الفصل الخامس وعشرون
ككل أهل القرى والأرياف الملل هو سيد الموقف خاصة لمن لا يزاولون أعمالاً ثابتة إعتماداً على ثراءهم أو ثراء أهاليهم .
كذلك لا يحبون المكوث بالمنزل .
في إحدى القرى النائية وبأحد أطرافها البعيدة كان يوجد مقهى صغير أو بمعنى أدق غرزة يتجمع فيها أولئك الفاريين من الملل الباحثين عن قتل الروتين .
كان بلقاسم واصدقائه المجموعة المكونه منه ومن شخصين أخريين
هم فوزي و. سعيد وكانومن شباب تلك القرية المنسية كغيرها من ألاف القرى القابعة بقاع الإهمال والتي لم ولن تجدها بيوم من الأيام على الخريطة .
ينتمي كل منهم لعائلة قويه أو أب ثري
فهم ليسو كغيرهم من أهالي القرية المطحونين بالفقر والعوز .
كانوا بالعادة يتجمعون كل يوم بالمساء ينفثون ضيقهم ومللهم مع دخان الشيشة وعشرات أكواب الشاي والقهوة ولا بأس من بعض الحبوب او سجائر الحشيش الملفوف إن تيسر لهم ذلك .
صاحب المقهى عم عبد القادر يلبي الطلبات بلا كلل أو ملل ولا يهمه سوى جمع بعض المال حتى ولو كانت دنانير معدودة التي تعينه على تصريف أموره
تساعده من وقت لأخر إبنته فاطمه أو فاتي كما يحلو للبعض منادتها .
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل إلا قليلاً عندما أصبحت تلك المقهى خالية من الجميع إلا بلقادسم وفوزي وسعيد .
هنا توجه عم عبد القادر لهم بالحديث قائلاً هل ستغادرون الأن أم أنصرف وتغلقون الباب من بعد مغادرتكم كالعادة .
بلقاسم بسخرية إذهب أنت حتى لا تغضب عليك أم فاتي وسوف نغلق المقهى عقب مغادرتنا .
أومأ عم عبد القادر برأسه إيجاباً وهو يرتدي ذلك المعطف الثقيل ليقيه برد الشتاء والصقيع .
فوزي متهكماً وبسخريه موجهاً كلامه
لعم عبد القادر .
لا تمشي بطريق المقبرة حتى لا تخطفك الأشباح .او الجن
عم عبد القادر بخوف وبلهجه معاتبه وهو يغادر وقبل أن يغلق الباب من خلفه رد عليه
ولماذا هذا الفال السيئ ولماذا هذه السيرة
لواحد ليس ناقص اشباح
فوزي وهو يوجه كلامه لبلقاسم وسعيد وهو يرتعد من البرد أليس من الأفضل أن نغادر أشعر بالبرد الشديد ويبدو أنها سترعد وتبرق وقد تمطر .
بلقاسم لا رغبة لدي بالعودة للبيت إلا فجراً حتى تكون خميرة ووجه النحس قد نامت ولا تنغص علي قبل النوم .
سعيد أما أنا فلو عدت الأن سأجد والدي مستيقظاً ولن أستطيع الهروب من أسئلته وسوف يتهمني كالعادة بأنني مستهتر وفاشل وبلا فائدة .
عقب بلقاسم على عبارته ممازحاً بلهجته القروية وبتشبه صوت النساء.
إبتسم سعيد قائلاً من الأفضل العودة بعد أن ينام الجميع .
بلقاسم بتساؤل ألم يرى أحدكم حسان?
فوزي أخر مره رأيته كان هنا معكم عندما أراد أن يقترض منا المال لعلاج ولده الصغير .
سعيد متهكماً وهل يفعل شئ سوى إقتراض المال منا .
بلقاسم ولكن لا تنسى أنه يسلينا وبوجوده يضيع الوقت ويفر فهو كالأراجوز بالنسبة لنا وكالخادم .
فوزي ضاحكاً .
لا أنسى عندما جاء يقترض المال بأخر مره لعلاج ولده عندما طلبت منه يا بلقاسم أن يبيت بالقرب من المقبرة وستعطيه ما يريد .
بلقاسم بسخرية كنت أعلم أنه جبان ولن يفعلها لذلك أردت الهروب من إقراضه المال .
سعيد بسخرية هو يعلم أننا الوحيدين من نملك المال لثراء أهلنا لذلك يتودد لنا ويتملقنا .
فوزي بجدية
ولكنني علمت أن ولده بالفعل مريض وتم حجزه من قبل الدكتور بالمعزل لخطورة حالته وقد باع أخر بقره لديه ليعالجه .
وما كاد فوزي ينهي عبارته حتى وجدوا حسان أمامهم بعد أن دفع الباب بقوة وهو يلهث والعرق يتصبب على جبينه رغم برد الشتاء القارص .
كان يرتعد وهو يتوسل لهم بإنكسار وذل لإقراضه المال لحاجة ولده لعمليه خطيرة خلال أيام كما أخبره الدكتور .
بلقاسم بسخرية وهل أخبرك أحدهم أننا جمعية خيرية أو مؤسسة زكاه .
حسان وهو يتوسلهم .
أرجوكم لقد بحثت عنكم بكل مكان حتى وجدتكم .
أنا مستعد لفعل كل شئ يحتاج ولدي لتغيير صفائح الدم لإصابته بفيروس نادر بالدم .
سأخدمكم طوال عمري وما حييت فقط ساعدوني لأنقذ ولدي .
سعيد وهو ينظر لفوزي وبلقاسم .
هل تبيت بالمقابر ?
قال تلك العبارة وهو يتفحص حسان والذي أجاب مباشرة ودون تردد .
نعم سأبيت وسأفعل كل شئ مهما كان .
بلقاسم بنظرة تحمل الكثير من الخبث والتحدي .
كان هذا فيما مضى ولم يعد مطروحاً الأن .
إلتفت الجميع إليه بحيرة وهو يكمل حديثه قائلا .
لا شك أنك ستحتاج لمبلغ كبير من المال لإجراء العمليه .
حسان وهو يطاطئ رأسه أرضاً بذل إنكسار .
نعم أحتاج لثلاثين مليون ولا أملك منهم سوى
عشرة ملايين وهو ما تبقى من بيع البقره .
بلقاسم وهو ينظر لعينيه مباشرة حسناً ونحن سنعطيك ما تبقى من المال لتنقذ ولدك .
حسان وهو ينزل على قدميه ليقبلهم وهو يشكره قبل أن يعود بلقاسم للخلف وهو يقول ولكن بشرط واحد وبدونه لن تحصل على أي دينار .
خيم الصمت على الجميع قبل أن ينطق حسان قائلاً موافق قبل أن أعرفه .
بلقاسم بنظرة خبيثة .
طلبنا منك من قبل أن تبيت بالمقبرة ورفضت .
أما الأن وحتى تحصل على ما تريد فيجب عليك أن تبيت ليلة كاملة داخل المقبرة .
نزلت كلماته عليهم كالصاعقة مما دفع سعيد للقول .
هل تقصد أن ينزل إلى المقبره ويبيت بالداخل .القبر مع الجثة
فوزي هل يبيت مع جثث الموتى?
بلقاسم بتحد وهو ينظر لحسان.
نعم إن تخلى عن خوفه وجبنه وأصبح رجلاً سنصحبه الأن إلى هناك ليبيت ليلته داخل المقبرة
وسنغلق عليه من الخارج ونعود إليه باليوم التالي عندما يصبح الطريق خالياً من الماره .
هذا إن كان جاداً فيما يقول ويريد إنقاذ ولده .
توجهت الأنظار جميعها إلى حسان والذي إمتقع وجهه وتحول إلى اللون الأصفر شحوباً حتى قارب وجوه الموتى قبل أن يقول بخوف وهلع ....
المقبرة الموجودة في تلك القرية مختلقة حيث تجد قبور محفورة تنتضر صاحبها
تجد مثلا هذه الجهة مخصصة لعائلة معينة ويتم حفر قبور إضافية ووضع غطاء فقط
وهذا عندما يموت احد من تلك العائلة يكون قبره محفورا فيتم فتح القبر فقط
وبنبرة تحمل الكثير من الرعب والفزع قال حسان بنظرة ذل وإنكسار .
موافق نعم سأبيت بالمقبرة ولو طلبت مني أن أبيت بالجحيم فسأفعل .
بلقاسم وقد شعر بالإثارة ولذة الإنتصار .
يبدو أننا سنودع الملل يا رفاق .
قال هذه العبارة وهو يطالع وجوه فوزي وسعيد واللذان بدا عليهما أنهما لم يستوعبا بعد ما يرمي إليه بلقاسم .
فوزي وهو ينظر إلى بلقاسم بحيرة .
هل أنت جاد بذلك حقاً ?
سعيد بقلق ممزوج بالدهشة وهو يطالع بلقاسم .
وبما نستفيد نحن من مبيته بالمقبرة ?
بلقاسم بزهو وثقة .
سي.كون لدينا ما نتسلى به طوال العمر .
هل تدرك أننا بصدد تجربة فريدة وجديدة ولم يقم بها أي أحد من قبل ..
إستطرد يقول بحماس سنرى كيف سيقضي حسان ليلته وماذا سيرى ويواجه وبماذا سيخبرنا بعد خروجه .
جلس حسان على الأرض بوضعية القرفصاء واضعاً رأسه بين يديه وهو ينعي حظه العاثر والذي وضعه بهذا الموقف الصعب وأوقعه بين أيدي هؤلاء السفلة .
أخذ بلقاسم وفوزي وسعيد يتغامزان وهم يشيرون لحسان وقد راقهم ضعفه وقلة حيلته مما جعلهم يشعرون بالسيطرة والقوة .
فوزي هل تراهنون أنه سيتراجع بمنتصف الطريق ولن يصل معنا حتى إلي خارج المقبرة وسيفر مذعوراً .
سعيد بتحدي وثقة .
أراهن أنه سيصاب بالذعر عند فتح القبر وقد يجمع علينا أهل القريه بصراخه .
بلقاسم وهو يلكز حسان بقدمه محذراً .
إن فعل ذلك فسنقول أننا وجدناه ينبش القبور .
هنا دبت الحماسة بفوزي وسعيد وهم يقولون وداعاً للملل ستكون هذه الليلة مميزة للغاية .
إمتدت الأيادي لتنتزع حسان من مجلسه والذي بدا وكأنه تسمر بالأرض .
جراه جراً حتى وقف بينهم وهو لا يكاد يصدق أي مصير مجهول سيسوقونه إليه .
خرجوا جميعاً من الغرزة بعد أن إرتدوا تلك العباءات السوداء الثقيله وألقوها حول أعناقهم لتقيهم برودة الجو .
شتان الفرق بين حسان وبينهم .
فبينما هم يبحثون عن قتل الملل والتسلية ولو على حساب مصائر البشر .
نفوسهم المريضه ترتقي على أنقاض كرامة الأخريين .
كان حسان يشعر بالقهر والدونية فهو بين خيارين أحلاهما مر .
هو يعلم أنه لا يوجد من يقرضه المال بالقرية سواهم .
تذكر توسلات زوجته وهى تبكي وتنتحب وهى تحمل بين يديها ذلك الطفل الضعيف بأنفاسه المتقطعة ودقات قلبه الواهنه .
كلمات الطبيب ما زالت تتردد بأذنيه وهو يقول إن لم يجري العملية خلال أيام فالأمل بشفاءه شبه معدوم .
عاد من شروده وأفكاره على همهماتهم وهم ينفثون دخان سجائرهم المحشوه بالحشيشة حتى الأن ما زال لا يصدق أنهم سيدخلونه أحد القبور ويغلقون عليه وهو على قيد الحياه ويغادرون .
هل سيفعلون ذلك حقاً بل هل يستطيع هو ذلك .
هل سيحتمل قلبه تلك التجربه المرعبة وهو من يخشى المرور بجوار المقابر منفرداً بوضح النهار
حاول أن يبث الطمأنينة إلى نفسه موهماً إياها بأنهم فقط سيختبرون شجاعته ولن يفعلوا به أكثر من ذلك .
ما زالوا يسيرون بهذه الليلة الشتويه البارده .
سكون الليل وحفيف الأشجار مع بعض الأصوات القادمة من خلف الجبل للذئاب بعواءها المميز وصوت نباح الكلاب مع ذلك الظلام الذي يحل عليهم كلما إقتربوا من المقبرة كلها أشياء تجعل القلوب ترتجف بل وتتوقف رعباً وفزعاٍ .
لاحت لهم المقبرة من بعيد فتبادلا النظرات فيما بينهم .
حتى هذه اللحظات كان كل منهم لا يدري ما هو مقدم عليه أو ليس واثقاً أن كان هذا سيحدث بالفعل أم لا .
بلقاسم وهو ينظر لحسان بتمعن قائلاً .
هل أنت جاهز يا بطل .
حسان بنظرات زائغة وبصوت مرتجف وهو يتهته أين سأبيت وبأي مقبرة ?
بلقاسم بصوت منخفض وكأنه يخشى أن يسمعه أحد .
سأفتح لك قبر عائلة خالي الحاج ماهر .
هنا فتح سعيد فاه وهو يقول بفزع هل جننت .
أليست هذه المقبره بها جثة حديثة لم يمر عليها أسابيع .
فوزي بتساؤل .
أليست هى المقبرة التي تم فيها دفن جابر بعد موته إثر سقوطه من أعلى منزلهم وهو يحاول ضبط وتوجيه طبق الدش .
بلقاسم بتحد وخبث .
نعم هى فأنا أحمل المفاتيح معي منذ قدمنا لتنظيفها قبل حضور الجثمان ولا أحمل أي مفاتيح لمقابر سواها .
كان حسان يستمع لكل ذلك وهو يكاد يتجمد خوفاً فلا يدري إن كانت القشعريرة من برد الشتاء أم خوفاً ورعباً مما ينتظره فالأمر لن يقتصر على مبيته داخل مقبرة فارغه ولكنه سيبيت بمقبرة بها جثة حديثة الدفن .
توجه بلقاسم إلى باب المقبرة الخارجي ليفتحه ومن ثم يدلف إلى داخلها .
ثواني وكان فوزي وسعيد يجرون حسان من خلفهم ليصبحوا جميعهم بالداخل ويقوم بلقاسم بإغلاق الباب الرئيسي ليصدر صريراً مدوياً جعل الرعب يتسلل لقلوب الجميع .
فوزي وسعيد وهم يختليان ببلقاسم .
هل أنت جاد بذلك يا رجل?
بلقاسم وهل أتينا إلى هنا لنعود من حيث أتينا !
فوزي بتساؤل .
وماذا إن حدث له مكروه أو مات ?
سعيد معقباً على كلامه أنظر إلى وجهه إنه على وشك الموت قبل أن يدخل إلى المقبرة .
أعقب قائلاً لست مستريحاً أبداً لما يحدث وعلينا أن نعود الأن قبل أن نتورط بهذا الأمر أكثر من ذلك .
بلقاسم معنفاً .
لا أكره سوى الجبناء ولا تنسوا أن حسان وأمثاله أتفه من أن نعمل لهم حساباً أو نخاف عاقبة الأمر حتى لو ماتوا فهم ليس لهم ظهر ولا أحد يهتم بهم .
وما زال حسان يعيش أسوأ كوابيسه .
وهو يفكر هل سيفعلونها حقاً ? وهل يستطيع فعلها هو أيضاً من أجل ولده ?
بالكثير من الأحيان لا نستطيع معرفة ما نحن قادرون على فعله .
فقط عندما نتعرض لضغوط معينه أو إختبار حقيقي وقتها نجد الإجابة وندرك حقيقة قدراتنا وعندما نفعل ما كنا نظن أنه من المستحيلات .
نتسائل مره أخرى .
هل فعلنا ذلك حقاً ?
نظر حسان بإتجاه بلقاسم وهو يدير المفتاح بقفل تلك ( العين ) داخل المقبرة ليفتحها بحرص .
والعين بداخل تلك المقبرة تختلف عنها ببعض المقابر الأخرى ولا تشبه شواهد القبور ببعض
أو حتى المناطق
فالمقابر ببعض القرى والأرياف عباره عن مبنى مرتفع فوق الأرض له باب خارجي .
ومن الداخل يتم حفر من ثلاث إلى خمس غرف تحت الأرض وعلى حسب مساحة المقبرة .
كل غرفة تحت الأرض لها عين خارجية يتم من خلالها الدخول والخروج .
منها ما يتم إغلاقه بالطوب والطين ومنها ما يتم وضع باب حديدي صغير وعليه قفل كبير والأخيرة هى ما ينطبق على مقبرة عائلة ماهر .
كانت نظرات حسان تلاحق يدي بلقاسم وهو يفتح تلك العين وقد أدرك أنهم لا يمزحون وأنه عليه أن يرضخ لهم إن أراد إنقاذ إبنه .
أفاق من شروده على أصواتهم وهم يرددون هيا يا بطل تستطيع أن تفعلها يا حسان هيا من أجل إبنك .
إنها ليله واحده وسنعود غداً لإخراجك .
وقف حسان وسار بإتجاه المقبره وهو كمن فقد الاحساس والشعور بمن حوله كان يقدم خطوة ويؤخر أخرى فقدماه لا تقويان على حمله كأنما يساق إلى غرفة الإعدام بل الأمر هنا أصعب وأقسى .
إلتفت إلى الخلف الماره الأخيرة وكأنه يتوسلهم ويرجوهم أن يشفقوا بحاله .
وما أن أصبح على حافة القبر حتى نظر إلى الخلف حيث يقفون وقد أدرك أنهم جادون وماضون بذلك لنهاية فقال مستطعطفاً ومذكراً ستخرجوني غداً وسأحصل على المال
وهنا وبدون أي رد أو كلام تقدم فوزي بحركه مفاجئة للجميع ليدفعه ويلقيه بالداخل من ثم يقوم سعيد بإغلاق باب العين ويقوم قاسم بوضع القفل وسط دقات قلوبهم وأنفاسهم اللاهثه .
بينما كانت صرخات حسان المتلاحقة لا تشبه أي صرخات سمعوها من قبل .
كانت صرخات حسان هى أكثر ما سمعوه رعباً بحياتهم .
غادروا مسرعين وكأن الأشباح تطاردهم وقد خيل إليهم أن جثث الموتى غادرت أكفانها وخرجت من المقابر المحيطة بهم لتطاردهم من جميع الإتجاهات .
أطلقوا لسيقانهم العنان وصرخات حسان ما زال الليل والظلام يرددان صداها بغضب .
وما أن غادروا المقبرة بطريق عودتهم حتى شعر كل منهم بخطورة ما تم فعله ولكن وكما يقولون فقد ذهبت السكره وأتت الفكره .
سعيد وهو يلهث لا أصدق أننا فعلنا ذلك حقاً !
فوزي والعرق يكسو جبينه رغم برودة هذه الليلة الشتوية وبنبرة لاهثه ودقات قلبه تكاد تعلو على صوته .
هل سمعتم صرخاته بعد أن قمت بدفعه للداخل .
أردف قائلاً بابتسامة باهته تكسو وجهه الشاحب .
كما لو أننا ألقيناه بين أيدي شباطين الجحيم .
سعيد بتساؤل يشوبه الخوف والقلق .
وماذا بعد ?
فوزي وكأنه يجيب عليه بسؤال .
هل تقصد كيفية إخراجه من المقبرة ?
بلقاسم وهو يجيب عليهم .
غداً وبعد أن ينتهي أهالي القرية من صلاة العشاء بالعادة يصبح الطريق إلى المقابر خالياً من البشر ولا أحد يسلكه إلا مضطراً .
سنراقب الطريق وعندما يحل الظلام ونتأكد أن الطريق خالياً من الماره سنأتي ونفتح القبر ونخرج حسان .
سعيد والخوف بادياً على وجهه وماذا لو ....
فوز وكأنه يكمل جملته .
ماذا لو وجدناه ميتاً ?
بلقاسم بحزم وحسم .
سنخرجه ونلقي به بين القبور لتنهش جسده الذئاب فيبدو الأمر وكأن الذئاب هى من أصابته بالفزع وافترسته .
فوزي برعب وفزع .
ومن سينزل داخل المقبرة لإخراجه منها ?
سعيد بحسم .
من المستحيل أن أفعلها ولو على جثتي .
بلقاسم عندما يأتي الغد سنرى .
دعونا لا نستبق الأحداث فقد سبق السيف العزل ونحن شركاء فيما حدث .
إستطرد يقول حافظوا على رباطة جأشكم ولا تتصرفوا أي تصرف مريب وحذار ثم حذار من النساء فلا يخبر أحدكم زوجته مهما حدث وإلا فكلنا سندفع الثمن .
عاد كل منهم إلى بيته وسط مشاعر متناقضة ومضطربة وهم يدركون أن كل ما سبق شئ والقادم شئ أخر وأن عقارب الساعة لن تعود مره أخرى للخلف وربما لو عادت لكان هناك تصرف أخر بعد ما عايشوه من أحداث ما زالت تجعل أجسادهم تنتفض وأرواحهم مضطربة ولكنها حتماً لم ولن تعود .
صباح اليوم التالي .
كانت الساعة تقترب من العصر عندما سمع بلقاسم طرقات سريعة ومتلاحقة على باب غرفته .
كانت زوجة بلقاسم هى من تطرق الباب بعنف والحزن يكسو ملامحها ونبرة من الحزن تغلف صوتها مما جعله ينتفض وهو يسألها بقلق ماذا هناك ?
الزوجة بآسى هيا يا بلقا سم قم بسرعة لنذهب إلى بيت خالك الحاج ماهر
بلقاسم بتساؤل حذر لماذا ?
الزوجة وهى ترتدي الملابس السوداء بسرعة وهى على عجلة من أمرها البقاء لله .
بلقاسم بخوف وقد إزداد توتزه وهو يقول تحدثي يا امرأة وأخبريني ماذا تقصدين ?
الزوجة لقد مات خالك الحاج ماهر وسبقتنا والدتك الى هناك.
إستطردت تقول .
أنت تعلم كما يعلم الجميع أنه ومنذ وفاة ولده جابر وهو يمر بحالة نفسية سيئه حتى أنهم يقولون أنه لا يفوت يوم دون زيارته بالمقبرة .
ولقد سمعتهم يقولون أنه ذهب عقب فجر اليوم إلى هناك كعادته قبل ذهابه للأرض ولكنه عاد مباشرة للبيت على غير العادة وهو يتتفض ويهذي مردداً إسم المرحوم جابر وكأن الأشباح تطارده حتى ظن البعض أنه قد أصابته لوثه عقليه وظل ينتفض ويرتعد والعرق يغرق جسده فلا تدري إن كان جسده بارد أم مشتعل .
أعقبت قولها وهى تنصمص شفتيها قائله ومنذ عاد من هناك وهو ملازم للفراش فلا يدري أحد ماذا أصابه وهل حزنه على موت إبنه الشاب هو سبب موته أم أنه شاهد شبح كما يقولون !
بلقاسم بخوف وقلق وقد ظل منصتاً لحديثها دون مقاطعة وما أن إنتهت حتى ردد كالمغيب .
مستحيل هذا مستحيل ...
الزوجة وقد أصابتها الدهشة من عبارته وهى تتمتم قائله لا تقول ذلك فالموت حق .
هذا قدرنا جميعاً .
كانت الزوجة تتحدث وهى لا تدرك أن تفكير بلقاسم بمكان أخر .
هل ما حدث لخاله وما روته زوجته له علاقة بما فعلوه أم لا ?
كذلك كان بلقاسم يدرك أن معنى موت خاله أن الدفن سيتم اليوم بعد أن يغسلوه ويصلوا عليه بمسجد القريه وبالتأكيد وعندما يتم الدفن سيكتشفوا وجود حسان بالمقبرة سواء كان حياً أو ميتاً فإن كان على قيد الحياة فهو سوف يشي بهم أمام الجميع وإن كان ميتاً فسوف تثار الكثير من التساؤلات .
شرد أيضاً بكلمات زوجته وهى تخبره بعودة خاله من المقبره وقد أصابه الرعب والهذيان فهل يا تري سمع أو رأى شئ ؟
هل تسبب دون أن يدري ودون قصد بموت خاله ?
لم يخرجه من شروده وتساؤلاته سوى رنين الهاتف وصوت فوزي يأتي من الجهه الثانية وهو يخبره بموت خاله بخوف وفزع .
صرخ بلقاسم به وهو يخبره بأنه سينتظره هو وسعيد بالقرب من دوار خاله لينظرا بهذا الأمر محذراً إياه من التفوه ولو بكلمه واحدة مع أي إنسان حتى يلتقيا .
إلتقى بلقاسم وفوزي وسعيد وسط جموع الناس التي تنتظر خروج الجثمان للصلاة عليه .
تبادلوا النظرات بوجوه شاحبه يكسوها اللون الأصفر لتبدو وكأنها قد غادرتها الدماء .
سعيد بخوف .
لعن الله الشيطان الذي جعلنا نتورط بهذا الأمر .
فوزي لقد ضعنا وستصبح سيرتنا على كل لسان .
بلقاسم إهدأوا قليلاً فلو تم كشف أمرنا لن يقتصر الأمر على الفضيحه ولكننا سنتعرض للمحاكمه والسجن .
سعيد وما العمل?
فوزي بصوت هامس علينا أن نتسلل قبل الجميع إلى المقبرة لنخرج حسان .
بلقاسم بحزم .
للأسف لقد فات أوان ذلك .
فلابد أن هناك من ذهب للمقبرة لتنظيفها وإستقبال الجثمان .
أردف قائلاً وهو يضغط على شفتيه بحنق وغضب .
علينا أن نرافق الجنازة ونتحلى بالهدوء ونكون مستعدين لكل الأمور والإحتمالات .
فوزي وماذا لو فضحنا حسان وأخبر الجميع بما فعلناه ?
بلقاسم بثقه محاولاً التظاهر بالثبات .
كلمته أمام كلمتنا ولا شك أنهم سيظنونه مجنون أو لص مقابر .
سعيد وماذا لو وجدوه ميتاً ووجدوا جثته بالداخل ?
بلقاسم برجاء وهذا ما أتمناه .
فوزي ولكن لو وجدوا جثته فالسؤال كيف دخل والمقبرة والعين معلقتان من الخارج بالأقفال ?
بلقاسم بنظرة خبيثة سنتسائل مثل الجميع وسيظل هذا لغز تتوارثه الأجيال كالأحجيات التي كنا نسمعها ونحن صغار .
خرج جثمان الحاج ماهر وسط حشد كبير من أهالي القرية لتوديعه والصلاة عليه بالمسجد .
وما أن إنتهت صلاة الجنازة حتى توجهت القرية عن بكرة أبيها بإتجاه المقبرة يحملون الجثمان إلى مثواه الأخير .
كانت ليلة شتويه بارده وما بين المغرب والعشاء قد حل الظلام على القرية والكثيريين يحملون المصابيح لتنير لهم الطريق إلى المقابر بهذا الظلام الدامس .
كان أمراً مهيباً للغاية الليل والظلام وصمت المقبرة مع نباح الكلاب وعواء الذئاب .
الجميع تشغلهم الجنازة والحزن على الرجل الطيب والذي فقد إبنه منذ أقل من شهر ليلحق به حزناً عليه .
إلا أن هناك ثلاثة أشخاص كان الأمر معهم يختلف كلياً وكانت مشاعرهم تكاد تعصف بهم .
وكما يقولون يكاد المريب يقول خذوني ..
كان الباب الرئيسي للمقبرة قد تم فتحة لتنظيف فناء المقبرة من الحشائش وبعض الحشرات التي تتخذ لنفسها جحوراً بعيداً عن ضجيج البشر وصخبهم .
كان الحفار يقوم بعمله المعتاد فقد شرع بفتح باب العين
( عين المقبره ) وسط تهليل وصيحات المشيعين وهم يدعون للميت ويعزون أهله .
كان بلقاسم معه فوزي وسعيد عيونهم بل وأرواحهم معلقة بيد الحفار وهو يدير المفتاح بالقفل ويفتح الباب الحديدي والذي أصدر صريراً شق سكون الليل وصمت المقابر الرهيب .
بلقاسم ورفاقه صامتون وكأن الطير فوق رؤوسهم يتبادلون النظرات فيما بينهم وأعينهم تراقب الحفار والذي بدا منهمكاً بعمله والذي يؤديه بشكل مستمر فهو قد ورث هذه المهنة عن أبيه والذي ورثها بدوره عن جده ..
الأهالي بالقرية يشعرون بهيبة الموت وطقوس الدفن يرددون الأدعية وبعض ٱيات القرآن والتي يحفظونها بمثل هذه المواقف .
وبينما الجميع يرتجفون مهابة للموت ولحظة الوداع كان بلقاسم ورفاقه مضطربون ترتجف أجسادهم وكأنما الطير فوق رؤوسهم تتلقهم شياطين الإنس والجن ..
مرت الدقائق ببطء قبل أن يفتح الحفار باب القبر وينزل للأسفل بتؤده وعلى مهل .
كان كل شئ يبدو طبيعياً وكما يحدث بالعادة بمثل حالات الوفيات حتى سمع بلقاسم من يناديه من وسط الجموع بإسمه .
إنتفض وتصبب وجهه عرقاً وهو يتوجه ببصره نحو باب المقبرة .
كان شيخ المسجد هو من وجه له النداء .
أجابه بلقاسم متلعثماً وهو يتقدم نحوه ببطء بقوله ماذا هنالك
ماذا تريد ؟
الشيخ وهو يربت على كتفه برفق قائلاً هيا يا ولدي لتنزل بالقبر .
بلقاسم برعب وفزع وقد زاغ بصره قائلاً أنا أنزل ولماذا ؟
الشيخ لتستقبل الجثمان يا ولدي فهو خالك وسينزل معك إبن خالك الأصغر .
بلقاسم بهلع ولكنني .. أنا…
الشيخ وبعض المتواجدين يدفعونه دفعاً وهم يقولون كلنا لها كلنا لها ..
وما أن نزل الحفار يتبعه نجل المتوفى وبلقاسم حتى حدث مالم يتوقعه أحد .
كان هناك وبمنتصف المقبرة جسد ملفوف بالكفن الأبيض وهناك أثار لجر الجثمان من جانب الجدار وحتى المنتصف مما أثار دهشة الحفار فهناك من وضع الجثمان أسفل حائط القبر عند دفنه ليتسائل دون حديث عمن قد يكون فعل ذلك ?
لم يخرجه من دهشته وتساؤلاته سوي صرخات بلقاسم وهو ينتفض وقد أغرقه العرق وأصبح يرتجف كمن أصابه مس من الجن وهو يصيح ويردد أخرجوني من هنا أخرجوني من هنا من ثم يفقد الوعي وسط دهشة وذهول الجميع .
تم إخراجه بمساعدة المشيعين ليطلبوا من فوزي وسعيد إصطحابه إلي البيت للإطمئنان عليه .
ظن الجميع أن حزنه على خاله هو السبب بينما برر البعض بأنه لم يحتمل الدخول للقبر.
فوزي وسعيد فقط كانا يدركان أن الأمر يتجاوز كل هذا .
كان بيت بلقاسم خالي من قاطنيه فالجميع نساء ورجال ببيت الحاج ماهر .
وما أن أوصلو بلقاسم إلي هناك ووضعوه بالفراش حتى حاولوا إفاقته بشتى الطرق .
وما أن إسترد وعيه حتى أخذ يصرخ برعب وفزع وهو يقول
لقد شعرت به كان يرمقني بغضب لقد رأيته نعم رأيته .
نظر لهم بنظرات زائغة وهو يردد كان هناك هل رأيتموه ؟
فوزي وهو يراقبه بخوف وقلق من تقصد بكان هناك ؟
سعيد بتردد وترقب هل تقصد حسان ؟
بلقاسم نعم نعم هل شاهدتموه ؟
فوزي لا لم نري شئ فقد كانت المقبرة فارغة من الأحياء ولقد نزل الحفار وابن خالك ولم يكن بالمقبرة سوى جثة جابر .
بلقاسم وهو يشيح بوجهه بعيداً غير مصدق لما يقوله فوزي وكأنه يستعيد أسوأ كوابيسه .
أما أنا فقد رأيته وشعرت به حتى أنه كان يحاصرني ويلتف ويدور من حولي .
شعرت بأنفاسه الحارقة تلفحني برقبتي وكانت عيناه كقطعان من الجحيم وهو يرمقني بغضب .
إستطرد يقول بفزع وهو يطالع وجوههم الشاحبة.
لقد أشار لي بإصبعه .
فوزي يتعجب إلي ماذا أشار !
بلقاسم وهو ينتفض .
لقد أشار إلي جدار المقبرة .
سعيد وماذا كان يوجد على الجدار ؟
بلقاسم لقد رأيت عبارات مكتوبه بالدم ووجدت أسماءنا موضوعه بين أقواس من نار .
فوزي وقد إزداد خوفه .
وماذا تقول العبارات .
بلقاسم وهو يحدق بالفراغ وقد تحول صوته لصوت أجش وكأنه مسكون بشبح وقد زاغ بصره وتحجرت عيناه وهو يحدق بهما قائلاً برعب وهلع .
كانت العبارة تقول .
تباً لكم من حمقى
هل ظننتم أنكم ستفلتون بفعلتكم
ذات يوم ستتجرعون من نفس الكأس فمن يزرع الشر لا يحصد سوى اللعنات .
قال هذا لتهدأ أنفاسه ويخمد جسده ويفقد وعيه مرة أخري وسط ذهول ورعب فوزي وسعيد وقد أدركا للتو أنهم عندما فتحوا المقبرة وألقوا حسان بداخلها كانوا يفتحون باباً من أبواب الجحيم وأنهم أغضبوا وأيقظوا روح الشر النائمة منذ قرون .
بعد أربعون يوماً .
تجمع الكثيرين ببيت الحاج ماهر لإحياء ذكري الأربعين ببيته وسط حضور بعض الشيوخ والأقارب وأهل القرية .
كانت إحتفالية بسيطة قرأ فيها الشيوخ بعض آيات الذكر الحكيم وترحم الجميع على المتوفى وهم يعددون مآثره وأفعاله الطيبة من ثم غادر كل منهم إلي بيته حيث كان الوقت يقترب من العاشرة مساء .
صباح اليوم التالي .
على غير العادة مستوصف القرية يمتلئ بالنساء وقد حملت كل منهن طفل أو أكثر وقد أصابهن الحزن والهم وهن ينتظرن دورهن للكشف لدى طبيبة المستوصف .
تكرر نفس الأمر بالعيادة الوحيدة بالقرية حيث تجمع الكثيرون من الأهالي القادرين علي دفع قيمة الكشف لدي الطبيب يحملون أطفالهم وقد أصابهم الخوف والحزن وهم يرون أطفالهم بهذه الحاله الغريبة والتي بدت وكأنها لعنة أصابتهم بأطفالهم أو وباء إنتشر وغزا كل البيوت فلم يستثني منها أحد .
لم يمر اليوم إلا وكان الجميع يتحدثون عن ذلك المرض أو ربما الأصوب ذلك الوباء الذي لم يصب سوى الأطفال دون غيرهم .
تساءل الجميع عن سبب ذلك وهل هو طاعون أم لعنة حلت عليهم وكيفية الخلاص منها .
طلبت طبيبة المستوصف ومعها طبيب القرية عمل إجتماع للأهالي للتوعية والتشاور بالأمر .
ومساء ذلك اليوم إحتشد الجميع بساحة أحد المسجد لتتحدث الطبيبة بجدية وإهتمام وهي تقول بقلق أنها ولأول مرة تواجه مثل هذا الأمر فالأعراض تتشابه بجميع الحالات حيث إحمرار الجلد والقئ المستمر يصاحبه إسهال شديد يسبب الجفاف مع إحمرار دموي بالعينين .
قاطعها الطبيب وهو يقول .
نعم الأمر غريب حقاً وهو يشبه الوباء ولم أشاهده من قبل ولكنني صادفته مرة واحدة منذ أتيت إلى هنا .
توجهت أنظار الجميع إليه ليسترد أنفاسه قبل أن يتحدث قائلاً بجديه .
منذ شهر ونصف أتت لي إحدي نساء القرية تحمل طفلها وهو بين الحياة والموت ولقد كان يعاني من نفس الأعراض .
تساءل الجميع وهم يتبادلون النظرات فيما بينهم .
ترى من تكون المرأه وهل طفلها هو من سبب العدوي لأطفالهم وما مصيره .
قطع الطبيب تساءولاتهم وهو يقول لقد كانت المرأة هى زوجة حسان والطفل هو ولده .
كانت كل الوجوه والأعين مصوبه نحو الطبيب وهو يتحدث عما مر به من أحداث .
وما أن نطق الطبيب بإسم حسان وزوجته وولده حتى سرت همهمات خافته .
كان وكأن الجميع قد نسوا أمر حسان وغيابه المفاجئ .
ولقد صدق بلقاسم عندما قال لفوزي وسعيد أن حسان وأمثاله يظلون دوماً على هامش الحياه لا يلقي لهم أحد بالاً فهم بلا ظهير يحميهم أو يدافع عنهم .
كان أهالي القرية بحيرة من أمرهم فما علاقة حسان وزوجته وولده بذلك الوباء الذي أصابهم بفلذات أكبادهم .
إستطرد الطبيب يقول بجديه وإهتمام وهو يطالع وجوههم المكفهرة .
عندما مرض إبن حسان كانت لديه نفس الأعراض والتي ظهرت على أطفالكم .
ولكن العلاج لم يجدي معه ولم تتحسن حالته والسبب أن الفيروس قد تسلل واستوطن بجسده حتى أصبح بالدم وكان يجب أن يقوم بتغيير صفائح الدم من خلال عملية معقده .
وهذا يتجاوز قدرات حسان وهو الإنسان البسيط .
وقد علمت أنه باع كل ما يملك حتي تلك البقرة والتي تعد مصدر رزقه الوحيد قد باعها .
أردف يقول وبعد أن أنفق ونفد كل ما لديه من مال حاول الإستدانة منكم ولكن لم يساعده أحد وسخر منه الجميع .
وقف أحد الأهالي وهو يسأل وما علاقة ما حدث لإبن حسان بما يحدث الأن ?
وماذا حدث للولد ؟
وأين ذهب حسان ؟
سرت همهمه بين الجميع وأحدهم يقول حتي زوجته يبدو أنها قد غادرت القرية بولدها فهى غير موجودة وليس لها أي أثر .
الطبيب وهو يطلب منهم الصمت والهدوء قائلاً .
أخر مره رأيت حسان أخبرني أنه سيحضر المال اللازم مهما كان الثمن ومن وقتها لم يعد ولم أراه وقد ظننت أنه ربما غادر للعاصمة أو أن أحد الأثرياء تكفل بعلاج الطفل ولم أتذكره إلا عندما رأيت الوباء يتفشي بين الأطفال بنفس الأعراض .
تعالت الأصوات والجميع يتساءلون وما العمل وكيف سنواجه هذا الوباء .
لم يقطع حديثهم سوي ذلك الدرويش وهو يقول بصوت جهوري غطي علي همهماتهم .
سلف ودين .
كل اللي سكت وقت الكلام
كمل طريقه وقال وأنا مالي
عدي وقت العتاب والملام
الكل هيحاسب والثمن غالي
سلف ودين .. سلف ودين
كذلك لا يحبون المكوث بالمنزل .
في إحدى القرى النائية وبأحد أطرافها البعيدة كان يوجد مقهى صغير أو بمعنى أدق غرزة يتجمع فيها أولئك الفاريين من الملل الباحثين عن قتل الروتين .
كان بلقاسم واصدقائه المجموعة المكونه منه ومن شخصين أخريين
هم فوزي و. سعيد وكانومن شباب تلك القرية المنسية كغيرها من ألاف القرى القابعة بقاع الإهمال والتي لم ولن تجدها بيوم من الأيام على الخريطة .
ينتمي كل منهم لعائلة قويه أو أب ثري
فهم ليسو كغيرهم من أهالي القرية المطحونين بالفقر والعوز .
كانوا بالعادة يتجمعون كل يوم بالمساء ينفثون ضيقهم ومللهم مع دخان الشيشة وعشرات أكواب الشاي والقهوة ولا بأس من بعض الحبوب او سجائر الحشيش الملفوف إن تيسر لهم ذلك .
صاحب المقهى عم عبد القادر يلبي الطلبات بلا كلل أو ملل ولا يهمه سوى جمع بعض المال حتى ولو كانت دنانير معدودة التي تعينه على تصريف أموره
تساعده من وقت لأخر إبنته فاطمه أو فاتي كما يحلو للبعض منادتها .
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل إلا قليلاً عندما أصبحت تلك المقهى خالية من الجميع إلا بلقادسم وفوزي وسعيد .
هنا توجه عم عبد القادر لهم بالحديث قائلاً هل ستغادرون الأن أم أنصرف وتغلقون الباب من بعد مغادرتكم كالعادة .
بلقاسم بسخرية إذهب أنت حتى لا تغضب عليك أم فاتي وسوف نغلق المقهى عقب مغادرتنا .
أومأ عم عبد القادر برأسه إيجاباً وهو يرتدي ذلك المعطف الثقيل ليقيه برد الشتاء والصقيع .
فوزي متهكماً وبسخريه موجهاً كلامه
لعم عبد القادر .
لا تمشي بطريق المقبرة حتى لا تخطفك الأشباح .او الجن
عم عبد القادر بخوف وبلهجه معاتبه وهو يغادر وقبل أن يغلق الباب من خلفه رد عليه
ولماذا هذا الفال السيئ ولماذا هذه السيرة
لواحد ليس ناقص اشباح
فوزي وهو يوجه كلامه لبلقاسم وسعيد وهو يرتعد من البرد أليس من الأفضل أن نغادر أشعر بالبرد الشديد ويبدو أنها سترعد وتبرق وقد تمطر .
بلقاسم لا رغبة لدي بالعودة للبيت إلا فجراً حتى تكون خميرة ووجه النحس قد نامت ولا تنغص علي قبل النوم .
سعيد أما أنا فلو عدت الأن سأجد والدي مستيقظاً ولن أستطيع الهروب من أسئلته وسوف يتهمني كالعادة بأنني مستهتر وفاشل وبلا فائدة .
عقب بلقاسم على عبارته ممازحاً بلهجته القروية وبتشبه صوت النساء.
إبتسم سعيد قائلاً من الأفضل العودة بعد أن ينام الجميع .
بلقاسم بتساؤل ألم يرى أحدكم حسان?
فوزي أخر مره رأيته كان هنا معكم عندما أراد أن يقترض منا المال لعلاج ولده الصغير .
سعيد متهكماً وهل يفعل شئ سوى إقتراض المال منا .
بلقاسم ولكن لا تنسى أنه يسلينا وبوجوده يضيع الوقت ويفر فهو كالأراجوز بالنسبة لنا وكالخادم .
فوزي ضاحكاً .
لا أنسى عندما جاء يقترض المال بأخر مره لعلاج ولده عندما طلبت منه يا بلقاسم أن يبيت بالقرب من المقبرة وستعطيه ما يريد .
بلقاسم بسخرية كنت أعلم أنه جبان ولن يفعلها لذلك أردت الهروب من إقراضه المال .
سعيد بسخرية هو يعلم أننا الوحيدين من نملك المال لثراء أهلنا لذلك يتودد لنا ويتملقنا .
فوزي بجدية
ولكنني علمت أن ولده بالفعل مريض وتم حجزه من قبل الدكتور بالمعزل لخطورة حالته وقد باع أخر بقره لديه ليعالجه .
وما كاد فوزي ينهي عبارته حتى وجدوا حسان أمامهم بعد أن دفع الباب بقوة وهو يلهث والعرق يتصبب على جبينه رغم برد الشتاء القارص .
كان يرتعد وهو يتوسل لهم بإنكسار وذل لإقراضه المال لحاجة ولده لعمليه خطيرة خلال أيام كما أخبره الدكتور .
بلقاسم بسخرية وهل أخبرك أحدهم أننا جمعية خيرية أو مؤسسة زكاه .
حسان وهو يتوسلهم .
أرجوكم لقد بحثت عنكم بكل مكان حتى وجدتكم .
أنا مستعد لفعل كل شئ يحتاج ولدي لتغيير صفائح الدم لإصابته بفيروس نادر بالدم .
سأخدمكم طوال عمري وما حييت فقط ساعدوني لأنقذ ولدي .
سعيد وهو ينظر لفوزي وبلقاسم .
هل تبيت بالمقابر ?
قال تلك العبارة وهو يتفحص حسان والذي أجاب مباشرة ودون تردد .
نعم سأبيت وسأفعل كل شئ مهما كان .
بلقاسم بنظرة تحمل الكثير من الخبث والتحدي .
كان هذا فيما مضى ولم يعد مطروحاً الأن .
إلتفت الجميع إليه بحيرة وهو يكمل حديثه قائلا .
لا شك أنك ستحتاج لمبلغ كبير من المال لإجراء العمليه .
حسان وهو يطاطئ رأسه أرضاً بذل إنكسار .
نعم أحتاج لثلاثين مليون ولا أملك منهم سوى
عشرة ملايين وهو ما تبقى من بيع البقره .
بلقاسم وهو ينظر لعينيه مباشرة حسناً ونحن سنعطيك ما تبقى من المال لتنقذ ولدك .
حسان وهو ينزل على قدميه ليقبلهم وهو يشكره قبل أن يعود بلقاسم للخلف وهو يقول ولكن بشرط واحد وبدونه لن تحصل على أي دينار .
خيم الصمت على الجميع قبل أن ينطق حسان قائلاً موافق قبل أن أعرفه .
بلقاسم بنظرة خبيثة .
طلبنا منك من قبل أن تبيت بالمقبرة ورفضت .
أما الأن وحتى تحصل على ما تريد فيجب عليك أن تبيت ليلة كاملة داخل المقبرة .
نزلت كلماته عليهم كالصاعقة مما دفع سعيد للقول .
هل تقصد أن ينزل إلى المقبره ويبيت بالداخل .القبر مع الجثة
فوزي هل يبيت مع جثث الموتى?
بلقاسم بتحد وهو ينظر لحسان.
نعم إن تخلى عن خوفه وجبنه وأصبح رجلاً سنصحبه الأن إلى هناك ليبيت ليلته داخل المقبرة
وسنغلق عليه من الخارج ونعود إليه باليوم التالي عندما يصبح الطريق خالياً من الماره .
هذا إن كان جاداً فيما يقول ويريد إنقاذ ولده .
توجهت الأنظار جميعها إلى حسان والذي إمتقع وجهه وتحول إلى اللون الأصفر شحوباً حتى قارب وجوه الموتى قبل أن يقول بخوف وهلع ....
المقبرة الموجودة في تلك القرية مختلقة حيث تجد قبور محفورة تنتضر صاحبها
تجد مثلا هذه الجهة مخصصة لعائلة معينة ويتم حفر قبور إضافية ووضع غطاء فقط
وهذا عندما يموت احد من تلك العائلة يكون قبره محفورا فيتم فتح القبر فقط
وبنبرة تحمل الكثير من الرعب والفزع قال حسان بنظرة ذل وإنكسار .
موافق نعم سأبيت بالمقبرة ولو طلبت مني أن أبيت بالجحيم فسأفعل .
بلقاسم وقد شعر بالإثارة ولذة الإنتصار .
يبدو أننا سنودع الملل يا رفاق .
قال هذه العبارة وهو يطالع وجوه فوزي وسعيد واللذان بدا عليهما أنهما لم يستوعبا بعد ما يرمي إليه بلقاسم .
فوزي وهو ينظر إلى بلقاسم بحيرة .
هل أنت جاد بذلك حقاً ?
سعيد بقلق ممزوج بالدهشة وهو يطالع بلقاسم .
وبما نستفيد نحن من مبيته بالمقبرة ?
بلقاسم بزهو وثقة .
سي.كون لدينا ما نتسلى به طوال العمر .
هل تدرك أننا بصدد تجربة فريدة وجديدة ولم يقم بها أي أحد من قبل ..
إستطرد يقول بحماس سنرى كيف سيقضي حسان ليلته وماذا سيرى ويواجه وبماذا سيخبرنا بعد خروجه .
جلس حسان على الأرض بوضعية القرفصاء واضعاً رأسه بين يديه وهو ينعي حظه العاثر والذي وضعه بهذا الموقف الصعب وأوقعه بين أيدي هؤلاء السفلة .
أخذ بلقاسم وفوزي وسعيد يتغامزان وهم يشيرون لحسان وقد راقهم ضعفه وقلة حيلته مما جعلهم يشعرون بالسيطرة والقوة .
فوزي هل تراهنون أنه سيتراجع بمنتصف الطريق ولن يصل معنا حتى إلي خارج المقبرة وسيفر مذعوراً .
سعيد بتحدي وثقة .
أراهن أنه سيصاب بالذعر عند فتح القبر وقد يجمع علينا أهل القريه بصراخه .
بلقاسم وهو يلكز حسان بقدمه محذراً .
إن فعل ذلك فسنقول أننا وجدناه ينبش القبور .
هنا دبت الحماسة بفوزي وسعيد وهم يقولون وداعاً للملل ستكون هذه الليلة مميزة للغاية .
إمتدت الأيادي لتنتزع حسان من مجلسه والذي بدا وكأنه تسمر بالأرض .
جراه جراً حتى وقف بينهم وهو لا يكاد يصدق أي مصير مجهول سيسوقونه إليه .
خرجوا جميعاً من الغرزة بعد أن إرتدوا تلك العباءات السوداء الثقيله وألقوها حول أعناقهم لتقيهم برودة الجو .
شتان الفرق بين حسان وبينهم .
فبينما هم يبحثون عن قتل الملل والتسلية ولو على حساب مصائر البشر .
نفوسهم المريضه ترتقي على أنقاض كرامة الأخريين .
كان حسان يشعر بالقهر والدونية فهو بين خيارين أحلاهما مر .
هو يعلم أنه لا يوجد من يقرضه المال بالقرية سواهم .
تذكر توسلات زوجته وهى تبكي وتنتحب وهى تحمل بين يديها ذلك الطفل الضعيف بأنفاسه المتقطعة ودقات قلبه الواهنه .
كلمات الطبيب ما زالت تتردد بأذنيه وهو يقول إن لم يجري العملية خلال أيام فالأمل بشفاءه شبه معدوم .
عاد من شروده وأفكاره على همهماتهم وهم ينفثون دخان سجائرهم المحشوه بالحشيشة حتى الأن ما زال لا يصدق أنهم سيدخلونه أحد القبور ويغلقون عليه وهو على قيد الحياه ويغادرون .
هل سيفعلون ذلك حقاً بل هل يستطيع هو ذلك .
هل سيحتمل قلبه تلك التجربه المرعبة وهو من يخشى المرور بجوار المقابر منفرداً بوضح النهار
حاول أن يبث الطمأنينة إلى نفسه موهماً إياها بأنهم فقط سيختبرون شجاعته ولن يفعلوا به أكثر من ذلك .
ما زالوا يسيرون بهذه الليلة الشتويه البارده .
سكون الليل وحفيف الأشجار مع بعض الأصوات القادمة من خلف الجبل للذئاب بعواءها المميز وصوت نباح الكلاب مع ذلك الظلام الذي يحل عليهم كلما إقتربوا من المقبرة كلها أشياء تجعل القلوب ترتجف بل وتتوقف رعباً وفزعاٍ .
لاحت لهم المقبرة من بعيد فتبادلا النظرات فيما بينهم .
حتى هذه اللحظات كان كل منهم لا يدري ما هو مقدم عليه أو ليس واثقاً أن كان هذا سيحدث بالفعل أم لا .
بلقاسم وهو ينظر لحسان بتمعن قائلاً .
هل أنت جاهز يا بطل .
حسان بنظرات زائغة وبصوت مرتجف وهو يتهته أين سأبيت وبأي مقبرة ?
بلقاسم بصوت منخفض وكأنه يخشى أن يسمعه أحد .
سأفتح لك قبر عائلة خالي الحاج ماهر .
هنا فتح سعيد فاه وهو يقول بفزع هل جننت .
أليست هذه المقبره بها جثة حديثة لم يمر عليها أسابيع .
فوزي بتساؤل .
أليست هى المقبرة التي تم فيها دفن جابر بعد موته إثر سقوطه من أعلى منزلهم وهو يحاول ضبط وتوجيه طبق الدش .
بلقاسم بتحد وخبث .
نعم هى فأنا أحمل المفاتيح معي منذ قدمنا لتنظيفها قبل حضور الجثمان ولا أحمل أي مفاتيح لمقابر سواها .
كان حسان يستمع لكل ذلك وهو يكاد يتجمد خوفاً فلا يدري إن كانت القشعريرة من برد الشتاء أم خوفاً ورعباً مما ينتظره فالأمر لن يقتصر على مبيته داخل مقبرة فارغه ولكنه سيبيت بمقبرة بها جثة حديثة الدفن .
توجه بلقاسم إلى باب المقبرة الخارجي ليفتحه ومن ثم يدلف إلى داخلها .
ثواني وكان فوزي وسعيد يجرون حسان من خلفهم ليصبحوا جميعهم بالداخل ويقوم بلقاسم بإغلاق الباب الرئيسي ليصدر صريراً مدوياً جعل الرعب يتسلل لقلوب الجميع .
فوزي وسعيد وهم يختليان ببلقاسم .
هل أنت جاد بذلك يا رجل?
بلقاسم وهل أتينا إلى هنا لنعود من حيث أتينا !
فوزي بتساؤل .
وماذا إن حدث له مكروه أو مات ?
سعيد معقباً على كلامه أنظر إلى وجهه إنه على وشك الموت قبل أن يدخل إلى المقبرة .
أعقب قائلاً لست مستريحاً أبداً لما يحدث وعلينا أن نعود الأن قبل أن نتورط بهذا الأمر أكثر من ذلك .
بلقاسم معنفاً .
لا أكره سوى الجبناء ولا تنسوا أن حسان وأمثاله أتفه من أن نعمل لهم حساباً أو نخاف عاقبة الأمر حتى لو ماتوا فهم ليس لهم ظهر ولا أحد يهتم بهم .
وما زال حسان يعيش أسوأ كوابيسه .
وهو يفكر هل سيفعلونها حقاً ? وهل يستطيع فعلها هو أيضاً من أجل ولده ?
بالكثير من الأحيان لا نستطيع معرفة ما نحن قادرون على فعله .
فقط عندما نتعرض لضغوط معينه أو إختبار حقيقي وقتها نجد الإجابة وندرك حقيقة قدراتنا وعندما نفعل ما كنا نظن أنه من المستحيلات .
نتسائل مره أخرى .
هل فعلنا ذلك حقاً ?
نظر حسان بإتجاه بلقاسم وهو يدير المفتاح بقفل تلك ( العين ) داخل المقبرة ليفتحها بحرص .
والعين بداخل تلك المقبرة تختلف عنها ببعض المقابر الأخرى ولا تشبه شواهد القبور ببعض
أو حتى المناطق
فالمقابر ببعض القرى والأرياف عباره عن مبنى مرتفع فوق الأرض له باب خارجي .
ومن الداخل يتم حفر من ثلاث إلى خمس غرف تحت الأرض وعلى حسب مساحة المقبرة .
كل غرفة تحت الأرض لها عين خارجية يتم من خلالها الدخول والخروج .
منها ما يتم إغلاقه بالطوب والطين ومنها ما يتم وضع باب حديدي صغير وعليه قفل كبير والأخيرة هى ما ينطبق على مقبرة عائلة ماهر .
كانت نظرات حسان تلاحق يدي بلقاسم وهو يفتح تلك العين وقد أدرك أنهم لا يمزحون وأنه عليه أن يرضخ لهم إن أراد إنقاذ إبنه .
أفاق من شروده على أصواتهم وهم يرددون هيا يا بطل تستطيع أن تفعلها يا حسان هيا من أجل إبنك .
إنها ليله واحده وسنعود غداً لإخراجك .
وقف حسان وسار بإتجاه المقبره وهو كمن فقد الاحساس والشعور بمن حوله كان يقدم خطوة ويؤخر أخرى فقدماه لا تقويان على حمله كأنما يساق إلى غرفة الإعدام بل الأمر هنا أصعب وأقسى .
إلتفت إلى الخلف الماره الأخيرة وكأنه يتوسلهم ويرجوهم أن يشفقوا بحاله .
وما أن أصبح على حافة القبر حتى نظر إلى الخلف حيث يقفون وقد أدرك أنهم جادون وماضون بذلك لنهاية فقال مستطعطفاً ومذكراً ستخرجوني غداً وسأحصل على المال
وهنا وبدون أي رد أو كلام تقدم فوزي بحركه مفاجئة للجميع ليدفعه ويلقيه بالداخل من ثم يقوم سعيد بإغلاق باب العين ويقوم قاسم بوضع القفل وسط دقات قلوبهم وأنفاسهم اللاهثه .
بينما كانت صرخات حسان المتلاحقة لا تشبه أي صرخات سمعوها من قبل .
كانت صرخات حسان هى أكثر ما سمعوه رعباً بحياتهم .
غادروا مسرعين وكأن الأشباح تطاردهم وقد خيل إليهم أن جثث الموتى غادرت أكفانها وخرجت من المقابر المحيطة بهم لتطاردهم من جميع الإتجاهات .
أطلقوا لسيقانهم العنان وصرخات حسان ما زال الليل والظلام يرددان صداها بغضب .
وما أن غادروا المقبرة بطريق عودتهم حتى شعر كل منهم بخطورة ما تم فعله ولكن وكما يقولون فقد ذهبت السكره وأتت الفكره .
سعيد وهو يلهث لا أصدق أننا فعلنا ذلك حقاً !
فوزي والعرق يكسو جبينه رغم برودة هذه الليلة الشتوية وبنبرة لاهثه ودقات قلبه تكاد تعلو على صوته .
هل سمعتم صرخاته بعد أن قمت بدفعه للداخل .
أردف قائلاً بابتسامة باهته تكسو وجهه الشاحب .
كما لو أننا ألقيناه بين أيدي شباطين الجحيم .
سعيد بتساؤل يشوبه الخوف والقلق .
وماذا بعد ?
فوزي وكأنه يجيب عليه بسؤال .
هل تقصد كيفية إخراجه من المقبرة ?
بلقاسم وهو يجيب عليهم .
غداً وبعد أن ينتهي أهالي القرية من صلاة العشاء بالعادة يصبح الطريق إلى المقابر خالياً من البشر ولا أحد يسلكه إلا مضطراً .
سنراقب الطريق وعندما يحل الظلام ونتأكد أن الطريق خالياً من الماره سنأتي ونفتح القبر ونخرج حسان .
سعيد والخوف بادياً على وجهه وماذا لو ....
فوز وكأنه يكمل جملته .
ماذا لو وجدناه ميتاً ?
بلقاسم بحزم وحسم .
سنخرجه ونلقي به بين القبور لتنهش جسده الذئاب فيبدو الأمر وكأن الذئاب هى من أصابته بالفزع وافترسته .
فوزي برعب وفزع .
ومن سينزل داخل المقبرة لإخراجه منها ?
سعيد بحسم .
من المستحيل أن أفعلها ولو على جثتي .
بلقاسم عندما يأتي الغد سنرى .
دعونا لا نستبق الأحداث فقد سبق السيف العزل ونحن شركاء فيما حدث .
إستطرد يقول حافظوا على رباطة جأشكم ولا تتصرفوا أي تصرف مريب وحذار ثم حذار من النساء فلا يخبر أحدكم زوجته مهما حدث وإلا فكلنا سندفع الثمن .
عاد كل منهم إلى بيته وسط مشاعر متناقضة ومضطربة وهم يدركون أن كل ما سبق شئ والقادم شئ أخر وأن عقارب الساعة لن تعود مره أخرى للخلف وربما لو عادت لكان هناك تصرف أخر بعد ما عايشوه من أحداث ما زالت تجعل أجسادهم تنتفض وأرواحهم مضطربة ولكنها حتماً لم ولن تعود .
صباح اليوم التالي .
كانت الساعة تقترب من العصر عندما سمع بلقاسم طرقات سريعة ومتلاحقة على باب غرفته .
كانت زوجة بلقاسم هى من تطرق الباب بعنف والحزن يكسو ملامحها ونبرة من الحزن تغلف صوتها مما جعله ينتفض وهو يسألها بقلق ماذا هناك ?
الزوجة بآسى هيا يا بلقا سم قم بسرعة لنذهب إلى بيت خالك الحاج ماهر
بلقاسم بتساؤل حذر لماذا ?
الزوجة وهى ترتدي الملابس السوداء بسرعة وهى على عجلة من أمرها البقاء لله .
بلقاسم بخوف وقد إزداد توتزه وهو يقول تحدثي يا امرأة وأخبريني ماذا تقصدين ?
الزوجة لقد مات خالك الحاج ماهر وسبقتنا والدتك الى هناك.
إستطردت تقول .
أنت تعلم كما يعلم الجميع أنه ومنذ وفاة ولده جابر وهو يمر بحالة نفسية سيئه حتى أنهم يقولون أنه لا يفوت يوم دون زيارته بالمقبرة .
ولقد سمعتهم يقولون أنه ذهب عقب فجر اليوم إلى هناك كعادته قبل ذهابه للأرض ولكنه عاد مباشرة للبيت على غير العادة وهو يتتفض ويهذي مردداً إسم المرحوم جابر وكأن الأشباح تطارده حتى ظن البعض أنه قد أصابته لوثه عقليه وظل ينتفض ويرتعد والعرق يغرق جسده فلا تدري إن كان جسده بارد أم مشتعل .
أعقبت قولها وهى تنصمص شفتيها قائله ومنذ عاد من هناك وهو ملازم للفراش فلا يدري أحد ماذا أصابه وهل حزنه على موت إبنه الشاب هو سبب موته أم أنه شاهد شبح كما يقولون !
بلقاسم بخوف وقلق وقد ظل منصتاً لحديثها دون مقاطعة وما أن إنتهت حتى ردد كالمغيب .
مستحيل هذا مستحيل ...
الزوجة وقد أصابتها الدهشة من عبارته وهى تتمتم قائله لا تقول ذلك فالموت حق .
هذا قدرنا جميعاً .
كانت الزوجة تتحدث وهى لا تدرك أن تفكير بلقاسم بمكان أخر .
هل ما حدث لخاله وما روته زوجته له علاقة بما فعلوه أم لا ?
كذلك كان بلقاسم يدرك أن معنى موت خاله أن الدفن سيتم اليوم بعد أن يغسلوه ويصلوا عليه بمسجد القريه وبالتأكيد وعندما يتم الدفن سيكتشفوا وجود حسان بالمقبرة سواء كان حياً أو ميتاً فإن كان على قيد الحياة فهو سوف يشي بهم أمام الجميع وإن كان ميتاً فسوف تثار الكثير من التساؤلات .
شرد أيضاً بكلمات زوجته وهى تخبره بعودة خاله من المقبره وقد أصابه الرعب والهذيان فهل يا تري سمع أو رأى شئ ؟
هل تسبب دون أن يدري ودون قصد بموت خاله ?
لم يخرجه من شروده وتساؤلاته سوى رنين الهاتف وصوت فوزي يأتي من الجهه الثانية وهو يخبره بموت خاله بخوف وفزع .
صرخ بلقاسم به وهو يخبره بأنه سينتظره هو وسعيد بالقرب من دوار خاله لينظرا بهذا الأمر محذراً إياه من التفوه ولو بكلمه واحدة مع أي إنسان حتى يلتقيا .
إلتقى بلقاسم وفوزي وسعيد وسط جموع الناس التي تنتظر خروج الجثمان للصلاة عليه .
تبادلوا النظرات بوجوه شاحبه يكسوها اللون الأصفر لتبدو وكأنها قد غادرتها الدماء .
سعيد بخوف .
لعن الله الشيطان الذي جعلنا نتورط بهذا الأمر .
فوزي لقد ضعنا وستصبح سيرتنا على كل لسان .
بلقاسم إهدأوا قليلاً فلو تم كشف أمرنا لن يقتصر الأمر على الفضيحه ولكننا سنتعرض للمحاكمه والسجن .
سعيد وما العمل?
فوزي بصوت هامس علينا أن نتسلل قبل الجميع إلى المقبرة لنخرج حسان .
بلقاسم بحزم .
للأسف لقد فات أوان ذلك .
فلابد أن هناك من ذهب للمقبرة لتنظيفها وإستقبال الجثمان .
أردف قائلاً وهو يضغط على شفتيه بحنق وغضب .
علينا أن نرافق الجنازة ونتحلى بالهدوء ونكون مستعدين لكل الأمور والإحتمالات .
فوزي وماذا لو فضحنا حسان وأخبر الجميع بما فعلناه ?
بلقاسم بثقه محاولاً التظاهر بالثبات .
كلمته أمام كلمتنا ولا شك أنهم سيظنونه مجنون أو لص مقابر .
سعيد وماذا لو وجدوه ميتاً ووجدوا جثته بالداخل ?
بلقاسم برجاء وهذا ما أتمناه .
فوزي ولكن لو وجدوا جثته فالسؤال كيف دخل والمقبرة والعين معلقتان من الخارج بالأقفال ?
بلقاسم بنظرة خبيثة سنتسائل مثل الجميع وسيظل هذا لغز تتوارثه الأجيال كالأحجيات التي كنا نسمعها ونحن صغار .
خرج جثمان الحاج ماهر وسط حشد كبير من أهالي القرية لتوديعه والصلاة عليه بالمسجد .
وما أن إنتهت صلاة الجنازة حتى توجهت القرية عن بكرة أبيها بإتجاه المقبرة يحملون الجثمان إلى مثواه الأخير .
كانت ليلة شتويه بارده وما بين المغرب والعشاء قد حل الظلام على القرية والكثيريين يحملون المصابيح لتنير لهم الطريق إلى المقابر بهذا الظلام الدامس .
كان أمراً مهيباً للغاية الليل والظلام وصمت المقبرة مع نباح الكلاب وعواء الذئاب .
الجميع تشغلهم الجنازة والحزن على الرجل الطيب والذي فقد إبنه منذ أقل من شهر ليلحق به حزناً عليه .
إلا أن هناك ثلاثة أشخاص كان الأمر معهم يختلف كلياً وكانت مشاعرهم تكاد تعصف بهم .
وكما يقولون يكاد المريب يقول خذوني ..
كان الباب الرئيسي للمقبرة قد تم فتحة لتنظيف فناء المقبرة من الحشائش وبعض الحشرات التي تتخذ لنفسها جحوراً بعيداً عن ضجيج البشر وصخبهم .
كان الحفار يقوم بعمله المعتاد فقد شرع بفتح باب العين
( عين المقبره ) وسط تهليل وصيحات المشيعين وهم يدعون للميت ويعزون أهله .
كان بلقاسم معه فوزي وسعيد عيونهم بل وأرواحهم معلقة بيد الحفار وهو يدير المفتاح بالقفل ويفتح الباب الحديدي والذي أصدر صريراً شق سكون الليل وصمت المقابر الرهيب .
بلقاسم ورفاقه صامتون وكأن الطير فوق رؤوسهم يتبادلون النظرات فيما بينهم وأعينهم تراقب الحفار والذي بدا منهمكاً بعمله والذي يؤديه بشكل مستمر فهو قد ورث هذه المهنة عن أبيه والذي ورثها بدوره عن جده ..
الأهالي بالقرية يشعرون بهيبة الموت وطقوس الدفن يرددون الأدعية وبعض ٱيات القرآن والتي يحفظونها بمثل هذه المواقف .
وبينما الجميع يرتجفون مهابة للموت ولحظة الوداع كان بلقاسم ورفاقه مضطربون ترتجف أجسادهم وكأنما الطير فوق رؤوسهم تتلقهم شياطين الإنس والجن ..
مرت الدقائق ببطء قبل أن يفتح الحفار باب القبر وينزل للأسفل بتؤده وعلى مهل .
كان كل شئ يبدو طبيعياً وكما يحدث بالعادة بمثل حالات الوفيات حتى سمع بلقاسم من يناديه من وسط الجموع بإسمه .
إنتفض وتصبب وجهه عرقاً وهو يتوجه ببصره نحو باب المقبرة .
كان شيخ المسجد هو من وجه له النداء .
أجابه بلقاسم متلعثماً وهو يتقدم نحوه ببطء بقوله ماذا هنالك
ماذا تريد ؟
الشيخ وهو يربت على كتفه برفق قائلاً هيا يا ولدي لتنزل بالقبر .
بلقاسم برعب وفزع وقد زاغ بصره قائلاً أنا أنزل ولماذا ؟
الشيخ لتستقبل الجثمان يا ولدي فهو خالك وسينزل معك إبن خالك الأصغر .
بلقاسم بهلع ولكنني .. أنا…
الشيخ وبعض المتواجدين يدفعونه دفعاً وهم يقولون كلنا لها كلنا لها ..
وما أن نزل الحفار يتبعه نجل المتوفى وبلقاسم حتى حدث مالم يتوقعه أحد .
كان هناك وبمنتصف المقبرة جسد ملفوف بالكفن الأبيض وهناك أثار لجر الجثمان من جانب الجدار وحتى المنتصف مما أثار دهشة الحفار فهناك من وضع الجثمان أسفل حائط القبر عند دفنه ليتسائل دون حديث عمن قد يكون فعل ذلك ?
لم يخرجه من دهشته وتساؤلاته سوي صرخات بلقاسم وهو ينتفض وقد أغرقه العرق وأصبح يرتجف كمن أصابه مس من الجن وهو يصيح ويردد أخرجوني من هنا أخرجوني من هنا من ثم يفقد الوعي وسط دهشة وذهول الجميع .
تم إخراجه بمساعدة المشيعين ليطلبوا من فوزي وسعيد إصطحابه إلي البيت للإطمئنان عليه .
ظن الجميع أن حزنه على خاله هو السبب بينما برر البعض بأنه لم يحتمل الدخول للقبر.
فوزي وسعيد فقط كانا يدركان أن الأمر يتجاوز كل هذا .
كان بيت بلقاسم خالي من قاطنيه فالجميع نساء ورجال ببيت الحاج ماهر .
وما أن أوصلو بلقاسم إلي هناك ووضعوه بالفراش حتى حاولوا إفاقته بشتى الطرق .
وما أن إسترد وعيه حتى أخذ يصرخ برعب وفزع وهو يقول
لقد شعرت به كان يرمقني بغضب لقد رأيته نعم رأيته .
نظر لهم بنظرات زائغة وهو يردد كان هناك هل رأيتموه ؟
فوزي وهو يراقبه بخوف وقلق من تقصد بكان هناك ؟
سعيد بتردد وترقب هل تقصد حسان ؟
بلقاسم نعم نعم هل شاهدتموه ؟
فوزي لا لم نري شئ فقد كانت المقبرة فارغة من الأحياء ولقد نزل الحفار وابن خالك ولم يكن بالمقبرة سوى جثة جابر .
بلقاسم وهو يشيح بوجهه بعيداً غير مصدق لما يقوله فوزي وكأنه يستعيد أسوأ كوابيسه .
أما أنا فقد رأيته وشعرت به حتى أنه كان يحاصرني ويلتف ويدور من حولي .
شعرت بأنفاسه الحارقة تلفحني برقبتي وكانت عيناه كقطعان من الجحيم وهو يرمقني بغضب .
إستطرد يقول بفزع وهو يطالع وجوههم الشاحبة.
لقد أشار لي بإصبعه .
فوزي يتعجب إلي ماذا أشار !
بلقاسم وهو ينتفض .
لقد أشار إلي جدار المقبرة .
سعيد وماذا كان يوجد على الجدار ؟
بلقاسم لقد رأيت عبارات مكتوبه بالدم ووجدت أسماءنا موضوعه بين أقواس من نار .
فوزي وقد إزداد خوفه .
وماذا تقول العبارات .
بلقاسم وهو يحدق بالفراغ وقد تحول صوته لصوت أجش وكأنه مسكون بشبح وقد زاغ بصره وتحجرت عيناه وهو يحدق بهما قائلاً برعب وهلع .
كانت العبارة تقول .
تباً لكم من حمقى
هل ظننتم أنكم ستفلتون بفعلتكم
ذات يوم ستتجرعون من نفس الكأس فمن يزرع الشر لا يحصد سوى اللعنات .
قال هذا لتهدأ أنفاسه ويخمد جسده ويفقد وعيه مرة أخري وسط ذهول ورعب فوزي وسعيد وقد أدركا للتو أنهم عندما فتحوا المقبرة وألقوا حسان بداخلها كانوا يفتحون باباً من أبواب الجحيم وأنهم أغضبوا وأيقظوا روح الشر النائمة منذ قرون .
بعد أربعون يوماً .
تجمع الكثيرين ببيت الحاج ماهر لإحياء ذكري الأربعين ببيته وسط حضور بعض الشيوخ والأقارب وأهل القرية .
كانت إحتفالية بسيطة قرأ فيها الشيوخ بعض آيات الذكر الحكيم وترحم الجميع على المتوفى وهم يعددون مآثره وأفعاله الطيبة من ثم غادر كل منهم إلي بيته حيث كان الوقت يقترب من العاشرة مساء .
صباح اليوم التالي .
على غير العادة مستوصف القرية يمتلئ بالنساء وقد حملت كل منهن طفل أو أكثر وقد أصابهن الحزن والهم وهن ينتظرن دورهن للكشف لدى طبيبة المستوصف .
تكرر نفس الأمر بالعيادة الوحيدة بالقرية حيث تجمع الكثيرون من الأهالي القادرين علي دفع قيمة الكشف لدي الطبيب يحملون أطفالهم وقد أصابهم الخوف والحزن وهم يرون أطفالهم بهذه الحاله الغريبة والتي بدت وكأنها لعنة أصابتهم بأطفالهم أو وباء إنتشر وغزا كل البيوت فلم يستثني منها أحد .
لم يمر اليوم إلا وكان الجميع يتحدثون عن ذلك المرض أو ربما الأصوب ذلك الوباء الذي لم يصب سوى الأطفال دون غيرهم .
تساءل الجميع عن سبب ذلك وهل هو طاعون أم لعنة حلت عليهم وكيفية الخلاص منها .
طلبت طبيبة المستوصف ومعها طبيب القرية عمل إجتماع للأهالي للتوعية والتشاور بالأمر .
ومساء ذلك اليوم إحتشد الجميع بساحة أحد المسجد لتتحدث الطبيبة بجدية وإهتمام وهي تقول بقلق أنها ولأول مرة تواجه مثل هذا الأمر فالأعراض تتشابه بجميع الحالات حيث إحمرار الجلد والقئ المستمر يصاحبه إسهال شديد يسبب الجفاف مع إحمرار دموي بالعينين .
قاطعها الطبيب وهو يقول .
نعم الأمر غريب حقاً وهو يشبه الوباء ولم أشاهده من قبل ولكنني صادفته مرة واحدة منذ أتيت إلى هنا .
توجهت أنظار الجميع إليه ليسترد أنفاسه قبل أن يتحدث قائلاً بجديه .
منذ شهر ونصف أتت لي إحدي نساء القرية تحمل طفلها وهو بين الحياة والموت ولقد كان يعاني من نفس الأعراض .
تساءل الجميع وهم يتبادلون النظرات فيما بينهم .
ترى من تكون المرأه وهل طفلها هو من سبب العدوي لأطفالهم وما مصيره .
قطع الطبيب تساءولاتهم وهو يقول لقد كانت المرأة هى زوجة حسان والطفل هو ولده .
كانت كل الوجوه والأعين مصوبه نحو الطبيب وهو يتحدث عما مر به من أحداث .
وما أن نطق الطبيب بإسم حسان وزوجته وولده حتى سرت همهمات خافته .
كان وكأن الجميع قد نسوا أمر حسان وغيابه المفاجئ .
ولقد صدق بلقاسم عندما قال لفوزي وسعيد أن حسان وأمثاله يظلون دوماً على هامش الحياه لا يلقي لهم أحد بالاً فهم بلا ظهير يحميهم أو يدافع عنهم .
كان أهالي القرية بحيرة من أمرهم فما علاقة حسان وزوجته وولده بذلك الوباء الذي أصابهم بفلذات أكبادهم .
إستطرد الطبيب يقول بجديه وإهتمام وهو يطالع وجوههم المكفهرة .
عندما مرض إبن حسان كانت لديه نفس الأعراض والتي ظهرت على أطفالكم .
ولكن العلاج لم يجدي معه ولم تتحسن حالته والسبب أن الفيروس قد تسلل واستوطن بجسده حتى أصبح بالدم وكان يجب أن يقوم بتغيير صفائح الدم من خلال عملية معقده .
وهذا يتجاوز قدرات حسان وهو الإنسان البسيط .
وقد علمت أنه باع كل ما يملك حتي تلك البقرة والتي تعد مصدر رزقه الوحيد قد باعها .
أردف يقول وبعد أن أنفق ونفد كل ما لديه من مال حاول الإستدانة منكم ولكن لم يساعده أحد وسخر منه الجميع .
وقف أحد الأهالي وهو يسأل وما علاقة ما حدث لإبن حسان بما يحدث الأن ?
وماذا حدث للولد ؟
وأين ذهب حسان ؟
سرت همهمه بين الجميع وأحدهم يقول حتي زوجته يبدو أنها قد غادرت القرية بولدها فهى غير موجودة وليس لها أي أثر .
الطبيب وهو يطلب منهم الصمت والهدوء قائلاً .
أخر مره رأيت حسان أخبرني أنه سيحضر المال اللازم مهما كان الثمن ومن وقتها لم يعد ولم أراه وقد ظننت أنه ربما غادر للعاصمة أو أن أحد الأثرياء تكفل بعلاج الطفل ولم أتذكره إلا عندما رأيت الوباء يتفشي بين الأطفال بنفس الأعراض .
تعالت الأصوات والجميع يتساءلون وما العمل وكيف سنواجه هذا الوباء .
لم يقطع حديثهم سوي ذلك الدرويش وهو يقول بصوت جهوري غطي علي همهماتهم .
سلف ودين .
كل اللي سكت وقت الكلام
كمل طريقه وقال وأنا مالي
عدي وقت العتاب والملام
الكل هيحاسب والثمن غالي
سلف ودين .. سلف ودين
