الفصل الرابع وعشرون

صحيت على اتصال من الإدارة، جريمة قتل لشابة عشرينية ساكنة في شقة لوحدها، البواب سمع صوت خبطة على باب أوضته بعد نص الليل، خرج يشوف مين لكنه شم ريحة مش طبيعية، بدأ بعدها يفقد توازنه ووقع على الأرض وبعدها فقد وعيه، آخر حاجة شافها كان شخص لابس قناع زي بتوع الغواصين (على حد وصفه ) لكن الرؤية كانت مشوشة ومش قادر يفتكر أي أوصاف تانية.
قفلت وغيرت هدومي وروحت على العنوان، أنا المقدم مدحت البشير، شاب مكافح وشاطر في شغلي جدًا، حلَّال العُقد زي ما بيقولوا، عرفت في الطريق إني اتكلفت بالقضية دي بالاسم، لكن ولا اتقال لي اسمها ولا ليه اتكلفت بيها، أول مرة يتقالي عن اسم الضحية "لما تيجي بس" !
فضولي زاد وكنت بسابق الزمن علشان أعرف إيه القضية اللي اتكلفت بيها بالاسم ومين الضحية اللي رفضوا يقولوا لي على اسمها
روحت العنوان وقبل ما أدخل الشقة لقيت محمد التابعي زميلي بيوقفني
محمد: بص أنا عارف إن اللي هقوله هيصدمك، بس المجني عليها تبقى مريم النجار بنت اللواء السابق كامل النجار، أنا عارف إنك كنت بتحبها وكنتوا مرتبطين لفترة بس أنت هنا المقدم مدحت، اجمد كده ومش عايزين نشوفك بشكل غير اللي اتعودنا نشوفك عليه، كامل باشا وصى إن مفيش غيرك يمسك القضية دي.
كلامه كان صادم وخدت وقت مش عارف أنطق، مريم!
آه احنا سيبنا بعض من حوالي سنة لكن أنا لسه بحبها، وكل ليلة بحلم باليوم اللي نرجع فيه!
رغم قسوتها معايا ورفضها لرجوعنا أكتر من مرة حتى بعد ما والدها طلب من ده لكني كنت لسه بحبها، أعصابي سابت ودخت، محمد جاب لي كرسي وعصير ليمون، فوقت وطلبت أدخل مسرح الجريمة، الشقة اللي ساكنة فيها مريم بعيد عن فيلا والدها بعد خلافهم الأخير.

محمد: بص يا مدحت أنا من رأيي تستنى لما تصلب طولك، اللي سمعته كوم واللي هتشوفه جوا كوم تاني.
زقيته ودخلت علشان أشوف صالة البيت غرقانة دم، ورأس مريم في ركن وجسمها في ركن تاني!!!
المنظر كان صعب، إنسان كان بيتكلم ويتحرك قدامك وليك ذكريات حلوة معاه تشوفه بالمنظر دا!
دخلت الحمام اتقيئت من اللي شوفته وفضلت حالتي كدا ليومين كاملين، مش قادر أنسى المشهد، مش قادر أشوف شغلي.
محمد كلمني وقالي إنهم قرروا يمسكوا القضية لحد غيري، ثورت وزعقت، محدش هيجيب حق مريم غيري، صحيح إحنا سيبنا بعض لكن دا ماكانش لمشاكل أو كره مني أو منها، مريم والدتها تعبت جدا في أواخر أيامها وبسبب شغل والدها مكنش جنبها في وقت تعبها، مريم كانت دايما بتقول بابا قتل ماما بإهماله. وبعد وفاة الأم مريم دخلت في حالة نفسية سيئة جدا وسيادة اللواء استقال بعد تاريخ مُشرف، وبعد خطوبتي من مريم كنت بنشغل عنها كتير بسبب شغلي ودا خلاها تطلب فسخ الخطوبة لإنها مش عايزه تكرر مأساة والدها مرة تانية، رغم حبي ليها أنا احترمت رأيها.
حاولت نرجع أكتر من مرة لكنها رفضت تماما، وقبل ما أعرف نتيجة آخر محاولة كانت اتقتلت!
رجعت للقضية تاني بكامل تركيزي واعتبرت القضية دي حياة أو موت، ويمكن دا اللي خلى والدها يطلب من حبايبه يكلفوني بالقضية، الأدلة كانت قليلة، تكاد تكون معدومة، القاتل كان عارف كويس هو بيعمل إيه، بدأت أحقق مع آخر ناس كان ليهم اتصال بيها وهما..
١- اللواء كامل النجار والد الضحية، رغم مشكلة كبيرة بين الضحية والأب واللي بعدها قررت الضحية السكن بمفردها لكن الأب زارها وطلب منها الرجوع، وشهادة البواب إن دار بينهم حديث ساخن وبعده نزل الأب وهو في قمة غضبه.
مريم كان ليها صحاب من أيام الكلية (كلية العلوم) ولسه محافظين على صداقتهم لحد مقتل الضحية، وهما
٢- إبراهيم متولي، طبيب معملي، وده كان حكايته غريبة جدا، إبراهيم كان دائم الزيارة لمريم، سواء مع الشلة، أو لوحده!
٣- فريدة محمد، أقرب شخصية لمريم، بير أسرارها زي ما بيقولوا.
٤- ثريا مشهور، واحدة من أصدقاء مريم لكنها مكنتش بنفس صداقة فريدة، وخصوصا بعد خلاف كبير بينهم من أيام الكلية
٥- كريم أبو الفضل، واحد من ضمن شلتها برضو وخطيب ثريا
قبل ما أحقق مع أي حد فيهم كان لازم أدرس كلام البواب كويس أوي، بعد ذكر البواب لمعلومتين بس عن القاتل، إنه ذكر ومرتدي قناع غواصين استثنيت فريدة وثريا، وبعد عرض صورة لكذا قناع على البواب اتضح إنه مش قناع غواصين ولا حاجة، هو قناع بيستخدموه في المعامل الكيميائية، ودا وضع كريم وإبراهيم لوحدهم في دايرة الشك.
كان عندي أكتر من سؤال للبواب، زي إني أعرض عليه صور لكريم وإبراهيم خصوصا إن الإتنين أجسامهم مختلفة عن بعض وإيه الكلام اللي سمعه من حوار مريم مع والدها وآخر مرة زارها إبراهيم اللي كان بالنسالي هو أول المتهمين، لكن للأسف، حصل اللي صعب القضية عليا واللي خلاها قضية رأي عام، مقتل حارس عقار في ظروف غامضة، غريب البواب لقوه مقتول في أوضته عن طريق جرح في الرقبة!!!

موت البواب عمل لخبطة في كل حاجة، ضغط الإعلام طبعا ده غير إنه الشاهد الوحيد في القضية. استدعيت الشخصيات اللي كانت على علاقة بمريم في أواخر أيامها علشان التحقيق
الأول وهو الأب ولإنه عارف طبيعة شغلنا كان متعاون جدا وإجاباته واضحة وصريحة
إمتى آخر مرة شوفت الضحية؟
كامل: يوم الحادثة، قبل بلاغ البواب بحوالي خمس ساعات
حصل بينكم مشادة كلامية فعلا زي ما قال حارس العقار؟
كامل: للأسف ٱه
كان سببها إيه؟
كامل: من حوالي سنة أو أقل انفصلت بنتي عن خطيبها ظابط الشرطة ودا كان بسبب مأساتها هي ووالدتها في حياتهم معايا وإنها رفضت تكرر نفس المأساة، وبعد إلحاحي عليها للرجوع ليه لإني كنت شايفه شاب محترم وكويس قررت إنها هتسيب البيت وتسكن لوحدها، ولما البواب كلمني وقالي إن في زميل ليها بيزورها لوحدها باستمرار اتجننت.
قاطعته بسؤال "زميلها دا إبراهيم؟"
كامل: آه هو، قررت أرجعها تعيش معايا بالعافية، ثارت في وشي وطلعت كلام مدفون جواها بقاله عمر، قالت إن قسوتي سبب مرض والدتها وإهمالي فيها سبب موتها، وإن كل مشاكلها وعقدها في الحياة بسببي؛ معرفتش أقول لها إيه، حسيت إني عاجز عن الكلام، هي عندها حق. نزلت وروحت وكان في نيتي إني هصالحها وأحاول أحتويها وأكرث الباقي من حياتي ليها، لكن ملحقتش، ملحقتش..
انهار الأب في البكاء وانتهى التحقيق.
كملت تحقيقي مع واحد من أهم الشخصيات في القضية، إبراهيم متولي.
طيب يا إبراهيم أنا آسف في اللي هقوله بس أنت هتنورنا شوية.
وشه اتقلب تماما، وبدأ يتلغبط في الكلام وخد وقت علشان يسأل "ليه؟"
بصراحة يا إبراهيم كل الأدلة ضدك، البواب شهد إن القاتل كان لابس قناع زي اللي بيستخدم في معامل الكيمياء، ده غير إنك كنت دائم الزيارة ليها بدون أي سبب، ثم إن مفيش أي حاجة نقصت في الشقة، حتى الفلوس كانت تقريبًا زي ما هي، يعني القاتل ماكانش سارق، وكمان طريقة القتل بتبين إن القاتل جاي وناوي على كدا.
إبراهيم: أيوة بس برضو حضرتك مفيش دليل واضح وصريح ضدي.
فضلت أكتر من خمس دقايق باصص لإبراهيم بابتسامة، في الخمس دقايق دول كان فقد كل اللي في جسمه من مياه عن طريق العرق، وشه اتحول بالتدريج للون الأصفر "صح يا إبراهيم عندك حق"
إبراهيم: عندي حق في إيه يا فندم؟
-إن مفيش دليل واضح ضدك، أنت نسيت كلامك ولا إيه يا هيما، دلوقتي بقى قل لي، كنت بتزورها كتير ليه؟ دي بنت عازبة وأنت ولا خطيبها ولا جوزها ولا حتى قريبها علشان تزورها لوحدها وبشكل شبه مستمر، معلش يعني يا إبراهيم كونك زميلها من أيام الجامعة مايديكش الحق في دا، دي فريدة مكنتش بتزورها قدك يا راجل.
سكت شوية وهو بيحاول يجمع الكلام.
إبراهيم: حضرتك أنا ومريم كنا بنحب بعض يعني وكدا وكان في مشروع جواز دا غير معمل التحاليل اللي كنا هنفتحه سوا، ويعني الكافيهات كانت دوشة ومش مكان ملائم لكدا، فهي يعني كانت بتقترح إننا نتقابل في البيت وكدا، بس والله يافندم ماكانش في حاجة أكتر من كدا، صدقني يا فندم أنا كنت بحب مريم جدا.
طبعا كلامه فور دمي لكن حاولت أتماسك على قد ما أقدر، أنا عارف إنه بيكدب، أنا متأكد، الواد دا هو اللي قتل مريم وأنا كلي ثقة من اللي بقوله.
مش ملاحظ يا إبراهيم إنك خدت وقت كبير جدًا علشان تقول الكلمتين دول، متوتر كده ليه بس، دا
أنت لسه قايل مفيش دليل ضدك
إبراهيم: ما أنا قولت لحضرتك يا فندم أنا كنت بحبها جدا وحالتي مش مستقرة من بعد ما سمعت الخبر.
طيب يا هيما، تقدر تروح، بس أكيد أنت ممنوع من السفر حتى داخل مصر
إبراهيم: مفهوم يا فندم.
الثالثة، فريدة محمد، الوحيدة اللي ليا علاقة شخصية بيها، لإني كنت عارفها وقت خطوبتي من مريم، طبعا كانت منهارة وماكنتش عارف آخد منها كلمة، فريدة زي ما تكون بتخبط في الكل، شوية تقول إبراهيم وشوية تقول لا ثريا وشوية تقول دا كريم، لإنه هددها بالقتل من فترة قصيرة لما اتجددت مشكلتها مع ثريا وقال لها بالنص "لو عرفت إنك اتعرضتي لثريا ولو بكلمة همحيكي من على وش الأرض"
وشوية تقول "أنا مكنش ينفع أوافقهم على الاقتراح اللي كانوا بيخططوا له دا... وخصوصا بعد ما إبراهيم ااا..."
فريدة حست إنها بدأت تقول كلام ماكانش ينفع تقوله، زي ما تكون افتكرت إني ظابط مش صاحبها، بدأت أقول لها كملي يا فريدة، قولي أي حاجة تساعدني، ساعديني أجيب حق مريم، بدأت تغيب عن الوعي، ضربت بإيدي على المكتب وطلبت الإسعاف، ثريا وكريم كانوا ماشين تمام في التحقيق وكلام مظبوط ومتطابق تمامًا لحد ما سألت السؤال اللي لخبطهم وخلاهم يخرفوا، كنت قاصد أحقق معاهم سوا- لحد قبل سؤالي، "أنت فعلاً يا كريم هددت مريم بالقتل؟"
بقلم اشرف مكرم
هنا قررت أخرج ثريا وأستفرد بكريم، طبعا اتلجلج وفين وفين لما عرف يقول جملة مفيدة.
يا باشا دي كانت مشكلة صغيرة من أيام الجامعة والله يسامحها مريم فتحتها تاني وانا من حمقتي على خطيبتي يعني قلت الكلمتين دول
كانت إيه المشكلة يا كيمو؟
كريم: مشكلة صغيرة يعني يا باشا، كان حوار بسيط كدا يعني، كان، كانت، آه آه، أنا معرفش، كنا في الجامعة ومرة واحدة لقينا صوتهم علي وخدوا فترة مابيكلموش بعض، وصالحناهم يوم التخرج ومن كام يوم كنا عند مريم في البيت بنتكلم عن معمل التحاليل اللي كنا هنفتحه سوا، وفجأة مريم قالت إنها مش هتشارك ثريا، وبما إن مريم كانت هي الممولة للمشروع بالفلوس ثريا اتضايقت من الكلمة وعيطت وأنا انفعلت وقولت " لو اتعرضتي لثريا ولو بكلمة همحيكي من على وش الأرض"
طب يا كيمو حد يتدخل في مشاكل البنات دي يا راجل، ماكانش ينفع، أديك متهم في القضية أهو.
كريم: متهم؟ متهم إيه يا باشا مريم دي عشرة عمري أنا مستحيل أعمل كدا، دول كانوا كلمتين بس لحظة انفعال
-إهدا يا كريم، أنا مصدقك يا حبيبي، دلوقتي تقدر تتفضل وتدخل ثريا.
فضل قاعد مكانه وباصص لي وساكت.
-أستاذ كريم بقولك اتفضل التحقيق خلص.
خرج كريم ودخلت ثريا وعيدت نفس السؤال تاني "فعلا يا أستاذة ثريا خطيبك هدد مريم بالقتل بسببك؟"
ثريا من التوتر سألت سؤال مايتسألش "هو قالك إيه يا باشا؟"
ضحكت وكررت سؤالي تاني.
وهنا بدأت أستمتع بالكلام اللي اتغير
ثريا: أيام الجامعة كنت مستلفة من مريم فلوس وقررت فجأة تطلبها مني قبل الميعاد اللي اتفقنا إني هرجعه لها فيه، أنا مابقتش عارفة أتأسف لها ولا أتعصب عليها، خصوصا إن مريم طلبت الفلوس بطريقة مهينة جدا، ولما إتصالحنا بعدها بكام يوم..
قاطعتها وسألت " بعد كام يوم؟.. بس على حسب قول كريم إنكم اتصالحتوا يوم التخرج؟"
ثريا: آه آه فعلا كان يوم التخرج، آسفة أنا مش على بعضي بس، اتصالحنا يوم حفلة التخرج ورجعت المشكلة تاني من فترة لما قررت مريم من تلقاء نفسها إني مش هشاركهم في المشروع، رغم إننا كلنا متساويين بس مريم كده من زمان بتحب تنصب نفسها رئيس على كل حاجة..
قاطعتها تاني "متساويين إزاي بس؟ دا خطيبك قال إنها كانت ممولة المشروع، يعني رئيسه فعلا"
ثريا: بالظبط، بالظبط يا فندم، بس برضو أنا وكريم كنا أوائل الدفعة وأهم ناس في المشروع. أكمل لحضرتك، هنا أنا إنهارت من البكاء، وحسيت إن تعبي أيام الدراسة راح على الأرض، وإن مجرد فلوس والد مريم ومنصبه خلت من مريم اللي اتخرجت بالعافية رئيسة مشروع أطرافه أوائل دفعة ٢٠١٦ كلية علوم جامعة القاهرة.
تقدري تتفضلي يا ثريا.
ثريا: يا فندم هو أنا كدا موضع شك أو حاجة؟ أنا توتري مش بإيدي دي برضو مهما كان عشرة عمري.
والله يا ثريا كان نفسي أقول لك إنك موضع شك كنت قبضت عليكي وخلصت، بس للأسف كلكم موضع شك.
خرجت ثريا وولعت سيجارتي، دماغي هتنفجر من التفكير، القضية أصعب بكتير مما تخيلت، قطع تفكيري محمد زميلي وهو بيقول "مدحت باشا، عندي خيط في القضية أعتقد إنه مهم جدا، بعد تشريح جثة عم غريب بواب عمارة مريم، لقوا في جسمه مادة مخدرة، مش موجودة في مصر، وأول مرة الطب الشرعي يتعرف عليها، المادة دي بكمية طبيعية بتؤدي وظائف مخدرات محظورة، بنسبة أكبر بتسبب هلاوس بصرية، بنسبة أكبر وأكبر بتسبب إغماء زي اللي حصل في حالة غريب!"

عقار مخدر مادخلش مصر قبل كدا، ويكاد يكون مش موجود في العالم؟!
طبعا الشك اتحول ناحية كريم وثريا بما إنهم أوائل الدفعة وحاجة زي كده مش صعبة عليهم لكنها هتكون صعبة على طالب فاشل زي إبراهيم اللي بمراجعة سجله في الكلية عرفت إنه سابقهم بدفعتين وبمساعدة كريم كان بينجح كل سنة، بس برضو إبراهيم بالنسبة لي علامة استفهام كبيرة، بس هتفضل أكبر علامة استفهام هي كلام فريدة اللي ماكملتوش، الوقت كان اتأخر فقررت أروح أنام وأبقى اروح لفريدة بكرة البيت بعد ما عرفت إن حالتها استقرت وخرحت من المستشفى في نفس اليوم.
تاني يوم ٢٠ أغسطس
جريمة قتل جديدة، اسم الضحية، فريدة محمد، اترمت من الدور الخامس بعد قطع لسانها!!!
القضية أصعب بكتير مما تخيلت، أو هي بتزيد صعوبة مع الوقت، رغم إن القاتل مايخرجش من إتنين، لكن دا مصدر صعوبتها، لو كان واحد من الاتنين برا الدايرة كنت قبضت على التاني فورا، قضية فريدة كانت أكتر صعوبة من قضية مريم، المرة دي ماسابش وراه بواب بيهلوس، قطع في اللسان، جرح في الرقبة لكنه مكنش قاتل.
سقوط من الطابق الخامس نتج عنه جرح في مؤخرة الرأس أسفر عن الموت، بعد تفتيش شقة فريدة لقيت خيط مهم جدا، أهم خيط في القضية دي، عقد جواز عرفي أطرافه مريم كامل النجار وإبراهيم متولي!!
إتصدمت أكتر لما شوفت تاريخ العقد وإنهم كانوا متجوزين في نفس الوقت اللي كنا مخطوبين فيه !!!
حاولت أداري ده وأكمل شغلي
خدت قوة وروحنا شقة إبراهيم فورًا لكنه ماكانش موجود، خدت القوة وروحنا بيت مريم، طلعت لوحدي وفعلا سمعت صوت كركبة جوا الشقة لكن الباب مش مكسور، أكيد إبراهيم كان معاه مفتاح، كسرت الباب واللي توقعته لقيته، إبراهيم كان قالب الشقة عاليها واطيها، بصيت له بثقة وابتسامة وفي إيدي العقد العرفي وقلت "بتدور على دا يا هيما؟" زقني وجري على السلم والقوة قبضت عليه.
ها يا إبراهيم، مش هتعترف؟
إبراهيم: والله يا باشا ما قتلتها
هتحلف كدب تاني يا إبراهيم، أنت مش إمبارح حلفت إنكوا كنتوا بتحب بعض بس، بتنيمني علشان تهرب مش كده؟..
إبراهيم: والله يا باشا ماكدبتش إلا هي دي بس، حضرتك دلوقتي عرفت أنا كنت بروح لها ليه، أنا ومريم كنا بنحب بعض من أول نظرة زي ما بيقولوا، وقررنا نتجوز عرفي بعد ما عرفنا إن أبوها ناوي يجوزها لظابط، وإتخطبوا، مريم طهقته في عيشته وحاولت تطفشه بعدها فسخت خطوبتها من خطيبها اللي محدش كان عارفه غير فريدة، بعدها سابت البيت وقررت تستقل بحياتها وبقيت بروح لها كتير، بس يا باشا والله دي كل الحقيقة، أنا ماقتلتهاش والله.
بعد ما سمعت كلام إبراهيم ماكنتش قادر أتمالك أعصابي، مريم كانت بتضحك عليا كل دا؟ كانت بتخوني؟ أنا كنت بعمل أي حاجة علشان أرضيها؟! حاولت أتماسك وأكمل التحقيق
طب وفريدة؟
إبراهيم: مالها فريدة يا باشا؟
أنت هتستعبط يا روح أمك، فريدة اتقتلت النهاردا الصبح، والعقد العرفي دا كان عندها في البيت
إبراهيم وعلى وشه كل علامات الصدمة: فريدة اتقتلت؟! يا باشا فريدة دي كانت أكتر من أختي، هي ومريم كانوا أقرب الناس ليا، فريدة الوحيدة اللي تعرف جوازنا لكن أنا معرفش إن العقد كان عندها، أنا ومريم قررنا نخبي جوازنا خوفا من والدها وأذيته ليا لو عرف علشان كدا خبيت على حضرتك، وبعد ما روحت خوفت العقد يطلع للنور ووقتها هلبسها وأنا بريء وقاتل مراتي حر.
لما سمعت كلمة مراتي دي اتجننت وانهالت عليه بالضرب، شاله من تحت إيدي محمد وبقية العساكر، روحت جري لبيت اللواء كامل وصارحته بكل اللي عرفته وأنا في غضبي، كنت بحبها، ليه كدبت علياوخانتني؟! ليه؟ قلت له إني قبضت على القاتل واتقطعت علاقتي بالقضية وبكل حاجة ليه علاقة بمريم.
سيبته من غير ما أسمع منه كلمة، وأنا جوايا مش عايز أعرفه ولا عايز أي حاجة تفكرني بيها، تاني يوم صحيت على إتصال من محمد، بيبلغني بجريمتين قتل جداد! ثريا مشهور وكريم أبو الفضل، كانوا مقتولين في المقطم، البلاغ جه من واحد من سكان المنطقة بعد ما شاف العربية مركونة لفترة طويلة شك في أمرها ولما قرب لقى كريم وثريا مقتولين بنفس الطريقة اللي اتقتلت بيها فريدة، مقطوعين اللسان، وجرح في الرقبة!!!
تقرير الطبيب الشرعي قال إن ماحصلش أي مقاومة قبل القتل وده بسبب إن الضحيتين اتخدروا بنفس المادة اللي اتخدر بيها غريب البواب!..

طبعًا رجعت للقضية غصب عني لإنها كده لسه ماتقفلتش، إبراهيم في السجن ومع ذلك لسه الجرائم شغالة!
كدا يا إما إبراهيم برئ، يا إما ليه شريك بيحاول يضللني، وفي الحالة دي أنا مش هفرج عن إبراهيم إلا لما أتأكد تماما إنه برئ.
كدا كل الخيوط اتقطعت، مسكت ورق القضية قريته كلمة كلمة وحرف حرف، على الورق مافاضلش غير كامل باشا مُتهم ودي حاجة أنا ماقدرش عليها، وبيني وبين نفسي أنا متأكد إنه مش هيقتل بنته.
قمت أعمل فنجان قهوة ورجعت تاني أقرأ ملف القضية، بس وأنا قاعد منهمك شميت ريحة غاز، جريت بسرعة على المطبخ لقيتني نسيت الغاز مفتوح، قفلته وجت في بالي حاجة معرفش كانت تايهة عني إزاي؟! الغاز أو المادة
المخدرة، العنصر المشترك في كل الجرائم، اتصلت بالطبيب الشرعي وأكد لي إن المادة دي اختراع من القاتل وإنها في الأساس مادة مخدرة بتتحقن في الجسم بنسبة صغيرة أوي فتسبب حالة من السعادة، زود النسبة هتبدأ تسبب هلاوس بصرية وسمعية، زيادة عن كدا بتؤدي لفقدان الوعي التام لمدة ساعة مثلا، طلبت منه يعمل جرعة صغيرة من نفس المادة، وفعلا عمل كدا، ورحت القسم يمكن لما أواجه إبراهيم بيها يعترف بأي حاجة، ما أنا مابقاش قدامي غيره.
ها يا إبراهيم، مش ناوي تعترف؟
إبراهيم: والله يا باشا أنا قلت لك على كل اللي أعرفه.
لا يا إبراهيم، لسه فاضل حاجة وأهم حاجة.
اديت له جرعة المادة وفضل دقايق مصدوم، تعبيرات وشه بتقول خلاص مفيش داعي للكدب، وفعلا بدأ يحكي كل حاجة.
"من حوالي ست سنين حققت حلم أهلي ودخلت كلية العلوم، طبعا كلية مابحبهاش كان صعب أنجح فيها، وسقطت سنة والتانية لحد ما اتعرفت عليهم، الشلة كانت معروفة بمريم، بنت اللواء ذات السلطة والفلوس والجمال، وقتها كانوا لسه جداد وحد خبرة في الجامعة والكلية زيي كان مهم جدا بالنسبة لهم. بقينا أكتر من صحاب، وفي سنة تالتة، حصلت مشكلة كبيرة بين مريم وثريا، وكانت بسبب الفلوس، وصالحناهم يوم التخرج، يومها قررنا إننا لازم نفتح مشروع، معمل تحاليل بتمويل من مريم وبجهودنا كلنا، لكن يوم الإتفاق مريم كانت شاربة، وقعدت تخرف وقالت إننا مش هنحتاج ثريا، وقتها كلنا وقفنا لها، ثريا من أوائل الكلية
ووجودها مهم جدا، واللي حضرتك ماتعرفوش إنهم رجعوا فعلا واتصالحنا، بس مش علشان معمل التحاليل.
من حوالي ٣ سنين كريم اخترع مادة مخدرة بمواد بسيطة جدا، وقتها قررنا نوزعها على الشباب ومكسبها هيبقى مضاعف. كله وافق بعد ما اتفقنا إن النسبة الأكبر لكريم، وقررنا كمان إن كلنا هنقطع علاقتتا ببعض قدام الناس، بس احنا كده محتاجين موزع، احنا أكيد مش هنقف على النواصي نبيعها، مريم قالت إنها هتتصرف وإنها تعرف ديلر كانت بتجيب منه، الديلر وصلها لتاجر كبير اسمه النسر!
محدش فينا شافه كان كل كلامنا تليفونات، وقتها قلت له إن التعامل هيكون معايا لكنه كان مصمم إن التعامل يكون مع مريم، قلت له إنها مراتي واقتنع وفعلا التعامل كان من خلالي أنا، وإتفقت معاه على الميعاد، لكنه ماجاش! تليفونه اتقفل!.. واتقطعت كل اتصالتنا بيه، بعد يومين اتصلت بيا مريم وقالت إن أبوها كان عندها وعرف كل حاجة وقالها ترجع تعيش معاه بالعافية وبعد نقاش حاد جدا بينهم سابها ومشي لكنها متأكدة إنه هيرجع، كانت خايفة ومتوترة، وطلبت مني أروحلها، اتأخرت عنها غصب عني، ماكنتش أعرف إني هروح ألاقيها مقتولة بالمنظر دا!!
والله يا باشا دا كل اللي حصل، أنا عارف إنها لابساني، بس لو حضرتك ناوي تدور على برائتي، دور ورا النسر!"
خلص إبراهيم كلامه، رجعت دماغي لورا وأنا بفكر، اللي إبراهيم قاله يخلص القضية ويبلسه قضية تانية أساسا، بس أنا مش هعدم بريء!
وممكن مايكونش بريء، أنا هريح ضميري وهدور ورا النسر، يمكن يكون عنده حق...

كلمت جهاز مكافحة المخدرات، مفيش ملف باسم النسر، مالوش أي أثر. قررت إني هقول لكامل باشا ونفكر سوا، هو تاريخه كبير وأكيد هيساعكدني لكن قبل ما أروح له جالي اتصال من الطبيب الشرعي وقال لي معلومة مهمة جدا، القاتل أشول! أو هو استخدام إيده الشمال في ذبح فريدة وكريم وثريا، لكن طبعا في حالة مريم ماقدرش يحدد دا لإن الرأس إنفصلت تماما عن الجسم، بس غريب البواب تم ذبحه بالإيد اليمين!
بحركة خبيثة كده خليت إبراهيم يمضي على أقواله ولاحظت إنه كتب بإيده اليمين، يعني لو كلام الطب الشرعي صح إبراهيم بريء من دم فريدة، كدا كدا هو بريء من قضية كريم وثريا لإنه كان محبوس، بس اشمعنى غريب حكايته مختلفة؟!
روحت لكامل باشا وواجهته إني عرفت كل حاجة، لُمته إنه خبى عليا موضوع جواز مريم ونيته في تجارة نوع جديد من المخدرات بعد ما إبراهيم حكى لي إن كامل باشا عارف كل حاجة، وطلبت منه يحكي لي كل حاجة بصراحة.
كامل بعد ما جاله اتصال من تاجر مخدرات إسمه النسر حكى له فيه موضوع بنته وصحابها وكأنه بيذله أو بيهينه في شرفه المهني. قاله "أنا توبت عن السكة دي بس قولت أحذرك من اللي بنتك هتعمله، اللي وصلهم ليا ممكن يوصلهم بأي تاجر تاني"
كامل أكد لي إن رغم تاريخه الكبير في جهاز مكافحة المخدرات لكنه عمره ما سمع عن تاجر باسم النسر، راح لمريم وهو في قمة غضبه بعد ما فتش في البيت لقى العقار المخدر فعلا لكنه مالقاش ورقة الجواز العرفي، مريم قصرت عليه الطريق واعترفت له بكل حاجة وقالت له إن اللي حصل هو السبب فيه، إهماله في والدتها وإهماله فيها بعدين، كل ده بسببه.
سيبته يحكي وسرحت، أنا ليه مستبعد كامل، ليه مادورتش وراه.
بعد ما خلص حكي انهار في البكاء وهو بيقول "هما اللي قتلوها، هما اللي خدوها بعيد عني" وكرر الجملة دي كتير، قاطعته وقلت له "كامل باشا، في ورقة لقيتها في شقة مريم عليها امضتك، ممكن بس تمضي علشان أقرانهم ببعض، علشان في حاجة في دماغي كدا لو صح تبقى القضية شبه اتحلت"
كامل: حاجة إيه يا مدحت فهمني؟
امضي لي بس وهفهمك كل حاجة
اديته ورقة وقلم، وحصل اللي أول مرة آخد بالي منه، كامل باشا النجار أشول!!!
قومت وقفت وحكيت الحكاية من أولها لكامل.
جالك اتصال من واحد شبه مجهول، قالك بنتك متجوزة وناوية تتاجر في المخدرات وهتمرمط اسمك في الطين، ثورت وخرجت عن شعورك وروحت لها تواجهها وتأمرها ترجع لطوعك، لكنك اتفاجئت إنها بتتهمك أنت في كل حاجة، كل اللي بيحصل واللي حصل زمان مع مراتك الله يرحمها، ماعرفتش ترد، خدت المخدر ومشيت وأنت غضبك زايد أضعاف، لكنك رجعت تاني، خدرت غريب، قتلت مريم، وبعدها فوقت من غضبك وحالة اللاوعي اللي كنت فيها وقررت تنتقم منهم لإنهم السبب ونسيت كلام مريم لما قالت إن أنت السبب في كل دا. قتلت غريب وفريدة وثريا وكريم اللي الطب الشرعي أكد إن قاتلهم أشول، زي سعادتك بالظبط يا باشا.
بصلي بنظرات متضاربة، نظرة غضب، حزن، ضعف، ندم، حكى نفس اللي حكيته. اعترف بإن كل اللي حكيته صح، لكن أنكر قتله لمريم وغريب، غريب مقتول بالإيد اليمين، مريم برضو طريقة قتلها مختلفة، بس دا ماينفيش إنه قاتل، قبضت عليه وقفلت القضية، كامل لحد دلوقتي حتى بعد ما اتحكم عليه بالإعدام لسه بيعترف إنه مقتلش مريم وغريب، لكن أنا عارف مين قتلهم، النسر، أنا.
أيام خطوبتي من مريم عرفت إنها بتتعاطى مخدرات، قبضت على الديلر اللي بيبيع لها وهددته إنها لو اتواصلت معاه تاني يقول لي وحصل، لكن المرة دي مش علشان يبيع لها، علشان يوزعلها نوع مخدرات جديد، بعد ما مريم اديته عينة منه، خدت منه العينة دي وقولتله يديهم رقمي على إني تاجر، علشان أمنعها من ده، لكن البيه إبراهيم هو اللي كلمني وقال لي إنها مراته!
كلمت فريدة وسألتها عن تاريخ جوازهم، أنكرت في البداية لكنها إعترفت بكل حاجة، إعترفت عن قرف صاحبها ونيتهم في تجارة المخدرات، إعترفت على وساخة مريم اللي كانت متجوزة إبراهيم ومخطوبة ليا في نفس الوقت!!، الخاينة!
فريدة كانت عارفه كل حاجة من البداية وموافقاني على اللي هعمله، وطلبت منها متقولش أي حاجة في التحقيق، لكن للأسف مكنتش متوقع رد فعل كامل النجار وإنه هيقتلها
إزاي كانت مخطوبة لي ومتجوزة؟!
بعد ما عرفت من فريدة اتصلت بكامل وغيرت صوتي ببرنامج ما وحكيت له وبالعينة اللي كانت معايا خدرت بيها غريب وقتلتها، انتقمت منها، لو كنا متجوزين كنت بلغت عنها لكن مفيش قانون هيجيب لي حقي فقررت أجيبه أنا، بعد ما غريب بدأ يفوق من تأثير المخدر خوفت يعترف بشكل
جسمي مثلا، وبعد ما خدت منه الاعتراف المناسب واللي يثبت التهمة على إبراهيم قتلت غريب كمان. كنت هلبس القضية لإبراهيم الصراحة، لكن في حد تاني كمل الجرائم. كامل باشا ظبطها على مقاسه بالظبط وشال هو الضحايا، اللي في الأساس ضحاياي أنا
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي