الفصل الثاني

نظر لها ادهم و وضع يده على كفها و قال : ارجوكي ، اوعي تخافي ، انا معاكي و كل المشاكل دي هتتحل ، و هنكون مع بعض و هحميكي يا سهام ، و الفلوس هتتسدد ، وانا هساعدك ، و هحاول بكل طاقتي ، اني اساعدك .
نظرت له سهام نظرة امتنان و قالت : متحملش نفسك فوق طاقتك انا عارفه ظروفك ايه ، انت بس ساعدني بالفلوس اللي ابعتهالك ، انا لسه هبعتلك دفعات تانيه ، تروح تسددهم اول باول اهو نهفف من حمل المبلغ شوية .
ادهم : اتا اللي عارف ظروفك ، هتجيبي من فين دفعات ، و انتي اصلا سيبتي شغلك .
سهام : اكيد هشتغل يا ادهم مش هقعد كده .
ادهم : تشتغلي ايه و فين ؟ يا بنتي انتي فاكرة الصعيد زي هنا .؟
سهام : لا انا شفت بعيني ، انا مفيش حاجه في دماغي ، بس اكيد هلاقي ، هدور ، اكيد هيكون فيه فرصة ، و بعدين انا لازم اشتغل اي حاجه ، عشان اصرف ع اخواتي ، مين هيصرف عليهم ؟ فالنهاية انا لازم اشتغل .
ادهم : انا مش عايزك تمرمطي و لا تتعبي ، انا هعملك كل حاجه ، و انا مسئول عنك ، يا سهام ، متتعبيش نفسك و لا تمرمطي .
سهام : منين يا ادهم ؟ و انا عارفه البير و غطاه ، انت مرتبك يدوب بيقضي ، غير علاج والدتك اللي محتاج مبالغ و مصاريف اختك ، منين يا ادهم ده كله ، ده انا اللي المفروض اساعدك ، انت متيشلش همي .
ادهم : ايه هو اللي منين يا سهام ، بقولك انتي مسئولة مني ، و انا مينفعش اسيبك تتعبي و لا تتبهدلي ابدا .
سهام: هتعمل ايه يعني يا ادهم ؟ انا عارفه انك لو معاك مش هتبخل عليا ، بس ربنا يعينك يا حبيبي و يقدرك ع اللي وراك .
ادهم : انا هتصرف يا سهام ، اول ما اخد حتة الارض بتاعة ورث امي هببعها و اسددلك جزء من مصاريف والدك ، خلي العبء يخف شوية ، و هفضل وراه لحد ما يخرج من السجن ، مش هسمح انك تتعبي و تمرمطي ، و مش هسمح ان حد يأذيكي .
سهام معترضة : ادهم يا حبيبي حتة الارض دي لما تستلمها يدوبها ع علاج مامتك و جهاز اختك و تشطيب شقتك دول اولى يا حبيبي من اي حاجه تانيه ، و انا قولتلك انا عارف ظروفك و مقدراها فمتحملش نفسك فوق طاقتها ارجوك ، و متشيلش هم ذنب مش ذنبك .
ادهم : انتي مش ذنب انتي حبيبتي ، انا بتعذب ، انا لاحمل اني اشوفك كده تعبانه و متمرمطه ، و لا حمل بعدي عنك .
سهام : النصيب و القدر يا ادهم الحمدلله على كل حال يا حبيبي ، نصيبنا كده .
ادهم : الحمد لله اللهم لا اعتراض يا سهام .
سهام : انا لازم امشي كفاية كده ، و عشان اقدر الحق القطر ، لسه معايا سكة سفر طويلة .
ادهم : انا هاجي اوصلك للمحطة ، يا حبيبتي .
سهام : مش هينفع ، افرض حد كان ماشي وراك ، انا هطمنك بس لما اوصل ، مع السلامه يا حبيبي ، و خلي بالك من نفسك .
تنهض سهام لعد ان تودعه ، كأنها تركت قطعه من قلبها خلفها و رحلت ، كيف الرجوع إليه ، و كيف تتحمل كل هذا البعد ، و كل هذه المسافات ، لو ان المسافات تتلاشى و يصبح أقرب ، لو أن والدها لم يفعل ما فعله ، ولم يقلب حياتها رأسا على عقب ، كانت ستظل بالقرب منه ، تروي قلبها عشقا كلما أراد ، تملي عينيها منه متى افتقرت الى رؤيته ، ما زالت تتمزق ، بل هي البداية ، سكة البعد طويلة ، و طريق الوصل بعيد ، فكيف الرجوع الى ما كنا عليه ؟ كيف الوصول الى حياتنا العادية ، المعتادة ؟
.... ... .... ....... ...... ..... ....... ....... ...... ...... ......
ذهبت الى محطة مصر ، ركبت القطار ، و جلست تنتظر تحركه ، الرحلة صعبة و طويلة ، لكنها أبدا ليست أصعب من ايامها ، تحرك القطار و ارخت رأسها الى النافذة ، ظلت تتأمل ، الخارج ، ترى العالم واسعا ، و لكنها تتنفس من ثقب صغير جدا ، هذا العالم الواسع ضاق بها ، و ضاقت الارض بما رحبت عليها ، لا تصدق انها اخفت هويتها ، و قفزت من نافذة الجيران لتستكع دخول بيتها ، و لا تصدق انها ذهبت لمكان عملها ، و قررت اخذ اجازة مفتوحة ، بل و اخفت هويتها ، و لم تستطع ان تصافح طلابها او تقبلهم كعادتها ، الحياة غريبة و تقلب الأوضاع الى اوضاع اخرى ، لم يخفف عنها الالم الا وجود ادهم ، ولا يحرقها الا تأجيل زواجهما الى أجل غير مسمى ، تمنت لو انهم كانا تحت سقف واحد يجمعهما بيتهم ، تذكر اليوم العصيب الذي غير مجرى حياتهم الى الأسوأ ، يوم عادت من المدرسة منهكة ، بدلت ملابسها و ساعدت امها في اعداد المائدة ، كانت حقا جائعة و امها احضرت كل ما لذ و طاب ، اطباق كثيرة تعشقها ، ذهبت تنادي اخوتها ، ليأتوا ، و والدها اصلا ، ما ان جلست على الكرسي ، حتى سمعوا طرقات عنيفة على الباب ، فزعوا جميعا و قبل ان يتحركوا كان الباب مكسور ، الجميع يصرخ ، امن مركزي بخوزات يتخرك في المزل و يفتشه ، ضمت اخوتها في حضنها ، يقف الامن بجوارهم يحذرهم من الخركة و الباقي يقلب بيتهم ، لم يتركوا فراشا الا قلبوه ، و لا دولابا الا و افرغوا محتوياته دون شفقه او رحمه حتى المطبخ لم ينجو منهم ، اصبح البيت عبارة عن خراب ، لم تفق من ذهولها إلا و هم يضعون في يد والدها اساور حديدية ، فجأة خرجت عن صمتها و خوفها و تركت اخوتها ، و جرت باتجاه الضابط ، و بجرأة عمرها ، و لباقة مدرسة ، و حمة سنوات تعليمها ، قالت له بصلابة : بتعمل ايه ؟
نظر لها في استعجاب ، من صرامتها و وقفتها ، و في لمح البصر ، و برغم انها بملابس المنزل ، لكنه ادرك انها لابد من انها فتاة متعلمة لن تقهر اذا علا صوته و لن تهابه اذا اخافها .
فقال لها : بقبض على الاستاذ ، زي ما اناي شايفه .
اقتربت منه اكثر فتعجب من جرأتها ، و قالت : بناء على ايه بتقبض على والدي ، انا عايزة افهم و من حقي اعرف ، كل اللي حصل ده ليه و بناء غلى ايه ، من اول ما دخلتوا البيت .
تنفس الضابط كأنه اختنق و لا يريد الدخول في نقاشات اكثر و وضع يده في جيبه و اخرج ورقة و قال : كل بيت في مصر بقا فيه طالب في كلية حقوق ، و خافظ الكلمتين بتوع اذن النيابة ، ادي اذن النيابة في تفتيش بيتكم ، و ضبط و احضار ابوكي اللي زعلانه عليه اوي كده ، متهم في عدم سداد ايصالات امانه واصلة قيمتها ل 2 مليون .
ذهلت مما قاله و ابدا لم تنطق ، وجدتهم يأخذونه و يجرونه معهم ، انا هي فالصدمة و الذهول اخرسها ، نظرت باتجاه اخوتها ، و حينها تذكرت انها يجب ان تكون قوية برغم الصدمة ، امسكت هاتفها و طلبت ادهم ، لم تفكر في ملجأ الاه ، هي مذهولة ولا تملك كلمة تهدئ بها روع اخوتها و امها كل ما فعلته انها عانقتهم و ظللت تردد دون اقتناع : متخافوش ، كل حاجه هتكون كويسة .
جاءها ادهم يجري نحوها ، ارتمت في حضنه و بكت ، ربت على كتفها و طمأنها ، طلب منها تبديل ملابسها ، و ذهب معها الى قسم الشرطة ، و اتصل بمحام ، كي يتبعهم ، ظلوا في القسم اكثر من سبع ساعات ، و ادهم بجوارها لم يتركها و لم يكل او يمل ، وقتها ادركت هطورة موقف والدها ، و تضاربت الآراء ما بين والدها ، كان يتاجر تجارة مشبوهة ثم تورط هذه الورطة الكبيرة ، و ما بين انهم وقع الايصالات دون مبلغ و تم الغدر به ، و وضع مبالغ اكبر ، تمنت انها تحدث والدها و تعلم كل شئ منهم ، لكنها ابدا لم تستطع ، ابدا ما تواجهه ، و تضعه امامها موضع اتهام ، ابدا ما تسمح ان يرى عينيها و هي تنظر له و تقر انه سقط من نظرها ، ابدا ما تفعل أبدا ، هي تحبه ، و ما زالت برغم كل شئ ، حثن أصبح لا جدوى لوجودهم ، أخذها ادهم و عاد بها الى البيت بعد ان اقنعها بصعوبة ان تعد ، يجب أن ترتاح ، فالتعب القادم طويل ، عادت الى البيت الذي لم تجد به ركن لترتاح فكل شئ مقلوب رأسا ع عقب ، حاولت أن تأخذ أقرب فرشة امامها و نامت على الأرض ، فطاقتها لا تحتمل بعد هذا اليوم الطويل ، في اليوم التالي ذهبت مع ادهم الى النيابة ، التي حكمت بخبس والدها على ذمة التحقيقات ، تستند الى كتف ادهم ، لا تدرك ما يحدث حولها ، لكن كتف ادهم هي ما تخفف عنها العذاب شيئا ما ، عادت كالعادة من النيابة ، وجدت البيت صالح للنوم شيئا ما ، امعا و اخوتها حاولوا اصلاح ما يمكن اصلاحه ، و وقتها ذهبت لتنام ، ذكرتها امها انها لم تأكل شيئا ، نظرت الى نفسها ، و تذكرت حقا انها لم تأكل شيئا ، منذ ليلة امس تعجبت انها ما زالت تقف على رجليها دون ان تسقط ، احضرت لها والدتها بعض السندوشتات ، فتناولتها دون نهم او شعور بالجوع ، تناولتها حتى لا تسقط فقط ، فهذا الوقت غير مسموح به ان تسقط ابدا ، بعدها نامت بعد يوم طويل و دخلت في سبات عميق لم تحظ به منذ ليال .
استيقظت على ضجة في القطار نظرت الى المحطة فوجدت نفسها اقتربت ، استعدت و احضرت حقيبتها ، كي تغادر ، و قف القطار في المحطة المرجوة ، و نزلت تجر اقدامها ، لم يكن احد في انتظارها ، و لا تستطع ان تستخدم اقدامها لمي تصل الى البيت ، و قفت حائرة كأنها تستفسر اي ركوبة ستوصلها ، حتى وجدت امامها حشد من التكاتك ، استقلت واحدا و طلبت منه ان يوصلها الى البيت ، ذهبت في غفوة و فاقت منها على صوت السائق ، يوقظها ، اعطته أجرته و نزلت تجر اقدامها الى منزل لا تحبه و لا تعشق جدرانه ، و لا حتى تجد راحتها به ، طرقت الباب ففتحت جميلة و القت بنفسها بين ذراعيها ، لا تحتمل فراق سهام ابدا ، دخلت البيت فوجدت باقي اخوتها يستقبلونها ، و امها ايضا ، ثم وجدت صوتها طرق اليها يقول : حمد لله على السلامه يا سهام .
نظرت فوجدت عمها ردت له سلامه ، ثم جلست منهكة و نظرت له و قالت : كويس اني لاقيتك هنا ، عايزاك بكرة تاخدني لحد محلات صاغة بس ضروري .
رد عليها عمها : خير يت بت اخويا فيه حاجه و لا ايه ؟
سهام : معايا اسورتين لازم ابيعهم .
العم : طب خليهم للزمن ينفعوكي .
سهام : زمن ايه اكتر من اللي احنا فيه ، هو فيه غدر اكتر من كده .
العم : انتي داخله ع ايام صعبه ، فخليهم لوقت عوزة .
سهام : لا مفيش عوزة اكتر من كده ، انا هبيعهم ، و هشطب فالبيت شوية عشان نعرف نعيش فيه ، و اخواتي ياخدوا عليه ، و كمان باقي الفلوس اصرف بيها على اخواتي ، و على البيت ، انت عارف مفيش مصدر دخل لينا خالص .
العم: اللي تشوفيه ، بس اساورك دول كبار .
سهام : اه طبعا و يعملوا مبلغ حلو ، بكرة بإذن الله دلني على اقرب ، محل صاغة عشان ابيعهم .
العم : لا ما هو مش هينفع .
سهام : ايه اللي مش هينفع معندوكش محلات بتشتري و لا ايه ؟
العم : مش القصد بيبعوا و يشتروا و زي الفل .
سهام : اومال في ايه بالظبط يا عني قلقتني ؟
العم : مفيش قلق و لا حاجه ، بس كل الفكرة مفيش ستات عندنا بتروح منطقة الصاغة ؟
سهام : ازاي يعني مفيش ، اومال بتعملوا ايه ؟
العم : دي عادات و تقاليد ، يا سهام ، اللي بتروح منطقة الصاغة بيقولوا عليها لا مؤاخذة ، و اصلا مفيش واحدة تجرؤ .
سهام : انا البلد هتخنقني من دلوقت شكلها ، يعني ايه اللي بتقوله ده مش رايحه تشتري او تبيع ، مش فاهمه انا ايه القصه ؟
العم : ما قولتلك ، دي عادات و تقاليد و لازم تحترميها .
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي