الفصل الخامس

عندما تدخل دائرة من الصعب الخروج منها؛ فهي كمن حكم عليه بالسجن المؤبد إما أن تموت بداخلهُ أو ينفجر السجن وتكون ممن حالفهم الحظ بالعيش..
في شركة عز الدين نستمع إلى صوتهُ القلق والحزن وهو يتحدث مع شخصًا ما عبر الهاتف حيث يقول بحزن ظاهر على نيرة صوتهُ:_خليتها تسيب الشُغل..
أجـابهُ الطرف الثاني بهدوء وحِكمة:
_أنا قولتلك مالوش لازمة تسيبه وإحنا هتعرف نحميها كويس بس كدا أحسن الخطورة هتقل من حواليها..
تنهد عز بقوة وهو يجيبه:_عارف إن الخطورة هتقل بس بنتي عنيدة، ومش هتستسلم بسهولة..

أردف الطرف الآخر بتفكير:_طب لو فضلت بتدور بردو هتعمل إيه؟
هز عز رأسهُ مرددًا بحيرة:_مش عارف، بس أكيد لو فضلت تدور ورا الناس دول هعمل أي حاجه علشان أبعدها، حتى لو هسفرها كندا تاني..
_لأ، بلاش السفر شيل الفكرة دي من بالك خالص..

عقد عز حاجبيه باستغراب من رفضهُ مُتسائلًا:
_ليه بلاش السفر، هي لو فضلت هنا مش هتكون في أمان يا صحبي!
أجابهُ بهدوء:_ولو سفرت هتكون مش في أمان بردو، هنا هي في وسطنا وهنقدر نحميها إنما لو سفرت هتكون لوحدها والحماية هتكون أقل فاهمني..
أردف بضيق:_عندك حق فعلًا.. ثم تنهد تنهيدة قوية قائلًا بانزعاج وخنقة وكأن العالم يضيق من حولهُ: طب أعمل إيه علشان أبعدها عن الدايرة دي نهائيًا؟
أردف الأخر باطمئنان:_ما تخفش يا عز، ندى مفيش أي حاجه هتأذيها وأنا هحميها..

ابتسم عز قائلًا بامتنان:_أنا بثق فيك وعارف إنك هتخلي بالك من بنتي كويس..
ابتسم الأخر مُرددًا:_ما تقلقش يا صاحبي المهم أنا هقفل دلوقتي وأي جديد هبلغك..
_تمام، مع السلامة..
وأغلق الهاتف بتنيدة تحمل من الضيق الكثير، وظل شاردًا في كل ما يحدث، داعيًا أن يمر كل ذلك بخير..

*************************

دلفت ندى إلى داخل الكافية وأخذت تنظر في جميع زواياهُ حتى وقع نظرها على شاب جالس على تربيظة تطُل على النافذة ويرتدي بنطال بالون الأسود وقميص أبيض ألون يعلاهُ سترة جلدية سوداء، شعرت أن هذا هو خاصةً عندما رأت سلاحهُ ظاهرًا أسفل السترة، فتقدمت منهُ بهدوء كان يتصفح في هاتفهُ بشرود عنما استمع إلى صوتها الرقيقة مُتسائلة:
_الرائد أدهم!
رفع نظرهُ لها فسُحر من جمالها الهادئة وملامحها الرقيقة وأيضًا ملابسها المُحتشمة فقد كانت ترتدي جيب منفوشة من الجلد الأسود، وسترة بيضاء ألون أسفلها بلوزة من نفس اللون وحجاب من ألوان الأسود تضع فوقه نظارتها الشمسية، فكانت حقًا مُبهرة وساحرة..
بينما ندى تذكرتهُ فهو نفس الشخص الذي اصتدمت بهِ سابقًا ولكنها لم تُعلق!
تنحنح أدهم حتى يفيق من سحرها وهو ينهض من مقعده مُرددًا:_أيوة يا آنسة ندى أهلًا بحضرتك، اتفضلي..
أشار لها بالجلوس فجلست على المقعد المقابل لهُ وهي تجيبهُ برقة:_أهلًا بحضرتك يا سيادة الرائد..

أردف ببتسامة هادئة:_تحبي تشربي إيه؟
ابتسمت مُرددة:_ممكن قهوة مظبوطة..
أمأ برأسه ببتسامة وطلب إثنان من القهوة المظبوطة.. ثم نظرت له ندى مُتسائلة بفضول: تحت أمر حضرتك، ممكن أعرف حضرتك طلبت مُقابلتي ليه؟

تنهد أدهم وهو يجيبها بجدية:
أانا هدخل في الموضوع على طول بس عايزك تفهمينى كويس وتحاولي تتعاوني معانا، ودا علشان سلامتك في المقام الأول..
شعرت ندى أن الموضوع كبير، فأردفت قائلة:
_ممكن توضح كلامك أكتر..
صمت أدهم قليلًا حتى وضع النادل القهوة وبعد أن ذهب بدأ الحديث بهدوء مُرددًا:_بصي يا آنسة ندى حضرتك صحفية، وشغلك كلهُ عن قواضي الفساد، ورجال الأعمال اللي بيخربوا البلد علشان مصالحهم الشخصية، ودا طبعًا باين جدًا في مقالاتك!
عقدت حاجبيها باستغراب وعدم فهم وهي تسألهُ بترقب:
_بالظبط، بس دا كله أي علاقتهُ بالمقابلة دي؟

أجابها ببتسامة وغموض:_مع الوقت حضرتك هتفهمي كل حاجه بس حاليًا إحنا عاوزينك معانا..
نظرت لهُ بعدم فهم مرددة:_معاكم في إيه بالظبط، هو ليه كلام حضرتك كلهُ غموض كدا!
صمت قليلًا ثم نظر لها بنظرة ذات مغزى وهو يجيبها قائلًا:_أنا هفهمك كل حاجه..

*************************

بعد مرور عدة ساعات عادت ندى إلى المنزل وهي شاردة، تفكر في ذلك اللقاء الذي حدث بينها هي وذلك المدعو أدهم..
كانت تُسير غير مُنتبها فلقد مرت بجانب شقيقتها ولم تشعُر بها..
حتى وصلت إلى غرفة الجلوس وجلست على أحد المقاعد وما زالت لا تشعر بشيء ذهبت خلفها نيرة بستغراب وهي تناديها ولكن لا حياة لمن تُنادي فأخذت تهزها بقوة، مُرددة:
_ندى، بت يا ندى.. ورفعت صوتهاا قليلًا هاتفة: أنتِ يا زفتااا

انتفضت ندى بخضة وهي تنظر لها قائلة:_إيه، في إيه يا بنتي!!
عقدت نيرة حاجبيها قائلة بمكر:
_في إيه يا جميل، مالك ماشية تايهة كدا ليه؟

ندى باستغراب من نبرتها الماكرة تلك ولكنها قالت بعدم اهتمام وهي تنهض من جانبها:_مفيش حاجة، أنا طالعة أوضتي.. ثم تذكرت شيءٍ ما فعادت إليها متسائلة:_هو بابا فين؟
أردف نيرة بلامبالاة:_بابا راح لجدو المزرعة

رفعت حاجبيها بستغراب مُتسائلة:_ليه؟
رفعت نيرة كتفاها بجهل مُرددة:_I' don't know..
بس ماما بتقول إن جدو رن عليه وقال إنه عايزه ضروري..
أمأت رأسها بشرود مُتسائلة:
_طب وماما فين؟
نيرة وهي تقلب فماها بطريقة مضحكة:_عند طنتشك سوزي، يلا باي بئا عطلتيني..

ضحكت ندى على هيئتها مُردفة:_وأنتِ رايحة فين؟
نيرة وهي تُمسك حقيبتها الصغيرة مُرددة ببتسامة مُشاغبة:_رايحة النادي، سلاموزة يا باشا..
وتركتها وذهبت بينما هزت ندى رأسها ييأس هامسة"مجنونة"
وجاءت حتى تصعد إلى غرفتها، وقفت مكانها وهي تنظُر في زواية ما، وقد لمعت فس بالها فكرة وذهبت كي تُنفذها..

***************************

أما عند أدهم دلف إلى مكتبهُ وهو شاردًا في ملامحها الرقيقة التي أسرتهُ منذ أن وقع نظرهُ عليها، فتلك الفتاة به سحر خاص يُجذبها نحوهُ دون أن يشعر، كان ينتظره صديقه أحمد والذي ما أن دخل سأله بترقب:
_هاااا عملت إيه؟

تنهد أدهم وهو يجلس على مكتبهُ بهدوء ثم أجابهُ بجدية قائلًا:
_قبلتها واتكلمت معاها، وفهمتها المطلوب منها إيه..
أردف أحمد بستفهام:_وقالتلك إيه؟
أردف ببساطة:_وفقت
دُهش الآخر بقوة قائلًا بستغراب:_بجد!! وفقت بسهولة كدا، ما خفتش من المُخاطرة؟
ابتسم أدهم عندما تذكرها، هي بالأساس لم تُخرج من بالهُ، وأردف بهدوء وهو يعود بظهره للخلف:_من كلامها، إنها ممكن تعمل أي حاجه طالما دا هيحارب الفساد..
استرخى أحمد في جلسته هو الآخر قائلًا:_بس ده هيبقا خطر عليها..

نظر له أدهم بقوة قائلًا:_وإحنا روحنا فين؟
أمأ أحمد برأسه ثم سأله بمكر:_طب أنت أي اللي حصل؟

ابتسم أدهم عندما فهم مقصده وأردف بشرود:_اتغيرت أوي..
كان أحمد على وشك الحديث ولكن قاطعهم صوت طرق على الباب فأذن له أدهم بالدخول.. فدلف صديقهم زين ووقف أمام أدهم قائلًا وهو يؤدي التحية الرسمية:
_تمام يا فندم..
ضحك أحمد بسخرية وهو ينظر إليه مُرددًا:_دا إيه ياض الاحترام ده كله، من إمتا؟
رفع حاجبيه بغيظ وهو ينظر له بشمئزاز قائلًا:_ملكش دعوة يا أبو طويلة..

كاد أحمد أن يجيبه ولكن ضرب أدهم يده بقوة على سطح المكتب مما جعلهم يصمتان وتحدث ببرود قاتل قائلًا:
_خلصتوا لعب عيال، ولا أطردكم برة أنتم الإتنين!

بلع الإثنان ريقهم بتوتر، ولم ينطق أين منهما بحرف، فأدهم إذا تحول سيُنهي عليهم بالتأكيد، نظر أدهم لزين مُتسائلًا:
_عملت إيه في الموضوع اللي كلفتك بيه؟
رد زين بجدية:_خليت اتنين حُراس يرقبوها في كل مكان زي ما أمرت..
أمأ رأسهُ بهدوء مؤكدًا:_تمام أي حاجه تحصل تبلغني بيها فورًا
هز زين رأسه بالموافقة..

**************************

كان عز يجلس مع والده الذي يبدو عليه القوة والوقارة، أردف عز بستنكار بعد أن استمع إلى طلب والده:_إزاي يا بابا، حضرتك بتقول إيه؟

أجاب الأب بجدية وجمود:
_إيه يا عز! هو الفهم بقا عندك قليل ولا إيه؟ بقولك ندى كبرت خلاص ولازم تتجوز..
بلع ريقه بتوتر وهو يستوعب حديث والدهُ، فهو يكفيه ما حدث هذه الفترة، فأردف بتفهم:
_أيوة يا بابا بس حضرتك عارف رآي ندى في موضوع الجواز ده دلوقتي، وكمان الموضوع ده سابق لأوانهُ..

هتف الأب بثقة وجدية:_ملكش دعوة بـ ندى، أنا هعرف أقنعها..
تنهد عِز بقوة فمن المُحال أن يغير والده رأيه فنظر لهُ وهو يتساءل بترقب:_طب ومين العريس؟
ابتسم الأب بثقة قائلًا:_ابن ليلى أختك..
دُهش عز بقوة مما جعل عيناهُ تُفتح على وسعهما بعدم تصديق هاتفًا:_أي!!!

************************

كان يجلس كُلًا من سيف وخالد في النادي حتى يتناولون غداءهما، كان سيف يتصفح في هاتفهُ بينما أردف خالد ببتسامة مُشاغبة:_بُص ياض يا سيف..
رفع سيف عيناه لهُ متسائلًا بعدم فهم:_أبُص على إيه؟

خاالد ببتسامته الجذابة وهو ينظر أمامه:_البنتين اللي قاعدين على التربيظة اللي وراك دول..
سيف بعد أن نظر بطرف عينه ولكن سرعان ما أعاد بصرهُ لصديقه سريعًا قائلًا بحدة:_عيب يا خالد أخفض بصرك يا حيوان..
حمحم خالد بخجل وهو يبعد نظره مُرددًا:_مش قصدي يا عم حاجه، أنا بقول بس وأكمل بتوهان إنهم قمرات
سيف بحدة زائدة:_خاااااالد
_خلاص خلاص اتكتمت أهو


وفي نفس اللحظة في التربيظة التي يجلس عليها كُلًا من إنجي ويارا، إنجي بعد أن أخذت بالها من ذلك الذى ينظر اليهم قالت بهمس:_بت يا يارا شوفت الشاب اللي قاعد هنااك ده بيبص علينا إزاي!
يارا بلا مبالاة أردفت:_فكك ما تبصيش وكأنك مش واخدة بالك..
أردفت إنجي بتلقائية:_بس دا من فرقة أدهم..

رفعت يارا حاجبيها بسخرية مُرددة:_نروح نتعرف عليه يعني علشان من فرقة أدهم..
قلبت إنجي وجهه قائلة بغيظ:_لأ ياختي..
أتت نيرة في تلك اللحظة فقد كانت تحضر تدريبها الخاص فنيرة من عُشاق الكونغو وتدرب عليه دائمًا، وضعت حقيبتها مُرددة بمرح:_مالكم يا قمرات؟
أردفت يارا بسخرية:_مفيش دي آنسة إنجي كانت بتعمل نظرة شاملة لشخصًا ما؟

ضحكت نيرة قائلة:_جيجي تبص على حد لا مش معقول، أكيد ما تبصش من غيري!
ضحكت يارا هي الأخرى قائلة باستنكار:_ما تبصش إيه يا حجه، دي ما تبقاش إنجي لو ما بصتش وأخدت بالها من كل حاجة..
ضحكت ندى بشدة وشاركتها إنجي الضحك مُرددة:
_يا فهمني أنت.. وأكملت بمرح: بس باين عليه جنتل أوي..

يارا بستهزاء وهي تنظر لها بسخرية:_أنتِ كمان أخدتِ بالك إنه جنتل..
أردفت بغرور مصطنع:_لأ يا يويو عيب عليكِ، دا أنا حتى مش عارفه شكله عامل إزاي! وأكملت ببرائة وطفولية دا أنا لمحته بس..
رفعت حاجبيها بستنكار:_لا والله..
أمأت برأسها عدة مرات ببتسامة ماكرة، بينما نيرة تنظر لهم بعدما فهم مُتسائلة:_أنتم بتتكلموا عن مين بالظبط.
نظرت إنجي ليارا وانفجروا ضاحكًا، فأردفت إنجي من بين ضحكاتها: دي قلشة يا صاحبي ما تخديش في بالك..

رفعت حاجبيها بعدم تصديق مُرددة:_مش مرتحالك يا كلب البحر أنتِ.. ونهضت من مقعدة مستطردة:
_بس أنا مش فضيلكم دلوقتي علشان لازم أمشي لأن ماما زمانها روحت وهطين عشتي لو اتاخرت..
أمأ لها أصدقائها وودعتهم ذاهبة..

***********************
دلفت ندى غرفة المكتب الخاصة بولدها بحذر شديد، وأخذت تقلب في بعض الأوراق لوقت طويل فقد كانت تقرأ كل شيء يقع في يدها لعلها تصل إلى شيءٍ ما وكادت أن تفقد الأمل حتى وقع نظرها على شيئًا ما مدسوس وسط الكُتب.. فأخذته وقامت بفتحهُ وبدأت تقرأ فيه، وما لبث أن اتسعت عيناها بدهشة واستغراب من وجود هذه المعلومات الخطيرة بحوذت والدها، ولكنها استمعت إلى صوت بالخارج فأخذت الملف التى كانت تقرأ به وخرجت من المكتب سريعًا...
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي