الفصل الرابع

ارتدت سهام ملابسها ، لا تصدق انها عادت الى ملابسها العادسة ، و لن تلبس الجلباب الواسع و لا النقاب الذي كان يختقها و لا تستطع التنفس خلفه ، و ضعت على رأسها حجاب ، ملابسها ابدا ما كانت متبرجة لكنها ايضا لم تكن محجبة يوما ، لابد ان تحترم عادات هذه المدينة ، رغم حجابها و ملابسها الا من يروها يعرفون انها غريبة عن المدينة ، كأنها شارة مكتوبة على جبهتها ، اخذت اخيها علي و خرجت من البيت بعد ان نبهت جميلة مرارا و تكرارا ، ألا تخرج من المنزل و ألا تحتك بأحد ، خرجت هي و علي في طريقهم لمنطقو الصاغة التي لا يعرفون اين هي ، استقلا توكتوك فهي وسيلة الانتقال هنا ، و طلبا منه ان يذهب بهم الى منطقة الصاغة ، نزلا و ظلا يمشيان ، فوجد المنطقة مليئة بالمحلات و مليئة بالصاغة و السيدات ايضا ، خاف علي ان يتم التغرير بهم ، او النصب عليهم ، طمأنته سهام بألا يخاف ، فهي تعرف وزن اساورها ، و تعرف الاسعار جيدا ، ذهبا الى محل من محلات الصاغة القا التحية ثم طلبا من البائع انهم يريدان بيع اسورتان ، حين رأى مظهرهما ، و حين سمع لكنتها ، فقال لهما : هذا الذهب مزور .
فهمت سهام ما يقصده ، و فهمت انه يريد ان ينقص من أثمانهم فقالت بلهجة صارمة واثقة : دهبي مش مزور و مستحيل ، انا مشترياه من عند صايغ معروف ، و مسمحش لحضرتك تقول كده .
رد عليها مدافعا و هو يقلب الاساور بين يديه : مش شايف دمغة فيه ، الدمغة مش باينه .
هنا امسك علي الاسورة من يده و قال : لأ الدمغة اهي ، الظاهر انك بس مش بتشوف كويس . و أخذ الاسورة و قال : يالا بينا يا سهام السوق مليان صاغة ، نروح لصايغ بيشوف الدمغة و فاهم صنعته .
رد البائع : استنا بس يا استاذ الكلام اخد و عطا .
علي : لأ مفيش كلام ، اولها بتقول الاساور مزورة ، و احنا تعبانين فيهم و جايبنهم من لحم الحي .
البائع : يا عم مش قصدي شغلانتنا دي لازم الواحد عينيه تكون في وسط راسه .
علي : مش بالطريقة دي ، احنا جايين نشوف فيهم سعر عايز تقول كلمة قول ، مش عايز خلاص ، احنا كده كده هنلف ع محلات الصاغة كلها و هناخد اعلى سعر و اللي يعجبنا كمان .
نظر له البائع ثم اخذ منه الاساور وزنها و حسب السعر و أخبرهم به .
نظر له علي ثم ناقشه في ثمن الجرام و وزنهم ثم ذهب بعد ان اخبره انه سيلف السوق ليأخذ اعلى سعر . بعد أن خرج من المحل نظر الى سهام و قال لها : احنا كده خدنا الدرس كامل من اول صايغ ، فهمتي هنعمل ايه ، لازم يعرفوا اننا فاهمين ، عشان ميكلوناش ، احنا هناخد اعلى سعر في السوق ، و كمان هنفاصل مع الصايغ تمام .
سهام : تمام ، و معايا كمان فواتيرهم .
علي : اوعي تخرجيها لحد ع طول بدل ما يفتكر ، اننا بنبررله .
سهام : ماشي يا علي ، فرحانه بيك والله .
علي : لازم نعتمد على نفسنا ، و مننتظرش حاجه من حد احنا هنطول في البلد دي ، و مش ضامنين المدة تكون اد ايه ، فلازم نتعامل ، مستعدة يا سهام ؟
سهام : مستعدة يا علي .
و يمشيان في السوق ، يدخلان الى محلات متعددة كل صائغ و كل بائع له لغة مختلفة ، ربما لم يلقي اتهاما انها مزورة ، لكن هناك من قلل من قيمتها ، او اتهم الاساور ان نوعها قديم و ردئ ، كانت سهام ترد و علي يرد ، ظلا جنبا الى جنب حتى خرجا من السوق بسعر يرضيهما ، و بأعلى سعر ممكن .
تملكتهما السعادة ، و هم يعودان مجبوران ، أخبرته أنها ستغير لون البيت ، و تغير به اشياء كثيرة و تصلحه ، و تجعله قابل للعيش ، ستغير روح هذا البيت ، ستجعلهم سعداء في هذه المدينة ، و عدته ان كل شئ سينصلح ، و كل ما خسروه سيعوض ، لكن عليهم ان يكونوا يدا واحدة ، و على رأي واحد ، و على قلب رجل واحد أيضا ، قالت له انهم ان وضعوا يدهم معا ، و فكروا و بحثوا عن مصدر للرزق ، ينفقون به على انفسهم ، و يسددون ما على والدهم من ديون ، ستنكشف الغمامه شيئا فشيئا و يزول الخطر ، و بعدها يعودون ، اه حقا يعودون ، كلمة بألف معنى و الف شئ يعودون لأجله ، يعودون الى احضان القاهرة ، و بيتهم و غرفهم ، و شوارع القاهرة ، تعود هي لعملها و طلابها ، و تعانقهم ، تعود لادهم ، و يتمون معا زواجهم ، تكمل تجهيزات شقتها و تستعد لزفافها ، تختار الفستان و القاعة و تدعو اصدقائها ، احلام كثيرة تختفي خلف حلم العودة ، و كيف السبيل الى العودة ، كيف تنقلب الحياة ؟ و نخسر حتى حياتنا العادية التي كنا نمارسها ، كل صباح ، و يصبح الطريق الى الشئ العادي صعبا بل مستحيل .
لكن الأمل يبقى موجودا مهما استحالت الأماني و كبرت التحديات ، دائما هناك امل ، هذا ما تعلمته سهام طوال حياتها ، و ما غرزته في نفوس اخوتها و نفوس تلاميذها ، الامل موجود ، استمر على ما انت عليه ، كافح و واصل سيرك لأن الامل يختبئ ربما في زاوية قريبه منك ، عليك ان تواصل لاخر نفس ، طالما ان قلبك ينبض ، و طالما تتنفس و قادر أن تعيش عليك المواصلة ، فنحن لم نخلق إلا لنعافر و نستمر ، اتجه علي باتجاه بعض التكاتك ، فطلبت منه سهام أن ينتظر ، لابد ان تأتي بشئ جميل ، ربما حلويات ، لمحت ببصرها سوبر ماركت كبير و تعجبت للتطور الذي في الصعيد ، قالت لاخيها : هو الصعيد فيه سوبر ماركت كبير كده و كمان واضح انه عنده كل المنتجات .
رد علي و قال : العالم اتطور و اصبح قرية صغيرة ، و الناس عندها تلفزيون و نت ، و بقت عارفه كل المنتجات و تطلبها ، مش لازم تعرف المنتجات عن طريق ، اللي البايع يطلبه ، فده اضطر ، التجار انهم يستجيبوا للضغط اللي هيكون من المستهلك .
سهام : احنا هندخل السوبر ماركت ده ، و نشتري لوازم البيت ، و نشتري كام حاجه كده حلوة خلينا نفرح شوية .
يدخلان الى السوبر ماركت و يشتريان مستلزماتهما و يعودان الى المنزل .
يطرقا الباب تفتح جميلة تستقبلهم و تحمل الاشياء التي تعجب بها كطفلة صغيرة .
تتعجب من الاشياء و من كيس السوبر ماركت و تقول : معقول كل الحاجات دي موجوده هنا ، و السوبر ماركت ده موجود هنا .
سهام: اومال ايه ، شكله الصيد اتطور جدا عن زمان .
علي : المهم انا جعان شوفيلنا حاجه نأكلها. .
جميلة : ماما بتحضر الاكل .
سهام : والله وحشتنا اكلاتك يا جميله ، ما تنزليلنا كده بأكله من أكلاتك و شوية حلويات .
جميلة : لما حاجتي و ادواتي يكونوا في حضني الاول .
علي : اعمليلنا اي حاجه بأقل امكانيات .
جميلة : مستحيل ، انا عايزة حاجتي ، هي حتى اللي بتفتح نفسي و تشجعني اعمل الأكل ، انا طلعت عيني عشان يكون عندي كل الحاجات دي كلها ، ده كنت بخرم نفسي من كل حاجه ، عشان اقدر اوفر تمنهم ، حتة حتة.
سهام : قريب باذن الله حاجاتك هتوصل متقلقيش .
علي : و باقي حاجتنا و الاجهزة الكهربائية .
سهام : متقلقش ، سلوى هتبعت كل حاجه ، متشغلش بالك .
علي : بدل ما البيت ده عامل زي الصحراء كده .
سهام : لا باذن الله هيكون كويس خصوصا بعد ما نغير لونه و نديله وش دهان كده و ينور .
جنيلة : بجد هتعملي كده ؟
سهام: اكيد طبعا ، اومال بعت ليه الاساور ، بس مشكلة منعرفش حد هنا خالص ، لا نقاشين و لا محلات دهان ، اه لو مكنتيش اتخانقتي مع عمك ، كان زمانه نافعنا .
جميلة : لا اتخانق مع اي حد يستاهل .
علي : يا بت اللي ليه حاجه عند الكلب يقوله يا سيدي ، و ده عمك .
جميلة : مش عايزين حاجه من وشه خالص و لا اقوله سيدي و لا اقوله كلب و لا عمي حتى .
سهام: طيب يا فالحه ، ابقي اتصرفيلنا بأه في نقاش .
جميلة : اكيد طبعا هتصرف .
علي : و هتعمليها ازاي دي كمان ، تكونيش اتعرفتي على اهل البلد و صاحبتيهم .
جميلة : من غير ما اتعرف ، هي بس التكنولوجيا اللي التجوير بتاعها موصلش ليكم لحد دلوقت .
سهام : تكنولوجيا ايه بأه ؟
جميلة: السوشيال ميديا اكيد ، اهل البد عاملين جروبات على الفيس بوك ، بيبعوا و يشتروا و يتناقشوا عليها ، ده فيه كمان جروبات للبنات بس ، يبيعوا يشتروا ، ياخدوا خبرات بعض ، كل حاجه عليها ، فانا لو نزلت حتة بوست صغير اد كده ، سألت فيه ع نقاش ، كل ارقام النقاشين هتكون عندنا ، و نختار منهم كمان .
سهام : تصدقي صح ، احنا جاهلين تكنولوجيا ، هي الناس فالصعيد بقت ليل نهار ع السوشيال ميديا .
جميلة : ليه محسساني انهم من زمن تاني ، هما نفس الزمن بتاعنا على فكرة ، بس البلد و المكان بس اللي مختلفين يا سهام .
علي : طيب سيبك من ده كله ، انتي قوليلي ، لحقتي تعرفي ده كله ازاي و امتى ؟
جميلة : مالك محسسنني كده اني اخترعت اختراع ، عي دوسة واحده على الموبايل و عرفت كل حاجه .
علي : و الله مجاش في بالي ابحث خالص عن حاجه زي كده ، كويس انك اهتميتي .
جميلة: اكيد طبعا لازم اهتم ، عشان هنعيش هنا ، لازم نوسع تفكيرنا ، مش نحشره فمكان ضيق ، و نخلي واحد زي عمكم يتحكم فينا ، كان زمانه دلوقت بنقدم القرابين عشان يرضى عننا .
علي : يادي عمك شيلي الراجل من دماغك خلاص .
جميلة: ده لو هو شالنا من دماغه من الاساس .
سمعوا صوت طرقات خفيفة على باب البيت .
جميلة: يا ريتكم افتكرتوا مليون جنيه ، شكله عمكم .
سهام : مش شرط بس ادخلي جوه احتياطي .
جميلة: لا مش هدخل و مش هخاف ، لازم ياخد اللي فيه النصيب مني .
و تتجه تجاه الباب و تفتحه ، و تقول : محمود ، ثم تنظر الى اخوتها و تقول : ده محمود ابن عمي ، اتفضل .
يقول محمود : و معايا امي كمان . يدخلا البيت و ترحب بهم سهام و علي و يدعوهما للجلوس .
تنطلق جميلة كالعادة و تقول : شفت اللي عمله ابوك يا محمود ، عرفت و لا لسه .
يرد محمود : عرفت و احنا جايين عشان كده .
تكمل ام محمود : ايوه احنا جايين نتكلم في الموضوع ده.
جميلة: مفيش كلام في المو.....
يقاطعها علي : استني يا جميله ، روحي نادي ماما ، و خليها تعمل حاجه لمرات عمك و ابنها .
تنهض جميله.
فتقول سهام : تتغدوا معانا كده كده ماما بتحضر الغدا .
ام محمود : ملوش لزوم ، يا سهام احنا جايين نتكلم في اللي عمله عمك .
علي : ياريت تكوني عرفتي ، يرضيكي اللي حصل ده يا ام محمود .
ام محمود : ميرضنيش ، بس برضه عقلي اختك شوية .
يتدخل محمود حتى لا يحتد النقاش : امي قصدها ، ان متخليهاش تقف ف وشه كده ، ابويا عنيد جدا ، و مينفعش انعا تقف ف وشه ده غير انه بيتعصب من البنات ، و بالنسباله هي حتة طفلة .
سهام : طب عرفتي هي اتخانقت معاه ليه ؟
ام محمود : شوفي يا بتي ، انا مرة شعرها شاب و اللي هقوله ده مش مبرر و مش بدافع لا سمح الله ، انا عارفة سبب المشكلة ، بس الدنيا يا بتي بقت كلها كده ، كله بينهش في بعضه ، انا مش بدافع انا واحده عارفه ربنا ، بس مش كل الناس عارفاه ، دول فاكرين ان دي شطارة ، و انهم كده مفيش زيهم ، احنا مش هنحكم على الناس يا بتي تعمل و متعملش ايه .
سهام : بس ده كان هيعمل مصلحه عليا ، و بيضللني و يقول ان مفيش ستات تروح السوق ، كمان بيجبلي كدبة متخيلش على عيل صغير .
ام محمود : انا قولتلك يا بتي احنا مش هنغير طبع الناس ، البشر طبعها الطمع ، بس مضطرين نتعامل معاهم ، و مش كل حد نقفش فيه و نزعقله ، مبقولش اللي بيعموله صح ، بس هي الدنيا كده .
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي