الفصل الرابع
الفصل الرابع
======
لوى " و جدي " ذراعها محاولًا فك السكين من قبضتها نجح بالفعل، وقال بغضبٍ شديد و هو يلكزها في كتفها قبل أن يغادر المطبخ لـ يستقبل عائلته
- ماشي يا دعاء ماشي حسابك معايا بعدين و اللهِ ما ها عديها على خير
غادر المطبخ تاركًا إياها تبصق على ظهره، ضاربة بـ كل تحذيراته و تهديداته عرض الحائط، ولجت و بدأ تحضر الطعام و دموعها تنساب على خديها بغزارة، ولجت شقيقة زوجها و جدتها تبكي، ضمتها لحضنها و بدأت تهدئها حتى تسرد لها ما حدث و ليتها لم تفعل ذلك، كانا شقيقة زوجها تستمع وبداخلها تتدبر مشاجرة جديدة، لتضع الخطوط الحمراء لها، انتهت العزيمة على خير، هكذا ظنت دعاء, ولجت غرفتها لتغتسل من تعب اليوم، وجدت " وجدي " خلفها يجذبها من شعرها مرةً أخرى، نشبت مشاجرة جديدة، وصلت إلى التشابك بالإيدي من الطرفين، انتهت بـ مصالحتها عندما أراد حقوقه الشرعية فـ وافقت .
في منزل" شهاب" جلس يدون احتياجاته الأسبوعية قبل أن يتجه إلى أحد المحالات التجارية، تذكرها و هو يدون قسم الخضراوت
لاحت على شفتاه إبتسامة خفيفة، كلماتها، غضبها، و إصرارها على رأيها نال إعجابه كثيرًا
حرك رأسه و عاد يُكمل ما بدأه، ارتشف رشفات سريعة من كوب قهوته الفرنسية، ثم وقف أمام المرآة ينظر لصورته المنعكسة، ظهر ذاك الوشم الذي يزين يسار صدره، بكلماتٍ بسيطة أسفل صورتها عبر عن حبه لها، و ليته لم يفعل ذلك، لم يكن يعلم أن الحُب له وجهًا آخر كـ العملة، لم يشتاق لها و لم يريدها من الأساس هذا ما يقوله دائمًا لـ والده و لكن والده له رأيًا آخر و هو أنه إن أراد نسيانها عليه أولًا التخلص من وشمها، فكرة جيدة عادةً يفكر بها و لكن هو له رايًا مخالف لـ رأي والده ألا و هو أن هذا الوشم يذكره بـ غبائه و تسرعه لذلك كلما حاول التسرع في قرا رته نظر لـ الوشم و تراجع عن هذا القرار، منطق غريب لا يقتنع بهِ والده و لكن كما يقولون ما باليد حيلة.
غادر غرفته و من البيت بأكمله، ليبتاع مستلزمات البيت، استقل سيارته و هو يتابع الطريق، توقفت سيارته في إحدى إشارات المرور ظل ينظر يمينًا و يسارًا، لفت نظره ذاك الشاب الذي يبحث عنه والده، حاول النداء و لكن قام الشرطي بفتح إشارة المرور، قرر أن يسير خلف سيارة الأجرة، و بعد معانأة استطاع أن يحدثه، ترجل " عبد الكريم و خطيبته" هي ذات الفتاة التي قابلها في أحد المحلات التجارية، هي لم تتذكره لأنها لم تكن تعرف أنه كان يتابع المشاجرة التي دارت بينها و بين إحداهن بسبب الزحام عند المحاسب الخاص بـ المحل، أما هو ظن أنها تعرفه و تتعمد تجاهله بسبب خطيبها، حاول ألا يلفت الأنظار و تبادل مع " عبد الكريم " أطراف الحديث حول أمرًا هام ثم أعطى له بطاقة التعريف خاصته، و قبل أن يغادر قال له
- كدا معاك كل أرقامي حتى رقمي الخاص معاك كلمني ضروري يا عبد الكريم
- حاضر يا أستاذ شهاب ربنا يسهل و اقدر اعمل لك اللي أنت عاوزه
- إن شاء الله
تابع بعتذار و هو ينظر إلى "نبيلة" و قال
- أنا بعتذار على اللي بس احنا حرفيًا بقالنا شهور بندور عليه
ردت " نبيلة " بتلقائيتها المعتادة
- اعتذار إيه بقى بعد السواق ما اخد الأجرة كاملة و احنا في نص المشوار
كبح " شهاب" إبتسامته و قال بجدية
- إيه رأيكم اوصل لكم لـ المكان اللي حابين تروحوا ؟
رد " عبد الكريم " قائلا بامتنان رغم ضيقه من جرأة حديث خطيبته
- شكرًا أنا مش عاوز اتعبك معايا
بينما قالت " نبيلة " و هي تقودها تجاه السيارة الفارهة
- تعب إيه بس يا عبده ما هو كدا كدا هاياخدنا في طريقه
صمت " عبد الكريم " بينما أزاح " شهاب" الحرج عنه و قال بجدية
- زي ما قالت لك كدا أنا ها خدك في طريقي
استقل ثلاثتهما السيارة و بدأ الحوار يأخذ مجراه و معدل كل دقيقتين تقاطعهما "نبيلة" و تتدخل في الحوار، و قبل أن تصل إلى أحد المطاعم وجهت حديثها إلى " شهاب"
- أنا كمان بعمل اكسسوارت زي عبده، حتى بص كدا دي حاجة بسيطة من تصميماتي
اجبرته على النظر في هاتفها ليجدها هي نفسها التي تريدي كل ما تصنعه يدها، كانت تأخذ لنفسها عدة صور ثم تقوم بعرضها على الزبائن و إن نالت إعجاب ذاك الشهاب ستنتقل إلى عالمًا آخر كم تتوق شوقًا لدخوله .
و يالها مصممة ماهرة جذبت انتباهُ من أول مرة لم يكن غريب عليها فـ هذا ما فعلته من قبل دون أي تكلف منها، كاد أن يحدثها لتتواصل معه لكن يد " عبد الكريم" كانت السبب الرئيسي في كتم طلبه قبل الإفصاح به
اعاد يد خطيبته و بدأ يحدثه عن تحديد موعد لـ مقابلة والده فـ قال له
- الوقت اللي يناسبك يا عبد الكريم احنا موجودين شوف حابب نبدأ شغل إمتى و اخنا معاك في أي وقت و مش هنختلف
لوت " نبيلة " فمها و هي تعود بجسدها للخلف عاقدة ساعديها أمام صدرها، كل هذه التصرفات كانت أسفل ناظريه يتابعها من مرآة سيارته لم يكن متعمدًا لكنه كلما نظر خلف ليتابع الطريق وجدها تكتم غضبها، وصلا أخيرًا إلى المكان المنشود، ترجلا. من سيارته و هي تكاد تصرخ من فرط غيظها، لوح بيده لهما و غادر المكان، تاركًا إياها تتشاجر مع خطيبها على فرصة عمرها التي قطعها ذاك المختل بتصرفاته و التي بررها بالغيرة و الحب فـ قابلتها بسخرية .
و بعد معاناة طويلة في محاولة إرضائها وافقت على مضضٍ أن تغفر له ذنبه الذي اقترفه دون عمد و كأنه التعبير عن الحب و الغيرة أصبح ذنب لا يغتفر، ولج المطعم و بدأ في طلب كل ما لذ و طاب، لترضى ست الحُسن و الجمال أما هي لا تعرف لماذا تفعل معه ذلك هل لأنه متلعثم في مخارج الفاظه أم لأنه مغلوب على أمره من قِبل قلبه، دائمًا تسأل حالها عن سبب تغيرها تجاهه، لو يعود الزمن بها لتختار رجلًا آخر هل ستختار أحدًا غيره، فجأة و بدون أي مقدمات ابتسمت له و قالت بنبرة هادئة و كأن التي تجلس أمامه نبيلة أخرى
- متزعلش مني يا عبده بس و الله غصب عني كنت حاسة إني متغاظة منك، أنا عارفة إنك بتحبني و بتغيير عليا بس ما هو أنت عارف إني بشتغل و بتعامل مع الكل كدا
رد " عبد الكريم " بنبرة تملؤها العتاب و الحب معًا و قال
- ايوة بس بس أنا مش عاوزك تكلمي شهاب دا
سألته بفضول
- ليه هو مش كويس يعني يا عبده ؟
أجابها بالنفي قائلا
- امانة ربنا لأ بس أنا مش عاوزك تكلمي و خلاص
ابتسمت وقالت بمشاكسة
- بتغيير عليا يا عبده ؟
رد بذات الإبتسامة و هو يضع يده فوق يدها و قال
- و ليه لأ مش راجل و لا مش راجل
-و سيد الر جالة يا عبده، متزعلش مني حقك عليا بس أنا محسبتهاش كدا أنا قلت لو عجبه حاجة كدا اعملها له واطلع بـ قرشين حلوين اكمل بيهم جهازي ما أنت عارف الظروف يا عبده
- أنا ها ديكِ اللي أنتِ عاوزاه بس بلاش تتعاملي مع اللي اسمه شهاب دا
- خلاص براحتك طالما ها تعوضني عن الشغل اللي ضيعته لي يبقى ليه لأ حد يقول للراحة لأ
على الجانب الآخر، و تحديدًا في منزل "دعاء" شقيقة " نبيلة " رغم مرور مدة قصيرة على زواجها لكنها ندمت أشد الندم على هذه الزيجة المتسرعة، جلس زوجها يتجرع الخمور، الحبوب المنشطة، و يشاهد الأفلام التي أصبحت سببًا رئيسيًا في كل مشاجرة تتدور بينهما، أمرها بأن يأتي لها ببعض المقبلات التي توضع مع الخمور، وضعتها بعنف، و قبل أن تغادر المكان قبض على رسغها بقوةً، تأواهت إثر هذا الضغط،
حاولت فك قبضته المحاصرة لخصرها بعنف شديد و لكنها فشلت حملها و هو يتأرنح لم يستمع لـ صرا خها، توسلها كي يترك و لكنه لا يصغى لها أخذ حقه الشرعي ثم تركها و هو ينهرها ويسُبها سبابه اللاذع، بصقت على وجهه، لم تتحمل هذا العنف قامت بالإتصال على أختها، كي تنجدها، و بدلًا من أن تتغاضى عن العتاب و تفتح لها ذراعيها، وجدتها تؤكد لها ظنونها و تصرخ بوجهها، قام بـ اغلاق الهاتف و القت بهِ على السرير، ظلت " نبيلة " تحاول الوصول إليها، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل، فـ لم تجد سوى أن تذهب إليها لـ تساعدها في هذه الأزمة .
و بعد أقل من مرور عشر دقائق سيرًا على الأقدام وصلت إلى منزل شقيقتها، لم تتوقع "دعاء" زيارة أختها، حاولت أن لا تشكو لها، و لكنها وجدت نفسها، ترتمي بين احضان أختها تسرد لها كل شئ ودموعها تنساب على وجهها
جلست " نبيلة " حافة الفراش و قالت بصوت مختنق قائلة
- ينضرب في ايده ما يوعى، بس يا حبيبتي بس مش قلت لك بلاش العيلة الو
ولج زوج أختها بعد أن استمع لحديث زوجته مع شقيقتها، نشب بينهما خلاف كاد يصل للتشابك بالإيدي لكنها تمالكت أعصابها في اللحظة الأخيرة، قرر أن يضع زوجته في اختيار ليعرف أيًا منهما ستختار، فـ بالطبع وقفت في صف زوجها، فـ أمرها قائلًا بشماتة
- قولي لأختك ما تتدخلش بنا و ياريت ما نشوفش وشها الكريم هنا تاني مفهوم !!
دام الصمت لثوانٍ معدودة كانت " نبيلة" خلالهما عاقدة ساعديها أمام صدرها ناظرة له بتحدٍ و كأنها واثقة من اختيار اختها إلى أن وصل إلى مسامعها صوتها يأمرها بـ الخروج من البيت و من حياتها، أصابتها الصاقعة ظلت متخشبة تحاول أن تستوعب ما يدور، لـ يخرجها صوت زوج شقيقتها قائلًا بشماتة
- يارب تكوني سمعتي كويس أنا و هي أحرار نحب بعض نضرب بعض احنا أحرار ما تتدخليش في اللي مالكيش دعوة بي
- سامعة جوزك يا دعاء راضية عن اللي بيقوله دا ؟
- اه سامعة و راضية و ياريت تخليكِ في حالك ياما بيحصل بين المتجوزين
اغتاظ " نبيلة " من ردة فعل " دعاء" جذبت حقيبتها و قالت من بين أسنا نها
-الهي تو لعوا في بعض و اللهِ ما هادخل تاني بنكم
ختمت حديثها قائلة بغيظٍ شديد وهي تضربها على كتفها
- خليه يبيع و يشتري فيكِ براحته ما هو أنتِ اللي مرخصة نفسك يا رخيصة
غادرت البيت و بداخلها نيران غيظ تُشعل عالم بأثره، تعلم طباعه جيدًا كان يعمل معها في ذات المحل الذي يعلم فيها " عبد الكريم" لكنه سئ السُمعة حاولت كثيوًا إبعاده عن شقيقتها لكنها فشلت على الرغم من أن شقيقتها " دعاء" اتممت عامها العشرين مُنذ ستة أشهر إلا إنها توصفها بـ الطفلة الصغيرة ذات التفكير المحدود، تكبر " نبيلة" عن أختها بـ خمسة أعوامًا فقط و لم تنجب والدتها بعد شقيقتها الصغرى نظرًا لمرضها و تقدمها بالعمر
والدتهما لم تكن قريبةً منهن ما تفكر فيه دا ئمًا هو أن تزوجهما حتى تطمئن عليهن و ترى احفادها قبل أن يتجاوز بناتها سن الثلاثون و لم يزرقوا باطفال كما حدث معها، تفكير عقيم
يدور بخلدها فـ الله سبحانه و تعالى يكتب لكل شخص رزقه، و علميًا تستطيع المرأة أن تنجب حتى سن الخمسين كل هذا قالته " نبيلة " لـ والدتها لكنها لم تصغى لها و تفعل ما يحلو لها .
عادت إلى البيت و هي تعض على أ ناملها من الغيظ و عندما سألتها والدتها نكرت الواقعة و تحجت بشئ آخر، هدئت قليلًا ثم سألت والدتها عن تحضيرات الزواج و ما يتعلق به بسطت يدها و قالت بجدية
- منين يا حبيبتي إن شاء الله احنا يا دوب ها نجيب لبس الصيفي و شوية حاجات صغيرة و مش مهم تتجوزي بالشتوي عشان الحمد لله مش معانا لا أبيض و لا اسود
- يعني إيه يعني و الفلوس اللي كنت بحوشها معاكِ و تقولي عشان لما يجي لك العريس نعرف نشرفك قدام أهله
- جت جوازة أختك و خدتها كلها كنت ناوية اعمل لك جمعية و اجهزك بيها بس أعمل إيه مش معايا
تابعت والدتها بـ إقتراح قائلة
- اقول لك روحي اشتغلي تاني
-يا سلام يا اختي ما أنتِ عارفة إن عبد الكريم مش راضي بيقول لي انا هاديكِ مرتب الشهر بدل ما تروحي تشتغلي و تبهدلي نفسك
- يا سلام يا اختي و دا من إمتى إن شاء الله بتسمعي كلامه كدا ؟
- يا ماما الواد غلبان معايا و صراحة ربنا بقى أنا جيت عليه كتير
- طب يا اختي ربنا يهني سعيد بـ سعيدة احنا نكره
- سيبك من سعيد و سعيدة و قولي لي ها تعملي إيه في جهازي ؟
- هي حكاية يا بت ما قلت لك ها نجيب كام جلبية على كام ترنج و خلصنا
- لا ما خلصناش يا ماما عشان و اللهِ حرام عليكِ
خرجت " نبيلة" من غرفة والدتها و هي تتدب قدماها أرضا من فرط غيظها، ولجت غرفتها و جلست على حافة الفراش تهز ساقيها بقوةً شديدة و هي تكز على شفتاها السُفلى، لمعت فوق رأسها مصابيح الأفكار حتى وصلت إلى حلًا وحيد و لا شئ غيره
التقطت هاتفها ثم قامت بالبحث السريع عن حساب " شهاب الشناوي " الشخصي قضت أكثر من ساعتين و هي تبحث وصلت أخيرًا إليه قامت بكتابة رسالة سريعة إليه و انتظرت الرد مرت ساعة ثم ساعتين ثم خمس ساعات كاملة حتى نال منها الإحباط
ترك هاتفها جنبا و مددت جسدها و عيناها معلقتان على شاشة الهاتف، فجأة اتاها الرد في رسالة صوتية قائلا فيها
======
لوى " و جدي " ذراعها محاولًا فك السكين من قبضتها نجح بالفعل، وقال بغضبٍ شديد و هو يلكزها في كتفها قبل أن يغادر المطبخ لـ يستقبل عائلته
- ماشي يا دعاء ماشي حسابك معايا بعدين و اللهِ ما ها عديها على خير
غادر المطبخ تاركًا إياها تبصق على ظهره، ضاربة بـ كل تحذيراته و تهديداته عرض الحائط، ولجت و بدأ تحضر الطعام و دموعها تنساب على خديها بغزارة، ولجت شقيقة زوجها و جدتها تبكي، ضمتها لحضنها و بدأت تهدئها حتى تسرد لها ما حدث و ليتها لم تفعل ذلك، كانا شقيقة زوجها تستمع وبداخلها تتدبر مشاجرة جديدة، لتضع الخطوط الحمراء لها، انتهت العزيمة على خير، هكذا ظنت دعاء, ولجت غرفتها لتغتسل من تعب اليوم، وجدت " وجدي " خلفها يجذبها من شعرها مرةً أخرى، نشبت مشاجرة جديدة، وصلت إلى التشابك بالإيدي من الطرفين، انتهت بـ مصالحتها عندما أراد حقوقه الشرعية فـ وافقت .
في منزل" شهاب" جلس يدون احتياجاته الأسبوعية قبل أن يتجه إلى أحد المحالات التجارية، تذكرها و هو يدون قسم الخضراوت
لاحت على شفتاه إبتسامة خفيفة، كلماتها، غضبها، و إصرارها على رأيها نال إعجابه كثيرًا
حرك رأسه و عاد يُكمل ما بدأه، ارتشف رشفات سريعة من كوب قهوته الفرنسية، ثم وقف أمام المرآة ينظر لصورته المنعكسة، ظهر ذاك الوشم الذي يزين يسار صدره، بكلماتٍ بسيطة أسفل صورتها عبر عن حبه لها، و ليته لم يفعل ذلك، لم يكن يعلم أن الحُب له وجهًا آخر كـ العملة، لم يشتاق لها و لم يريدها من الأساس هذا ما يقوله دائمًا لـ والده و لكن والده له رأيًا آخر و هو أنه إن أراد نسيانها عليه أولًا التخلص من وشمها، فكرة جيدة عادةً يفكر بها و لكن هو له رايًا مخالف لـ رأي والده ألا و هو أن هذا الوشم يذكره بـ غبائه و تسرعه لذلك كلما حاول التسرع في قرا رته نظر لـ الوشم و تراجع عن هذا القرار، منطق غريب لا يقتنع بهِ والده و لكن كما يقولون ما باليد حيلة.
غادر غرفته و من البيت بأكمله، ليبتاع مستلزمات البيت، استقل سيارته و هو يتابع الطريق، توقفت سيارته في إحدى إشارات المرور ظل ينظر يمينًا و يسارًا، لفت نظره ذاك الشاب الذي يبحث عنه والده، حاول النداء و لكن قام الشرطي بفتح إشارة المرور، قرر أن يسير خلف سيارة الأجرة، و بعد معانأة استطاع أن يحدثه، ترجل " عبد الكريم و خطيبته" هي ذات الفتاة التي قابلها في أحد المحلات التجارية، هي لم تتذكره لأنها لم تكن تعرف أنه كان يتابع المشاجرة التي دارت بينها و بين إحداهن بسبب الزحام عند المحاسب الخاص بـ المحل، أما هو ظن أنها تعرفه و تتعمد تجاهله بسبب خطيبها، حاول ألا يلفت الأنظار و تبادل مع " عبد الكريم " أطراف الحديث حول أمرًا هام ثم أعطى له بطاقة التعريف خاصته، و قبل أن يغادر قال له
- كدا معاك كل أرقامي حتى رقمي الخاص معاك كلمني ضروري يا عبد الكريم
- حاضر يا أستاذ شهاب ربنا يسهل و اقدر اعمل لك اللي أنت عاوزه
- إن شاء الله
تابع بعتذار و هو ينظر إلى "نبيلة" و قال
- أنا بعتذار على اللي بس احنا حرفيًا بقالنا شهور بندور عليه
ردت " نبيلة " بتلقائيتها المعتادة
- اعتذار إيه بقى بعد السواق ما اخد الأجرة كاملة و احنا في نص المشوار
كبح " شهاب" إبتسامته و قال بجدية
- إيه رأيكم اوصل لكم لـ المكان اللي حابين تروحوا ؟
رد " عبد الكريم " قائلا بامتنان رغم ضيقه من جرأة حديث خطيبته
- شكرًا أنا مش عاوز اتعبك معايا
بينما قالت " نبيلة " و هي تقودها تجاه السيارة الفارهة
- تعب إيه بس يا عبده ما هو كدا كدا هاياخدنا في طريقه
صمت " عبد الكريم " بينما أزاح " شهاب" الحرج عنه و قال بجدية
- زي ما قالت لك كدا أنا ها خدك في طريقي
استقل ثلاثتهما السيارة و بدأ الحوار يأخذ مجراه و معدل كل دقيقتين تقاطعهما "نبيلة" و تتدخل في الحوار، و قبل أن تصل إلى أحد المطاعم وجهت حديثها إلى " شهاب"
- أنا كمان بعمل اكسسوارت زي عبده، حتى بص كدا دي حاجة بسيطة من تصميماتي
اجبرته على النظر في هاتفها ليجدها هي نفسها التي تريدي كل ما تصنعه يدها، كانت تأخذ لنفسها عدة صور ثم تقوم بعرضها على الزبائن و إن نالت إعجاب ذاك الشهاب ستنتقل إلى عالمًا آخر كم تتوق شوقًا لدخوله .
و يالها مصممة ماهرة جذبت انتباهُ من أول مرة لم يكن غريب عليها فـ هذا ما فعلته من قبل دون أي تكلف منها، كاد أن يحدثها لتتواصل معه لكن يد " عبد الكريم" كانت السبب الرئيسي في كتم طلبه قبل الإفصاح به
اعاد يد خطيبته و بدأ يحدثه عن تحديد موعد لـ مقابلة والده فـ قال له
- الوقت اللي يناسبك يا عبد الكريم احنا موجودين شوف حابب نبدأ شغل إمتى و اخنا معاك في أي وقت و مش هنختلف
لوت " نبيلة " فمها و هي تعود بجسدها للخلف عاقدة ساعديها أمام صدرها، كل هذه التصرفات كانت أسفل ناظريه يتابعها من مرآة سيارته لم يكن متعمدًا لكنه كلما نظر خلف ليتابع الطريق وجدها تكتم غضبها، وصلا أخيرًا إلى المكان المنشود، ترجلا. من سيارته و هي تكاد تصرخ من فرط غيظها، لوح بيده لهما و غادر المكان، تاركًا إياها تتشاجر مع خطيبها على فرصة عمرها التي قطعها ذاك المختل بتصرفاته و التي بررها بالغيرة و الحب فـ قابلتها بسخرية .
و بعد معاناة طويلة في محاولة إرضائها وافقت على مضضٍ أن تغفر له ذنبه الذي اقترفه دون عمد و كأنه التعبير عن الحب و الغيرة أصبح ذنب لا يغتفر، ولج المطعم و بدأ في طلب كل ما لذ و طاب، لترضى ست الحُسن و الجمال أما هي لا تعرف لماذا تفعل معه ذلك هل لأنه متلعثم في مخارج الفاظه أم لأنه مغلوب على أمره من قِبل قلبه، دائمًا تسأل حالها عن سبب تغيرها تجاهه، لو يعود الزمن بها لتختار رجلًا آخر هل ستختار أحدًا غيره، فجأة و بدون أي مقدمات ابتسمت له و قالت بنبرة هادئة و كأن التي تجلس أمامه نبيلة أخرى
- متزعلش مني يا عبده بس و الله غصب عني كنت حاسة إني متغاظة منك، أنا عارفة إنك بتحبني و بتغيير عليا بس ما هو أنت عارف إني بشتغل و بتعامل مع الكل كدا
رد " عبد الكريم " بنبرة تملؤها العتاب و الحب معًا و قال
- ايوة بس بس أنا مش عاوزك تكلمي شهاب دا
سألته بفضول
- ليه هو مش كويس يعني يا عبده ؟
أجابها بالنفي قائلا
- امانة ربنا لأ بس أنا مش عاوزك تكلمي و خلاص
ابتسمت وقالت بمشاكسة
- بتغيير عليا يا عبده ؟
رد بذات الإبتسامة و هو يضع يده فوق يدها و قال
- و ليه لأ مش راجل و لا مش راجل
-و سيد الر جالة يا عبده، متزعلش مني حقك عليا بس أنا محسبتهاش كدا أنا قلت لو عجبه حاجة كدا اعملها له واطلع بـ قرشين حلوين اكمل بيهم جهازي ما أنت عارف الظروف يا عبده
- أنا ها ديكِ اللي أنتِ عاوزاه بس بلاش تتعاملي مع اللي اسمه شهاب دا
- خلاص براحتك طالما ها تعوضني عن الشغل اللي ضيعته لي يبقى ليه لأ حد يقول للراحة لأ
على الجانب الآخر، و تحديدًا في منزل "دعاء" شقيقة " نبيلة " رغم مرور مدة قصيرة على زواجها لكنها ندمت أشد الندم على هذه الزيجة المتسرعة، جلس زوجها يتجرع الخمور، الحبوب المنشطة، و يشاهد الأفلام التي أصبحت سببًا رئيسيًا في كل مشاجرة تتدور بينهما، أمرها بأن يأتي لها ببعض المقبلات التي توضع مع الخمور، وضعتها بعنف، و قبل أن تغادر المكان قبض على رسغها بقوةً، تأواهت إثر هذا الضغط،
حاولت فك قبضته المحاصرة لخصرها بعنف شديد و لكنها فشلت حملها و هو يتأرنح لم يستمع لـ صرا خها، توسلها كي يترك و لكنه لا يصغى لها أخذ حقه الشرعي ثم تركها و هو ينهرها ويسُبها سبابه اللاذع، بصقت على وجهه، لم تتحمل هذا العنف قامت بالإتصال على أختها، كي تنجدها، و بدلًا من أن تتغاضى عن العتاب و تفتح لها ذراعيها، وجدتها تؤكد لها ظنونها و تصرخ بوجهها، قام بـ اغلاق الهاتف و القت بهِ على السرير، ظلت " نبيلة " تحاول الوصول إليها، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل، فـ لم تجد سوى أن تذهب إليها لـ تساعدها في هذه الأزمة .
و بعد أقل من مرور عشر دقائق سيرًا على الأقدام وصلت إلى منزل شقيقتها، لم تتوقع "دعاء" زيارة أختها، حاولت أن لا تشكو لها، و لكنها وجدت نفسها، ترتمي بين احضان أختها تسرد لها كل شئ ودموعها تنساب على وجهها
جلست " نبيلة " حافة الفراش و قالت بصوت مختنق قائلة
- ينضرب في ايده ما يوعى، بس يا حبيبتي بس مش قلت لك بلاش العيلة الو
ولج زوج أختها بعد أن استمع لحديث زوجته مع شقيقتها، نشب بينهما خلاف كاد يصل للتشابك بالإيدي لكنها تمالكت أعصابها في اللحظة الأخيرة، قرر أن يضع زوجته في اختيار ليعرف أيًا منهما ستختار، فـ بالطبع وقفت في صف زوجها، فـ أمرها قائلًا بشماتة
- قولي لأختك ما تتدخلش بنا و ياريت ما نشوفش وشها الكريم هنا تاني مفهوم !!
دام الصمت لثوانٍ معدودة كانت " نبيلة" خلالهما عاقدة ساعديها أمام صدرها ناظرة له بتحدٍ و كأنها واثقة من اختيار اختها إلى أن وصل إلى مسامعها صوتها يأمرها بـ الخروج من البيت و من حياتها، أصابتها الصاقعة ظلت متخشبة تحاول أن تستوعب ما يدور، لـ يخرجها صوت زوج شقيقتها قائلًا بشماتة
- يارب تكوني سمعتي كويس أنا و هي أحرار نحب بعض نضرب بعض احنا أحرار ما تتدخليش في اللي مالكيش دعوة بي
- سامعة جوزك يا دعاء راضية عن اللي بيقوله دا ؟
- اه سامعة و راضية و ياريت تخليكِ في حالك ياما بيحصل بين المتجوزين
اغتاظ " نبيلة " من ردة فعل " دعاء" جذبت حقيبتها و قالت من بين أسنا نها
-الهي تو لعوا في بعض و اللهِ ما هادخل تاني بنكم
ختمت حديثها قائلة بغيظٍ شديد وهي تضربها على كتفها
- خليه يبيع و يشتري فيكِ براحته ما هو أنتِ اللي مرخصة نفسك يا رخيصة
غادرت البيت و بداخلها نيران غيظ تُشعل عالم بأثره، تعلم طباعه جيدًا كان يعمل معها في ذات المحل الذي يعلم فيها " عبد الكريم" لكنه سئ السُمعة حاولت كثيوًا إبعاده عن شقيقتها لكنها فشلت على الرغم من أن شقيقتها " دعاء" اتممت عامها العشرين مُنذ ستة أشهر إلا إنها توصفها بـ الطفلة الصغيرة ذات التفكير المحدود، تكبر " نبيلة" عن أختها بـ خمسة أعوامًا فقط و لم تنجب والدتها بعد شقيقتها الصغرى نظرًا لمرضها و تقدمها بالعمر
والدتهما لم تكن قريبةً منهن ما تفكر فيه دا ئمًا هو أن تزوجهما حتى تطمئن عليهن و ترى احفادها قبل أن يتجاوز بناتها سن الثلاثون و لم يزرقوا باطفال كما حدث معها، تفكير عقيم
يدور بخلدها فـ الله سبحانه و تعالى يكتب لكل شخص رزقه، و علميًا تستطيع المرأة أن تنجب حتى سن الخمسين كل هذا قالته " نبيلة " لـ والدتها لكنها لم تصغى لها و تفعل ما يحلو لها .
عادت إلى البيت و هي تعض على أ ناملها من الغيظ و عندما سألتها والدتها نكرت الواقعة و تحجت بشئ آخر، هدئت قليلًا ثم سألت والدتها عن تحضيرات الزواج و ما يتعلق به بسطت يدها و قالت بجدية
- منين يا حبيبتي إن شاء الله احنا يا دوب ها نجيب لبس الصيفي و شوية حاجات صغيرة و مش مهم تتجوزي بالشتوي عشان الحمد لله مش معانا لا أبيض و لا اسود
- يعني إيه يعني و الفلوس اللي كنت بحوشها معاكِ و تقولي عشان لما يجي لك العريس نعرف نشرفك قدام أهله
- جت جوازة أختك و خدتها كلها كنت ناوية اعمل لك جمعية و اجهزك بيها بس أعمل إيه مش معايا
تابعت والدتها بـ إقتراح قائلة
- اقول لك روحي اشتغلي تاني
-يا سلام يا اختي ما أنتِ عارفة إن عبد الكريم مش راضي بيقول لي انا هاديكِ مرتب الشهر بدل ما تروحي تشتغلي و تبهدلي نفسك
- يا سلام يا اختي و دا من إمتى إن شاء الله بتسمعي كلامه كدا ؟
- يا ماما الواد غلبان معايا و صراحة ربنا بقى أنا جيت عليه كتير
- طب يا اختي ربنا يهني سعيد بـ سعيدة احنا نكره
- سيبك من سعيد و سعيدة و قولي لي ها تعملي إيه في جهازي ؟
- هي حكاية يا بت ما قلت لك ها نجيب كام جلبية على كام ترنج و خلصنا
- لا ما خلصناش يا ماما عشان و اللهِ حرام عليكِ
خرجت " نبيلة" من غرفة والدتها و هي تتدب قدماها أرضا من فرط غيظها، ولجت غرفتها و جلست على حافة الفراش تهز ساقيها بقوةً شديدة و هي تكز على شفتاها السُفلى، لمعت فوق رأسها مصابيح الأفكار حتى وصلت إلى حلًا وحيد و لا شئ غيره
التقطت هاتفها ثم قامت بالبحث السريع عن حساب " شهاب الشناوي " الشخصي قضت أكثر من ساعتين و هي تبحث وصلت أخيرًا إليه قامت بكتابة رسالة سريعة إليه و انتظرت الرد مرت ساعة ثم ساعتين ثم خمس ساعات كاملة حتى نال منها الإحباط
ترك هاتفها جنبا و مددت جسدها و عيناها معلقتان على شاشة الهاتف، فجأة اتاها الرد في رسالة صوتية قائلا فيها
