الفصل الثالث

كانت ندى تجلس تتابع عملها عندما أخبرتها السكرتيرة أن رئيس التحرير يريدها، فنظرت أمامها بستغراب بينما سألتها هبة قائلة بتعجب:_هيكون عايزاك ليه؟

أردفت ببساطة وهي تنهض من على مقعدها:_أكيد علشان يقولي رأيهُ في المقال..
هبة بدهشة:_أنتِ ادتهولهُ..
أجابتها بهدوء:_أيوى سبتهالهُ النهاردة الصبح على المكتب، هروح أنا بئا..

وتركتها وذهبت نحو مكتب الرئيس بينما أخذت هبة تتابع عملها ولكن قاطعها حسن أحد زملائهم:_هبة!
رفعت عينها ونظرت له بانتباه قائلة:_نعم يا حسن محتاج حاجة؟
تحدث ببتسامة هادئة نوعا ما:_أيوة كنت عايز أسألك ع حاجة..
_اتفضل
بلع ريقه بتوتر بعض الشيء وهو يتسأل بحذر:_هي ندى يعني...

لم يُكمل حديثهُ فحستهُ هبة على الإكمال مُرددة:_أممممم كمل
أردف سريعًا وبتلقائية وكأنهُ أمام امتحان صعب:
_هي يعني مرتبطة؟
سألته بمكر وابتسامة خبيثة:_بتسأل ليه؟
قال بتوتر وهو يذهب باتجاه الباب:_ها بصي اعتبريني ما قولتش حاجة سلام.. وتركها وذهب سريعًا كطفل كسر أشياء والدتهُ، أما هند نظرت له بستغراب ودهشة وهي ترفع أحد حاجبيها مرددة:_دا عبيط ده ولا إيه؟ والله شكلهُ عبيط.. ثم ابتسمت بخبث مستطردة بتخمين: هو يا أما معجب بيها يا إما مُعجب بيها مفيش حل تالت لأ! ثم لوة فمها بستنكار هامسة كالبلهاء: طب وأنا مالي..

-------------------------

طرقت ندى الباب فأذن لها الرئيس بدخول، دلفت إلى الداخل ببتسامة بسيطة فأشار لها بالجلوس وبعد أن جلست بدأ حديثهُ بجدية مُرددًا:_بصي يا ندى المقال جميل جدًا، بس إحنا مش عايزين مشاكل مع حد وأنتِ بالمقال ده هتتحدى ناس كبيرة أوي، أنتِ مش قدهم!

أردفت ندى بجدية وثقة:
_حضرتك أنا مش بتحدى حد، أنا بقوم بشغلي، وكمان أنا مش بتكلم عن مشكلة خاصة تُخص حد بعينهُ، أنا بتكلم بوجه عام، غير كدا أنا موجهتش الكلام لحد معين، يعني محدش ليه عندي حاجه..
أردف بحكمة وهدوء:_أنا فاهم كل الكلام ده يا ندى بس ما تنسيش إن المقال اللي نزلتيه من يومين عمل ضجة كبيرة جدًا، ومش مستعبد أن في ناس بئا عينها عليكِ، يعني يعتبر بقيتي في خطر، وأنتِ زي بنتي وأنا خايف عليكِ، خرجي نفسك من الدايرة دي لأنك مش قد الناس دي!

ابتسمت بغموض وإصرار وأردفا بثقة:
_متخافش عليا يا فندم، طول ما أنا صح فمحدش يقدر يعملي حاجة وكمان ربنا معايا، غير كدا أنا قد أي كلمة كتبتها وهكتبها.. المهم حضرتك هتوافق على نشره..
ابتسم على ثقتها تلك وهز رأسه بقلة حيلة مُرددًا:_مقدميش حل غير الموافقة، ربنا يحميكِ يا بنتي، المهم خلي بالك من نفسك وربنا يكتر من أمثالك اللي بيحاربوا الفساد..

أمأت رأسها بمتنان وسعادة قائلة:_شكرًا ليك يا فندم، وإن شاء الله خير.. ثم نهضت مستطردة أستأذن أنا..
_اتفضلي..

-----------------------------

ولنذهب لأول مرة إلى شركات عز الدين والد ندى والذي أردف بانفعال وغضب وهو يضرب المكتب بيدهُ:
_شُكري دي بنتي أنت اتهبلت ولا إيه!

تحدث ذلك الرجال الذي يجلس أمامهُ بهدوء يحاول تهدأتهُ:
_يا فندم أنا عارف، بس هي لازم تسيب شغلها دا وفي أسرع وقت، لأنها باللي بتعملهُ ده بتلعب في عداد عمرها، والناس دول مش هيسيبوها في حالها، وحضرتك عارف كدا كويس!

عز بقلة حيلة وهو يجلس مكانه بإهمال:_عارف يا شُكري، بس أعمل أي مفيش بإيدي حاجة، ندى عِنادية جدًا، وبتحب شُغلها يعني مستحيل تتخلى عنه..
أردف شكري بتفهم:
_بس لازم تسيبه، وحضرتك لازم تقنعها بكدا؛ لأنها لو فضلت على موقفها، حاجه من الاتنين هتحصل...
نظر له عز بانتباه حتى يكمل برغم أنه على علم بما سيقول، ولكن استطرد شكري حديثهُ بحذر:
_يإما هتعرف حجات مينفعش إنها تعرفها، ياإما يا فندم الناس دول مش هيسيبوها غير... وسكت شكري خشية من ردت فعلهُ

أما عز أردف بعصبية وغضب بعد أن فهم مقصده:
_بنتي محدش يقدر يمس شعرة منها، واللي يفكر بس في كدا أنا أنسفهُ وأنسف أي حد يقربلها..

شكري مهدئًا إياه:_طب اهدى يا فندم، وصدقني محدش هيقرب منها بس اقنعها تسيب الشغل ده في أقرب وقت!

تنهد بيأس عندما تذكر ابنته وعِنادها:_مش هتوافق أنا عارفها عنيدة..
رددت شكري بقلة حيلة:_يبقا لازم تغصب عليها يا فندم، لحد ما الدنيا تهدى شوية..
نظر عز أمامهُ بشرود وحيرة فماذا يفعل حتى يحمي ابنته من تلك الدائرة التي وضعت نفسها بها دون أن تشعر!
همس عز في ذاته بضيق:_ربنا يُستر من الأيام الجاية دي وتعدي على خير..

-------------------------------------

اتجها أدهم إلى مگتب اللواء بعد أن استادعهُ في أمرًا هام، طرق الباب وبعد ثواني سمع صوت اللواء يحسه على الدخول، دلف إلى الداخل بهدوء، فأشار له حسام بالجلوس و بمجرد أن جلس أمامهُ، أمسك اللواء بعض الأوراق وأعطاها له قائلًا بهدوء:
_اتفضل يا أدهم..

أخذ أدهم الأوراق منه مُتسائلًا بستفهام:_إيه ده يا فندم؟
أجابهُ بجدية وهدوء:_دا ملف بنت رجل الأعمال عز الدين، ندى عز الدين..

قال باستفهام وهو يعبس بالأوراق:_طب ودي مالها يا فندم؟
تحدث حُسام بجدية وتوضيح:
_بص يا أدهم البنت بتدور خلف ناس خطيرة جدًا، واللي هما المافيا اللي إحنا كمان بندور وراهم، وهي دلوقتي تحت نظرهم لانها عرفت بعض الحجات عنهم مكنش ينفع توصل ليها هي طبعًا مش كل حاجة، بس في وقت قصير جدًا ووصلت للمعلومات دي يبقا أكيد هتوصل للأكبر منها!

عقد أدهم حاجبيه بستغراب فكيف لفتاة مثلها تقع مع مثل هؤلاء الأشخاص، لذلك سأل بعدم فهم:
_أيوة يا فندم بس هي أيه اللي دخلها وسط الناس دي؟
أجابهُ حسام وهو يعوض بظهره للخلف:_لأنها ببساطة صحفية، وشغوف بعملها جدًا، لأنها عاوزه تحارب الفساد اللي في البلد، وهي أصلًا متعرفش مين الناس دول، كل الحكاية إنها بتقوم بشغلها مش أكتر، وهتلاقي عندك المقال بتاعها اللي خلاها دخلت الدايرة دي من غير ما تاخود بالها..

أمأ رأسه بتفهم مُرددًا:_تمام يا فندم طب إيه المطلوب مني بالظبط؟
قال اللواء بلهجة ذات مغزى فهمها أدهم:
_هو أنا بردو اللي هيقولك يا سيادة الرائد ولا إيه! الملف اللي معاك ده فيه كل حاجه عن البنت، ادرسهُ كويس وشوف شغلك، وعلى فكرة هتساعدنا كتير في المهمة دي!

أمأ رأسه بهدوء ولكنه تذكر شيءٍ ما، فهتف بغموض:
_تمام يا فندم، بس هي تعرف حاجه عن شغل والدها؟

هز رأسه نافيًا وهو يقول بتأكيد:
_لأ يا أدهم، هي متعرفش أي حاجه عنه، ومش لازم تعرف أى حاجه، أظن فاهم يا أدهم!
نهض أدهم قائلًا بتأكيد وهدوء:_فاهم يا فندم، ما تقلقش هكون حريص إنها ما تعرفش أي حاجه، استأذن أنا..

أمأ له مُرددًا:_أكيد اتفضل وبالتوفيق..
خرج أدهم من عنده وهو يُفكر في هذه القضية التي كُلما تقدم فيها خطوة يحدث أمرًا جديد!

----------------------------------------

كانت ندى تقود سيارتها عائد إلى المنزل بعد يوم عمل شاق نوعًا ما، ولكن لفت نظرها سيارة سوداء اللون تسير خلفها، فعقدت حاجبيها بستغراب وقامت بتزويد السُرعة حتى وصلت إلى المنزل وكانت السيارة ما زالت تسير خلفها ولكن بمجرد أن أوقفت سيارتها أمام القصر الذي تعيش فيه مع عائلتها، اختفت السيارة وكأنها لم تكُن..
تنهدت ندى بقوة هامسة:_شكل اللعب بدأ..

دلفت إلى داخل الحديقة بعد أن فُتحت البواب الكترونيًا، وبعد أن صفت السيارة في مكانها دلفت إلى الداخل مُباشرة وكانت على وشك الصعود نحو غُرفتها عندما أوقفها صوت والدها الذي يأتي من أحد الزواية مُرددًا بهدوء:_تعالي يا ندى..

التفتت بستغراب حتى وجدت والدها يجلس على مقعد بجانب غُرفة مكتبهُ، فتوجهت إليه بستغراب مُتسائلة:
_حضرتك قاعد كدا ليه يا بابا؟
نهض من مكانه وهو ينظر لها قائلًا:_عاوز أتكلم معاكِ شوية..

ابتسمت ابتسامة هادئة وهي تقول:
_اتفضل يا بابا تحت أمرك..
توجه نحو غرفة المكتب وهو يقول بهدوء استغربتهُ ندى:
_تعالي هنتكلم في المكتب..

ذهبت خلفهُ وهي مُتفاجأة من هدوء والدها وأيضًا تفكر فيما يريد منها بالضبط!

************************
كان أدهم يجلس في مكتبهُ وبيده ملف ندى عز الدين، يقرأ فيه بتركيز شديد، كان يحوي هذا الملف أدق تفاصيل ندى، فهي الفتاة الكُبرى لرجل الأعمال عز الدين، عادت من كندا مُنذ أقل من شهر فقد كانت تُنهي دراسة الماجستير الخاصة بها وبمجرد أن انتهت منها عادت إلى وطنها، تُحب عملها في الصحافة بشغل كبير فتاة بسيطة ومنضبطـة..
ابتسم أدهم وهو يتخيل هذه الفتاة بمواصفاتها تلك، ولك قاطع شرودهُ وتركيزه صوت طرقات على الباب، فعاد بظهره للخلف وهو يردف بنبرة هادئة:_ادخل..

دلف صديقه أحمد وألق السلام عليه ثم جلس أمامهُ بإرهاق وهو يعطيه الملف الذي بيده مُرددًا:
_اتفضل يا سيدي، دا ملف فيه جميع تحركات الراجل الفترة اللي فاتت دي..
اخذه منه مُتسائلًا بغموض:_طب ولقيت إيه ورا الراجل ده…

أجـابهُ بجدية وهو يقوم بسرد ما اكتشفهُ عن أعمال ذلك الشخص وأدهم يستمع إليه بانتباه شديد:
_الراجل ده بيشتغل في السياحة، بيجيب وفود من جميع بلاد العالم، وشركتهُ ليها كذا فرع، شغل عالي جدًا وفي السلام بس طبعًا دا الظاهر، واللي بيدارى بيه أعماله المشبوه، وهي تجارة السلاح، ومش بس كدا؛ لأ بيشتغل في تجارة الأعضاء البشرية وآخر حاجه توصلن ليها إنه مسافر إنجلترا الإسبوع الجاي في رحلة عمل، بس ما وصلناش لنوع العمل ده إيه لسه..

قال أدهم بتفكير وترقب:_أمممم، الأكيد بئا إن الراجل ده مش بيعمل ده كله لوحده؟

قال أحمد مؤكدًا حديثهُ بثقة:
_أكيد طبعًا، دي منظمة كبيرة، وفيها رجال من أهم رجال الأعمال داخل وخارج مصر، بس ماوصلناش لسه لأسماء الناس دي، وزين بيعمل قصارى جهده علشان يوصل لداتا بجميع أسمائهم..

أمأ له أدهم مُرددًا بجدية:_تمام يا أحمد استمر في التحريت وساعد زين لحد ما توصلوا لأسماء الناس دي وفي أقرب وقت، وخليك مراقب الراجل ده لما نشوف هيوصلنا لإيه..

أمأ رأسه بالموافقة قائلًا:_تمام جدًا، في أقرب وقت هنقدر نوصل لمعلومات مهمة تفيدنا في القضية دي!
أمأ له أدهم، بينما لفت نظره الملف الموجود أمام أدهم، فعقد حاجبيه مُتسائلًا:_ملف إيه ده يا أدهم؟

نظر أدهم للملف أمامه ثم تنهد قائلًا:
_دا ملف بنت صحفية وللأسف بسبب غبائها، أو نقدر نقول ذكائها، خلت نفسها في خطر مع المافيا، والمشكلة بئا إنها تبقا بنت رجل الأعمال عز الدين!

اندهش أحمد بشدة عندما علم هويتها وتساءل بترقب:
_ بتهزر، طب وهي تعرف شغل والدها؟
هز رأسه نافيًا وهو بجدية:_ لأ طبعًا ما تعرفش، ولازم ما تعرفش
أي حاجه..
أردف أحمد بستفهام:_طب هتعمل إيه؟
نظر أدهم أمامهُ بثقة وهو يقول بخُبث:
_هقولك...
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي