الفصل التاسع وعشرون

سار بخطوات خفيفة علي تلك الرمال البيضاء وبين تلك الكثبان الرملية رجل اربعيني يرتدي ملابس الصيادين ، معتمرا تلك الطاقية البيضاء المستديره يداعب وجهه ذلك التيار الهوائي القوي القادم من ناحية البحر بعد منتصف الظهيرة في منطقة ساحلية خالية من الناس الا بعضا من الصيادين الذين يصلحون شباك الصيد في منطقة قريبة من بلطيم الحالية..
كان ما شهده أهل السويس أيام العدوان الثلاثي والفترة التي بعدها سبب في محاولته البحث عن مكان آخر للرزق.. ترك أسرته وجاء في محاولة ليتكسب رزقه من خلال العمل مع صيادين البرلس او المنزلة..
إنه أبو صابر الصياد.. ( انظر قصة الطريق الدولي الساحلي ) ابن شيخ صيادين السويس... الرجل الذي يتحاكى الناس عن شجاعته وتقواه.... يضرب به المثل في النجدة ..كم انقذ صيادين ! وكم كفل أسر الذين ابتلعهم البحر !
لفت انتباه ابو صابر الصياد بريق أخاذ ناتج عن انعكاس اشعة الشمس علي جزء معدني او زجاجي لامع في الأرض قريبا من مكانه
سار ناحية البريق... إذ به يجد وتدا معدنيا لامعا كأنه الفضة .. وتد رأسه على شكل مثلث في حجم قبضة اليد محفور فيه بعض النقوش الغائرة ، تتصل زوايا المثلث بهيكل معدني قوي ينساب إلي عمود مستدير ضارب في الأرض....
حاول ابو صابر تحريكه ولكن بلا فائدة وحاول ان يحفر حوله لعله يستخرجة فيبيعه ففوجئ بصخرة قوية قد غُرس فيها هذا الوتد فتماسكا معا فلا يخرج الوتد من الصخرة ولا تنكسر الصخرة فيخرج منها الوتد...
أرهقته محاولاته البائسة اليائسة فجلس يستريح... وقع بصره علي مجموعة من الصيادين فوقف بسرعة و سار متهاديا ناحيتهم
السلام عليكم
وعليكم السلام... يا مرحب يا مرحب بشيخ الصيادين ( عبارة تقال للترحيب )
اتفضل
كتر خيركم ... أخوكم ابوصابر الصياد من السويس... ابن شيخ صيادين السويس الحج زكريا الله يرحمه.. بدور على شيخ الصيادين هنا .. استأذنه يسمح لي اسرح ( اصطاد ) معاه.. ويبقى كتر خيره لوسمحلي ابني عشه هنا.. واجيب عيالي بعيد عن الحرب في السويس

يا مرحب يا مرحب ..انت فوق راسنا... والرزق علي الله ... والبحر واسع... اشرب شايك الاول واحنا هنخدك لغاية عنده... ( ابو صابر يجلس يشرب الشاي ويحكي بأسلوب جذاب مع الصيادين .. وقاموا كلهم معاه واتحركوا ناحية عشة بعيدة لوحدها ولما قربوا
يا شيخنا... يا شيخ موسى.. يا ساتر
فتح الشيخ موسي الباب ... رحل في الستين لا تبدو عليه علامات الكهولة.. وجه ابيض بحمره تتوسط حبينه علامة الصلاة.. خرج مهللا مرحبا
يا اهل بالرجالة اتفضلوا.. جلسوا قدام العشة تحت ضل شجرة توت
الصيادين يبدأوا الكلام
خونا الشيخ أبوصابر من السويس ... ابن شيخ الصيادين .. الحج زكريا .. أكيد سمعت عنه يا كبيرنا
ادار الشيخ موسي وجهه لابو صابر وقالوا
انت ابن الريس زكريا الله يرحمه
ايوه يا ريسنا...
قام بسرعة الريس موسى ولما شافه ابو صابر وقف احترام بس كان مستغرب
الشيخ م سى فرد دراعه وحضن ابو صابر.. وقال
يا اهلا يا اهلا... ابن الافاضل... ابن الكرام... رحمة الله على والدك... انا مديون له بحياتي انقذني من الغرق انا وابويا لما كنا سارحين ناحية السخنة وكنا اول مرة نطلع هناك وكنا في الشتا لما النوة رمت المركب في قلب الصخر... المركب اتفتت.. واتعلقت انا وابويا في لوح خشب.. كنا هنموت .. لغاية ملقينا مركب جاية علينا وابوك كان يعرف المنطقة بالصخرة والجزيره نط وطلعني من البحر.. الله يرحمه.. عاش بطل ومات بطل..
انت ضيفي النهارده
كتر خيرك يا ريس.. انا عاوزك تديني الاذن اسرح معاكم ويبقي كتر خيرك لو اذنتلي ابني عشة لولادي واجبهم من السويس ويتونسوا بيكم يا ريس
يا مراحب يا ريس ابو صابر... البحر مفتوح وشاور علي المركب اللي عاوزها .. تخدها تسرح بيها..وتبقى انت الريس على رجالتها .. وتبني عشة جنبي هنا .. المكان واسع ..
كتر خيرك يا ريسنا... مش عارف ارد جمايلك ازاي ؟
جمايل ايه يا راجل انت صاحب فضل
ابو صابر يكمل .. بس يا ريس موسى لو تسمحلي عاوز ابني بيتي هناك ناحية الوتد الحديد
( صمت تام يخيم علي الصيادين... نظرات غريبة للشيخ موسي ولبعضهم
ابو صابر يرد بقلق... خير يا جماعة في حاجة ؟ انا قولت حاجة غلط..
الشيخ موسى يرد... اشمعنى اخترت المكان ده بالذات يا ابو صابر ؟
مش عارف والله يا ريس ..بس انا كنت قاعد جنب الوتد و...
قاطعه الشيخ موسى انت شوفته ازاي ؟
ابو صابر.. كان بيلمع في الشمس ولفت نظري ورحت فكرته فضة مدفونة من زمان قولت رزقي.. حاولت اخلعه ومقدرتش
انت مسكته بايدك ؟
ايوه لقيته ألمع من الفضة واصلب من الحديد ..حاولت احفر جنبه عشان اطلعه بس يظهر تحتيه صخره ماسك فيها
الصيادين بصوا لبعض وبصوا للشيخ موسى..
الشيخ موسى بص لابو صابر وقاله .. انت عارف ان جدودنا قالولنا ان المكان ده مرصود من مردة الجن ..كان جدودنا بيسموا المكان ده ( محبس الجن ) . . مش عارفين ليه ؟ ومحدش شاف الوتد ده إلا شيخ الجامع وابويا الله يرحمه.. واللي شافوا مقدرش يلمسه..
ربنا يديك طولة العمر يا ابو صابر .. بس لازم اقولك عشان دي أمانة
كل اللي شافه مات في اليوم السابع .. ابويا وشيخ الجامع ..
فلو عليك دين إلحق سده ....ولو عندك أمانات لحد ردها.. ووصي عيالك .. واحسن خاتمتك...

انت عارف يا صابر ان الكلاب والطير والتعابين مبيقربوش من المكان ده ؟!
انا بستغرب ..
ازاي انت رحت وقعدت ومسكت الوتد وحاولت تحفر حواليه ومحصلكش حاجة ؟
ابو صابر يرد باستغراب ..منا كنت قاعد جنب الوتد والصيادين شايفني...
بصوا لبعض وقالولوا.. اللي بيروح هناك ناحيته بيكون عليه ساتر محدش بيشوفه غير لما يبعد عن الوتد مسافة كيلو .. احنا لقناك فجأة ظهرت قدامنا...
ابو صابر يضحك ويقولهم .. يا رجالة..العمر واحد.. والرب واحد ...كل دي تخارف .. احنا رجالة السويس مبنخفش غير من ربنا.
ضحك المعلم موسي وقال ... براحتك .. يمكن طيب ابوك يقعدلك .. _ وهمس لنفسه بصوت ضعيف _ أو يكون انت المقصود.
المعلم موسى بيكلم الصيادين.. يا رجالة صابر ( كان الشيخ موسى بيحب يسميه صابر ) هيسافر يجيب اهله وانتم ابنو له عشة علي بعد كيلوا من الوتد ( قصدي محبس الجن )
تنهيدة طويلة من الشيخ موسى وبص لوش صابر وقاله ليقضى الله أمرا كان مفعولا
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي