الفصل الثاني و الثلاثين
البارت الثاني والعشرون
مكسب وخسارة
.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
يسافر ظافر إلى ألمانيا وهو محطم نفسيا ومعنويا, وينزل من الطائرة كالتائه ويتذكر كلام كوثر بأن يلجأ إلى مريفانا وقت المحن, لينطلق إليها وفي قلبه أمل أن يجد لديها ما فقده.
ويطرق باب شقتها وهو متوتر ومرتبك.
تفتح له مريفانا الباب وتراه كالغريق الذي يتعلق بقشة ليجذبها بحضنه ويعانقها بقوة كي يتناسى معها أحزانه.
وفي المساء وهي بين أحضانه تعيش السعادة التي تمنتها سنين في أن يشعر بها ظافر ويبادلها حبها.
يطرق باب الشقة طرقات متواصلة وتحاول مريفانا أن تنهض من جوار ظافر إلا أنه يطبق عليها وهي لا تستطيع الحراك كي لاتوقظه, فقالت بصوت هادئ
"ظافر؟ ظافر حبيبي؟ الباب بيخبط من بدري, ياتقوم تفتح, ياتفك دراعك اللي حبسني جواه وأقوم أفتح أنا؟"
يزيد ظافر من إحتضانه لها ويضمها بقوة لصدره العاري
"اللي بيخبط هيزهق وهيمشي, لكن إنتي إزاي تطلبي أسيببك من حضني وأنا لسه ماشبعتش منك, بس تعرفي المشاعر اللي عشتها في حضنك و فرحتي بإني أول راجل في حياتك محسسني بالفخر, كان ليها حق كوثر تحافظ على نفسها".
تحتضنه مريفانا بعشق وتقبله بعذوبة
"طول عمري كنت بحافظ على عذريتي علشان أوهبها ليك, لأنك إنت الوحيد اللي حبيته وإتمنيته, وجات كوثر وعرفتني قيمة إني أحافظ على نفسي وجسدي ومهدرش كرامتي بأن أصبح ألعوبه بين الرجالة لإرضاء رغباتي الحسية، فتحت عينيا ونورت بصيرتي, وبسببها رجعت ليا وبقيت ملكي وحبيبي وعشقي الأبدي".
وتتأفف من صوت طرقات الباب المستمرة
"قوم يا ظافر شوف مين لايكون فيه حاجة حصلت وبطل كسل".
ينهض ظافر مرغما, ويرتدي روبه ويخرج ليفتح الباب, وينظر بتهكم ليوسف الواقف أمام الباب مع شبه ابتسامة ساخرة مرسومة على وجهه وهو يقول له
"نعم عايز إيه؟ أي خدمة يا أستاذ جوزيف؟"
يتطلع له يوسف بإستحقار وإزدراء و كل نظرات الإستهجان
"إنت بتعمل إيه هنا مش هاتبطل قذارة وتتقي الله في نفسك ومراتك؟ ألف خسارة يا ظافر حتى صديقتها خسرتهالها".
تخرج مريفانا وتنظر لهم ويضحك ظافر بسخرية قائلا
إسمع؟ تدينك ده مش هانخدع بيه زي ما خدعت كوثر, وعلاقتي بماري شيء ما يخصكش, وإتفضل مع السلامة, إنت مش مرحب بيك هنا, لأني بكرهك يا جوزيف, فاهم جوزيفففف".
تتدخل مريفانا بالحوار وتعنف ظافر
"إهدي يا ظافر, يوسف مهما كان صديقك واللي حصل بينك وبين كوثر يوسف ملوش دخل بيه, صدقني لو سمحت إطلب منه يدخل خلينا نعرف سبب حضوره قبل ما تتطرده".
يرمقهم يوسف بسخرية ويهز رأسه في حزن
"كنت بقدرك وبحترمك يا مريفانا, وإعتقدت خطأ, إنك إكتسبي من صداقتك لكوثر معنى إحترام الذات وعدم الإنسياق وراء رغباتك التي يهيؤها لكي الشيطان على أنها متعة, ومنها كشف جسدك لرجل في الحرام, ألف خسارة عليكم إنتو الإتتين".
تبكي مريفانا من حديث يوسف، ويصيح فيه ظافر بحدة
إخرس يا يوسف, إنت اللي منافق بتدينك الزائف لكن مش عليا, بس ريح نفسك اللي عايز تقنعها بقت أبعد ما يكون عنك".
تمسح مريفانا دموعها وتطلب من يوسف الدخول ليوضح له سبب وجود ظافر في بيتها بهذا الشكل.
ويمر الوقت بهم وهي تحكي له كل ما حدث، ويذهب يوسف بعد أن عرف أن كوثر تطلقت وعادت إلى أهلها في الصعيد وأن ظافر أصبح حر في حياته يسيرها كما يريد.
.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
وهناك في دار الشيخ سليم تحضر عائلة الحاج منصور لطلب يد نعمة رسميا بعد أن وافقت على إرتباطها بفارس.
وتزين كوثر أختها هي وفؤاده زوجة أخيها وتصعد لهم سميحة لتبارك لنعمة علي الخطوبه وتعتذر لكوثر من تطليق أخيها لها.
وتربت كوثر على كتف سميحه وتغمرها بحضن قوي
"يا سموحة يا حبيبتي, أنا وظافر كنا متفقين على الطلاق لأن حياتنا إنتهت لحد كده وخلاص كل شى قسمة ونصيب, المهم دلوقتي طمنيني على حملك هتولدي إمتى؟"
تجلس سميحه على أقرب مقعد وتطأطئ رأسها لتداري حزنها, وبصوت خافت كالفحيح تقول لها
لسه كمان شهرين, إدعيلي يكملوا على خير, وتمسك يد كوثر لتجلسها بجوارها, بالله عليكي يا كوثر لو جرى لي حاچة, خلي بالك من ولادي وبدر، ده هيحتاس بيهم من غيري".
تخبطها كوثر بخفها على وجهها وتعنفها
"بطلي هبل يا بت, بكره هاتقومي بالسلامة, وهتفرحي بولادك وتجوزيهم كمان وفجأه تسمع صوت يناديها وتستغربه.
وتخرج لترى هل ما سمعته صحيح أم مجرد تهيؤات, وتنزل إلى الأسفل ليقابلها أخيها هاشم ويسألها
"راحة فين يا كوثر؟ الرجالة جوه هتدخلى عليهم من غير العروسة؟"
ترتبك كوثر وتنظر لأخيها بعيون زائغة وتسأله
هوه فيه حد غريب معاهم ؟ ولّا الحاج منصور وفارس وبدر بس؟"
يمط هاشم شفتاه بإستغراب
|ويهمك مين اللي معاهم؟ لع , إوعي يكون لسه بتفكري بظافر و بتحسبيه چاي معاهم لأجل خاطرك, إنسيه يا بت أبوي, مفيش حد غير الحاچ منصور وولده وبدر وخوكي عمر وبوكي, همي إطلعي جهزي نعمة وإدّلي بيها علشان عريسها يجرا الفاتحة ويلبسها الدهبات وبعدها نتفج على الزفاف".
لم تقتنع كوثر بكلام هاشم و بعد أن دخل تحاول أن تلصص عليهم لعلها ترى من بالداخل.
وتسمع اسمها يتردد في كل أنحاء الدار بصوته المميز, فتصعد مسرعة إلى غرفتها وتضع يداها على أذنيها وتغمض وتصرخ
"بس, بس, إطلع من دماغي, كفاية, ليه بتعذبني, إسكت إسكت".
وتفتح عينيها لتجد طيف أمها أمامها وهي تنظر لها بعطف.
تبكي كوثر وتحتضن طيف أمها وتصرخ قائله لها
"قولي له يسيبني يا أمي, أنا مش متحملة صوته, عايز مني إيه, ليه صوته بيطاردني من يوم ما طلقني ظافر ومن يومين حساه قريب مني وحواليا, كإنه معايا ؟ وصوته بينادي باستماتة".
يبتسم طيف الأم ويربت عليها بحنان
"هوه في عجلك وساكن جلبك, مش هنا بالدار يا كوثر, مسألتيش نفسك ليه بجي صوته وطيفه بيطاردك بعد طلاجك, لإن جلبك رايده, وعجلك مجتنع بيه وأصبحتي متاحة دلوجيت ليه".
تنهض كوثر وترى طيف يوسف متجسدا أمامها كطيف أمها, تذهب له وتحاول تلمسه, يبتسم لها ويختفي وتسمع صوته وهو يقول بعذوبة
"كوثر إنتي مكافأتي من الله, ودليل على أنه تقبل توبتي, إنتِ ليا يا كوثر". تهزكوثر رأسها وهى لا تستطيع أن تصدق ذلك و تصرخ
"مش ممكن؟ محدش هايقبل ولا هايرضى, جوازي منك مستحيل, إبعد عني وإخرج من أحلامي وإبعد طيفك عني, خليني أقدر أعيش, أنا مش ليك يا يوسف, أنا مش ليك".
تحتضنها أمها وتهمس في أذنها
"إن أراد الله شيئا فإنه يقول كن فيكون, إهدي يابتي وإصبري على جدرك لعل الله كتبلك الخير, مدام ساكن جلبك وعجلك, أكيد ربنا كتبلك معاه أمر، إنتي مؤمنة ولازم تثقي في حكمة ربك, وأكيد هايكون خير ليكي بإذن الله". وتختفي.
وتسمع كوثر طرقات على بابها وتفتح فتجد فؤادة تستعجلها لكي تجهز وتنزل معهم هي وأختها نعمة وسميحة أخت العريس.
تعدل كوثر طرحتها وتمسح دموعها وتنزل معهم وتدخل الغرفة وترى الجميع في إنتظارهم وتجلس نعمة بجوار فارس.
وبعد قراءة الفاتحة يلبسها فارس شبكتها.
وتسمع كوثر همسا بأذنها
"عقبالنا أنا وإنتي".
فتستدير وترى طيف يوسف يضحك لها ويهمس بإسمها ويختفي.
تطأطئ كوثر رأسها وتسأل نفسها بحيرة
(ليه دلوقتي يا يوسف؟ معقول أنا ليك؟ ولّا باحلم بالمستحيل, نفسي أفهم, ليه بقيت رفيق أحلامي, وطيفك وصوتك معايا طول الليل والنهار, ليه بتعلقني بيك وتشغل بالي وقلبي, إرحمني, أنا مش ليك, إبعد عني أنا عمري ما هاكون ليك).
ويمر الوقت وكوثر شاردة في مطاردة صوت وطيف يوسف لها لتنتبه بعد فترة بانصراف أهل العريس ولم يعد هناك إلا بدر وأهلها.
يجلس بدر بجوارها ويقول لعمه بنبره قوية ومتملكة
"يا عمي؟ أنا من زمان كنت رايد كوثر, وچه الاتفاچ وفرج بيننا, لكن دلوجيت وبعد طلاجها أنا لسه عايزها وشاريها, وياريت يا عمي مترفضنيش لأني أولى بيها من أي حد, وهيه حجي, ومن اليوم كوثر لبدر وبدر لكوثر, إيه رأيك؟"
. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
ينظر بدر لعمه وهو ممسك يد كوثر بقوة بانتظار موافقته على زواجه من كوثر،
يربت الشيخ سليم على كتف بدر بمودة فقط ليصمته فهو يعلم الآن أنه غاضب لطلاق كوثر و لن يفهم أي حديث
"انت زينة شباب العيله، و مايلجش بكوثر غيرك، لكن حديتك عن زواجك من كوثر سابج لأوانه، انت ناسي إنها لسه في عدتها".
يقطب بدر جبينه ويضغط على يد كوثر أكتر ويقول
"خلاص اخطبها دلوجيت ولما تخلص عدتها نتجوز".
ينهض الشيخ سليم ويقف أمام ابن أخيه ويسحب يد كوثر من يده ويجذبها لتجلس بجوار أخيها، ويجلس هو بجواره
"اسمع يا بدر الزوجه في شهور العده بتعتبر كأنها في عصمة زوجها، افرض ظافر ردها، كيف تكون مخطوبه ليك وزوجه لظافر، اصبر يا ولدي دي لسه مطلجه من سبوع بس، وانت مرتك على وش ولاده اطمن على مرتك ووليدها وبعدها ربنا يجدم اللي فيها الخير ليك وليها بإذن الله وإلا إيه رأيك يا كوثر".
تتطلع لهم كوثر باستغراب و هي لم تسمع شيئا مما قيل لانشغال عقلها بيوسف، وتسألهم في حيرة
"انتوا بتتكلموا على إيه؟ أنا مش فاهمه حاجه، (وتمسك رأسها وتتحدث بارتباك) أنا آسفه ليكم بس الصداع هيفجر دماغي، وكل اللي تقوله يا بوي هو الصح وكلنا تحت أمرك".
يهز الشيح سليم رأسه بابتسامة تعبر عن الرضى، فهو يظن أنها تسكت بدر هي الأخرى
"اطلعي يابتي ريحي وربنا يباركلي فيكي طول عمرك بنت عاجله كيف أمك الغاليه، سمعت يا بدر كوثر موافجه على اللي أنا موافج عليه، يلا انت كمان روح لمراتك زمانها جلجانه عليك".
يهز بدر رأسه موافقا على حديث عمه وينظر لكوثر الشاردة وهي تصعد
"حاضر يا عمي هانتظر الثلاث شهور العده علي أحر من الجمر، استاذنكم أنا دلوجيت لسه هروح أچيب سميحه من دار بوها".
يأذن له الشيخ سليم بمودة
"اتفضل يا ولدي ربنا يباركلك فيها و تجوملك بالسلامه".
ويخرج بدر ويدخل الشيخ سليم إلى خلوته ويظل يقرأ القرآن إلى قرب آذان الفجر، ويصلي ركعتين لله ويدعي لابنته بأن يريح الله قلبها ويعطيها ما تتمنى، ويلبس عباءته وينطلق إلى المسجد ليصلي صلاة الفجر، ويدخل ليرة المصلين بانتظاره ويقيم الصلاة، ويلفت نظره استقامة شاب وسيم بجلباب أبيض ذو لحية خفيفة، وعيون صافيه كصفاء المياه الزرقاء وجسد رياضي ممشوق، له حضور وريحه طيب، تهفو له النفس وترتاح لاستنشاقها، يقف بالصف الأول وعلى محياه تتجلي معاني التقوى والإيمان والرضى بالنفس لتقع محبته في قلبه دون أن يعرفه.
. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
وتمر الأيام ويصبح الشغل الشاغل لأهل البلدة والحديث ليل نهار عن كم المشاريع العملاقة التي بدأت تقام في البلد ويتساءلون من هو هذا المستثمر الخير الذي يصرف ببذخ على خدمات كان واجبا على الحكومة أن تقوم بها لمواطنيها، و منها مجمع مدراس لتعليم جميع مراحل التعليم الأساسي ومنهم الثانوي بكل أفرعه، ومجمع طبي صغير مؤقت لخدمة أهل البلد، حتى يكتمل إنشاء المستشفى الاستثماري الكبير الذي سيكون مثيلا لأكبر المستشفيات بالدولة و سيخدم أهل الصعيد كافة، وليس أهل سوهاج فقط ومركز لتحفيظ القرآن مع رعاية الأيتام و تزويج الفتيات الفقراء، وإنارة الطريق وتوصيل الخدمات الأساسية للمنازل النائية من ماء وكهرباء وصرف صحي ومشاريع صغيرة لتشغيل الشباب، مشاريع ضخمه من الصعب أن ينفذها شخص واحد، وظل السؤال الذي لم يجد أحد له إجابة من هو الشخص الذي يقوم بكل هذه المشاريع ولماذا بلدتهم ومن أين أتى؟.
.. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
في دار الحاج منصور
يحادث الحج منصور ولده في ترتبيات زفافه على نعمه بعد امتحانات نهاية العام وتجهيز الدار لاستقبال عروسته.
لتدخل عليهم سميحه وهي تتألم ومعها بدر يحمل عثمان الصغير وتنادي على أمها التي تأتي إليها مسرعة وهي تنتفض من خوفها عليها وتسألها بلهفة
"مالك يا بتي عرجانه ليه إكده ولونك مخطوف؟ انتي حاسه بوجع الولادة وإلا إيه؟ مش لسه سبوع على ميعادك".
تمسك سميحه في أمها وتتشبث بها بقوة وتصرخ
"إلحجيني يا أماي مجدراش، الوجع هيجطع حشايا وظهري هينجسم نصين مش متحمله الخبط اللي فيه".
ينزل بدر ولده الأرض ويسند سمحيه كي يساعدها تمشي لكنها لا تستطيع من شدة الألم ليحملها بدر ويدخلها غرفتها
ويصيح بأمها بقلق وخوف
"خليكي جارها يا خاله، وأنا هاروح أجيب دكتور من المركز، تعال معايا يا فارس سوج أنا أعصابي مش متحمله".
يرمقه فارس باستغراب ويقوله
"دكتور من المركز ليه وكوثر بت عمك موجوده، تجدر تولدها، وإلا انت ناسي إنها هي اللي ولدتها عثمان".
يضرب بدر جبينه بيده ويقضب حاجبيه
آه والله، أنا من لهفتي علي سميحه نسيت، طيب هم روح دار عمي وهاتها معاك، جولها تجي تلحج سميحه".
يلبس فارس حذاءه ويخرج مسرعا لدار الشيخ سليم كي يأتي بكوثر لتقوم بتوليد أخته.
. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
مكسب وخسارة
.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
يسافر ظافر إلى ألمانيا وهو محطم نفسيا ومعنويا, وينزل من الطائرة كالتائه ويتذكر كلام كوثر بأن يلجأ إلى مريفانا وقت المحن, لينطلق إليها وفي قلبه أمل أن يجد لديها ما فقده.
ويطرق باب شقتها وهو متوتر ومرتبك.
تفتح له مريفانا الباب وتراه كالغريق الذي يتعلق بقشة ليجذبها بحضنه ويعانقها بقوة كي يتناسى معها أحزانه.
وفي المساء وهي بين أحضانه تعيش السعادة التي تمنتها سنين في أن يشعر بها ظافر ويبادلها حبها.
يطرق باب الشقة طرقات متواصلة وتحاول مريفانا أن تنهض من جوار ظافر إلا أنه يطبق عليها وهي لا تستطيع الحراك كي لاتوقظه, فقالت بصوت هادئ
"ظافر؟ ظافر حبيبي؟ الباب بيخبط من بدري, ياتقوم تفتح, ياتفك دراعك اللي حبسني جواه وأقوم أفتح أنا؟"
يزيد ظافر من إحتضانه لها ويضمها بقوة لصدره العاري
"اللي بيخبط هيزهق وهيمشي, لكن إنتي إزاي تطلبي أسيببك من حضني وأنا لسه ماشبعتش منك, بس تعرفي المشاعر اللي عشتها في حضنك و فرحتي بإني أول راجل في حياتك محسسني بالفخر, كان ليها حق كوثر تحافظ على نفسها".
تحتضنه مريفانا بعشق وتقبله بعذوبة
"طول عمري كنت بحافظ على عذريتي علشان أوهبها ليك, لأنك إنت الوحيد اللي حبيته وإتمنيته, وجات كوثر وعرفتني قيمة إني أحافظ على نفسي وجسدي ومهدرش كرامتي بأن أصبح ألعوبه بين الرجالة لإرضاء رغباتي الحسية، فتحت عينيا ونورت بصيرتي, وبسببها رجعت ليا وبقيت ملكي وحبيبي وعشقي الأبدي".
وتتأفف من صوت طرقات الباب المستمرة
"قوم يا ظافر شوف مين لايكون فيه حاجة حصلت وبطل كسل".
ينهض ظافر مرغما, ويرتدي روبه ويخرج ليفتح الباب, وينظر بتهكم ليوسف الواقف أمام الباب مع شبه ابتسامة ساخرة مرسومة على وجهه وهو يقول له
"نعم عايز إيه؟ أي خدمة يا أستاذ جوزيف؟"
يتطلع له يوسف بإستحقار وإزدراء و كل نظرات الإستهجان
"إنت بتعمل إيه هنا مش هاتبطل قذارة وتتقي الله في نفسك ومراتك؟ ألف خسارة يا ظافر حتى صديقتها خسرتهالها".
تخرج مريفانا وتنظر لهم ويضحك ظافر بسخرية قائلا
إسمع؟ تدينك ده مش هانخدع بيه زي ما خدعت كوثر, وعلاقتي بماري شيء ما يخصكش, وإتفضل مع السلامة, إنت مش مرحب بيك هنا, لأني بكرهك يا جوزيف, فاهم جوزيفففف".
تتدخل مريفانا بالحوار وتعنف ظافر
"إهدي يا ظافر, يوسف مهما كان صديقك واللي حصل بينك وبين كوثر يوسف ملوش دخل بيه, صدقني لو سمحت إطلب منه يدخل خلينا نعرف سبب حضوره قبل ما تتطرده".
يرمقهم يوسف بسخرية ويهز رأسه في حزن
"كنت بقدرك وبحترمك يا مريفانا, وإعتقدت خطأ, إنك إكتسبي من صداقتك لكوثر معنى إحترام الذات وعدم الإنسياق وراء رغباتك التي يهيؤها لكي الشيطان على أنها متعة, ومنها كشف جسدك لرجل في الحرام, ألف خسارة عليكم إنتو الإتتين".
تبكي مريفانا من حديث يوسف، ويصيح فيه ظافر بحدة
إخرس يا يوسف, إنت اللي منافق بتدينك الزائف لكن مش عليا, بس ريح نفسك اللي عايز تقنعها بقت أبعد ما يكون عنك".
تمسح مريفانا دموعها وتطلب من يوسف الدخول ليوضح له سبب وجود ظافر في بيتها بهذا الشكل.
ويمر الوقت بهم وهي تحكي له كل ما حدث، ويذهب يوسف بعد أن عرف أن كوثر تطلقت وعادت إلى أهلها في الصعيد وأن ظافر أصبح حر في حياته يسيرها كما يريد.
.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
وهناك في دار الشيخ سليم تحضر عائلة الحاج منصور لطلب يد نعمة رسميا بعد أن وافقت على إرتباطها بفارس.
وتزين كوثر أختها هي وفؤاده زوجة أخيها وتصعد لهم سميحة لتبارك لنعمة علي الخطوبه وتعتذر لكوثر من تطليق أخيها لها.
وتربت كوثر على كتف سميحه وتغمرها بحضن قوي
"يا سموحة يا حبيبتي, أنا وظافر كنا متفقين على الطلاق لأن حياتنا إنتهت لحد كده وخلاص كل شى قسمة ونصيب, المهم دلوقتي طمنيني على حملك هتولدي إمتى؟"
تجلس سميحه على أقرب مقعد وتطأطئ رأسها لتداري حزنها, وبصوت خافت كالفحيح تقول لها
لسه كمان شهرين, إدعيلي يكملوا على خير, وتمسك يد كوثر لتجلسها بجوارها, بالله عليكي يا كوثر لو جرى لي حاچة, خلي بالك من ولادي وبدر، ده هيحتاس بيهم من غيري".
تخبطها كوثر بخفها على وجهها وتعنفها
"بطلي هبل يا بت, بكره هاتقومي بالسلامة, وهتفرحي بولادك وتجوزيهم كمان وفجأه تسمع صوت يناديها وتستغربه.
وتخرج لترى هل ما سمعته صحيح أم مجرد تهيؤات, وتنزل إلى الأسفل ليقابلها أخيها هاشم ويسألها
"راحة فين يا كوثر؟ الرجالة جوه هتدخلى عليهم من غير العروسة؟"
ترتبك كوثر وتنظر لأخيها بعيون زائغة وتسأله
هوه فيه حد غريب معاهم ؟ ولّا الحاج منصور وفارس وبدر بس؟"
يمط هاشم شفتاه بإستغراب
|ويهمك مين اللي معاهم؟ لع , إوعي يكون لسه بتفكري بظافر و بتحسبيه چاي معاهم لأجل خاطرك, إنسيه يا بت أبوي, مفيش حد غير الحاچ منصور وولده وبدر وخوكي عمر وبوكي, همي إطلعي جهزي نعمة وإدّلي بيها علشان عريسها يجرا الفاتحة ويلبسها الدهبات وبعدها نتفج على الزفاف".
لم تقتنع كوثر بكلام هاشم و بعد أن دخل تحاول أن تلصص عليهم لعلها ترى من بالداخل.
وتسمع اسمها يتردد في كل أنحاء الدار بصوته المميز, فتصعد مسرعة إلى غرفتها وتضع يداها على أذنيها وتغمض وتصرخ
"بس, بس, إطلع من دماغي, كفاية, ليه بتعذبني, إسكت إسكت".
وتفتح عينيها لتجد طيف أمها أمامها وهي تنظر لها بعطف.
تبكي كوثر وتحتضن طيف أمها وتصرخ قائله لها
"قولي له يسيبني يا أمي, أنا مش متحملة صوته, عايز مني إيه, ليه صوته بيطاردني من يوم ما طلقني ظافر ومن يومين حساه قريب مني وحواليا, كإنه معايا ؟ وصوته بينادي باستماتة".
يبتسم طيف الأم ويربت عليها بحنان
"هوه في عجلك وساكن جلبك, مش هنا بالدار يا كوثر, مسألتيش نفسك ليه بجي صوته وطيفه بيطاردك بعد طلاجك, لإن جلبك رايده, وعجلك مجتنع بيه وأصبحتي متاحة دلوجيت ليه".
تنهض كوثر وترى طيف يوسف متجسدا أمامها كطيف أمها, تذهب له وتحاول تلمسه, يبتسم لها ويختفي وتسمع صوته وهو يقول بعذوبة
"كوثر إنتي مكافأتي من الله, ودليل على أنه تقبل توبتي, إنتِ ليا يا كوثر". تهزكوثر رأسها وهى لا تستطيع أن تصدق ذلك و تصرخ
"مش ممكن؟ محدش هايقبل ولا هايرضى, جوازي منك مستحيل, إبعد عني وإخرج من أحلامي وإبعد طيفك عني, خليني أقدر أعيش, أنا مش ليك يا يوسف, أنا مش ليك".
تحتضنها أمها وتهمس في أذنها
"إن أراد الله شيئا فإنه يقول كن فيكون, إهدي يابتي وإصبري على جدرك لعل الله كتبلك الخير, مدام ساكن جلبك وعجلك, أكيد ربنا كتبلك معاه أمر، إنتي مؤمنة ولازم تثقي في حكمة ربك, وأكيد هايكون خير ليكي بإذن الله". وتختفي.
وتسمع كوثر طرقات على بابها وتفتح فتجد فؤادة تستعجلها لكي تجهز وتنزل معهم هي وأختها نعمة وسميحة أخت العريس.
تعدل كوثر طرحتها وتمسح دموعها وتنزل معهم وتدخل الغرفة وترى الجميع في إنتظارهم وتجلس نعمة بجوار فارس.
وبعد قراءة الفاتحة يلبسها فارس شبكتها.
وتسمع كوثر همسا بأذنها
"عقبالنا أنا وإنتي".
فتستدير وترى طيف يوسف يضحك لها ويهمس بإسمها ويختفي.
تطأطئ كوثر رأسها وتسأل نفسها بحيرة
(ليه دلوقتي يا يوسف؟ معقول أنا ليك؟ ولّا باحلم بالمستحيل, نفسي أفهم, ليه بقيت رفيق أحلامي, وطيفك وصوتك معايا طول الليل والنهار, ليه بتعلقني بيك وتشغل بالي وقلبي, إرحمني, أنا مش ليك, إبعد عني أنا عمري ما هاكون ليك).
ويمر الوقت وكوثر شاردة في مطاردة صوت وطيف يوسف لها لتنتبه بعد فترة بانصراف أهل العريس ولم يعد هناك إلا بدر وأهلها.
يجلس بدر بجوارها ويقول لعمه بنبره قوية ومتملكة
"يا عمي؟ أنا من زمان كنت رايد كوثر, وچه الاتفاچ وفرج بيننا, لكن دلوجيت وبعد طلاجها أنا لسه عايزها وشاريها, وياريت يا عمي مترفضنيش لأني أولى بيها من أي حد, وهيه حجي, ومن اليوم كوثر لبدر وبدر لكوثر, إيه رأيك؟"
. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
ينظر بدر لعمه وهو ممسك يد كوثر بقوة بانتظار موافقته على زواجه من كوثر،
يربت الشيخ سليم على كتف بدر بمودة فقط ليصمته فهو يعلم الآن أنه غاضب لطلاق كوثر و لن يفهم أي حديث
"انت زينة شباب العيله، و مايلجش بكوثر غيرك، لكن حديتك عن زواجك من كوثر سابج لأوانه، انت ناسي إنها لسه في عدتها".
يقطب بدر جبينه ويضغط على يد كوثر أكتر ويقول
"خلاص اخطبها دلوجيت ولما تخلص عدتها نتجوز".
ينهض الشيخ سليم ويقف أمام ابن أخيه ويسحب يد كوثر من يده ويجذبها لتجلس بجوار أخيها، ويجلس هو بجواره
"اسمع يا بدر الزوجه في شهور العده بتعتبر كأنها في عصمة زوجها، افرض ظافر ردها، كيف تكون مخطوبه ليك وزوجه لظافر، اصبر يا ولدي دي لسه مطلجه من سبوع بس، وانت مرتك على وش ولاده اطمن على مرتك ووليدها وبعدها ربنا يجدم اللي فيها الخير ليك وليها بإذن الله وإلا إيه رأيك يا كوثر".
تتطلع لهم كوثر باستغراب و هي لم تسمع شيئا مما قيل لانشغال عقلها بيوسف، وتسألهم في حيرة
"انتوا بتتكلموا على إيه؟ أنا مش فاهمه حاجه، (وتمسك رأسها وتتحدث بارتباك) أنا آسفه ليكم بس الصداع هيفجر دماغي، وكل اللي تقوله يا بوي هو الصح وكلنا تحت أمرك".
يهز الشيح سليم رأسه بابتسامة تعبر عن الرضى، فهو يظن أنها تسكت بدر هي الأخرى
"اطلعي يابتي ريحي وربنا يباركلي فيكي طول عمرك بنت عاجله كيف أمك الغاليه، سمعت يا بدر كوثر موافجه على اللي أنا موافج عليه، يلا انت كمان روح لمراتك زمانها جلجانه عليك".
يهز بدر رأسه موافقا على حديث عمه وينظر لكوثر الشاردة وهي تصعد
"حاضر يا عمي هانتظر الثلاث شهور العده علي أحر من الجمر، استاذنكم أنا دلوجيت لسه هروح أچيب سميحه من دار بوها".
يأذن له الشيخ سليم بمودة
"اتفضل يا ولدي ربنا يباركلك فيها و تجوملك بالسلامه".
ويخرج بدر ويدخل الشيخ سليم إلى خلوته ويظل يقرأ القرآن إلى قرب آذان الفجر، ويصلي ركعتين لله ويدعي لابنته بأن يريح الله قلبها ويعطيها ما تتمنى، ويلبس عباءته وينطلق إلى المسجد ليصلي صلاة الفجر، ويدخل ليرة المصلين بانتظاره ويقيم الصلاة، ويلفت نظره استقامة شاب وسيم بجلباب أبيض ذو لحية خفيفة، وعيون صافيه كصفاء المياه الزرقاء وجسد رياضي ممشوق، له حضور وريحه طيب، تهفو له النفس وترتاح لاستنشاقها، يقف بالصف الأول وعلى محياه تتجلي معاني التقوى والإيمان والرضى بالنفس لتقع محبته في قلبه دون أن يعرفه.
. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
وتمر الأيام ويصبح الشغل الشاغل لأهل البلدة والحديث ليل نهار عن كم المشاريع العملاقة التي بدأت تقام في البلد ويتساءلون من هو هذا المستثمر الخير الذي يصرف ببذخ على خدمات كان واجبا على الحكومة أن تقوم بها لمواطنيها، و منها مجمع مدراس لتعليم جميع مراحل التعليم الأساسي ومنهم الثانوي بكل أفرعه، ومجمع طبي صغير مؤقت لخدمة أهل البلد، حتى يكتمل إنشاء المستشفى الاستثماري الكبير الذي سيكون مثيلا لأكبر المستشفيات بالدولة و سيخدم أهل الصعيد كافة، وليس أهل سوهاج فقط ومركز لتحفيظ القرآن مع رعاية الأيتام و تزويج الفتيات الفقراء، وإنارة الطريق وتوصيل الخدمات الأساسية للمنازل النائية من ماء وكهرباء وصرف صحي ومشاريع صغيرة لتشغيل الشباب، مشاريع ضخمه من الصعب أن ينفذها شخص واحد، وظل السؤال الذي لم يجد أحد له إجابة من هو الشخص الذي يقوم بكل هذه المشاريع ولماذا بلدتهم ومن أين أتى؟.
.. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
في دار الحاج منصور
يحادث الحج منصور ولده في ترتبيات زفافه على نعمه بعد امتحانات نهاية العام وتجهيز الدار لاستقبال عروسته.
لتدخل عليهم سميحه وهي تتألم ومعها بدر يحمل عثمان الصغير وتنادي على أمها التي تأتي إليها مسرعة وهي تنتفض من خوفها عليها وتسألها بلهفة
"مالك يا بتي عرجانه ليه إكده ولونك مخطوف؟ انتي حاسه بوجع الولادة وإلا إيه؟ مش لسه سبوع على ميعادك".
تمسك سميحه في أمها وتتشبث بها بقوة وتصرخ
"إلحجيني يا أماي مجدراش، الوجع هيجطع حشايا وظهري هينجسم نصين مش متحمله الخبط اللي فيه".
ينزل بدر ولده الأرض ويسند سمحيه كي يساعدها تمشي لكنها لا تستطيع من شدة الألم ليحملها بدر ويدخلها غرفتها
ويصيح بأمها بقلق وخوف
"خليكي جارها يا خاله، وأنا هاروح أجيب دكتور من المركز، تعال معايا يا فارس سوج أنا أعصابي مش متحمله".
يرمقه فارس باستغراب ويقوله
"دكتور من المركز ليه وكوثر بت عمك موجوده، تجدر تولدها، وإلا انت ناسي إنها هي اللي ولدتها عثمان".
يضرب بدر جبينه بيده ويقضب حاجبيه
آه والله، أنا من لهفتي علي سميحه نسيت، طيب هم روح دار عمي وهاتها معاك، جولها تجي تلحج سميحه".
يلبس فارس حذاءه ويخرج مسرعا لدار الشيخ سليم كي يأتي بكوثر لتقوم بتوليد أخته.
. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
