الفصل السادس

أتعرف عندما يدق قلبك فجأة دون سابق إنذار، عندما يرتعش جسدك بتلك الرعشة المُحببة، عندما تلمع عيناك بلمعة لأول مرة تراها.. فتشعر أنك تولد من جديد، أنك بدأت تتعلم قوانين جديدة عن الحياة أكثر جمالًا..
تُزهر فترى ألوان قُز قزح عن قُرب؛ فتنبهر من هذا الجمال الآخذ!
هذا كله تشعر بهِ وتتذوقهُ بمجرد لقاء عابر؛ ولكنه بالنسبة لك الأهم والأفضل والذي لا يُنسى قط..

كانت نيرة تذهب في اتجاة بوابة النادي، وهي مُنشغلة في هاتفها، غير مُنتبها للطريق من حولها، ودون أن تشعُر اصتدمت في شخصًا ما، ويبدو أنه هو الآخر لم يكُن منتبهًا، وكادت أن تقع حيث لوة كحلها ولكن يدًا قوية منعتها، حيث قام ذلك الشخص بسحب يدها نحوه بدهشة وخوف ووضع يده الأخرى حول خصرها، وجذبها إليه، فقد كانت قريبة منه بدرجة كبيرة فمن يمر بجانبهم يظن بأنهما يحتضنان بعضهما البعض، فتلاقت قهوتها الرائعة بعيناه البُنية المائلة إلى العسلي اللامع، فسحر هذا الشخص في عيناها المميزة والتي تحتوي على جاذبية من نوع خاص، أو جذبتهُ هو بالتحديد!
كان ينظر لها بتوهان وإعجاب شديد حتى تمنى لو أن العالم يقف عند هذه اللحظة، أما عن قصيرتنا الشقية تاهت نيرة في بحر عيونهُ العسلية وشعرت أن قلبها سوف يخرج من مكانه في هذه اللحظة..
والتي لم تدُوم كثيرًا حيث ما لبث أن آفاقوا لأنفسهم، وابتعدو عن بعضهم، وكانت نيرة في قمة خجلها حتى أنها لم تستطع رفع نظرها إليه مرة أخرى..

فتنحنح الشخص قائلًا بأسف وهو يضع يده على مُؤخرة رأسه بحرج:_أحم أنا آسف بسـ...
قاطعته نيرة بخجل وصوت هامس يكاد يُسمع:
_أنا اللي آسفة مكنتش مركزة في الطريق..

نظر لها سيف "ايوة بالظبط هو سيف صديق أدهم " وشرد في ملامحها الجميلة مع الحُمرة التي كست وجنتيها، فزادتها جمالًا فوق جمالها..
نيرة عندما لم تلقي منه رد، رفعت قهوتها مرةً أخرى بستغراب من صمتهُ؛ فتلاقت عيناهم للمرة الثانية ولكن كان يزيد على ذلك ابتسامة سيف الساحرة والتي زادتهُ وسامة، جعلت الطبول في قلب هذه المسكينة تزداد أكثر فأكثر..
أردف سيف برقة وابتسامة:_لأ محصلش حاجه ولا يهمك..

أردفت نيرة بخجل:_طب عنئذنك يا...
صمتت فهي لا تعرف اسمهُ، فأردف ببتسامة:_سيف أسمي سيف، وأنتِ؟
قالها بتلقائية فزاد خجل نيرة بستغراب، فضغط سيف على شفتيه وهو ينهر نفسه واستطرد بحرج:_ أنا آسف يعني أقصد امممممم أنا همشي، عنئِذنك.. وتركها وذهب سريعًا..
فضحكت نيرة بستغراب هامسًا:_مجنون ده ولا إيه.. ثم استطردت ببتسامة رائعة: مجنون بس قمر.. ثم شردت في ملامحهُ الرجولية، فسيف كما قولنا يتميز بالعيون البُنية المائلة للعسلي فجعلته جذابًا، وبشرتهُ شديدة البياض، وشعر الإسود الحرير، وجسد المتناسق فأقل ما يقال في حقهُ أنه وسيم جدًا..
آفاقت نيرة من شرودها وهي تبتسم بسذاجة على حالتها التي لأول مرة تحدث لها، وضربت رأسها بيدها وهي تهز رأسها بغباء وانطلقت ذاهبًا وهي تبتسم، كل ذلك أمام نظر سيف الذي وقف ينظر لها بإعجاب وهو يحدث نفسه "إيه الرقة والجمال ده، هو في كدا، بس هي بتفكر في إيه كدا، أكيد فيا طبعًا ما أنا واد حليوة وقمور يا خلاثي عليا، إيه يا سيف الهبل اللي بتقولهُ دا؟
استغفرو الله العظيم".. ثم عقد حاجبيهِ باستغراب عندما رآى الناس تنظر لهُ بدهشة، فابتسم بخجل مستطردًا:_يخربيتك يا سيف اتهبلت يا خويا.. أكمل وكأن أحدًا آخر يُحادثهُ ما هي البت تهبل بردو ثم تنهد بقوة وانطلق ذاهبًا نحو صديقه وهو يبتسم بتوهان..

*******

ندى بعد ان خرجت من الغرفه رأت والدتهاا تتجاه نحو الصالون فتحدثت بهدوء لتُخفي توتره:_حضرتك جيتي إمتا يا ماما؟

جلست والدتها "هيام" على الأريكة مُرددة:_لسه واصلة حالًا يا ندى ثم تساءلت: نيرة فين؟
جلست ندى بجانبها وهي تُجيبها:_لسه في النادي
رفعت هيام حاجبيها وهي تنظر لساعة يدها قائلة بستنكار:
_لسه في النادي لحد دلوقتي؟
كادت ندى أن تتحدث ولكنهم وجدوا نيرة تدلف إليهم وهي تبتسم بتوهان فابتسمت ندى قائلة:_أهي وصلت الهانم..

آفاقت نيرة من توهنها فوجدت والدتها تنظر لها بستنكار، فبتسمت بسذاجة وهي تتقدم منها مرددة بمرح:_مامتي حبيبتي وحشتيني جدًا..
رفعت حاجبيها قائلة:_لا والله! ثم استطرد حديثها مُرددة: كل ده تأخير يا أستاذة نيرة، هو ده اللي اتفقنا عليه؟

جلست بجانبها على الجهة الأخرى قائلة بلطف:_دا تأخير ساعة واحدة بس يا ماما، عديها بئا يا ميمو يا قمر..
تنهد هيام مرددة:_ماشي يا ست نيرة بس مش تتكرر تاني..
ابتسمت نيرة خِلسة فهذه ليست المرة الأولى ولن تكون الآخيرة بالتأكيد وأردفت:_أكيــد يا قمري..

هزت ندى رأسها وهي تضحك ثم نهضت من مكانها قائلة:_طب أنا هطلع أنام بئا..
رفعت نيرة نظرها لما تمسكه ندى وهي تسألها بفضول:_هو إيه الملف اللي معاكِ ده يا نودي..
نظرت هيام أيضًا لذاك الملف بهيئته الغريبة فحمحمت ندى وهي تجيب بتلعثم حاولت على قدر الإمكان إخفاءه:
_ها دا دا ملف تبع الشغل، أنا هطلع علشان أنام لأن عندي شُغل كتير الصبح، تصبحوا على خير.. وتركتهم وذهبت سريعًا نحو غرفتها..

نظر الإثنتان في طيفها باستغراب، فتسألت هيام مُرددة:_مالها دي؟
رفعت نيرة كتفاها أنها لا تعلم، ثم نهضت هي الأخرى مُرددة:_طب أنا هطلع أنام أنا كمان يا ميمو، تصبحي على خير..
وتركتها وصعدت نحو غرفتها وبمجرد أن دلفت إلى الغُرفة تذكرت ذلك الغريب الذي اصتدمت فيه وأخذت تتذوق حروف اسمه مُرددة بهيام:_سيف..
ابتسمت بعشق، فهي بالتأكيد تعرفه، تتذكر ملامحهُ الجذابة والتي سحرته مُنذ أن وقعت عيناها عليه من سنه تقريبًا عندما رأته لأول مرة في الملعب هو وباقي أصدقائهُ والمعروفون بفرقة أدهم، فمن ذلك الوقت وهي تتردد إلى الملعب لعلهم يلعبون وتسعد كثيرًا عندما تراهُ، اتسعت ابتسامتها أكثر عندما تذكرت ملامحهُ وهيامهُ بها، ظلت شاردة بهِ حتى ذهبت في ثبات عميق وهي تحلم وتتمنى أن تلتقي بهِ مرةً أخرى..

*********

أما عند سيف ذلك الوسيم بعد أن تأكد من ذهاب نيرة توجه نحو المقعد الذي يجلس فيه صديقه ينتظره وهو يبتسم بأوهام وشرود يتذكر ما حدث معه منذ دقائق، مع تلك الجميلة التي سحرتهُ بقهوتها، جلس على مقعده دون أي حديث، فنظر له خالد بستغراب من حالته تلك وعقد حاجبيه مُتسائلًا:_واد يا سيف مالك؟
لم يجيبهُ، أو أنه لم يسمعهُ بالأساس فأردف مرةً أخرة بصوت عالي نسبيًا:_سيف أنت يا بني، دا ماله ده! واد يا سيف.. وأخذ يهزوه برفق، وأخيرًا أجابهُ بتوهان وهدوء:_نعم

رفع خاالد إحدى حاجبيه بستغراب قائلًا باستنكار:
_نعم!! دا من إمتا الاحترام ده؟ ثم ابتسم بخبث عندما رأه على نفس توهانهُ ويبتسم بسماجه، قام بضربه أسفل رأسه بقوة، أفزعت سيف، الذي أردف بخضة وغضب وهو ينظر له:_آه يـــاض يا ابن...
قاطعه خالد بضحك من هيئته:_أوعى تشتم، أنا بقولك أهو..

احمرت عيناي سيف من الغيظ صرخًا في وجهه:
_إيه اللي عملته ده يا حيوان!
رفع خالد كتفاه بلامبالاة قائلًا ببرود:_ما أنت بتضحك زى الأهبل من وقت ما جيت، ومش معايا خالص، فقولت لما أفوقك يا سيفو، وبعدين خود هنا فين الأكل؟

حك سيف رأسه بستغراب وكأنه سأله عن شيء نكرة لا يعرف عنه شيء وأجابهُ بجهل:_ أكل إيه؟
اتسعت عيناي خالد بصدمة وأردف بستنكار من ذلك الغبي الذي يجلس أمامهُ:
_نعم يا خويا، أكل إيه؟ وأكمل بسخريـة: الأكل اللي كنت رايح تجيبه يا عم الحبيب علشان نطفحهُ!

سيف وهو يضرب رأسه بإطراف أصابعهُ، فلقد نسي تمامًا أنه كان ذاهبًا حتى يأتي بطعامًا لهما، قائلًا بدهشة:_أوبس نسيت خالص! ثم رفع نظره لخالد الذي ينظر لهُ بغيظ، وكأنه على وشك قتلهُ مُرددًا بسخرية وغيظ:_ نسيت! أومال الباشا بقالهُ ساعة بينيل إيه؟

حمحم بهدوء ثم نهض من مكانهُ سريعًا قبل أن يفتاك بهِ خالد وانطلق من أمامهُ بعد أن قال:_خلاص يا عم أنا هتاكلني، هروح أجيبلك أكل أهو يارب نهدى بئا!

اتسعت حدقتاي خالد أكثر من صديقه وضرب كفًا على الآخر مرددًا بغيظ:_وربنا الواحد مصاحب شوية عرر.. ثم رفع
صوتهُ قائلًا:_أوعى تنسى المرة دي، وتروح وتسبنس.. وأخفض صوته قليلًا وهو يكمل"ماهو أنت أهبل وتعملها"..

أما في التربيظة التي بجانبهم وما زال يجلس عليها كلًا من يارا وإنجي، الذان استمعوا إلى حديثهما وانفجروا ضاحكان، أردفت يارا بعدم تصديق:_حقيقي دول مجانين..
إنجي وهي تنظر لخالد بطرف عيناها مرددة ببتسامة:_صُعب عليا أوي..
نهضت يارا من مقعدها قائلة:_طب يلا يا حبيبتي ميصعبش عليكِ غالي، خلينا نروح قبل ما عمو يقتلنا..

"ملحوظة/ إنجي ويارا ولاد عمى ويارا والدها ووالدتها متوفيين وعمها ومراته هما اللي اتولوا تربيتها مع بنتهم إنجي"
نهضت إنجي معها وانطلقوا عائدين نحو منزلهم..

*******

في المزرعة الذي يسكن فيها والد عز، الذي ما زال ينظر إلى والده في دهشة وصدمة كبيرة، فكيف فكر والده بتلك الطريقة، زواج ندى ومِن مَن! أردف عز بدهشة واستنكار:
_بس يا بابا، إزاي! وندى، ندى مش هتوافق على حاجه زي دي، وكمان...
قااطعهُ الجد قائلًا بحدة:_عِز أنا قولت اللي عندي، وبالنسبة لندى وابن اختك، أنا هخليهم يوافقوا، مالكش دعوة أنت يا عز، المهم اتصلي على جوز أختك دلوقتي حالًا وخليه يجي..

تنهد عز بيأس فهو يعلم مدى عناد والده وأنه لن يعود في قرارهُ مهما حدث، ودعى في داخلهُ أن يمر كل شيءٍ على خير..
_حاضر يا بابا..
وأخذ هاتفه وأجر اتصالًا لزوج أخته وصديقهُ كما طلب منه والده، وهو يشعر بالقلق مما ينوى عليه، وما هو رد فعل ابنته وابن اخته من هذا الزواج.. ماذا سيحدث يا تُرى؟

********

بعد أن دلفت ندى إلى غُرفتها، تنهدت بقوة وهي تنظر إلى الملف بيدها، ثم جلست على فراشها وقامت بفتح الملف مرةً أخرى وأخذت تنظر إلى المعلومات التي بداخلهُ، والتي كانت جميعها تخُص عمليات المافيا فقد كانت معلومات غاية في الخطورة، وضعت الملف من يدها وهي تُحادث نفسها بدهشة وعدم فهم:_المعلومات دي خطير جدًا، يا ترى بابا وصل ليها إزاي، وليه أصالًا المعلومات دي موجودة عنده، أنا مبقتش فاهمة حاجه وحاسة إن دماغي هتنفجر..

ظلت ندى جالسة مكانها وهي شاردة وتفكر فيما يحدث وما سيحدث بالظبط، حتى قطع شرودها ذاك صوت رنين هاتفها، ولم تكُن المتصلة سوى صديقتها هبة التي بمجرد أن فتحت الخط اندفعت هبة في الحديث بقلق:_إية يا ندى فينك، برن عليكِ من بدري، مش بتردي ليه؟

تنهدت ندى وهي تُجيبها بإرهاق من كثرة التفكير وعدم النوم:
_معلش يا هبة مكنتش جنب الفون؟
تساءلت ندى بخوف وهي تستمع إلى صوتها المُتعب:_مالك يا ندى؟
أجابتها بهدوء:_مفيش يا هبة، بس مرهقة شوية؟

لم تقتنع هبة بإيجابتها ولكنها أردفت:_ألف سلامة عليكِ يا حبيبتي
_الله يسلمك يا هبة..
سألتها هبة مستفسرة:_إيه حصل معاگِ النهاردة، ومين الشخص اللي كلمك ده؟
تذكرت ندى ما حدث اليوم من مقابلة ذاك الأدهم وما قاله، فأجابتها ندى بغموض:_هقولك، بس دلوقتي عاوزاگِ في حاجه مهمة جدًا..
هند بتركيز وترقب أردفت:_قولي، حاجة إيه؟
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي