الفصل العاشر
كان أدهم ما زال مستيقظًا يجلس في مكتب والده ويقرأ في أحد الكُتب عندما استمع إلى صوت جرس الباب يرن فتعجب وهو ينظر إلى الساعة التي تخطت الثانية عشر، فمن سيأتي في ذلك الوقت المُتأخر، نهض من على المقعد وانطلق خارج الغرفة مُتجهًا ناحية الباب ثم فتـحهُ وعندما رآى القادم رفع حاجبيه وأفسح له الطريق فدلف زين إلى الداخل بملامحـهُ البائسة وكأنه يحمل هموم العالم أجمع، خاصةً بلحيتهُ التي نمت قليلًا..
دلف إلى الصالون وجلس على أقرب مقعد، فدلف أدهم ورائهُ وجلس على الأريـكة المُقابلة له وأراح ظهرهُ للخلف براحـة وأخذ ينظر له ببرود وهو يربع يده الإثنان أمام قفصهُ الصدري..
نظر له زين بترقب هاتفًا بضجر:_ما تبصليش البصة دي يا أدهم لو سمحت!
رفع أدهم حاجبيه مُرددًا ببرود:_أومال عايزني أُبُصلك إزاي يا بيـه؟
زفـر زين بقوة حتى يخرج ذلك الثقل من أعماق قلبهُ قائلًا:_كُنت محتاج وقت علشان أعيد فيه حساباتي..
_ويا ترى اخدت وقتك؟
أمـأ برأسـهُ مُرددًا:_أيـوة، وصلحت الحسابات الغلط..
سألـهُ بغموض:_نادين صح؟
شعر زين بالغضب عندما أتت سيرتها فكتم غضبهُ الذي قرأه أدهم وأجـاب:_كان أكبر غلط في حياتي، وللأسف اكتشفته متأخر أوي.. ثم ابتسم بسخرية:_تخيـل إنها طلعت فتاة ليل، والأنقح بئا إنها كانت مترهنة عليا مع صُحابها الزبالة، بس قالت بما إنه معـاه فلوس استمتع شوية، يعني الوش الملايكي ده كله يطلع منها كل الوساخة دي! تقريبًا البنات كلها صنف واحد،صنف زبالة..
كانت يتحدث بقهر وغضب حقيقي، فأردف أدهم بهدوء:
_أولًا يا زين نادين دي مكنتش ملاك ولا حاجه، وكان ظاهر جدًا وكلنا حظرناك منها حتى والدتك اللي أول ما شافتها ما ارتحتش ليها، بس أنت الحب كان عامي قلبك وعقلك عن الحقيقة..
ثانيًا مش كل البنات صنف واحد، في الحلو وفي الوحش.. أقفل صفحة نادين دي نهائيًا وإن شاء الله ربنا هيوعدك بالأحسـن..
تحدث زين بسخرية:_أنا معتش عايز ولا الأحسن ولا غيـره، أنا استكفيت لحد كدا..
أردف أدهم بثقة:_بكرا تيجي اللي تغيير نظرتك يا باشا..
ثم نهض من مكانه مستطردًا:_يلا قوم خودلك شاور واحلق دقنك ده بدل منظرك اللي يعـر ده!
ابتسم زين ونهض معـهُ، وهو يحـاول نسيان ما حدث معـهُ وجرح قلبـهُ الذي ما زال ينزف بشدة..
*******************
في اليوم التالي وخاصةً في كلية التجـارة يدلف الفتيات الثلاثة خارج المُدرج بفرح فأردفت نيرة بسعادة:_وأخيرًا يا جدعان خلصنا امتحانات وخلصنا كلية نهائيًا، أوف كانت سنة مُتعبة وفترة صعبة!
هاتفت إنجي بتفكير:_إحنا خلصنا فعلًا بس تفتكري هننجخ بمُذاكرة الكلابي اللي كنا بنذاكرها دي؟
أردفت يارا:_والله أنا مش واثقـة، بس إحنا لو ما نجحناش ماما وبابا هينفخونا.. "يارا والديها متوفيين كما ذكرنا سابقًا، ولكنها تلقب عمها وزوجتهُ بأبي وأمي لأنهم من قاموا بتربيتها، ولم يحسسوها بفراق عائلتها.."
تحدثت نيرة بثقـة:_أنا بابا مش هيعملي حاجه علشان إحنا كان عندنا حالة خطف وأكشن وأحزان بئا وحجات كتير يعني عندي عُذري!
دفعتها إنجي بغيظ:_طب يلا يا بتاعت عذر إن شاء الله هننجح كلنا..
تساءلت يارا:_المهم هنعمل إيه دلوقتي؟
أردفت نيرة بسعادة:
_هنروح لهبة مقر الشركة بتاعتها المتوضعة، هي وندى هناك بيظبطوا اللمسات الأخيرة..
أمـأ لها الفتاتان بحماس وصعدوا معها في السيارة منطلقين نحو مقر شركة هبة التي هي بالأساس منزل والدتها فعندما أصرت هيام وأيضًا عز على مكُوثها معهم قررت تجهيزها ليكون مقر شركتها وقد ساعدتها ندى وهيام في تجهيز كل شيء، بعد وقت قليل صفت نيرة سيارتها أمام بنية ذات إطلالة رائعة وفي مكان راقي وصعدوا حتى الدور الثاني..
كانتا هبة وندى قد انتهوا من كُل شيء فأهتفت نيرة بابنهار:
_لأ عاش يا بنات، حقيقي تنفعوا في الديكور إيه العظمة دي!
أردفت هبة بفخر:_طبعًا يا بنتي هو إحنا إي حد ولا إيه..
أخذت يارا تدور في المكان قائلة:_حقيقي تسلم إيديكم..
بينما إنجي جلست على أحد المقاعد مُرددة:
_المهم يعني يا أُستاذة هبة إحنا خلصنا جامعة صحيح النتيجة لسه مش طلعت بس مش مهم إحنا اعتبرنا نفسنا اتخرجنا خلاص، هتشغلينا معاكِ بئا ولا إيه؟
جلست هِبة على مكتبها ووضعت قدم فوق الأخرى بتكبر مصطنع مُرددة بمرح:_والله اللي هيشتغل عندي في شركتي الفخمة دي لازم يكون عنده خبرة ومؤهلات مُعينة..
ركلتها نيرة في قدماها بغيظ هاتفـة:_خبرات ومؤهلات إيه يا حجة أنتِ دا أنتِ يزيدك شرف إن إحنا نشتغل معاكِ..
رمقتها هبـة بضيق مصطنع قائلة:
_طب إيه رأيك بئا يا أوزعة إنتِ إني هشغل يارا وإنجي معايا إنما أنتِ لأ..
جلست نيرة بلامبالاة قائلة:_يا بنتي ولا يهمني دا أنا أي شركة تتمناني، وبعدين وأنا أروح أشتغل عند الناس ليه شركة أولى بيا يا حبيبتي؟
نظر لها الجميع بستغراب فتنحنحت مرددة:_شركة بابا يعني..
ضحك الجميع فأردفت هبة بسخرية:
_الله على روح الاجتهاد، دا بدل ما تقولي هبني نفسي بنفسي!
أردفت نيرة بلامبالاة:_ابني نفسي إيه يا ماما، أنا عاوزه أتجوز قال ابني نفسي قال..
نهضت ندى من مكانها قائلة بضحك:_لأ عاش يا بنتي والله، أنا ماشية..
سألتها نيرة:_رايحـة فين؟
أجـابتها ببتسامة:_هقابل أدهم..
غمزت لها بشقاوة مرددة بمرح:_أيوة بئا يا سيدي، الله يسهلوا عقبالنا يــارب..
ضحكت ندى وهي تهز رأسها بيأس وودعتهم ذاهبة بينما ظل الفتيات الثلاثة مع هبة التي أخذت تُوريهم المكان بأكملهُ، حتى أنها عرضت عليهم بعض التصاميم التي بدأت فيها مؤخرًا، والبعض من تصميمها القديمة التي كانت ترسمها وتحتفظ بيها على أمل أن تُحقق حلمها بأن تصبح مُصممة أزياء مشهورة..
أما عن ندى ذهبت إلى النادي حيثُ طلب أدهم مقابلتها هُناك كانت تسير وهي غير منتبهة فقد كانت تحاول الوصول إلى أدهم وتتصل بهِ ولكنه لا يُجيب حتى اصتدمت في شخصًا ما يحمل بيده كوبًا من الفراولة الطازجة والتي لوثة ثياب ندى التي كانت ترتدي بلوزه من اللون الفيروزي تحتها جيبة سوداء أنيقة، شهقت ندى بصدمة وهي تنظر لثيابها فأردف الآخر بغضب مُصطنع:
_إيه يا آنسـة مش تفتحي، ولا أنتِ عامية؟
لم تميز ندى الصوت من شدة صدمتها ولكنها أردفت بغضب وهي ما زالت تنظر إلى ثيابها:_أنا بردو اللي عامية ولا أنت اللي...
بترت كلماتها عندما رفعت عيناها ورآت الواقف أمامها ببتسامة هادئة ويغمز لها بمرح وحاجب مرفوع فأردفت بعدم استيعاب:
_أدهــم!!
اقترب منها قليلًا وهمس في أذناها بمكر مرددًا:_كدا خالصين يا زوجتي العزيزة..
ابتعد عنها فكانت ما زالت في صدمتها سرعان ما فهمت مقصدهُ فأردفت بغضب:_يعني أنت كنت قاصد؟
أمأ لها ببساطة وتكبر وهو يبتسم فرمقته بغيظ وانطلقت من أمامـهُ بضيق وهي تكاد تبكي من هيئتها وملابسها الملوثة، فضحك أدهم وركض خلفها حتى مسك يدها وجذبها إليه قائلًا:
_إهدي بس، وبعدين مش أنتِ اللي بدأتِ؟
نظرت لهُ بغضب قائلة بغيظ مكتوم:_بس في اليوم ده كان غصب عني وبعدين أنت اللي خبطت فيا مش أنا..
أردف بهدوء:_بس في اليوم ده أنتِ اتعصبتِ عليا وكمان سبتيني ومشيتِ..
ضيقت عيناها مرددة بسخرية:_وهو أنا كنت أعرف إنه أنت يعني؟
ضحك ضحكتهُ الساحرة قائلًا بمرح:_طب خلاص بئا مكنش حتة تصادم..
مدت شفتاها بضيق ونظرت إلى ملابس مرددة بحزن:_تصادُم إيه بس، شوفت لبسي عامل إزاي، همشي إزاي كدا؟
ابتسم وهو ينزع جاكيتهُ الجلدي الأسود وألبسها إياهُ وأحكم غلقهُ فلم تعد تظهر بلوزتها الملوثة ومسك يدها قائلًا:_ولا يهمك يا حبيبتي، تعالي نشتري لبس تاني غير ده كتعويض..
ابتسمت من طريقته وذهبت معهُ، قضوا الوقت معًا فبعد أن اشترى لها ملابس أخرى غير ملابسها التي لوثتها عصير الفراولة، أخذها أدهم وتناولوا وجبة الغداء ثم أوصلها إلى المنزل..
نظرت له ببتسامة شكر قائلة برقة:_شُكرًا يا أدهم على اليوم اللطيف ده؟
ابتسم لها بعشق قائلًا:_المهم تكون مبسوطة!
أمأت رأسها بسعادة قائلة بصدق:_جدًا..
أردف بمرح وهو يمد يدهُ إليها:_طب هاتي يلا!
عقدت حاجبيها بتعجب وعدم فهم قائلة:_أجيب إيه؟
أجـابها بمشاغبة:_حق اليوم..
ابتسمت مرددة:_أمممم عاوز كام بئا؟
رفع كتفاهُ مرددًا:_والله شوفي أنتِ بئا أنا أستاهل قد إيه؟
نظرت أمامها بتفكير وابتسامة رائعـة ودون سابق إنذار قبلتهُ من خده قُبلة خاطفة وهبطت من السيارة راكضة باتجاة البيت، بينما أدهم اتسعت عيناه صدمة ولكن سُرعان ما ابتسم بعشق وهو يضع يدهُ على خدهِ، هبط من السيارة كانت تقف أمام البيت بخجل وسعادة لوحت لهُ ودلفت إلى الداخل، بينما أدهم ظل واقف مكانه قليلًا ثم صعد السيارة وانطلق ذاهبًا وهو يبتسم بعشق..
دلفت ندى إلى الداخل وهي تبتسم بسعادة، تشعر وكأنها ترفرف من كمية المشاعر التي شعرت بها بجانبهُ هو فقط، فمعـهُ عرفت معنى الحُب الذي كان يتحدث عنه أصدقائها دايمًا، لم تنتبه لشقيقتها الجالسة تنظر لها بستغراب وعندما كادت أن تصعد إلى الخلف استمعت إلى صوت خلفها مباشرةً يردف بمرح:
_اللي واخد عقلك يتهنى بيه يا جميل..
شهقت ندى بفزع وهي تضع يدها على قفصها الصدري قائلة بغيظ:_حرام عليكِ يا بنتي، والله هتجيبيلي سكتة قلبية في يوم!
تناولت ثمرة التفاح التي بيدها قائلة بلامبالاة:_وأنا مالي ياختي ما أنتِ اللي ماشية سرحانة، وبعدين قلبك اللي رُهيف أعملك إيه يعني..
هزت رأسها بيأس من هذه الفتاة مرددة بدعاء:_يا شيخة إمتا تلاقي حد يعبرك ونخلص منك بئا..
أخذت نيرة تُأمن ورائها بتمني وهي تأكل التُفاح قائلة:_يــارب يا حبيبتي، ادعي بضميـر أنتِ بس..
نظرت لها شزرًا ولم تتحدث بل تركتها وجلست على الأريكـة ب
مُتسائلة:_أنتِ جيتِ من إمتا؟
أجـابتها:_من نُصاية كدا..
_طب هبة فين، ما جاتش معاكِ ولا إيه؟
أمسكت جهاز تشغيل التلفاز وهي تجيبها:_جات معايا، بس قالت هتنام شوية علشان دماغها مصدعـة..
أمأت ندى بتفهم ثم نهضت وأمسكت حقيبتها وتوجهت ناحية الدرج مُرددة:_وأنا كمان هطلع أنام..
*****************
كان سيف يجلس أمام والدهُ مُرددًا ببكاء مصطنع:_يا بابا بقولك عاوز أتجوز، هو أنا بطلب حاجه صعبة المنال..
أخذ والده يتناول الموز قائلًا بجدية زائفة:_دي مش صعبـة المنال دي مُستحيلة يا بني أنت فاهم أنت بتطلب إيه؟
ربع سيف قدماه جالسًا على الأرض أمام والدهُ والذي يُدعى حمزة قائلًا بضجر فهو على هذه الحالة مُنذ أكثر من ساعة:_بطلب إيه بس يا حج؟
تنهد حمزة بقوة ونظر له قائلًا:_يا سيف يا حبيبي أنت لسه صُغير والعُمر قدامك ليه تاخود خطوة زي دي دلوقتي، عاوز تدمر مُستقبلك يا بني؟
نظره له بجهل قائلًا:_أدمر مُستقبلي إيه يابا بقولك هتجوز هو أنا بقولك هشرب مُخدرات..
هز رأسه حمزة بحسرة قائلًا:_يا ريتك قولتلي أشرب مخدرات أحسن ما تقول عاوز أتجوز، يا بني الجواز ده لو عاوز تنتحر تروح تتجوز، ليه بئا، قول ليه..
وضع سيف يده على خده قائلًا:_ليه؟
أردف بحكمة ليست موجودة من الأساس:_علشان يا حبيبي هيجيلك السُكر والضغط وأنت لسه في عز شبابك، وهتلاقي نفسك اتحولت من شاب جنتل مزاجك رايق مش شايل هم حاجه، لراجل مدهول وطالع عينك في الشغل وفي شراء البامبرز وأنت راجع من الشُغل لحد ما عقلك يطير من الصريخ طول الليل.. يرضيك تعمل في نفسك كدا يا بني يا حبيبي؟
أمأ برأسـه قائلًا:_آه والله يرضيني..
كشـر وجهه بعدم رضى قائلًا:_يعني ما اقتنعتش بكلامي؟
تنهد سيف بقوة ونظر له بضجر ولكنه أردف بهدوء:_اقتنع بإيه بس يا حج، دا أنت ذات نفسك ما اقتنعتش والنتيجة أنا أهوت قاعد قدامك..
هز حمزة رأسه بآسى هاتفًا:_ما هو علشان كدا بوعيك يا بني، مش بيقولك اسأل مجرب ولا تسأل طبيب وأنا علشان مجرب بقولك بلاش هترجع تندم بعدين..
ضيق سيف عيناه مرددًا:_يعني أنت ندمان إنك اتجوزت ماما؟
_طبعًا، قصدي لأ طبعًا هو أمك دي في منها اتنين، كانت ست، كنت بعملها كأنها ملكـة..
لـَو سيف فمهُ هامسًا بسخرية:_أيوة علشان كدا ماتت من الهنا..
ضيق حمزة عيناه قائلًا:_بتقول إيه ياض؟
ابتسم بسماجة مُرددًا:_ولا حاجه يا حج دا أنا بقول حضرتك هتكلم والدها بئا علشان تفرح بيا يا ميزو..
تنهد والده بقلة حيلة قائلًا:_أمري لله، أنا حاولت أوعيك بس أنت اللي مش راضي، خلاص بئا أنت حُر، اسم والدها إيه؟
جلست سيف على رُكبتيه مُرددًا بسعادة وحماس:_حبيبي يا ميزو أبوها اسمهُ عز الدين المنشاوي..
اتسعت عين حمزة صدمة هاتفًا:_أنت عاوز تتجوز بنت عز؟
ابتلع سيف ريقـهُ بتوتر فلماذا أنصدم والده بتلك الطريقة وأمأ رأسهُ ببطء وترقب وبدأت ضربات قلبه تزداد..
دلف إلى الصالون وجلس على أقرب مقعد، فدلف أدهم ورائهُ وجلس على الأريـكة المُقابلة له وأراح ظهرهُ للخلف براحـة وأخذ ينظر له ببرود وهو يربع يده الإثنان أمام قفصهُ الصدري..
نظر له زين بترقب هاتفًا بضجر:_ما تبصليش البصة دي يا أدهم لو سمحت!
رفع أدهم حاجبيه مُرددًا ببرود:_أومال عايزني أُبُصلك إزاي يا بيـه؟
زفـر زين بقوة حتى يخرج ذلك الثقل من أعماق قلبهُ قائلًا:_كُنت محتاج وقت علشان أعيد فيه حساباتي..
_ويا ترى اخدت وقتك؟
أمـأ برأسـهُ مُرددًا:_أيـوة، وصلحت الحسابات الغلط..
سألـهُ بغموض:_نادين صح؟
شعر زين بالغضب عندما أتت سيرتها فكتم غضبهُ الذي قرأه أدهم وأجـاب:_كان أكبر غلط في حياتي، وللأسف اكتشفته متأخر أوي.. ثم ابتسم بسخرية:_تخيـل إنها طلعت فتاة ليل، والأنقح بئا إنها كانت مترهنة عليا مع صُحابها الزبالة، بس قالت بما إنه معـاه فلوس استمتع شوية، يعني الوش الملايكي ده كله يطلع منها كل الوساخة دي! تقريبًا البنات كلها صنف واحد،صنف زبالة..
كانت يتحدث بقهر وغضب حقيقي، فأردف أدهم بهدوء:
_أولًا يا زين نادين دي مكنتش ملاك ولا حاجه، وكان ظاهر جدًا وكلنا حظرناك منها حتى والدتك اللي أول ما شافتها ما ارتحتش ليها، بس أنت الحب كان عامي قلبك وعقلك عن الحقيقة..
ثانيًا مش كل البنات صنف واحد، في الحلو وفي الوحش.. أقفل صفحة نادين دي نهائيًا وإن شاء الله ربنا هيوعدك بالأحسـن..
تحدث زين بسخرية:_أنا معتش عايز ولا الأحسن ولا غيـره، أنا استكفيت لحد كدا..
أردف أدهم بثقة:_بكرا تيجي اللي تغيير نظرتك يا باشا..
ثم نهض من مكانه مستطردًا:_يلا قوم خودلك شاور واحلق دقنك ده بدل منظرك اللي يعـر ده!
ابتسم زين ونهض معـهُ، وهو يحـاول نسيان ما حدث معـهُ وجرح قلبـهُ الذي ما زال ينزف بشدة..
*******************
في اليوم التالي وخاصةً في كلية التجـارة يدلف الفتيات الثلاثة خارج المُدرج بفرح فأردفت نيرة بسعادة:_وأخيرًا يا جدعان خلصنا امتحانات وخلصنا كلية نهائيًا، أوف كانت سنة مُتعبة وفترة صعبة!
هاتفت إنجي بتفكير:_إحنا خلصنا فعلًا بس تفتكري هننجخ بمُذاكرة الكلابي اللي كنا بنذاكرها دي؟
أردفت يارا:_والله أنا مش واثقـة، بس إحنا لو ما نجحناش ماما وبابا هينفخونا.. "يارا والديها متوفيين كما ذكرنا سابقًا، ولكنها تلقب عمها وزوجتهُ بأبي وأمي لأنهم من قاموا بتربيتها، ولم يحسسوها بفراق عائلتها.."
تحدثت نيرة بثقـة:_أنا بابا مش هيعملي حاجه علشان إحنا كان عندنا حالة خطف وأكشن وأحزان بئا وحجات كتير يعني عندي عُذري!
دفعتها إنجي بغيظ:_طب يلا يا بتاعت عذر إن شاء الله هننجح كلنا..
تساءلت يارا:_المهم هنعمل إيه دلوقتي؟
أردفت نيرة بسعادة:
_هنروح لهبة مقر الشركة بتاعتها المتوضعة، هي وندى هناك بيظبطوا اللمسات الأخيرة..
أمـأ لها الفتاتان بحماس وصعدوا معها في السيارة منطلقين نحو مقر شركة هبة التي هي بالأساس منزل والدتها فعندما أصرت هيام وأيضًا عز على مكُوثها معهم قررت تجهيزها ليكون مقر شركتها وقد ساعدتها ندى وهيام في تجهيز كل شيء، بعد وقت قليل صفت نيرة سيارتها أمام بنية ذات إطلالة رائعة وفي مكان راقي وصعدوا حتى الدور الثاني..
كانتا هبة وندى قد انتهوا من كُل شيء فأهتفت نيرة بابنهار:
_لأ عاش يا بنات، حقيقي تنفعوا في الديكور إيه العظمة دي!
أردفت هبة بفخر:_طبعًا يا بنتي هو إحنا إي حد ولا إيه..
أخذت يارا تدور في المكان قائلة:_حقيقي تسلم إيديكم..
بينما إنجي جلست على أحد المقاعد مُرددة:
_المهم يعني يا أُستاذة هبة إحنا خلصنا جامعة صحيح النتيجة لسه مش طلعت بس مش مهم إحنا اعتبرنا نفسنا اتخرجنا خلاص، هتشغلينا معاكِ بئا ولا إيه؟
جلست هِبة على مكتبها ووضعت قدم فوق الأخرى بتكبر مصطنع مُرددة بمرح:_والله اللي هيشتغل عندي في شركتي الفخمة دي لازم يكون عنده خبرة ومؤهلات مُعينة..
ركلتها نيرة في قدماها بغيظ هاتفـة:_خبرات ومؤهلات إيه يا حجة أنتِ دا أنتِ يزيدك شرف إن إحنا نشتغل معاكِ..
رمقتها هبـة بضيق مصطنع قائلة:
_طب إيه رأيك بئا يا أوزعة إنتِ إني هشغل يارا وإنجي معايا إنما أنتِ لأ..
جلست نيرة بلامبالاة قائلة:_يا بنتي ولا يهمني دا أنا أي شركة تتمناني، وبعدين وأنا أروح أشتغل عند الناس ليه شركة أولى بيا يا حبيبتي؟
نظر لها الجميع بستغراب فتنحنحت مرددة:_شركة بابا يعني..
ضحك الجميع فأردفت هبة بسخرية:
_الله على روح الاجتهاد، دا بدل ما تقولي هبني نفسي بنفسي!
أردفت نيرة بلامبالاة:_ابني نفسي إيه يا ماما، أنا عاوزه أتجوز قال ابني نفسي قال..
نهضت ندى من مكانها قائلة بضحك:_لأ عاش يا بنتي والله، أنا ماشية..
سألتها نيرة:_رايحـة فين؟
أجـابتها ببتسامة:_هقابل أدهم..
غمزت لها بشقاوة مرددة بمرح:_أيوة بئا يا سيدي، الله يسهلوا عقبالنا يــارب..
ضحكت ندى وهي تهز رأسها بيأس وودعتهم ذاهبة بينما ظل الفتيات الثلاثة مع هبة التي أخذت تُوريهم المكان بأكملهُ، حتى أنها عرضت عليهم بعض التصاميم التي بدأت فيها مؤخرًا، والبعض من تصميمها القديمة التي كانت ترسمها وتحتفظ بيها على أمل أن تُحقق حلمها بأن تصبح مُصممة أزياء مشهورة..
أما عن ندى ذهبت إلى النادي حيثُ طلب أدهم مقابلتها هُناك كانت تسير وهي غير منتبهة فقد كانت تحاول الوصول إلى أدهم وتتصل بهِ ولكنه لا يُجيب حتى اصتدمت في شخصًا ما يحمل بيده كوبًا من الفراولة الطازجة والتي لوثة ثياب ندى التي كانت ترتدي بلوزه من اللون الفيروزي تحتها جيبة سوداء أنيقة، شهقت ندى بصدمة وهي تنظر لثيابها فأردف الآخر بغضب مُصطنع:
_إيه يا آنسـة مش تفتحي، ولا أنتِ عامية؟
لم تميز ندى الصوت من شدة صدمتها ولكنها أردفت بغضب وهي ما زالت تنظر إلى ثيابها:_أنا بردو اللي عامية ولا أنت اللي...
بترت كلماتها عندما رفعت عيناها ورآت الواقف أمامها ببتسامة هادئة ويغمز لها بمرح وحاجب مرفوع فأردفت بعدم استيعاب:
_أدهــم!!
اقترب منها قليلًا وهمس في أذناها بمكر مرددًا:_كدا خالصين يا زوجتي العزيزة..
ابتعد عنها فكانت ما زالت في صدمتها سرعان ما فهمت مقصدهُ فأردفت بغضب:_يعني أنت كنت قاصد؟
أمأ لها ببساطة وتكبر وهو يبتسم فرمقته بغيظ وانطلقت من أمامـهُ بضيق وهي تكاد تبكي من هيئتها وملابسها الملوثة، فضحك أدهم وركض خلفها حتى مسك يدها وجذبها إليه قائلًا:
_إهدي بس، وبعدين مش أنتِ اللي بدأتِ؟
نظرت لهُ بغضب قائلة بغيظ مكتوم:_بس في اليوم ده كان غصب عني وبعدين أنت اللي خبطت فيا مش أنا..
أردف بهدوء:_بس في اليوم ده أنتِ اتعصبتِ عليا وكمان سبتيني ومشيتِ..
ضيقت عيناها مرددة بسخرية:_وهو أنا كنت أعرف إنه أنت يعني؟
ضحك ضحكتهُ الساحرة قائلًا بمرح:_طب خلاص بئا مكنش حتة تصادم..
مدت شفتاها بضيق ونظرت إلى ملابس مرددة بحزن:_تصادُم إيه بس، شوفت لبسي عامل إزاي، همشي إزاي كدا؟
ابتسم وهو ينزع جاكيتهُ الجلدي الأسود وألبسها إياهُ وأحكم غلقهُ فلم تعد تظهر بلوزتها الملوثة ومسك يدها قائلًا:_ولا يهمك يا حبيبتي، تعالي نشتري لبس تاني غير ده كتعويض..
ابتسمت من طريقته وذهبت معهُ، قضوا الوقت معًا فبعد أن اشترى لها ملابس أخرى غير ملابسها التي لوثتها عصير الفراولة، أخذها أدهم وتناولوا وجبة الغداء ثم أوصلها إلى المنزل..
نظرت له ببتسامة شكر قائلة برقة:_شُكرًا يا أدهم على اليوم اللطيف ده؟
ابتسم لها بعشق قائلًا:_المهم تكون مبسوطة!
أمأت رأسها بسعادة قائلة بصدق:_جدًا..
أردف بمرح وهو يمد يدهُ إليها:_طب هاتي يلا!
عقدت حاجبيها بتعجب وعدم فهم قائلة:_أجيب إيه؟
أجـابها بمشاغبة:_حق اليوم..
ابتسمت مرددة:_أمممم عاوز كام بئا؟
رفع كتفاهُ مرددًا:_والله شوفي أنتِ بئا أنا أستاهل قد إيه؟
نظرت أمامها بتفكير وابتسامة رائعـة ودون سابق إنذار قبلتهُ من خده قُبلة خاطفة وهبطت من السيارة راكضة باتجاة البيت، بينما أدهم اتسعت عيناه صدمة ولكن سُرعان ما ابتسم بعشق وهو يضع يدهُ على خدهِ، هبط من السيارة كانت تقف أمام البيت بخجل وسعادة لوحت لهُ ودلفت إلى الداخل، بينما أدهم ظل واقف مكانه قليلًا ثم صعد السيارة وانطلق ذاهبًا وهو يبتسم بعشق..
دلفت ندى إلى الداخل وهي تبتسم بسعادة، تشعر وكأنها ترفرف من كمية المشاعر التي شعرت بها بجانبهُ هو فقط، فمعـهُ عرفت معنى الحُب الذي كان يتحدث عنه أصدقائها دايمًا، لم تنتبه لشقيقتها الجالسة تنظر لها بستغراب وعندما كادت أن تصعد إلى الخلف استمعت إلى صوت خلفها مباشرةً يردف بمرح:
_اللي واخد عقلك يتهنى بيه يا جميل..
شهقت ندى بفزع وهي تضع يدها على قفصها الصدري قائلة بغيظ:_حرام عليكِ يا بنتي، والله هتجيبيلي سكتة قلبية في يوم!
تناولت ثمرة التفاح التي بيدها قائلة بلامبالاة:_وأنا مالي ياختي ما أنتِ اللي ماشية سرحانة، وبعدين قلبك اللي رُهيف أعملك إيه يعني..
هزت رأسها بيأس من هذه الفتاة مرددة بدعاء:_يا شيخة إمتا تلاقي حد يعبرك ونخلص منك بئا..
أخذت نيرة تُأمن ورائها بتمني وهي تأكل التُفاح قائلة:_يــارب يا حبيبتي، ادعي بضميـر أنتِ بس..
نظرت لها شزرًا ولم تتحدث بل تركتها وجلست على الأريكـة ب
مُتسائلة:_أنتِ جيتِ من إمتا؟
أجـابتها:_من نُصاية كدا..
_طب هبة فين، ما جاتش معاكِ ولا إيه؟
أمسكت جهاز تشغيل التلفاز وهي تجيبها:_جات معايا، بس قالت هتنام شوية علشان دماغها مصدعـة..
أمأت ندى بتفهم ثم نهضت وأمسكت حقيبتها وتوجهت ناحية الدرج مُرددة:_وأنا كمان هطلع أنام..
*****************
كان سيف يجلس أمام والدهُ مُرددًا ببكاء مصطنع:_يا بابا بقولك عاوز أتجوز، هو أنا بطلب حاجه صعبة المنال..
أخذ والده يتناول الموز قائلًا بجدية زائفة:_دي مش صعبـة المنال دي مُستحيلة يا بني أنت فاهم أنت بتطلب إيه؟
ربع سيف قدماه جالسًا على الأرض أمام والدهُ والذي يُدعى حمزة قائلًا بضجر فهو على هذه الحالة مُنذ أكثر من ساعة:_بطلب إيه بس يا حج؟
تنهد حمزة بقوة ونظر له قائلًا:_يا سيف يا حبيبي أنت لسه صُغير والعُمر قدامك ليه تاخود خطوة زي دي دلوقتي، عاوز تدمر مُستقبلك يا بني؟
نظره له بجهل قائلًا:_أدمر مُستقبلي إيه يابا بقولك هتجوز هو أنا بقولك هشرب مُخدرات..
هز رأسه حمزة بحسرة قائلًا:_يا ريتك قولتلي أشرب مخدرات أحسن ما تقول عاوز أتجوز، يا بني الجواز ده لو عاوز تنتحر تروح تتجوز، ليه بئا، قول ليه..
وضع سيف يده على خده قائلًا:_ليه؟
أردف بحكمة ليست موجودة من الأساس:_علشان يا حبيبي هيجيلك السُكر والضغط وأنت لسه في عز شبابك، وهتلاقي نفسك اتحولت من شاب جنتل مزاجك رايق مش شايل هم حاجه، لراجل مدهول وطالع عينك في الشغل وفي شراء البامبرز وأنت راجع من الشُغل لحد ما عقلك يطير من الصريخ طول الليل.. يرضيك تعمل في نفسك كدا يا بني يا حبيبي؟
أمأ برأسـه قائلًا:_آه والله يرضيني..
كشـر وجهه بعدم رضى قائلًا:_يعني ما اقتنعتش بكلامي؟
تنهد سيف بقوة ونظر له بضجر ولكنه أردف بهدوء:_اقتنع بإيه بس يا حج، دا أنت ذات نفسك ما اقتنعتش والنتيجة أنا أهوت قاعد قدامك..
هز حمزة رأسه بآسى هاتفًا:_ما هو علشان كدا بوعيك يا بني، مش بيقولك اسأل مجرب ولا تسأل طبيب وأنا علشان مجرب بقولك بلاش هترجع تندم بعدين..
ضيق سيف عيناه مرددًا:_يعني أنت ندمان إنك اتجوزت ماما؟
_طبعًا، قصدي لأ طبعًا هو أمك دي في منها اتنين، كانت ست، كنت بعملها كأنها ملكـة..
لـَو سيف فمهُ هامسًا بسخرية:_أيوة علشان كدا ماتت من الهنا..
ضيق حمزة عيناه قائلًا:_بتقول إيه ياض؟
ابتسم بسماجة مُرددًا:_ولا حاجه يا حج دا أنا بقول حضرتك هتكلم والدها بئا علشان تفرح بيا يا ميزو..
تنهد والده بقلة حيلة قائلًا:_أمري لله، أنا حاولت أوعيك بس أنت اللي مش راضي، خلاص بئا أنت حُر، اسم والدها إيه؟
جلست سيف على رُكبتيه مُرددًا بسعادة وحماس:_حبيبي يا ميزو أبوها اسمهُ عز الدين المنشاوي..
اتسعت عين حمزة صدمة هاتفًا:_أنت عاوز تتجوز بنت عز؟
ابتلع سيف ريقـهُ بتوتر فلماذا أنصدم والده بتلك الطريقة وأمأ رأسهُ ببطء وترقب وبدأت ضربات قلبه تزداد..
