شغل مُهم، وعلى فكرة يا أدهم صاحبك في مصر..
تفاجأ أدهم مُرددًا:_بجد، نزل مصر إمتا؟
رفع كتفاها بعدم علم مرددًا:_مش عارف، بس كلمني النهاردة وقالي إنه لازم يشوفك قريب جدًا..
ابتسم أدهم وأمأ برأسه فنهض خالد هو الآخر مرددًا:_طب أنا همشي أنا كمان علشان اللواء مسلمني مهمة جديدة فلازم أنام بدري علشان أصحى فايق، يلا سلام يا شباب..
_سـلام..
ذهب كُلًا من خالد وأحمد ولم يتبقى سوى سيف الذي نظر له أدهم فوجده ينظر لهُ ببتسامة ساذجـة فتنهد أدهم بقوة قائلًا:
_ها يا قـدري العسل عملت إيه؟
نهض سيـف وجلس بجانبـهُ مُرددًا بمشاغبة:_أدهومة حبيبي، عاوز منك مصلحة صغنتوتة قد كدهو..
رفع أدهم حاجبيه بستنكار قائلًا:_لخص وهاتلي من الآخر..
حمحم سيف ببعض الحرج مُرددًا:_بُص بئا بصراحة أنا مُعجب بنيرة بنت خالك وعاوز أخطبها..
كاد أدهم أن يبتسم فهو كان يشك في ذلك من نظراتهُ لها في ذلك اليوم في المشفى ولكنهُ نظر لهُ بشمئزاز قائلًا:_وهو أنا ما لقتش غيرك أنت علشان أجوزك نيرة!
نظر سيف لذاته بستنكار وجهل قائلًا بغيظ:_ليه هو أنا ناقصني رجل ولا دراع؟
أشار أدهم على عقلهُ قائلًا باستفزاز:_لأ ناقصك عقل يا خفيف..
ضيق سيف عيناه مُتسائلًا:_طب يعني هتساعدني أتقدم لها ولا لأ؟
تنهد أدهم ببرود قائلًا:_هو حد قالك أني اشتغلت خاطبة ما تروح تكلمك أبوك يا بني وروح أتقدملها..
حك سيف مقدمة رأسـهُ قائلًا:_لا ما هو أنا عاوزك تتوسطلي عند خالك بئا وكدا..
ضحك أدهم وهو يهز رأسهُ بنفي مُرددًا:_يا بني اتوسطلك إيه، هو أنت رايح تخطب ولا تقدم على وظيفة؟
نظر لها بضجر ونهض من جانبهُ بغيظ قائلًا:_والله يا جدع أنا غلطان إني اتكلمت معاك، أنا هروح للحج أبويا هو صحيح ممكن يودينا في داهية بس ربنا يسترها بئا..
ضحك أدهم بقـوة فهو أكثر شخص يعرف والدهُ الذي يعيش حياته بمرحهُ الذي ورثه سيف منه ولكن مع ذلك هو أطيب شخص قد تقابلهُ وتتعامل معهُ، تركهُ سيف وغادر بغيظ عندما وجدهُ لا يتوقف عن الضحك، أمسك أدهم هاتفه وهو ما زال يبتسم وأخذ يُقلب في صورهُ هو وندى في خطوبتهم بعشق وهو يتذكر اللحظات الجميلة التي جمعتهم معًا وخاصةً ذلك الموقف الأول الذي جمع بينهم بعد فراق أكثر من خمسة عشر عامًا..
"كان يسير وهو منتبهًا في هاتفـه وفجأة اصتدمت في أحدًا ما، لم يكد أدهم يفيق من صدمة ما حدث حتى وجد صوت أنثوي رائع برغم عصبيته تقول:_إيه قلة الزوق دي! حضرتك اللي خبطت فيا وبدل ما تعتذر بتزعق!
الشخص وهو يرفع نظره إليها ولكن قبل أن يتحدث بشيء تركته وذهبت فالتفت ينظر لها وهي تذهب بغيظ، فهمس بدهشة "إيه البت المجنونة دي".."
تذكرها أدهم بعد مقابلته لها، اتسعت ابتسامة أدهم ثم تحولت ابتسامتهُ تلك لأخرى خبيثة وهو يفكر في شيءٍ ما..
***************
كان يقف بشموخ وهو ينظر إلى تلك المدينة بجمـالها الهادئ عبر النافذة، استمع إلى طرق على الباب يلي صوت فتحهُ ودلوف شخص يعرفه حق المعرفة فمن لديه الجراءة بالدلوف دون إذنهُ سوى شقيقـهُ وذراعهُ الأيمن، ظل سيمون على وضعـهُ فتقدم منه ديفيد ووقف بجوارهُ ونظر إلى ما ينظر، فأردف بهدوء:
_قطعة من الجمال هذه المدينـة؟
ابتسم سيمون مُرددًا:_إنها قطعـة من الجنة، حقًا هذه المدينة برغم بساطتها وأنها لا تُقارن بمدينتنا الغربية ولكن بها جمال خاص يميزُها عن غيرها في جميع بقاع الأرض..
أمـأ ديفيد برأسهُ مؤكدًا على حديثهُ، ثم نظر لهُ مُتسائلًا بستفهام:
_إذن شقيقي العزيز مر بعض الأيام ونحن هنا دون أي جديد!
ابتسم سيمون بخبث وهو يجيبهُ بغموض:_قريبًا جدًا يا عزيز سترى الجديد..
وتركـهُ وجلس على مقعدهُ واضعًا قدم فوق الآخر ثم مسك هاتفـه وقام بالاتصال على رقمًا ما وانتظر قليلًا حتى فتح الطرف الآخر فأردف سيمون بثقة:_أريد أن التقي بهِ غدًا..
_حد كاشف راسهُ؟
ابتسمت ندى واعتدلت في جلسته قائلة:_تعالي يا مصيبـة..
دلفت وجلست بجانبها قائلة:_مكلمتيش هبة؟
_كلمتها وقالت جاية في الطريق..
أمأت برأسها ثم تساءلت بخبث:_اطمنتي على أدهم؟
ضيقت ندى عيناها وهي تبتسم بهدوء وأجـابتها بمرح:_مالكيش دعوة..
رفعت حاجبيها بستنكار قائلة:_بئا كدا يعني، طيب مش هحكيلك اللي كنت جاي علشانه..
نظرت ندى له بتدقيق مُرددة ببتسامة:_أمممممم، يلا قري واعترفي عملتي إيه؟
ضحكت نيرة بخجل وأردفت:_أنا حاسـة كدا والله وأعلم أني وقعت..
ضيقت ندى عيناها بعدم فهم، ومالبث أن اتسعت عيناها بصدمة قائلة:_أوعي تقولي...
أمـأت رأسها بتأكيد فاستطردت ندى:_أنتِ بتحبي! مين وإزاي وحصل إمتا؟
ضحكت نيرة وربعت قدماها أمامها على الفراش وبدأت تسرد لها كل شيء عن سيف وإعجابها بهِ وتلك الصدف التي جمعتها بهِ وبعد أن انتهت ختمت حديثها بحماس:_وبس يا ستي، وحاسـة إنه بيبادلني نفس الشعور..
تنهدت ندى ونظرت لها ببتسـامة حنونة مُـرددة:_بُصي يا نيرو يا حبيبتي، الحُب طبعًا مش عيب، لإنه حاجه مش بإيدينا، دي عبارة عن مشاعر نبيلـة ربنا بيحوطها في قلوبنا تجاة شخص مُعين، بس مش عاوزاكِ تعلقي نفسك بحاجه مش أكيدة، هو لو بيبادلك نفس المشاعر هيجي عالطول يتقدم وأعتقد أن مفيش قدامه أي مانع، الأهم إنك بتمشيش وراى مشاعرك وتعملي حاجه مُخالفة عن تربيتنا وأخلاقنا.. فهماني يا حبيبتي؟
ابتسمت لها نيرة بتفهم وأردفت:_أنا عارفه الكلام ده كويس جدًا يا ندى، وأكيد طبعًا مش هروح أكلمهُ أو أعبرلهُ عن مشـاعري أنا هفضل محتفظة بيها جوايا لحد ما يجي الوقت المُناسب وأكيد لو هو ده الحُب الحقيقي هنتقابل مع بعض بس في الحلال..
اتسعت ابتسامة ندى بفخر على تفكير شقيقتها الناضج، وظلو يتحدثون معًا في أشياء شتى حتى أتت هبة وانضمت إليهم ومن ورائها والدتهم هيـام التي أخذت تتحدث عن ذِكرياتها هي وصديقة عمرها فريدة، حتى تساءلت ندى بفضول:_بس يا ماما أنتِ وطنط فريدة اتفرقتوا إزاي وفضلتوا طول السنين دي بُعاد عن بعض؟
ظهر الحُـزن على ملامح هيام وشردت في ذلك اليوم المشئوم..
****************
ظل أدهم يُهاتف زين أكثر من مرة ولكن دون فائدة لا إجابة حتى أغلق الهاتف نهائيًا، فزفر أدهم بضجر فهو يعلم أن زين بهِ شيء ولكنه من التعب خلد إلى النوم، بينما في نفس التوقيت كان زين يجلس على مقدمة سيارته في منطقة عالية يرى من خلالها معالم القاهرة التي غشى الظلام عليها ولكن تلك الأنوار زينتها وكأنها لؤلؤ في وسط سماء صافية..
تنـهد زين بُحزن لا يعلم على يحزن على ألم قلبهُ أم يسخر من سذاجـتهُ، تذكر تلك الفتـاة الهادئة نادين عندما التقى بها أول مرة سحرته من أول نظرة برغم ملابسـة العارية بعض الشيء، ولكنه انجذب إلى وجهها الملائكي الخادع، حذرهُ أصدقائهُ منها وأنها ليست الفتاة المُناسبة لهُ ولكنه لم يعطي لحديثهم بالًا حتـى والدتُهُ عندما أخبرها عنها وطلبت مُقابلتها أخبرتهُ بستنكار ودهشـة:_بئا هي دي اللي أنت عاوز تتجوزها يا زين، دي اللي هتكون أم لولادك يا بني؟
أردف ببتسـامة هادئة:_أيـوة يا ست الكل..
هزت رأسـها بعدم تصديق مرددة باعتراض:_لأ يا بني، دي مش تنفعك أنا مش موافقة عليها..
سألها بترقب:_أنتِ معترضة علشان طريقة لبسها يا أمي، إن شاء الله لما تكون مراتي وليا حكم عليها هتكلم معاه بخصوص اللبس ده ومع الأيام هيتغير للأحسن..
تنهدت والدته بحنان مرددة بحكمة:_يا حبيبي اللبس عمره ما كان مقاييس برغم أنه عامل مهم جدًا في الإسلام أن البنت تصون نفسها، بس لو الجوهر نقي يبقا سهل تغير الظاهر، بس دي جوهرها مش نقي يا بني، مش دي اللي هتصونك وتكون أم لولادك، مش دي اللي تستحق زين بقلبه النقي المسامح..
وقتها رفض حديث والدتهُ برغم صدقهُ وأصر على الزواج بها وبسبب هذا الزواج وقت خلافات كثيرة معها آخرها كان البارحة عندما حدثت مناقشة حادة بينهما، ابتسم زين بألم على ساذجتهُ فكيف لم يرى ذلك السوء بها كما رأهُ من حولهُ..
تنهـد بغضب وهبطت دموعهُ من عيناه دون أن يشعُـر
*************
_أنا وفريدة كانت أسررنا كلها مع بعض في آخر سنه لينا في الجامعة كنت أنا وعِز بنحب بعض وكانت فريدة طبعًا مشاركاني كل التفاصيل لحد ما في يوم كنا راجعين البيت سوى طبعًا بيوتنا كانت جمب بعض يعتبر بنا مسافة صُغيرة جدًا، في اليوم ده اتصدمنا لما شوفنا بيت فريدة بيولع كان البيت عبارة عن بركان نار فريدة من الصدمة مقدرتش تتحرك من مكانها مسكت إيديها وسحبتها معايا وأول ما وصلنا سمعنا واحد بيقول أن اللي كانوا في البيت مقدرناش ننقذهم وماتوا، وكانوا خرجوا جثث محروق مش باين ليهم ملامح..
أول ما فريدة شافت المنظر أغمى عليها، أنا مبقتش عارفة أعمل إيه قعدت جمب فريدة وفضلت أعيط وبحاول أفوقها لكن مفيش فايدة لحد ما شوفت أخوها مالك الكبير بيجري علينا كان مالك أكبر مننا بسنتين بس، روحنا المستشفى وللأسف دخلت في غيبوبة، لأنها كانت مريضة سكر ومع الصدمة دخلت في غيبوبة سكر وفضلت فيها يومين ولما فاقت كانت كأنها فاقدة الذاكرة مش فاكرة حد وبقت بتصوت كتير وجالها حالة خوف، عرضناها على دكاترة نفسيين وفضلت شهور ومفيش أي نتيجة إيجابية لحد ما صحيت في يوم وروحت علشان أزورها لقيت مالك سيب ليا رسالة إنه أخدها وسافر برة علشان يعالجها من الحالة دي وميعرفش العلاج هيستمر قد إيه وأنها أول ما تشفى هيجيبها ويرجع تاني بس ما كتبش هو أخدها أنهي بلد..
حسيت أن كل حاجه اسودت في وشي، فريدة مكنتش بس صاحبتي دي كانت أختي اللي ماليش غيرها بعد بابا وماما بس صبرت نفسي وقولت أكيد أول ما تكون كويسة هترجع تاني وفات خمسة وعشرين سنه ومرجعتش!
أنهت هيام حديثها وهي تمسح تلك الدمعة التي هبطت دون أن تشعر بينما هبة تذكرت والدتها وبكت بشدة فأخذتها هيام في أحضانها بحنان مُرددة:_فريدة مش رجعت بس رجعت حتـة منها اللي هي في الأساس حتـة مني..
اشتدت هبة في عِناقها، واستلقوا جميعًا بجانب بعضهم على فراش ندى، وغلبهم النعاس..
*********************
مرت يومان على هذه الأحداث، تحسنت صحة أدهم كثيرًا وبدأت هبـة في بناء شركتها الصغيرة والتي ساعدتها فيهـا ندى كثيرًا وأيضًا هيام، أم زين فقد اختفى منذ هذه الليلة ولا أحد يعرف عنه شيء حتى والدتهُ التي أخبرها أنه في عمل هام لا يعلم متى سينتهي، قلق عليه أدهم كثيرًا فهو الأقرب لهُ بل وصديقهُ الأول..
كانوا الشباب جميعهم يجلسون في منزل أدهم يفكرون في أين ذهب زين بالظبط أردف سـيف بضجـر:_أنا مش عارف والله الواد ده اختفى راح فين، دا فص ملح وداب..
تحدث خالد مؤكدًا:_إحنا ما سبناش مكان ما دورناش فيه، بس الفكرة أصلًا هو اختفى ليه؟
أردف أحمد بتفكير:_ممكن يكون اتخانق مع والدته تاني بخصوص جوازهُ من نادين دي!
نفخ سيف بضجر مرددًا بشمئزاز:_مش عارف والله هو عاجبهُ فيها إيه البت الملزقة دي..
نظر أحمد لأحدهم الصامت وكأنهُ يفكر في شيءٍ ما مرددًا:_مالك يا أدهم ساكت ليه؟
أجـابه أدهم بهدوء:_مفيش.. ثم تنهـد مستطردًا:_المهم ما تقلقوش على زين، هو لما يحب يرجع هتلاقوه رجع لوحده، هو مش عيل صُغير هنخاف عليه..
أمأ أحمد برأسهُ ثم نهض من مكانهُ قائلًا:_عندك حق، المهم أنا همشي دلوقت علشان عندي شغل مُهم، وعلى فكرة يا أدهم صاحبك في مصر..
تفاجأ أدهم مُرددًا:_بجد، نزل مصر إمتا؟
رفع كتفاها بعدم علم مرددًا:_مش عارف، بس كلمني النهاردة وقالي إنه لازم يشوفك قريب جدًا..
ابتسم أدهم وأمأ برأسه فنهض خالد هو الآخر مرددًا:_طب أنا همشي أنا كمان علشان اللواء مسلمني مهمة جديدة فلازم أنام بدري علشان أصحى فايق، يلا سلام يا شباب..
_سـلام..
ذهب كُلًا من خالد وأحمد ولم يتبقى سوى سيف الذي نظر له أدهم فوجده ينظر لهُ ببتسامة ساذجـة فتنهد أدهم بقوة قائلًا:
_ها يا قـدري العسل عملت إيه؟
نهض سيـف وجلس بجانبـهُ مُرددًا بمشاغبة:_أدهومة حبيبي، عاوز منك مصلحة صغنتوتة قد كدهو..
رفع أدهم حاجبيه بستنكار قائلًا:_لخص وهاتلي من الآخر..
حمحم سيف ببعض الحرج مُرددًا:_بُص بئا بصراحة أنا مُعجب بنيرة بنت خالك وعاوز أخطبها..
كاد أدهم أن يبتسم فهو كان يشك في ذلك من نظراتهُ لها في ذلك اليوم في المشفى ولكنهُ نظر لهُ بشمئزاز قائلًا:_وهو أنا ما لقتش غيرك أنت علشان أجوزك نيرة!
نظر سيف لذاته بستنكار وجهل قائلًا بغيظ:_ليه هو أنا ناقصني رجل ولا دراع؟
أشار أدهم على عقلهُ قائلًا باستفزاز:_لأ ناقصك عقل يا خفيف..
ضيق سيف عيناه مُتسائلًا:_طب يعني هتساعدني أتقدم لها ولا لأ؟
تنهد أدهم ببرود قائلًا:_هو حد قالك أني اشتغلت خاطبة ما تروح تكلمك أبوك يا بني وروح أتقدملها..
حك سيف مقدمة رأسـهُ قائلًا:_لا ما هو أنا عاوزك تتوسطلي عند خالك بئا وكدا..
ضحك أدهم وهو يهز رأسهُ بنفي مُرددًا:_يا بني اتوسطلك إيه، هو أنت رايح تخطب ولا تقدم على وظيفة؟
نظر لها بضجر ونهض من جانبهُ بغيظ قائلًا:_والله يا جدع أنا غلطان إني اتكلمت معاك، أنا هروح للحج أبويا هو صحيح ممكن يودينا في داهية بس ربنا يسترها بئا..
ضحك أدهم بقـوة فهو أكثر شخص يعرف والدهُ الذي يعيش حياته بمرحهُ الذي ورثه سيف منه ولكن مع ذلك هو أطيب شخص قد تقابلهُ وتتعامل معهُ، تركهُ سيف وغادر بغيظ عندما وجدهُ لا يتوقف عن الضحك، أمسك أدهم هاتفه وهو ما زال يبتسم وأخذ يُقلب في صورهُ هو وندى في خطوبتهم بعشق وهو يتذكر اللحظات الجميلة التي جمعتهم معًا وخاصةً ذلك الموقف الأول الذي جمع بينهم بعد فراق أكثر من خمسة عشر عامًا..
"كان يسير وهو منتبهًا في هاتفـه وفجأة اصتدمت في أحدًا ما، لم يكد أدهم يفيق من صدمة ما حدث حتى وجد صوت أنثوي رائع برغم عصبيته تقول:_إيه قلة الزوق دي! حضرتك اللي خبطت فيا وبدل ما تعتذر بتزعق!
الشخص وهو يرفع نظره إليها ولكن قبل أن يتحدث بشيء تركته وذهبت فالتفت ينظر لها وهي تذهب بغيظ، فهمس بدهشة "إيه البت المجنونة دي".."
تذكرها أدهم بعد مقابلته لها، اتسعت ابتسامة أدهم ثم تحولت ابتسامتهُ تلك لأخرى خبيثة وهو يفكر في شيءٍ ما..
***************
كان يقف بشموخ وهو ينظر إلى تلك المدينة بجمـالها الهادئ عبر النافذة، استمع إلى طرق على الباب يلي صوت فتحهُ ودلوف شخص يعرفه حق المعرفة فمن لديه الجراءة بالدلوف دون إذنهُ سوى شقيقـهُ وذراعهُ الأيمن، ظل سيمون على وضعـهُ فتقدم منه ديفيد ووقف بجوارهُ ونظر إلى ما ينظر، فأردف بهدوء:
_قطعة من الجمال هذه المدينـة؟
ابتسم سيمون مُرددًا:_إنها قطعـة من الجنة، حقًا هذه المدينة برغم بساطتها وأنها لا تُقارن بمدينتنا الغربية ولكن بها جمال خاص يميزُها عن غيرها في جميع بقاع الأرض..
أمـأ ديفيد برأسهُ مؤكدًا على حديثهُ، ثم نظر لهُ مُتسائلًا بستفهام:
_إذن شقيقي العزيز مر بعض الأيام ونحن هنا دون أي جديد!
ابتسم سيمون بخبث وهو يجيبهُ بغموض:_قريبًا جدًا يا عزيز سترى الجديد..
وتركـهُ وجلس على مقعدهُ واضعًا قدم فوق الآخر ثم مسك هاتفـه وقام بالاتصال على رقمًا ما وانتظر قليلًا حتى فتح الطرف الآخر فأردف سيمون بثقة:_أريد أن التقي بهِ غدًا..
