الفصل الثاني
(٢)
....... ....... ......... ........
أنهى فريد المحادثة مع أخيه وجلس بجوار ظافر الغاضب"إسمع يا ظافر, أنا عارف إن علاقتك بالبلد اتقطعت من تلاتاشر سنة, بس هيفضلوا مهما طال غيابنا أهلنا وناسنا في مصر, وأصولنا صعيدية, وإنت مهما حصل ليك إخوات لازم تشاركهم أفراحهم وأتراحهم, الجوازه دي مش لمصلحتك إنت وبس, دي كمان لمصلحة أخوك وكل شباب العيلة, التارنار بتفضل تآكل في كل عيلة لحد ما تقضي عليها, وتنهي سلسالها وكمان اللي سمعته عن البنت إنها جميلة ومتعلمه وهتبقى دكتورة, يعني تناسب وسطك ومستواك التعليمي والثقافي ووضعك الحالي, إتجوزها وخليها الزوجه اللي تحمل إسمك وأولادك".
ليقول ظافر بضيق موضحا"بس أنا ليا صديقة, لارا، وإنت عارف طبيعة العلاقة بينا, وبصراحة هيه الوحيدة اللي برتاح معاها وفكرت كتير إتجوزها".
انتفض فريد وحدق في ابن أخيه بغضب"بتفكر تتجوز لارا, اللي كل يوم في حضن واحد من أصحابك, اللي عاشرتك وعاشرت غيرك كتير, بقى دي اللي عايزها تحمل أولادك وتبقى أم ليهم, إسمع مني يا ظافر, كوثر هي اللي هتبقي مراتك وأم أولادك, عيش نزواتك براحتك, وصدقني لما هتشبع هتعرف قيمة الزوجة الطاهرة, دي كانت نفس حالتي مع أشجان, كانت زوجتي, وكان ليا مئات العلاقات, لكن لما دورت على الإستقرار كانت هي بس, وربنا رزقني منها بمي بعد سنين من المحاولات, وعلى الرغم من إنها ماتت وأقدر أعمل علاقات زي ما أنا عايز, لكني زهدت العلاقات الفارغة, اللي بتكون ليلة وتعدي, بقيت ببحث عن الإستقرار والسكن في حضن واحدة بحبها وتخاف عليا, مش مجرد علاقة تنتهي بعد ما أمل، إتجوز وأسس أسرتك, وعيش حياتك, وصدقني مش هتندم, لما تعرف حلاوة الإستقرار اللي هتلاقيه مع واحدة تحتويك, وتكون ليك الزوجة والأم والأخت والابنة والحبيبة والعشيقة، ومش هتخسر حاجة, جرب وإنت الكسبان في كل الحالات".
ظافر بتنهيدة ونفاذ صبر"خلاص يا عمي موافق, على الأقل تأخد بالها من مي وتبقى شريكة تحت الطلب في سريري".
ضحك فريد من سطحية ابن أخيه وعدم فهمه لقدسية الزواج والزوجه التي خلقها الله سكنا لزوجها وليس لإشباع رغباته فقط ورد عليه بسخرية"بيتهيألك, بكره الأيام هتعلمك, يلا إتصل بأبوك وبلغه, خليه يفرح, وحدد معاه ميعاد نزولك لمصر".
ليتصل ظافر، ويبلغ أبيه بموافقته وطمأنه بأنه سينزل في أقرب فرصة إلى مصر لإتمام زواجه كما يرغب.
تهللت أسارير الحاج منصور و قال لابنه بصوت ممزوج بالراحة"ألف مبروك يا ولدي وإحنا دلوجيت رايحين نخطبها لك، ونحدد ميعاد الزفاف ليك ولخيتك، أول الشهرالچاي بإذن الله".
ليقول له ظافر بقلة حيلة"اللي تشوفه يا دادي, وأنا هبلغك أول ما أحجز للسفر".
رد عليه أبوه براحة"خلاص إنت حدد, وأنا هضبط كل حاجه لرجوعك بالسلامة لبلدك بعد غياب سنين, وهتبجي الفرحة فرحتين برجوعك لينا, وچوازك يا غالي".
وأغلق معه, وطلب من زوجته الإستعداد للذهاب إلى دار الشيخ سليم لخطوبة إبنته كوثر لظافر, والإتفاق على ميعاد الزفاف.
*********************************************
في دار الشيخ سليم
العمل قائم على قدم وساق لتجهيز الدار لإستقبال أهل عريس الدكتورة كوثر, وإتمام إتفاق إنهاءالخصومة بالنسب .
عادت كوثرمن كليتها وأثارت دهشتها تلك الحركة الغريبة بالدار وسألت زوجة أخيها بحيرة
"فيه إيه يا مرت خوي؟ حاسا بحركة غريبه بالدار؟ هوه فيه حد عندنا هيتجوز وإلا إيه؟ شايفه الكل بيعلج الزينات والكهارب لإيه كل ده؟"
ردت فؤادة زوجة أخيها بحب"مبروك يا عروسة, الليلة هنجرا فاتحتك على واحد من ولاد عيلة الدفراوى, إختاروكي لاجل تكوني لواحد منيهم علشان يوجفوا التار وهيربطوا بينكم بالنسب".
ضحكت كوثر بسخرية غير مصدقه لكلام زوجة أخيها"أكيد إنتي بتهزري جواز إيه؟ ومين ده اللي في عيلة الدفراوي اللي أجبل أشيل إسمه وأبجي مرته؟ لاء طبعا أنا مش موافجة, وبلغيهم حديتي ده, لو على جثتي مش هتجوز واحد منهم".
دخل بدر غاضبا لدار عمه وسمع كلام بنت عمه كوثر فهدأ قلبه وشعر بالراحة أن رأيها نفس رأيه.
ونادى بصوت عالي "يا عمي, يا شيخ سليم, يا شيخ سليم".
خرج له الشيخ سليم وولده هاشم على صوته ورأتهم كوثر.
ذهبت كوثر مسرعة إلى أبيها وألقت بنفسها بين ذراعيه, تلتمس الأمان والراحة والطمأنينة ورفعت وجهها له وقالت"بوي آني مش جابلة بالجوازه دي, أنا كلتها سنتين وأبجي دكتورة, ماريداش أتجوز جبل أكده, من راجل يتحكم فيا, وبمستجبلي، ولاه كمان غريب عني ومن عيله بينا وبينهم عداوة ودم!!!"
تطلع لها بدر بفخر, لإعتزازها بكرامتها وثقتها بنفسها,وقال لها بمرح"سلم لسانك يا بت عمى وأنا من رآيك, أنا كمان مش هتجوز من بتهم ورافض الإتفاج يا كبيرنا, ولو على كوثر أنا رايدها وأولى بيها من أي حد تاني".
جلس الشيخ سليم وتطلع لهما بهدوء"هيه, خلصتو حديتكم إنتو الإتنين؟ إدخلي يا كوثر غيري خلاجاتك دي, لأن أهل عريسك چايين يطلبوا يدك, أما إنت يا بدر, بكره تچهز حالك نروح نطلب بتهم سميحة ليك, وحديتي ده مفيش فيه راجعة, وكلمتي سيف على رجابكم, لازمن تنفذوها فاهمين؟ ولا أعيد حديتي تاني؟".
ضربت كوثرقدمها بالأرض بعصبية"لاء يا بوي, أنا ماهتجوزش بالطريجه دي, وأكون كبش الفدا لإتفاجاتكم, دي حياتي, وأنا اللي هعيشها ولازم أتجوزعلى الأسس السليمة للجواز, مش مجرد وسيلة للتصالح يا بوي, الزواج عشرة وأسرة وحياة وكمان مش بالأمر, إنت معلمتنيش كل السنين دي علشان أجبل أتجوز بالغصب, وكمان أنا ماعايزاش أتجوز واد عيلة الدفراوى لو هتموتني".
نظرإليها أبيها شذرا, وهب واقفا وصاح فيها معنفا"لو حصل وكسرتي كلمتي, يبجى خوكي يتاويكي يا دكتورة, ياعاجلة, ياللي تعرفي ربنا, أنا بجوازك بجصر الشر, وبحافظ على خواتك, وواد عمك من بحر الدم والتار اللي ما بيخلصش, وإنتي بتتحديني وتجولي ما أتجوزش, إسمعي يا بت عالية، النهاردة خطوبتك هتم, سواء وافجتي أو ما وافجتيش, وأول الشهر هيكون زفافك على ظافر واد عيلة الدفراوى فاهمة وإلا لأ؟"
حدقت كوثر في أبيها بدهشة وتوتر"بتجول مين؟ المهندس ظافر واد منصور الدفراوي هوه عريسي؟"
نظر إليها أبوها بإستغراب لسؤالها ودهشتها"إيوه عريسك ظافر, وبدر هيتجوز سميحة أخته، وإكده هنجدر نوجف بحور من الدم مكنتش راح تنتهي, يلا روحي جهزي حالك, وإنت يا بدر يا واد خوي, أنا معنديش إستعداد أوهبك للموت في قضية خسرانة, كفاية خوي وواد عمى اللي ماتوا وهما لسه شباب, وإنت الدوراللي جاي هيكون عليك بعد ما تأخد تار بوك, هوه ده اللي إنت عايزه يا متعلم, يا ولد المدارس, وعايز تترك نفسك للموت وتضيع حياتك والمستجبل فاتح ليك ذراعه لنجاحك لية تجتل طموحك؟".
طأطأ بدررأسه نحو الأرض وقال بصوت يكسوه الحزن"أنا موافج إني أتنازل عن حجي في دم أبوي ويبجى بينا صلح، لكن متكونش كوثرهيه المجابل ولا أنا, يا عمي أنا رايد بتك، وكنت مستني تخلص دراستها وأطلبها منك, ماعايزش أتچوز غيرها ولا هيه تكون مرت غيري, لأ, وكمان مرت عدوي، والله ما هجدر أتحمل يا عمي تكون في حضن راجل غيري, وتحمل في حشاها ولادهم, كتير جوي عليا".
احتضن الشيخ سليم بدر بعطف وحاول تهدئته"إسمع يا بدر, أنا عارف إنك أولى بكوثر من أي راجل بالعيلة أو بالبلد, لكن إحنا خدنا خير ما فيهم, وهما خدو خير ما فينا, ونفس الحال ينطبج عليك إنت زين الشباب وبتهم سميحه بت زينة ومليحة, واللي متعرفهوش إنها خيت كوثر بالرضاعة، لأن أم سميحة كانت مريضة, وعالية, الله يرحمها كانت بترضعها على كوثر, وعلشان إكده لو كان يجوز كنت جوزتها لولدي حتى على خيتك فؤادة، لكن سميحه خيت ولادى وما تجوزش لحد منهم، فهمت ليه جبلت بجوازك إنت من بتهم علشان أحميك وأحافظ على شبابك من نار التار يا واد خوي وحسه الباجي بالدنيا".
دمعت عين بدر ونظر لكوثر بحزن وطأطأ رأسه بألم"أباي يا عمي, وجعت جلبي لما وافجت تحرمني من بت عمي, لكني خدت عهد على نفسي عمري ما أكسرلك كلمة, أنا تحت أمرك يا عمي, وهنفذ إتفاجك حتى لو على رجبتي".
ربت الشيخ سليم على كتفه بمودة"طول عمرك راجل ودايما فعلك فعل الكبار, مبروك يا ولدى".
وتطلع لكوثر الصامته بسكون"وإنتي يا بت سليم, الراجل وافج على حديتي, إنتي ردك هيكون إيه؟ هتكسري كلمتي وإتفاجي مع رجالة البلد, وإلا هتكبري أبوكي وتضحي لمصلحة شباب العيلة؟"
نظرت كوثر لأبيها، وعقلها شارد وتشعر بأن الدنيا تدوربها.
ومر شريط حياتها يجري أمام عينيها.
ذكرى قديمة
رأت ظافر منذ ثلاثةعشرعاما مقبلًا عليها، مذعورًا يوم مقتل ابن عمها سويلم على يد عمه متولي، وهو مسرع إليها وملابسه ملطخة بالدماء وأمسك يدها ولطخ ملابسها الزاهية بالدم, وهزها وهو يصيح فيها بحزن عميق"الدم فرج بينا يا حلم عمري!"
فلقد قتل عمه متولي، إبن عمها في تجديد للخصومة بعد سنوات من قتل ابن عمها سويلم لعم ظافر, ياسين الدفراوي, ونظرا لقوة الصداقة بين منصور وسليم كان قد تم عقد صلح مؤقت و لكن الآن تجدد الثأر بقتل متولي أخو ياسين لسويلم الشهاوي إبن أخ الشيخ سليم لكي ينتقم لأخيه, وتوجه ظافر إلى صديقه هاشم مذعورا.
قائلا"عمي جتل واد عمك, وشكل الدم هيبجي بحور, وخايف ييچي الدور عليا أو على بوي في دايرة التار اللي مبتخلصش".
ليتحسر هاشم"آه, يا ويلي لييچي اليوم اللي أجتلك فيه يا صاحبي".
امتلك الأسف قلب ظافر"وأنا اللي كنت عايز لما أكبر أتچوز خيتك, و إنت تتچوز خيتي ونبجي أصحاب ونسايب لكن الظاهر مبجاش فاضل لينا غير الدم والتار والخراب،(ونظرإلى كوثر قائلا) سلام يا رفيجتي وصديجتي وحبيبتي, ماعدش فيه بيننا غير الدم وبس."
قالت باكية "لاه, هاشم, كلم بوك, خليه يسامح في التار, متخلهومش يجتلو ظافر, ده صديجك وزي خوك".
وقبل أن ينتهوا من دفن جثمان سويلم ويقيموا العزاء ويتفقوا على الصلح طلب منصور من الشيخ سليم كبير عائلة الشهاوي أن يسامح في الدم, ويعقد صلحا بينهم لكن عثمان رفض بشدة وطلب أن يثأر لإبن أخيه رغم أنه كان هو سبب كل ما حدث بسب تهوره.
فلقد بدأت الحكاية منذ ثلاث سنوات عندما كان سويلم يلعب الكرة، تلك الكرة المشئومة التي أصابت إحدى حمامات ياسين الدفراوي، فقذف ياسين سويلم بحجر وطلب منه أن يلعب بعيدا, فدفعه سويلم بشدة ليسقط على حافة السلالم و يشج رأسه ويلقى حتفه, تربص متولي لسويلم وإنتظر حتى أصبح شابا وأطلق عليه النار و أرداه قتيلا قبل زفافه بأسبوع، وخرج عثمان غاضبا لأنه شعر أن أخاه الشيخ سليم سيفرط في دم إبن أخيه من أجل صديقه وشريكه, فأطلق النار على متولي عم ظافر.
وحزنت البلدة على موت إثنين من خيرة شبابها في يومين متتاليين.
وأصبح الصلح مستحيلا.
ثم حل الدورعلى ظافر لينتقم لعمه، ولكن عمه فريد عاد ليأخد بثأر أخيه, فسبقه إبن متولي الذي لم يتجاوزعمره الخامسة عشر وأطلق النار على عثمان الشهاوي، ليصبح الدورعلى ظافر أو فريد, وطلب منصور من أخيه أن يأخد ظافر ويسافر ولا يعود إلى البلدة مرة ثانية.
وإنفضت الشراكة بين منصور وسليم بعد أن وقف الثأر حائلا بينهما و دمر صداقتهما، وكان الدور على بدر أن يأخد بثأر أبيه من ظافر خيرة شباب عائلة الدفراوي.
ذهب ظافر يوم سفره إلى صديقه هاشم ليودعه ويوصيه بأهله, ونظرإلى كوثر قائلا
"كان نفسي تبجي من نصيبي, لكن مهرك بجي رجبتي, وواد عمك هو إللي هياخد عمري".
أفاقت كوثر من حالة الشرود, ومازالت كلمات ظافريتردد صداها داخل عقلها
"مهرك رجبتي وواد عمك هو اللي هياخد عمري".
و صوت والدها يسألها "رأيك إيه, يا بت سليم, إنطجي؟"
ترقرقت دموع الفرحة بعيون كوثر "اللي تشوفه يا بوي".
ثم هرعت مسرعة إلى غرفتها وأخرجت الفستان الذي لطخته يد ظافر بدم إبن عمها, و الذي احتفظت به كل تلك الفترة، كانت تتمنى أن تصرخ من شدة سعادتها, وتأملت الفستان قائلة لنفسها
"چه وجت أغسل الدم اللي سود جلوبنا, وكييه ما التار فرجنا، خلاص اتجسمنا لبعض, واه، واه, وليكي نصيب يا بت يا كوثر في حبيب جلبك, و هيبجي چوزك, بعد كل السنين دي إتجسملك ظافر, فارس أحلام صباكي.
ورأت أمامها أمها وكانت دائما ماترى روحها لأنها إنسانة شفافة وقالت لها"خلاص يا أماي هتچوز حبيبي ياماي, جولتلك إني مجسومة لظافر, وكنتي دايما تجوليلي مش مجسوملك, بحور الدم اللي بين العيلتين ماهاتخلصش, وأها خلاص, خلصت أهي, وهتچوزه وهيبجي نصيبي يا أماي".
لتخبرها روح أمها"اللي چاي صعب, خافي على نفسك, وحافظي عليها, إنتي عالية بأخلاجك, إوعي تسمحي لجلبك يضعفك".
ثم اختفت.
لتناديها كوثر بلهفة واحتياج"أماي, ما تسيبنيش, محتاچة أشوف فرحتك ليا".
لكن لا مجيب, لتستحم, مرتدية أجمل فساتينها, وتتزين لإستقبال أهل عريسها, وأختها في الرضاعة, سميحة, اللي حرمت منها, بسبب الثأر, وعمها منصور الذي تربت على يده, و كانت تعتبره عمها فعلا, وزوجته إصلاح, أمها الثانية.
وبعد ساعة حضرت عائلة منصور, وعلت الأصوات بالزغاريد وعمت الفرحة أرجاء البيت وتمت قراءة الفاتحة والإتفاق على موعد الزفاف.
وفي اليوم التالي ذهب بدر وعمه سليم وأولاد عمه, هاشم وعمر وابنة عمه نعمة إلى منزل منصور لقراءة الفاتحة و لكن كوثر لم تذهب لأنه لا يجوز للبنت أن تدخل بيت أهل جوزها إلا بعد الزواج، ومرت الأيام وإقترب يوم الزفاف و قدم بدر الشبكة والمهر، وأعد الدار لإستقبال عروسه سميحة وشريكته المستقبلية.
وكان الكل بإنتظار نزول ظافر لإتمام زفافه على كوثر.
........ ...... ....... ....... ......... ........ ...... ........ ...
يتبع.......
....... ....... ......... ........
أنهى فريد المحادثة مع أخيه وجلس بجوار ظافر الغاضب"إسمع يا ظافر, أنا عارف إن علاقتك بالبلد اتقطعت من تلاتاشر سنة, بس هيفضلوا مهما طال غيابنا أهلنا وناسنا في مصر, وأصولنا صعيدية, وإنت مهما حصل ليك إخوات لازم تشاركهم أفراحهم وأتراحهم, الجوازه دي مش لمصلحتك إنت وبس, دي كمان لمصلحة أخوك وكل شباب العيلة, التارنار بتفضل تآكل في كل عيلة لحد ما تقضي عليها, وتنهي سلسالها وكمان اللي سمعته عن البنت إنها جميلة ومتعلمه وهتبقى دكتورة, يعني تناسب وسطك ومستواك التعليمي والثقافي ووضعك الحالي, إتجوزها وخليها الزوجه اللي تحمل إسمك وأولادك".
ليقول ظافر بضيق موضحا"بس أنا ليا صديقة, لارا، وإنت عارف طبيعة العلاقة بينا, وبصراحة هيه الوحيدة اللي برتاح معاها وفكرت كتير إتجوزها".
انتفض فريد وحدق في ابن أخيه بغضب"بتفكر تتجوز لارا, اللي كل يوم في حضن واحد من أصحابك, اللي عاشرتك وعاشرت غيرك كتير, بقى دي اللي عايزها تحمل أولادك وتبقى أم ليهم, إسمع مني يا ظافر, كوثر هي اللي هتبقي مراتك وأم أولادك, عيش نزواتك براحتك, وصدقني لما هتشبع هتعرف قيمة الزوجة الطاهرة, دي كانت نفس حالتي مع أشجان, كانت زوجتي, وكان ليا مئات العلاقات, لكن لما دورت على الإستقرار كانت هي بس, وربنا رزقني منها بمي بعد سنين من المحاولات, وعلى الرغم من إنها ماتت وأقدر أعمل علاقات زي ما أنا عايز, لكني زهدت العلاقات الفارغة, اللي بتكون ليلة وتعدي, بقيت ببحث عن الإستقرار والسكن في حضن واحدة بحبها وتخاف عليا, مش مجرد علاقة تنتهي بعد ما أمل، إتجوز وأسس أسرتك, وعيش حياتك, وصدقني مش هتندم, لما تعرف حلاوة الإستقرار اللي هتلاقيه مع واحدة تحتويك, وتكون ليك الزوجة والأم والأخت والابنة والحبيبة والعشيقة، ومش هتخسر حاجة, جرب وإنت الكسبان في كل الحالات".
ظافر بتنهيدة ونفاذ صبر"خلاص يا عمي موافق, على الأقل تأخد بالها من مي وتبقى شريكة تحت الطلب في سريري".
ضحك فريد من سطحية ابن أخيه وعدم فهمه لقدسية الزواج والزوجه التي خلقها الله سكنا لزوجها وليس لإشباع رغباته فقط ورد عليه بسخرية"بيتهيألك, بكره الأيام هتعلمك, يلا إتصل بأبوك وبلغه, خليه يفرح, وحدد معاه ميعاد نزولك لمصر".
ليتصل ظافر، ويبلغ أبيه بموافقته وطمأنه بأنه سينزل في أقرب فرصة إلى مصر لإتمام زواجه كما يرغب.
تهللت أسارير الحاج منصور و قال لابنه بصوت ممزوج بالراحة"ألف مبروك يا ولدي وإحنا دلوجيت رايحين نخطبها لك، ونحدد ميعاد الزفاف ليك ولخيتك، أول الشهرالچاي بإذن الله".
ليقول له ظافر بقلة حيلة"اللي تشوفه يا دادي, وأنا هبلغك أول ما أحجز للسفر".
رد عليه أبوه براحة"خلاص إنت حدد, وأنا هضبط كل حاجه لرجوعك بالسلامة لبلدك بعد غياب سنين, وهتبجي الفرحة فرحتين برجوعك لينا, وچوازك يا غالي".
وأغلق معه, وطلب من زوجته الإستعداد للذهاب إلى دار الشيخ سليم لخطوبة إبنته كوثر لظافر, والإتفاق على ميعاد الزفاف.
*********************************************
في دار الشيخ سليم
العمل قائم على قدم وساق لتجهيز الدار لإستقبال أهل عريس الدكتورة كوثر, وإتمام إتفاق إنهاءالخصومة بالنسب .
عادت كوثرمن كليتها وأثارت دهشتها تلك الحركة الغريبة بالدار وسألت زوجة أخيها بحيرة
"فيه إيه يا مرت خوي؟ حاسا بحركة غريبه بالدار؟ هوه فيه حد عندنا هيتجوز وإلا إيه؟ شايفه الكل بيعلج الزينات والكهارب لإيه كل ده؟"
ردت فؤادة زوجة أخيها بحب"مبروك يا عروسة, الليلة هنجرا فاتحتك على واحد من ولاد عيلة الدفراوى, إختاروكي لاجل تكوني لواحد منيهم علشان يوجفوا التار وهيربطوا بينكم بالنسب".
ضحكت كوثر بسخرية غير مصدقه لكلام زوجة أخيها"أكيد إنتي بتهزري جواز إيه؟ ومين ده اللي في عيلة الدفراوي اللي أجبل أشيل إسمه وأبجي مرته؟ لاء طبعا أنا مش موافجة, وبلغيهم حديتي ده, لو على جثتي مش هتجوز واحد منهم".
دخل بدر غاضبا لدار عمه وسمع كلام بنت عمه كوثر فهدأ قلبه وشعر بالراحة أن رأيها نفس رأيه.
ونادى بصوت عالي "يا عمي, يا شيخ سليم, يا شيخ سليم".
خرج له الشيخ سليم وولده هاشم على صوته ورأتهم كوثر.
ذهبت كوثر مسرعة إلى أبيها وألقت بنفسها بين ذراعيه, تلتمس الأمان والراحة والطمأنينة ورفعت وجهها له وقالت"بوي آني مش جابلة بالجوازه دي, أنا كلتها سنتين وأبجي دكتورة, ماريداش أتجوز جبل أكده, من راجل يتحكم فيا, وبمستجبلي، ولاه كمان غريب عني ومن عيله بينا وبينهم عداوة ودم!!!"
تطلع لها بدر بفخر, لإعتزازها بكرامتها وثقتها بنفسها,وقال لها بمرح"سلم لسانك يا بت عمى وأنا من رآيك, أنا كمان مش هتجوز من بتهم ورافض الإتفاج يا كبيرنا, ولو على كوثر أنا رايدها وأولى بيها من أي حد تاني".
جلس الشيخ سليم وتطلع لهما بهدوء"هيه, خلصتو حديتكم إنتو الإتنين؟ إدخلي يا كوثر غيري خلاجاتك دي, لأن أهل عريسك چايين يطلبوا يدك, أما إنت يا بدر, بكره تچهز حالك نروح نطلب بتهم سميحة ليك, وحديتي ده مفيش فيه راجعة, وكلمتي سيف على رجابكم, لازمن تنفذوها فاهمين؟ ولا أعيد حديتي تاني؟".
ضربت كوثرقدمها بالأرض بعصبية"لاء يا بوي, أنا ماهتجوزش بالطريجه دي, وأكون كبش الفدا لإتفاجاتكم, دي حياتي, وأنا اللي هعيشها ولازم أتجوزعلى الأسس السليمة للجواز, مش مجرد وسيلة للتصالح يا بوي, الزواج عشرة وأسرة وحياة وكمان مش بالأمر, إنت معلمتنيش كل السنين دي علشان أجبل أتجوز بالغصب, وكمان أنا ماعايزاش أتجوز واد عيلة الدفراوى لو هتموتني".
نظرإليها أبيها شذرا, وهب واقفا وصاح فيها معنفا"لو حصل وكسرتي كلمتي, يبجى خوكي يتاويكي يا دكتورة, ياعاجلة, ياللي تعرفي ربنا, أنا بجوازك بجصر الشر, وبحافظ على خواتك, وواد عمك من بحر الدم والتار اللي ما بيخلصش, وإنتي بتتحديني وتجولي ما أتجوزش, إسمعي يا بت عالية، النهاردة خطوبتك هتم, سواء وافجتي أو ما وافجتيش, وأول الشهر هيكون زفافك على ظافر واد عيلة الدفراوى فاهمة وإلا لأ؟"
حدقت كوثر في أبيها بدهشة وتوتر"بتجول مين؟ المهندس ظافر واد منصور الدفراوي هوه عريسي؟"
نظر إليها أبوها بإستغراب لسؤالها ودهشتها"إيوه عريسك ظافر, وبدر هيتجوز سميحة أخته، وإكده هنجدر نوجف بحور من الدم مكنتش راح تنتهي, يلا روحي جهزي حالك, وإنت يا بدر يا واد خوي, أنا معنديش إستعداد أوهبك للموت في قضية خسرانة, كفاية خوي وواد عمى اللي ماتوا وهما لسه شباب, وإنت الدوراللي جاي هيكون عليك بعد ما تأخد تار بوك, هوه ده اللي إنت عايزه يا متعلم, يا ولد المدارس, وعايز تترك نفسك للموت وتضيع حياتك والمستجبل فاتح ليك ذراعه لنجاحك لية تجتل طموحك؟".
طأطأ بدررأسه نحو الأرض وقال بصوت يكسوه الحزن"أنا موافج إني أتنازل عن حجي في دم أبوي ويبجى بينا صلح، لكن متكونش كوثرهيه المجابل ولا أنا, يا عمي أنا رايد بتك، وكنت مستني تخلص دراستها وأطلبها منك, ماعايزش أتچوز غيرها ولا هيه تكون مرت غيري, لأ, وكمان مرت عدوي، والله ما هجدر أتحمل يا عمي تكون في حضن راجل غيري, وتحمل في حشاها ولادهم, كتير جوي عليا".
احتضن الشيخ سليم بدر بعطف وحاول تهدئته"إسمع يا بدر, أنا عارف إنك أولى بكوثر من أي راجل بالعيلة أو بالبلد, لكن إحنا خدنا خير ما فيهم, وهما خدو خير ما فينا, ونفس الحال ينطبج عليك إنت زين الشباب وبتهم سميحه بت زينة ومليحة, واللي متعرفهوش إنها خيت كوثر بالرضاعة، لأن أم سميحة كانت مريضة, وعالية, الله يرحمها كانت بترضعها على كوثر, وعلشان إكده لو كان يجوز كنت جوزتها لولدي حتى على خيتك فؤادة، لكن سميحه خيت ولادى وما تجوزش لحد منهم، فهمت ليه جبلت بجوازك إنت من بتهم علشان أحميك وأحافظ على شبابك من نار التار يا واد خوي وحسه الباجي بالدنيا".
دمعت عين بدر ونظر لكوثر بحزن وطأطأ رأسه بألم"أباي يا عمي, وجعت جلبي لما وافجت تحرمني من بت عمي, لكني خدت عهد على نفسي عمري ما أكسرلك كلمة, أنا تحت أمرك يا عمي, وهنفذ إتفاجك حتى لو على رجبتي".
ربت الشيخ سليم على كتفه بمودة"طول عمرك راجل ودايما فعلك فعل الكبار, مبروك يا ولدى".
وتطلع لكوثر الصامته بسكون"وإنتي يا بت سليم, الراجل وافج على حديتي, إنتي ردك هيكون إيه؟ هتكسري كلمتي وإتفاجي مع رجالة البلد, وإلا هتكبري أبوكي وتضحي لمصلحة شباب العيلة؟"
نظرت كوثر لأبيها، وعقلها شارد وتشعر بأن الدنيا تدوربها.
ومر شريط حياتها يجري أمام عينيها.
ذكرى قديمة
رأت ظافر منذ ثلاثةعشرعاما مقبلًا عليها، مذعورًا يوم مقتل ابن عمها سويلم على يد عمه متولي، وهو مسرع إليها وملابسه ملطخة بالدماء وأمسك يدها ولطخ ملابسها الزاهية بالدم, وهزها وهو يصيح فيها بحزن عميق"الدم فرج بينا يا حلم عمري!"
فلقد قتل عمه متولي، إبن عمها في تجديد للخصومة بعد سنوات من قتل ابن عمها سويلم لعم ظافر, ياسين الدفراوي, ونظرا لقوة الصداقة بين منصور وسليم كان قد تم عقد صلح مؤقت و لكن الآن تجدد الثأر بقتل متولي أخو ياسين لسويلم الشهاوي إبن أخ الشيخ سليم لكي ينتقم لأخيه, وتوجه ظافر إلى صديقه هاشم مذعورا.
قائلا"عمي جتل واد عمك, وشكل الدم هيبجي بحور, وخايف ييچي الدور عليا أو على بوي في دايرة التار اللي مبتخلصش".
ليتحسر هاشم"آه, يا ويلي لييچي اليوم اللي أجتلك فيه يا صاحبي".
امتلك الأسف قلب ظافر"وأنا اللي كنت عايز لما أكبر أتچوز خيتك, و إنت تتچوز خيتي ونبجي أصحاب ونسايب لكن الظاهر مبجاش فاضل لينا غير الدم والتار والخراب،(ونظرإلى كوثر قائلا) سلام يا رفيجتي وصديجتي وحبيبتي, ماعدش فيه بيننا غير الدم وبس."
قالت باكية "لاه, هاشم, كلم بوك, خليه يسامح في التار, متخلهومش يجتلو ظافر, ده صديجك وزي خوك".
وقبل أن ينتهوا من دفن جثمان سويلم ويقيموا العزاء ويتفقوا على الصلح طلب منصور من الشيخ سليم كبير عائلة الشهاوي أن يسامح في الدم, ويعقد صلحا بينهم لكن عثمان رفض بشدة وطلب أن يثأر لإبن أخيه رغم أنه كان هو سبب كل ما حدث بسب تهوره.
فلقد بدأت الحكاية منذ ثلاث سنوات عندما كان سويلم يلعب الكرة، تلك الكرة المشئومة التي أصابت إحدى حمامات ياسين الدفراوي، فقذف ياسين سويلم بحجر وطلب منه أن يلعب بعيدا, فدفعه سويلم بشدة ليسقط على حافة السلالم و يشج رأسه ويلقى حتفه, تربص متولي لسويلم وإنتظر حتى أصبح شابا وأطلق عليه النار و أرداه قتيلا قبل زفافه بأسبوع، وخرج عثمان غاضبا لأنه شعر أن أخاه الشيخ سليم سيفرط في دم إبن أخيه من أجل صديقه وشريكه, فأطلق النار على متولي عم ظافر.
وحزنت البلدة على موت إثنين من خيرة شبابها في يومين متتاليين.
وأصبح الصلح مستحيلا.
ثم حل الدورعلى ظافر لينتقم لعمه، ولكن عمه فريد عاد ليأخد بثأر أخيه, فسبقه إبن متولي الذي لم يتجاوزعمره الخامسة عشر وأطلق النار على عثمان الشهاوي، ليصبح الدورعلى ظافر أو فريد, وطلب منصور من أخيه أن يأخد ظافر ويسافر ولا يعود إلى البلدة مرة ثانية.
وإنفضت الشراكة بين منصور وسليم بعد أن وقف الثأر حائلا بينهما و دمر صداقتهما، وكان الدور على بدر أن يأخد بثأر أبيه من ظافر خيرة شباب عائلة الدفراوي.
ذهب ظافر يوم سفره إلى صديقه هاشم ليودعه ويوصيه بأهله, ونظرإلى كوثر قائلا
"كان نفسي تبجي من نصيبي, لكن مهرك بجي رجبتي, وواد عمك هو إللي هياخد عمري".
أفاقت كوثر من حالة الشرود, ومازالت كلمات ظافريتردد صداها داخل عقلها
"مهرك رجبتي وواد عمك هو اللي هياخد عمري".
و صوت والدها يسألها "رأيك إيه, يا بت سليم, إنطجي؟"
ترقرقت دموع الفرحة بعيون كوثر "اللي تشوفه يا بوي".
ثم هرعت مسرعة إلى غرفتها وأخرجت الفستان الذي لطخته يد ظافر بدم إبن عمها, و الذي احتفظت به كل تلك الفترة، كانت تتمنى أن تصرخ من شدة سعادتها, وتأملت الفستان قائلة لنفسها
"چه وجت أغسل الدم اللي سود جلوبنا, وكييه ما التار فرجنا، خلاص اتجسمنا لبعض, واه، واه, وليكي نصيب يا بت يا كوثر في حبيب جلبك, و هيبجي چوزك, بعد كل السنين دي إتجسملك ظافر, فارس أحلام صباكي.
ورأت أمامها أمها وكانت دائما ماترى روحها لأنها إنسانة شفافة وقالت لها"خلاص يا أماي هتچوز حبيبي ياماي, جولتلك إني مجسومة لظافر, وكنتي دايما تجوليلي مش مجسوملك, بحور الدم اللي بين العيلتين ماهاتخلصش, وأها خلاص, خلصت أهي, وهتچوزه وهيبجي نصيبي يا أماي".
لتخبرها روح أمها"اللي چاي صعب, خافي على نفسك, وحافظي عليها, إنتي عالية بأخلاجك, إوعي تسمحي لجلبك يضعفك".
ثم اختفت.
لتناديها كوثر بلهفة واحتياج"أماي, ما تسيبنيش, محتاچة أشوف فرحتك ليا".
لكن لا مجيب, لتستحم, مرتدية أجمل فساتينها, وتتزين لإستقبال أهل عريسها, وأختها في الرضاعة, سميحة, اللي حرمت منها, بسبب الثأر, وعمها منصور الذي تربت على يده, و كانت تعتبره عمها فعلا, وزوجته إصلاح, أمها الثانية.
وبعد ساعة حضرت عائلة منصور, وعلت الأصوات بالزغاريد وعمت الفرحة أرجاء البيت وتمت قراءة الفاتحة والإتفاق على موعد الزفاف.
وفي اليوم التالي ذهب بدر وعمه سليم وأولاد عمه, هاشم وعمر وابنة عمه نعمة إلى منزل منصور لقراءة الفاتحة و لكن كوثر لم تذهب لأنه لا يجوز للبنت أن تدخل بيت أهل جوزها إلا بعد الزواج، ومرت الأيام وإقترب يوم الزفاف و قدم بدر الشبكة والمهر، وأعد الدار لإستقبال عروسه سميحة وشريكته المستقبلية.
وكان الكل بإنتظار نزول ظافر لإتمام زفافه على كوثر.
........ ...... ....... ....... ......... ........ ...... ........ ...
يتبع.......
