الفصل الثالث

لم تجد سهام بدا سوى ان تحترم رأي عمها و قالت له : ايه الحل ؟ ما انا لازم ابيعهم .
العم : انا اروح و ابيعهملك بكرة ، و لا تشيلي هم .
سهام : مش عايزة اتعبك يا عمي .
العم : لا تتعبيني ايه ؟ مفيهاش تعب خالص .
سهام : كتر خيرك ، شكرا على تعبك معايا .
نهض العم و قال : انا لازم ارجع بيتي ، و الصبح باذن الله ، هجيلك اخد الدهب و ابعهولك ، مع السلامه يا ولاد .
: سلام يا عمي .
... ... ..... ... ..... ..... .... .... ..... ..... .... ..... ..... ...
نزعت سهام الحجاب و خلعت عنها عباءتها و قالت : انا عايزة انام هموت و انام ، انا هنام هنا ع الكنبة .
ردت امها : و بهدومك يا بنتي ، مش تغيري هدومك كده و تأكلي لقمه .
سهام : مش قادرة غطوني بس .
و استلقت ، ذهبت الام لتحضر لها غطاء ، اقتربت جميلة و في عينيها كلمات مترددة ، برغم تعب سهام فهمت ان شيئا ما تريده جميلة فقالت لها : بكرة هقولك كل التفاصيل عن حاجتكم ، و ازاي هتوصلنا ، بس بالله سيبيني انام .
نطقت جميلة : متديش دهبك لعمي ، عمي بيكدب عليكي و شكله غايز ينصب عليكي .
برغم تعب سهام الا ان الكلمة جعلتها تجلس ، و تنتبه ، فجميلة ابدا ما تقول شيئا إلا و هي متأكدة منه تماما ، جميلة ذكية و ليست حقودة . نظرت لها باهتمام و قالت : بتقولي ايه يا جميلة .
جميلة : عمي بيكدب ، و شوفي بيكدب ليه ، مفيش حاجه اسمها ان الستات هنا مش بتروح منطقة الصاغة ، الكلام ده كذب ، و مش منطقي اصلا ، لان الحوار ده حوار ستات ، و عمرنا ما سمعنا حاجه زي كده يا سهام .
سهام : بس ، ده مش كفاية يا جميلة و امكن عمك بيتكلم صح ، و امكن البلد دي فعلا ، عادتهم كده .
جميلة : بيضللك بطريقة ساذجة متخيلش على عيل صغير ، على فكرة مراته بنفسها لسه بايعه حلق نهارده و راحت لوحدها ، و عادي خالص .
سهام : و انتي ايه عرفك ، ما احنا قلنا مش عايزين احتكاك بحد ، انتي رحتيلها .
جميلة : لا رحت و لا جيت ، ابنه محمود كان هنا و حكالي انها عملت كده عشان هو مزنوق في فلوس ، و هي راحت باعت الحلق ، و جابتله الفلوس .
سهام : بس ايه ضمنك ما امكن بعتت حد .
جميلة : لأ محصلش يا سهام ، هو كان بيحكيلي عادي انها الصبح نزلت و راحت .
سهام : مش عارفه بس مش دليل كافي .
جميلة : طيب مش دليل و الستات جيرانا ، انا اتعرفت عليهم و اكتر من مرة ، يتكلموا معايا في حاجات زي كده و انهم راحوا باعوا و اشتروا ، عمي بيكدب يا سهام عليكي .
سهام : و ايه اللي يخليه يعمل كده اصلا ؟ و ليه يخترع الحدوته دي ؟ و ايه مصلحته ؟
جميلة : مصلحته يعمل مصلحة عليكي ، ملهاش تفسير تاني يا سهام خالص .
سهام : مبحبش اظلم حد ، و لا اخد تهمة على حد برغم كل الكلام اللي بتقوليه منطقي ، و عقلاني .
سهام : يبقا نقطع الشك باليقين ، و بكرة متديهوش الدهب ، قوليله هتفكري او اي حاجه ، و انزلي بنفسك شارع الصاغة ، و هتلاقيه مليان ستات .
سهام : فرضنا كلام عمك صح ، يبقا نعمل ايه ؟
جميلة : منعملش حاجه يا سهام ، عادي ، احنا غرب عن البلد ، و منعرفش و مش هيدونا صك اننا مش كويسين يعني ، مع اني اراهنك اني مفيش كلمة من الكلام ده هتطلع صح .
تتثاءب سهام و تلقي بجسدها على الاريكة و تقول : طيب تصبحي على خير بأه ، انا مش قادرة، و عايزة انام .
جميلة : لأ قوليلي هتعملي ايه الاول ؟ و بعدها نامي زي ما انتي عايزة .
سهام : يا بنتي حرام عليكي ، جايه من السفر مهدودة ، والله ما قادرة .
جميلة : هتديله دهبك ، يعني يعمل عليكي مصلحة ؟
سهام : لأ هعمل زي ما قولتي ، بس ابوس ايدك سيبيني انام شوية لوجه الله ، هي ماما ما جابتش غطا ليه ؟ نسيت و لا ايه ؟
جميلة : خلاص نامي انا هجبلك غطا متشغليش بالك ، و الصبح يحلها ربنا .
نامت سهام بعمق متمنية ان يضم حلمها ايضا كابوس عمها و لا يكون حقيقيا ، استيقظت في اليوم التالي و ما زالت منهكة ، جاء عمهم على عجالة الى البيت متلهفا ، جاء مبكرا جدا ، تعجبت سهام من تصرفاته ، استقبلته و رحبت به و طلبت من والدتها اعداد الافطار ، و حين رفض ألحت بشدة ، و جعلته يتناول الطعام معها و مع اخوتها و امها ، و بعد ان تناول افطاره في عجالة قال لها : يالا يا سهام عشان الحق هاتي الدهب بتاعك ، عشان ابيعه .
ردت سهام : لا ما خلاص ، انا غيرت رأيي ، مش هبيعه ، فكرت في كلامك امبارح ، و قلت فعلا يقعدوا للزمن ، بدل ما كل حاجه نضيعها ، كفاية اللي ضاع مننا .
تلعثم العم و تفاجئ ، و ظهرت على وجهه علامات غضب كتمه و سهام و جميلة تتبعانه بحرص ، و يترقبن ردود افعاله .
فقال لها : بس يا سهام يا بنتي ، الدهب نهارده سعره ، حلو و عشان تلاقي فيه مبلغ كويس ، متضيعيش الفرصة .
سهام : الدهب كل يوم في سعر .
تدخلت جميلة و قالت : و بكام الدهب يا عمي ، صحيح ؟
تلعثم العم فجأة و قال بتوتر : مش عارف بس ، سمعت ، انه سعره حلو .
جميلة : سمعت ايه بس ، مش المفروض تعرف ، سعره . ثم أمسكت هاتفها و قالت : سهله و بسيطه انا ممكن اعرف من النت الدهب بكام .
لم يستطع العم ان يكتم غضبه فانفجر قائلا : انتي بتحققي معايا يا بت يا مفعوصة انتي ، مش شايفاني بتكلم مع الكبار .
جميلة بصوت مرتعش اقترب للبكاء : انا بتكلم عادي فيه ايه ؟ ايه حصل ؟
العم : اللي حصل قلة رباية و قعدتكم في مصر طلعتكم مش متربين ، مفيش واحده تاقف لعمها كده على الكلمة ، و اختها الكبيرة واقفة تتكلم ، احنا معندناش الكلام ده يحصل ابدا ، بلاش قلة قيمة ، طالما جيتوا هنا و هتعيشوا هنا ، يبقا تلتزموا بعادات هنا ، انتوا هنا في وشي انا ، و اي حاجه تعملوها جايه في وشي ، لا كده يا اما تمشوا من البلد مش ناقصين فضايح .
سهام ترقب الموقف كأنه مسرخية هذلية اما جميلة فسقطت منها دمعات و قالت بجرأة : هو كل حاجه عندك ، عادتنا هنا ، تقاليدنا ، بلاش منعا الاسطوانه دي عشان اتفكست ، و احنا قاعدين هنا محدش ليه وصاية علينا و يقولنا امشوا و اقعدوا ، احنا فبيت ابونا ، ودي بلدنا و بلد عيلتنا كلها ، مش فوش حد و احنا تربيتنا احسن تربية ، و نشرف اي حد و مش منتظرين من حد انه يتعطف علينا اصلا .
استشاط العم غضبا و قال : انتي يا قليلة الرباية بتردي عليا كلمة بكلمة انا هعلمك الادب و تحرك باتجاهها لولا سهام و اخيها علي اوقفوه .
وقالت سهام : اطلعي فوق يا جميلة .
ردت جميلة : لا سيبيه عايز يمد ايده عليا ، على فكرة محدش يقدر يعملها ، واللي يعملها هقطعله ايده .
هنا اندفع نحوها بعنف اكبر و هو يقول : تقطعي ايد مين يا بت الكلب .
مسكته سهام و علي ، وقال له علي بعصبية : مش من حقك تمد ايدك على اي حد من اخواتي .
العم و قد هدأ قليلا و بدأ يستوعب بعض الشئ ما هو فيه : ليه مش عمكم ، مش عاري .
ردت سهام : لما نمشي على حل شعرنا ابقى اعمل فينا اللي انت عايزه ، احنا متربين احسن تربية ، و مينفعش تكلم اختي بالطريقة دي ، كل حاجه بالراحه .
هنا ظهر صوت جميلة لكنها كانت تقف بعيدا على الدرج و قالت : على فكرة احنا عرفنا انك كداب ، و منطقة الصاغة بيروحوها الستات عادي ، و كنت بتكدب علينا .
سهام : عيب يا حميلة و اطلعي فوق .
العم : انا بكدب ، و هكدب عليكم ليه ان شاء الله .
جميلة : امكن عايز تعمل علينا مصلحه ، و تضرب الفلوس في جيبك .
العم بعصبية : مصلحة مين يا بت الكلب ، انا هعرفك مقامك و مقام ابوكي كويس ، والله عال ، و نعم التربية ، انا مش هخليكم تعيشوا في البلد دي تاني ، لموا حاجتكم و روحوا شوفوا حتة تانية ، غوروا ع اي مصيبة .
و يخرح من البيت ، تنظر سهام باتجاه جميلة بعتب و تقول : ليه كده يا جميلة ؟ عاجبك اللي حصل .
جميلة : يستاهل خليه يتواجه بخقيقته القذرة .
تجلس سهام على الاريكة و تقول : مكناش عايزين مشاكل و بلاوي تتحدف علينا هو احنا ناقصين يا بنتي .
علي : و لا يقدر يعمل اي حاجه ، خليه يوريني عيعمل ، ختى لو عمل ، ده كلب فلوس ديته كام يعني ، اللي جاي ينصب على بنات اخوه منه لله .
سهام : احنا هربانين ، انتوا مش مقدرين ده ليه مش عايزين نفتح عيون علينا ،
جميلة : اللي زي ده جبان ، مش هيعمل حاجه يا سهام صدقيني .
علي : خليه يعمل و انا افضحه في قلب البلد .
سهام : ربنا يستر .
ثم يلتف اخوتها حولها و تجلس معهم و تأتي امهم بالشاي ، جاء الوقت لتسأل جميلة اختها سهام عما يشغل خاطرها و قالت لها : سهام فين ادوات الطبخ بتاعتي ؟ اظن من حقي اعرف .
سهام : خلال ايام هتكون عندك متقلقيش .
سهام : لسه هنتظر ايام ؟ انا مش اد ده كله ، و مش حمل ابعد عن ادواتي .
سهام : يا بنتي البت سلوى كتر خيرها هتسربهم ، و تبعتهم في شركة شحن كتر خيرها البت .
جميلة : كنتي جبتيهم معاكي ، بجد يا سهام مش قادرة اتحمل .
سهام : بالذمة عندك دم ، انا هاكرت بخياتي في السفرية دي ، و كل اللي هامك ادوات الطبخ ، مش تحمدي ربنا ان اختك و صلت بالسلامه .
علي : انا مش عارف البت دي جالها جنون بالطبخ كده ليه ؟ الطبخ اهم م اختك مش فاهم بتفكري ازاي .
جميلة : اعذروني بس انا مقدرش اعيش من غير طبخ اموت كده ، بجد نفسي افتح سلسلة مطاعم كبيرة خالص ، و اعمل كل حاجه فيها بايدي ، و اجيب تيم كده ادربه و اعلمه بنفسي .
علي : ع أساس لاقين ناكل ، يا بنتي احنا هربانين من عصابة ، وابوكي مسجون ، يعني بنت واحد سوابق .
سهام : علي متهزرش في النقطة دي بالذات الموضوع حساس بالنسبة لنا خالص .
علي : و بالنسبة لي والله ، بس اعمل ايه من الغلب حقكم عليا ، بأه المهم لما تفتحي المطاعم بتاعتك ابقي شغاليني معاكي ، متسبينيش كده عاطل عن العمل يا اختي .
جميلة : اشغلك بإمارة ايه ان شاء الله ؟
علي : ان جحا اولى بلحم توره ، هنا يضحك الجميع بشدة و صوت عال جدا .
و فجأة يسمعون طرق شديد على الباب تخاف جميلة و ترتعب تنظر لها سهام بسرعة و تقول : استخبي اناي يا جميله ، ادخلي جوه بسرعه ، افتح الباب يا علي .
يفتح علي الباب يجده عمه يدخل مندفعا و يقول : انتوا لسه مخدتوش بعضكم و مشيتوا .
يرد علي : و هيحصل ايه يعني لو مش مشينا ؟ هتموتنا و لا ايه ؟
العم : هندمكم ع اليوم اللي فكرتوا تخطوا فيه البلد دي .
علي : ليه كانت باسمك مثلا ، و لا كنت عمدتها و لا هتصرف علينا و تأكلنا عشان تذلنا كده .
سهام : بقوة و ثقة : هقولك اللي العيلة الصغيرة لسه قايلاه ، ده بيت ابونا و بلدنا و بلد جدودنا .
العم : انتي بتقولي ايه كمان يا كبيرة ؟ هتعومي على عوم العيال .
سهام : برد على اللي بتقوله ، عايز تطردنا و تشردنا ، و عايزني ارد عليك اقولك ايه يعني ؟
علي : امكن عايزنا نصقفله مثلا يا سهام ، و لا نموت في جلدنا و تقوله خلاص خفنا مش قادرين .
افتحم العم و استشاط غضبا و هو يرى مخططاته باءت بالفشل .
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي