الفصل الخامس و الثلاثين

الفصل الخامس والثلاثين
**النصيب
. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
يشوب الأجواء بالمركز الطبي التوتر والإرتباك بعد طلب الممرضة المرافقة لفؤادة بسرعة إنقاذها لأنها نزفت.
يصيح هاشم فيهم ويمسك رشدي من ياقته ويهزه بقوة
"لو حصل حاجة لمراتي أنا هاجتلكم واحد واحد".
يتدخل الشيخ سليم ويحاول أن يهديء إبنه ويرى كوثر و هي تجري مسرعة لإنقاذ زوجة أخيها فيناديها
" يا كوثر تعالي, وإنت يا دكتور إحنا موافجين, هات العجد بس هتكون هيه  المسؤولة الرئيسية, يعني ميكونش فيه حد  له سلطة عليها, موافج؟"
تتهلل أسارير دكتور رشدي, ويطلب منهم الدخول لمكتبه لتوقيع العقود.
وتطلب كوثر منهم في أثناء إمضائها للعقد  تجهيز غرفة العمليات وتجهيز فؤادة لإجراء الجراحة وهي ستتعقم وتلحق بهم.  
وبعد إمضاء العقود تتم الجراحة وتنقذ كوثر فؤادة من الموت المحقق هي وجينينها لتثبت أنها فعلا طبيبة ماهرة.
وبعد أن أفاقت فؤادة تمسك بيد كوثر لتقبلها فترفض كوثر وتنهرها بشدة لفعلتها هذه.
تطأطئ فؤادة رأسها والإعياء ظاهر عليها  و تشكر كوثر
"فعلا إنتي ربنا بعتلك ليا في الوجت المناسب علشان تنچديني كيف ما نچدتي سميحة وفارس جبلي, إنت ملاك ربنا أرسلك لمدواة كل مريض وشفاء كل مچروح".
تمسك كوثر يدها وتقيس نبضها  وتبتسم لها قائلة
"هيه دي رسالتي يا فؤادة إني أكون سبب في إنقاذ مريض أو تخفيف أوجاعه,  سعادتي في إني أشوف ضحكة مريض بعد شفائه أو نظرة شكر وإمتنان من واحد أنقذت حياته بإذن الله".
يربت أبيها على كتفها وينظر لها بفخر
"خلاص يا بتي من اليوم هتجدمي رسالتك لكل محتاچ وهاتستغلي وجتك في معالجة أوچاع الناس, كل شيئ بأوان وآن الأوان أن يكون  علمك في خدمة البشرية ومعاها هيكون جدرك اللي جسمهولك ربنا  بإذن الله".
. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
وتمر الأيام وتصبح كوثر هي المسؤوله عن كل الجراحات في المركز   وتنال إحترام الكبير والصغير وكل فتاة في البلدة تتمنى أن تكون مثلها,
ومن جهة أخرى لم يستطع أي رجل من رجال عائلتها التقدم لها لمكانتها العالية في نفوس الكل.
فاصبح طلاقه كوصمة عار علي جبينها تعاني منها وحدها وهي المظلومة والمجني عليها في قصة الثار

وبدأت المشروعات التي تتم في البلدة تؤتي ثمارها من جذب سياحي ورواج، ورأس مال المستثمرين لتتغير البلد من النقيض للنقيض في خلال سنة فقط بعد أن تم إفتتاح المجمع المدرسي ودار الأيتام وإنشاء الطرق وإنارتها, والمشاريع الصغيرة زاد إنتاجها فزادت من رفاهية أهل البلدة , ولم يتبقى غير المستشفى التي سيتم إفتتاحها بعد أيام قليلة.

في أثناء هذة السنة تزوجت نعمة من فارس وانتقلت لداره لتكون هي بديلًا لها في اتفاقية وقف الثار بين العائلتين
وكانت كوثر تقضي معظم وقتها في المركز الطبي كي تهرب من  نظرات الحزن  التي تملأ عين أبيها وأخيها لعدم تقدم أحد للزواج بها خوفا من الرفض أوعدم ملاءمته لها,
أما هي فكانت لا تعبأ بهذه النظرات أو كل ما يقال عنها من أنها ستظل هكذا بدون زواج لأن حياتها كان فيها ما يملؤها ويشغل تفكيرها ويسكن عينيها وقلبها همس طيف يوسف الذي لا يفارقها  ليلا أونهارا وكان يؤنس وحدتها.
ومع مرور الأيام تغلل حبه في قلبها واصبح رفيق روحها وعشقتها الي الحد الذي لم تتحمل غياب طيفه عنه يوم
. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
من جهة أخري اصبح ذاك الشاب التقي مثل اعلي بين شباب البلد ، وإزدادت شعبيتة بطريقة واسعة من كثرة اعماله وسماحته مع الجميع ليظن من يراه بين الشباب انه سيترشح الي مجلش الشعب لانه بكل سهولة ويسر أصبح صديق لكل أسرة وبيت في البلدة بدون عناء

وفي أحد الأيام وبعد صلاة العشاء تقدم الشاب إلى الشيخ سليم ليسلم عليه كما كان يفعل بعد كل صلاة ليتمسك الشيخ سليم بيده بقوة ولا يتركه ليجبره علي المكوث امامه
تطلع له الشاب بإستغراب ليسأله بهدوء قائلآ بلكنه غريبة"
حصل أية ياعم الشيخ؟ 
شايفك ماسك بايدي مش عايزني أمشي , ياترى فيه  حاجة عايزني فيها انا تحت امرك بس اامر أنت؟"

اؤمي له وجذب يدها بقوة فاجلسه أمامه وسأله"
سؤال يا إبني إنت إبن مين؟ 
شكلك مش مصري وبجالك سنة بيننا والكل بيحبك وبيجدرك وبيحترمك جوي،والكل بيتحاكي عن أخلاجك, وكل الناس هنا بيجولوا لك يا شيخ,ليه محدش يعرف إسمك؟
وليه إتحملت كل مصاريف الحجاج اللي بيطلعهم المسجد كل سنة ورديت المبالغ اللي صرفها المسجد وإتكفلت إنت بيهم إجامه ورعاية وزدت عليهم  عشرة أضعاف؟ 
 إنت مين يا ابني وجيتنا منين وليه إحنا؟"

يطأطئ الشاب رأسه أرضا ويرفعها له وعيونه تتلألأ بالدموع ويتنهد ويقول بكل هدوء"
أنا شاب عملت ذنوب, لو فضلت عمري كله أستغفر عنها, حاسس إني مش هاقدر أخلص منها, لكن عرفت إن لو العبد  كان في عون أخيه كان الله  في عونه يوم القيامة, وأنا كل اللي بعمله بابتغي به رضا الله والتكفير عن ذنوبي,
بحاول أساعد كل محتاج وأقدم مالي في كل ما هو حلال, لعل الله يتقبل توبتي الخالصه اليه

أما أنا مين وجيت منين هاقول لك....
أنا إسمي يوسف مالك , جيت من بلد لا تعرف يعني إيه إسلام رغم أن فيها مسلمين  كتير, ربنا كتبت هدايتي على يد بنت  وبسبب تسلحها بالإيمان كسرت شيطاني وإتغلبت عليا,
نورت طريقي وبصيرتي ودلتني على طريق الإيمان وراحة البال والنفس,
ثم امسك يده بقوة وشد عليها "
ولأني أقسمت على نفسي الصدق في الحديث عنها لأن الصدق منجي مهما كانت عواقبه, البنت دي منكم وهنا في بلدتكم, أنا مقربتش ليها ولا بحاول, لكني بإنتظار إرادة الله في مكافأتي بيها, إذا تقبل توبتي له وتكون نصيبي

أبتسم له الشيخ سليم وربت على كتفه قائلا
إن شاء الله هاتكون ليك بعد ما يتقبل الله توبتك عن جريب, وإن الله يعطي الصابرين إذا صبروا,  ألم يقل في كتابه الكريم (وبشر الصابرين),ولأني واثج في توبتك, أنا عايزك بكره تكون ضيفي, وتحضر مچلس العلم في داري , وبكره خصوصي لأنه بيكون فيهم كل أهل العلم والدين في البلدة وكلتهم كان بيتمنوا تحضر معانا  جبل سابج,
وكمان المأمور والعمدة هيحضروه.  (ويضغط على  يده بقوة) وبعدها أناهأكد لك وابشرك  بإذن الله إن ربنا تجبل توبتك ورضي عنك خدها ظمني كلمة ثجة يا ولدى".

تتهلل أسارير يوسف واتسعت إبتسامته السمحة وينظر للشيخ سليم بفرح وسعادة
"أنا واثق إنك إنت هتكون سبيلي للسعادة ونيل مكافاتي".

وينهض الشيخ سليم ليذهب إلى داره ويخرج وراءه يوسف وكل منهما في نفسه شيء للآخر.
الشيخ سليم يرى فيه الهداية والتقى التي لا توجد في كثير من الشباب المسلم ولهذا تأكد أن توبته نصوحا إلى الله .
ويوسف يري فيه ملاذه لنيله مكافأته على توبته كما كان يتضرع إلى الله دائما في كل صلاة.
. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
بدار الشيخ سليم
في صباح اليوم التالي تستيقظ كوثر وتجهز نفسها للذهاب إلى المركز  لتقف أمامها فؤادة  كي تمنعها من الإنصراف قائلة برجاء وامل الا تتخلي عنها في ءلك الوقت "
على فين يا بت عمي, راحة فين وهتسبيني محتاسه لحالي؟"

أحتضنها كوثر وتحاول أن تزيحها من طريقها لتمضي في طريقها الي عملها اليومي بالمركز"
في اية يا بنتي راحة للمركز, حصل إيه؟
واسكتي، المستشفي هاتفتح  بعد يومين نفسي أشتغل فيها, تعرفي إن المركز هيتخصص في الحالات المجاني ورعاية الأمومة والطفولة وبس، يعني مليش لازمة هناك, يلا يا حبي وسعي كده, خليني أشوف دكتور رشدي عمل لي إيه في الطلب اللي قدمته للعمل في المستشفى, إنت عارفة لو رفضوني، أنا هاقعد جمبك".

امسكت فؤادة يدها وسحبها وراءها ووادخلتها المطبخ وقالت بتاكيد وتوضيح "
إسمعي, مفيش شغل النهارده, لو إحتاجولك هيتصلوا بيكي, لكن أنا هاجهز كل الوكل ده كيف, ولعلمك بعت لخيتك نعمة,  جالوا تعبانة من الحمل وسميحة زمانتها چاية ومش هتسعفني لوحدها وهي معاها ولادها الجواز, فإنت هاتنسي إنك دكتورة اليوم وهاتساعديني إيه جولك؟

نظرت كوثر لكمية الخضروات واللحوم والمقبلات وسألتها بحيرة وتعجب"
"إيه ده كله؟ هوه إحنا عندينا فرح وإلا إيه؟"

تضحك فؤادة وتشدها لتجلس بجوارها لكي تساعدها في تجهيز كل هذه الكميات الكبيرة من الطعام"
لأ, يا ست البنات مفيش فرح هيبجي جبل فرحك باذن الله،
لكن ده مجلس العلم بتاع كل شهر,  بس عمي الشيخ سليم عازم المرادي  كل كبارات البلد والعمدة والمأمور,
غير اللي هييچوا من مصر وعامل وليمه كبيرة ليهم, جولي لي بجى, أخلص كل الوكل ده ميتي وكلها ساعات والرچالة هايحضروا وخوكي مش هيرحمني ".

شمرت كوثر عن ساعديها وأخذت منها الخضار لتقوم بتقطيعه
وتبدا في التجهيز بحملس وقالت بمرح"
"ولا يهمك يا مرات أخويا,  فرصة أرجع ست بيت, إنتي عارفة مهما علي مقام الست,  لازمن تكون ست بيت شاطرة".
تنفع بيته وتراعي جوزها وتربي ولادها زين

وبعد ساعه تحضر سميحة لتبدأن تجهيز الأكل من الطواجن الكثيرة التي يشتهر بها الصعيد.
وبعد صلاة العصر يدخل هاشم وأبيها ويطلب منهن الصعود للأعلى وعدم النزول  لأن القاعة لن تستوعب عدد من سياتو لهذا سةف يجلسوا في صحن الدار لإتساعه ويبدأوا في ترتيب المقاعد.

وبعد قليل يبدأ الرجال بالحضور ويكتملوا ويرحبوا بالوافد الجديد بينهم  وهو يوسف أصغرهم سنا.
ويطلب هاشم من فؤادة تجهيز الطعام أولا.
. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
وبعد الغداء يبدأوا الحديث في كل ما يشغل بالهم من أمور الدين والدنيا  وكان يوسف حاضرا في كل سؤال كأنه يختبر إيمانه وإلمامه بدينه ليعجبوا كلهم به ومن طريقة إلقائه.
ويطلب منه الشيخ سليم تلاوة بعض آيات من القرآن الكريم, ويصمت الجميع ويتلو يوسف ما تيسر من القرآن  بصوت عذب جميل يملؤه الخشوع , والجميع يسحر بصوته وإجادته للتلاوة.
وفي الأعلى تجلس كوثر وقلبها يدق بسرعة  لا تعلم لماذا, وتسمع صوت تلاوة يوسف للقرآن و قلبها يبكي قبل عينيها ويتملكها الفضول كي ترى صاحب هذا الصوت  الساحر الذي يدخل إلي القلب بدون إستئذان  لخشوعه التام الواضح في التلاوة.
وتمنعها فؤادة من الخروج كي لا يعنفها أخيها  لتستند على باب الغرفة تريد أن تقترب قدر المستطاع من الصوت.
وبعد إنتهاء القراءة يصمت الجميع لبرهة من عذوبة وجمال الصوت في التلاوة  ليصفق الحميع ويثنوا عليه ويطلبوا منه ان يقرأ لهم باستمرار.
وبعدها يبشرهم المأمور بحضور مسؤول كبير لإفتتاح المستشفى خلال يومين  ليسأل العمده المأمور  بفضول
"كويس إنك فتحت السيرة, أكيد إنت تعرف مين صاحب كل الإنشاءات اللي عمرت بلدنا وجابت الخير لينا".
يبتسم لهم المأمور باستغراب
"معقول متعرفهوش ده بينكم وبقى واحد منكم"( لينظر ليوسف الذي ينظر له ويهز رأسه كي لا يقول  لهم عنه).
ويلاحظ الشيخ سليم الذي كان يدقق في كل حركة أو نظرة يقوم بها يوسف من وقت دخل داره وعيونه التي  تبحث في كل أرجاء الدار ولا تهدأ ليحدثه قلبه أنه يعرف من هي التي يتمناها مكافأته من الله على توبته إليه.
لكن كيف الوصول إليها وهي من المستحيل أن تكون له,  لكن لثقتة في الله يترك الأمر له وحده يدبره ويجمع بينهم.
وتنتهي حلقة العلم بعد أن وعدهم المأمور بأن يعرفهم على الرجل الكريم  السبب كل هذا  الخير الذي نزل على البلدة.
ويرحلون ويدخل الشيخ سليم خلوته ليتضرع إلى الله أن يكتب الخير لإبنته مع من يصلح لها زوجا ويهبها السعادة التي تستحقها, وأن يجمع الله بينهما  في أقرب وقت ليفرح قلبها ويسعد بأبنائها منه.
في هذا اليوم تدخل كوثر لتنام وترى طيف أمها يحتضنها فتسأله كوثر بلهفة
"كنتي فين يا أمايا فارقتيني وسيبتي طيفه يطاردني وصوته اللي بسمعه في كل وقت كأنه جمبي, والنهاردة حسيته جريب مني، كأنه هنا في دارنا ومعايا وفجأة بعد عني, من ساعة ما طيفه إختفى وخايفة ميزورنيش تاني".
تربت أمها عليها وتغمرها بحضن قوي
"متجلجيش هيرجع وهيفضل معاكي, بس أنا اللي خلاص دوري هينتهي في حياتك ومش هزورك غير في منامك وأحلامك".
تنزعج كوثر من حديث أمها وتحضنها وتبكي
"لا يا أمي, ماتسيبنيش, أنا ماقدرش أستغنى عنك, وليه تسبيني؟  إيه إتغير؟ من يوم ما موتي وإنت دايما معايا".
تحضنها بقوة وتتركها وتنهض
"لأنك لازم تعيشي مستجبلك مع زوج يشاركك لياليكي, أما أنا خلاص إطمنت عليكي, ومكاني مبجاش معاكي في اللي هيحل محلي جريب جدا ومعاه مش هتحتاجي تاني لوجودي".
تبكي كوثر بانهيار وتحضنها بقوة أكبر كأنها ستفارقها الآن
"لا مش عايزة أتجوز,  إزاي أكون لراجل وطيف يوسف ساكن خيالي وقلبي, أنا بسمع صوته في كل اللي حواليا, خايفة أظلم اللي هتجوزه, مش عايزه خلاص بيكفيني شغلي وتأدية رسالتي اللي غذت روحي  وأسعدت قلبي, أما ليلي فإنت معايا فيه وطيف يوسف اللي مش بيفارقني لحد ما أنام،   (وتمسك أمها فجأة) هوه يوسف مات زيك؟  ولأنه كان بيتمناني, ربنا جعل طيفه يرافقني طمنيني؟"
تنزل أمها يداها عن كتفها قائلة
"إطمني وإنتي كلها أيام وتكوني في بيت جوزك ولا طيفي ولا طيف يوسف هيكونوا حاجة جدام السعادة اللي هتعشيها".
تحضنها كوثر وهي تهمس  لنفسها وهي تنام
"سعادتي مش هاتكون غير مع يوسف, غير كده مش هاعرف يعني إيه سعادة , ياريت أقدر أنساه أو أخرجه من قلبي".
. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆
يتبع
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي