الفصل التاسع
اتسعت أعين الجميع دهشة عندما استمعوا تلك الكلمات ونظروا نحو الباب جميعًا، فرأوا الجد يقف بشموخ وقوة، فتقدم منهُ عز سريعًا مُتسائلًا بهدوء:_ بابا حضرتك جيت إمتا؟
دلف الجد بهدوء وكأنه لم يقل شيء وجلس على المقعد بثبات وهو يجيبهُ:_لسه واصل من شوية، مالكم مصدومين كدا ليه؟ ثم نظر لندى التي تقف كالصنم تنظر فقط لأبيها مُرددًا:
_عـاملة إيه يا ندى؟
ابتلعت ريقها وهي توجه نظرها نحو جدها وتقدمت منهُ ثم قبلت يدها قائلة بصوت هادئ:_ أنا بخير يا جدو الحمدلله، حضرتك عامل إيه؟
أمأ لها الجد مُرددًا:
_الحمدلله في نعمة.. ثم نظر إلى حفيدهُ الآخر الذي يقف بهدوء وهو ينظر لوالدهُ يحاول معرفة من ملامح وجهه، هل عندهُ علم بما قالهُ جده منذ قليل، وتأكد من نظرة والده أنه على علم، رددت الجد ببرود:_إيه يا أدهم مش هتسلم عليا؟
تنحنح أدهم بثبات قائلًا:_أكيد طبعًا يا جدي، حضرتك عامل إيه؟ وتقدم منه وعانقهُ، بادلهُ الجد العِناق وهو يجيبهُ:_أنا الحمدلله بخير..
ابتعد عنهُ أدهم وساد الصمت فالأربعة يتبادلون النظرات فقط حتى أردف الجد بجدية:_واقفين ليه اقعدو..
جلس الجميع وبدأ الجد في الحديث، دون أن يعرض الموضوع على أحد فهو قد قرر وهما فقط عليهم التنفيذ:_ها يا ولاد عايزين الخطوبة إمتا؟
أردفت ندى ببلاهة وهي تنظر لجدها بعدم فهم:
_خطوبة مين بالظبط يا جدو؟
أردف الجد بثقة وهدوء:_خطوبتك أنتِ وأدهم يا ندى، هو أبوكِ مقالكيش ولا إيه؟!
نظرت ندى نحو والدها بستنكار والذى تحدث قائلًا بتنهيدة:
_لسه يا بابا ما قولتلهاش، كنت مستني الوقت المناسب..
تحولت نظرت ندى للدهشة، فعن أي وقت مناسب يتحدثون، بل وعن أي خطوبة يخططون! بينما تحدث أدهم ببرود يماثل جدهُ، فدائمًا ما كان يشبهُ في كثير من الصفات:
_وقت مناسب لإيه بالظبط، وبعدين هو أنتم أخدتوا رأينا علشان تفكروا وكمان تنفذوا حاجه زي دي، وإحنا آخر من يعلم!
تحدث الجد بحدة فهو لا يُحب أن يعترض أحدًا على حديثهُ حتى لو كان أكثر أحفاده قُربًا لقلبه:
_دا موضوع الكلام فيه منهي يا سيادة الرائد، ومش منتظر رأى حد فيكم..
نهضت ندى من مكانها بغضب وبعض الحزن، فكيف يتحكمون في حياتها بتلك الطريقة، وخرجت من المكتب، لأنها تعلم مدى قسوة جدها وعناده، وأنه إذا أخذ قرار لا يتراجع فيه أبدًا مهما كانت العواقب..
أردف حسام لأدهم سريعًا:_روح مع بنت عمتك يا أدهم وخلي بالك منها..
أمأ برأسهُ ودلف إلى الخارج ورائها مسرعًا حتى يلحق بها، أما عن ندى فكانت تسير وكأنها تودو الركض، وكانت تشعر بالغضب الشديد، أخذ أدهم ينادي عليها وهي لا تُعيرهُ أي اهتمام فرفع صوتهُ مرددًا:_استني يا ندى، يا بنتى استني، هو أنتِ مركبة في رجلك عجل! وركض حتى وقف أمامها قائلًا بهدوء:
_ممكن تقفي عشان نعرف نتكلم!
اغتاظت ندى بشدة من هدوء وانفجرت فيه مرددة بغضب:
_نتكلم في إيه بالظبط، أنت ما سمعتش جدو بيقول إيه، عاوزني أتجوز واحد معرفهوش غير امبارح، واكتشف النهاردة إنه ابن عمتو، لا وقال إيه عاوزين الخطوبة إمتا، أنت مستوعب اللي حصل يا سيادة الرائد..
تنهد أدهم بقوة وأردف:_طب ممكن تهدي علشان نعرف نفكر، ما أنا كمان في أم المصيبة دي معاكِ مش أنتِ لوحدك، والجدو مش عاوز العِناد!
صرخت ندى بانفعال وصوت عالي، غير منتبهة للأشخاص الذين يمرون من جانبهم وأنهم يقفان في مكان عام:
_يعني عايز تفهمني إنك مكنش عندك خبر بالموضوع ده!
أدهم بغيظ وغضب من صوتها العالي، ولكنهُ حاول تمالك نفسه وتحدث وهو يحاول كتم غيظه:_هو أنتِ متخلفة ولا ما بتسمعيش، هو أنا مش كنت متنيل معاكم فوق، واتصدمت زي ما أنتِ اتصدمت بالظبط، ولا الآنسة عامية!
نظرت له ندى بانفعال وصوتها ارتفع أكثر ورفعت بنصرها في وجهه قائلة:_أنا مسمحلكش تتكلم معايا بالإسلوب ده، أنت فاهم..
غضب أدهم بشدة من صوتها العالي، وأيضًا حديثها معهُ بذلك الإسلوب، وكانت الناس تنظر لهما، فهما يقفان في منتصف الطريق، فتنهد بقوة وقام بسحبها من يديها دون أي كلمة وأركبها في سيارته بغضب مكتوم، وصعد هو الآخر وساق بأقصى سرعة يمتلكها، كل ذلك وندى تحاول سحب يدها منه وهي تشعر بخجل فقد تداركت خطأها وصوتها العالي التي كانت تتحدث به ولكنها كانت ما زالت تشعر بالغضب..
بينما في المكتب كان الجد يجلس بغضب بسبب تصرف حفيدته الذي فيه تقليل من شأنهُ، وعز يشعر بالقلق على ابنته بينما حسام يفكر في تلك المصيبة وكيف سيقنع ابنه وابنت صديقه بهذا الزواج..
هتف الجد بغضب وهو ينظر لولده:_شوفت بنتك يا عز ودلعك فيها، مش عاملة احترام ليا ولوجودي!
أجابها عز مبررًا تصرفها:_يا بابا هي معذورة بردو، فجأة كدا تتجوز واحد ما تعرفهوش..
الجد بحدة:_هو إيه اللي متعرفهوش يا عز، هو حد غريب دا ابن عمتها، ولو شغلك كانوا اتربوا مع بعض..
لا يعرف عز ماذا يقول ففضل الصمت بينما تحدث حسام بهدوء وحكمة:_بس يا عمى ندى وأدهم بقالهم ١٥ سنة ما شفوش بعض ولا يعرفوا حاجه عن بعض، فأكيد مش هيتقابلوا فكرة الجوز بين يوم وليلة كدا؟
رد عليهم بصرامة وإصرار وهو ينهض من مكانه:_الگلام دا میهمنیش، واللي قولتهُ هيتنفذ، فحددوا معاد الخطوبة في أقرب وقت وبلغوني..
القى عليهم تلك الكلمات وتركهم وغادر بينما عز نظر لحسام بشرود وقلة حيلة مُتسائلًا:_هنعمل إيه؟
أجاب حسام بتفكير وحيرة هو الآخر:_مش عارف..
***************
عندما كانت هبة تتحدث مع ندى في الهاتف وبمجرد أن أغلقت معها، اتسعت عيناها من الصدمة عندما سمعت صوت حاد يأتي من خلفها يتسأل بقوة:_كنتِ بتكلمي ميين يا هبة؟
ابتلعت ريقها بقلق وتوتر، والتفت إلى والدها الغاضب والذي ينظر لها بترقب، أخذت تفرق في يدها دون أن تنطق بحرف، فصرخ بها بغضب قائلًا:_انطقي يا بت..
أردفت هبة بخوف بدى واضحًا على ملامحها ونبرة صوتها المضطربة:_ ك كنت ب بك لم صحبتي..
والدها والشرار يتطير من عيناه تساءل بترقب وهدوء:_صحبتك مين؟
أشارت بنظرها للجهة الأخرى ولم تجيبهُ، فأمسكها من يدها بُعنف فقد استمع إلى حديثها كاملًا ونهرها بقوة مُرددًا:_أنتِ مصاحبة ندى بنت عز الدين يا هبة وليكِ علاقة بيها، وكمان بتتصنتي عليا..
ختم حديثه بضربة قوية على وجنتها جعلت سيل رفيع من الدماء يسير من جانب فمها، بينما هبة أغمضت عيناها بقوة ثم فتحتهما وكانت الدموع تهبط على وجنتيها بعنف وصرخت بانفعال فقد طفح الكيل، ولأول مرة تكون بهذه الشجاعة:
_أيوة بكلم ندى، وأيوة ندى صاحبتي، وأنا مش هسمحلك تأذيها وهعمل كل اللي أقدر عليه علشان أثبت أعمالك البشعة..
والمُفاجأة بئا إن ندى مالهاش ذنب في أي حاجه، أنا اللي خلتها تدور وراك، وأنا اللي ساعدتها تلاقي الأوراق والمستندات على أعمالك الغير شريعية!
أنا بكرهك وبكره نفسي علشان أنا بنتك، أنا أكبر عار في حياتي إني بنتك يا محمود يا شامي...
قاطعها بيدهُ القوية التي هبطت بقوة على وجنتيها فجعلت أنفها ينزف وهتف بها بغضب وهو يمسك خصلات شعرها بين يده بقوة قائلًا بهدوء؛ ولكنه هدوء ما يسبق العاصفة:
_ماشي يا بنت فريدة، أنا هوريگِ وسمة العار دي هتعمل فيگِ إيه أنتِ والسنيورة التانية، وتبقي غبية لو فاكرة أن عيلة زيك هتهدا كل اللي عملته السنين دي كُلها..
أبعدها عنه بقوة فوقعت على الأرض فخرج من الغرفة وأغلق عليها من الخارج بعد أن أخذ هاتفها بينما ظلت هبة مكانها تبكي بشدة وهي تدعو الله أن يحفظ ندى فهي ليس لها ذنب في كل ما حدث!
أما محمود فدلف إلى غُرفتهُ بغضب شديد فكيف تفعل ذلك دون أن يشعر،ثم أمسك هاتفهُ وتحدث مع سيد الشخص الذي كلفه بقتل ندى وأردف بغضب:_سيبوا البنت وتعالو هنا حالًا..
وأغلق الهاتف وألقهُ على الفراش بانفعال وهو يقسم بداخلهُ أن أي شخصًا وقف في طريقهُ سيقضي عليه حتى لو كانت ابنته..
************
أوقف أدهم السيارة في مكان شبه مقطوع تقريبًا فنظرت ندى حولها بستغراب ثم نظرت لهُ مُتسائلة:_ممكن أعرف إحنا بنعمل أيه هنا في المكان المقطوع ده؟
نظر لها أدهم بغضب وحدة، وأصبحت عروقه بارزة من شدة غضبه فبتلعت ندى ريقها بتوتر ورجعت للخلف بينما تحدث أدهم بغضب:_علشان نشوف الهانم اللي كانت بتصرخ في نص الشارع ومش عاملة احترام لكيس الجوافة اللي واقف معاها..
تنهدت ندى بقوة فهي تعرف أنها أخطأت ولكن هذا كان بسبب غضبها ولكنها أردفت بهدوء:_أنا عارفة إني غلطت علشان كدا أنا آسفة على اللي حصل من شوية بس أنا اتعصب من اللي حصل!
صمت أدهم ونظر أمامهُ يحاول ضبط انفعالهُ، فصمتت ندى هي الأخرى وكان تنظر لها بطرف عيناها بين الحين والآخر، ظلوا على تلك الحالة وقت ليس بالقليل حتى قرر أدهم قطع ذلك الصمت عندما تحدث بهدوء:_أنتِ فعلًا شايفاني شخص غريب عنك يا ندى؟
تفاجأت ندى من سؤالهُ ولكنها ظلت تنظر أمامها بعيون شاردة ثم أجابتهُ:_١٥ سنة يا أدهم معرفش عنك حاجه، ما شوفناش بعض، أو حتى اتكلمنا، حتى أونكل حُسام لما كان بيجي كنت بستناك تيجي بس ما جيتش، فلازم أشوفك شخص غريب بعد السنين دي كلها!
نظر لها وهو يقول بهدوء ونبرة غامضة فهمتها ندى على الفور:_بس إحنا عمرنا ما كُنا غُرب عن بعض يا ندى!
لم تنظر إليه بل ابتسمت بسخرية مُرددة:
_دا زمان أيام ما كُنا أطفال.. بس نظرة لهُ بألم استطاع رؤيتهُ في عسلية عيناها الساحرة: بس دلوقتي إحنا كبرنا وبقينا أغراب عن بعض..
ثم أشاحت عيناها للجهة الأخرى مستطردة:_ممكن تروحني
تنهد أدهم بحزن ثم أردف:_لازم نتكلم الأول..
تساءلت بهدوء:_نتكلم في إيه بالظبط
أجابها مرددًا:_هنتكلم في اللي حصل في المكتب وموضوع جوازنا ده..
نظرت له بترقب قائلة:_أكيد أنت مش موافق على المهزلة دي!
نظر لها بنظرة جعلت ندى تشعر برعشة تسير في جميع جسدها فأبعدت نظرها عنه سريعًا، بينما ابتسم أدهم ابتسامة بسيطة ثم أجاب:_جدو ما بيحبش حد يعاند قُصادهُ، ولو عاندنا هينفذ اللي في دماغهُ!
همست بسُخرية"وما شاء الله عليك طالع شبهُ بالظبط!"
سمعها أدهم فابتسم خِلسة ثم تساءل بجهل مصطنع:_قولتي حاجه؟
هزت رأسها نافية فأكمل بهدوء:_أنا بفكر نوافق
نظرت ندى له بخضة قائلة:
_نعم! نوافق على إيه بالظبط، أنا لا يمكن أتجوزك..
رفع أدهم حاجبيه بستنكار وحدة:_لا والله!
حمحمت ندى مُرددة:_أقصد يعني، أنا لا يمكن أتجوزك بالطريقة دا..
ابتسم بخُبث قائلًا:_يعني ممكن تجوزيني لو غيرنا الطريقة دي؟
نظرة له ندى بغيظ تُداري خجلها ولم تجب، فاتسعت ابتسامة أدهم وبدأ الحديث بجدية:_بصي إحنا هنعمل اتفاق سوى، إحنا لو رفضنا جدك مش هيسكت وهيجوزنا غصب، وطبعًا محدش هيقدر يمنعهُ، فإحنا نريحهُ ونتخطب، وبعد ما نخلص المهمة نفكر في حاجه نقدر نقنعهُ بيها إن إحنا نسيب بعض، وأهو كدا كدا أنا مسئول عن حمايتك الفترة دي، وعلشان أكون معاكِ ونتقابل لازم يكون في سبب قوي ومفيش أقوى من كدا سبب، فهنضرب عصفورين بحجر واحد ويبقا ريحنا واستريحنا..
شردت ندى قليلًا في اقتراحه، فهذا هو أسلم حل فعلًا خصوصًا أنها تعلم جدها حق المعرفة، فأردفت بهدوء:
_هي فكرة مش بطالة خصوصًا إن جدي مش بيرجع في كلمته أبدًا، خلاص أنا موافقة..
ابتسم لها أدهم قائلًا:_يبقا اتفقنا..
دلف الجد بهدوء وكأنه لم يقل شيء وجلس على المقعد بثبات وهو يجيبهُ:_لسه واصل من شوية، مالكم مصدومين كدا ليه؟ ثم نظر لندى التي تقف كالصنم تنظر فقط لأبيها مُرددًا:
_عـاملة إيه يا ندى؟
ابتلعت ريقها وهي توجه نظرها نحو جدها وتقدمت منهُ ثم قبلت يدها قائلة بصوت هادئ:_ أنا بخير يا جدو الحمدلله، حضرتك عامل إيه؟
أمأ لها الجد مُرددًا:
_الحمدلله في نعمة.. ثم نظر إلى حفيدهُ الآخر الذي يقف بهدوء وهو ينظر لوالدهُ يحاول معرفة من ملامح وجهه، هل عندهُ علم بما قالهُ جده منذ قليل، وتأكد من نظرة والده أنه على علم، رددت الجد ببرود:_إيه يا أدهم مش هتسلم عليا؟
تنحنح أدهم بثبات قائلًا:_أكيد طبعًا يا جدي، حضرتك عامل إيه؟ وتقدم منه وعانقهُ، بادلهُ الجد العِناق وهو يجيبهُ:_أنا الحمدلله بخير..
ابتعد عنهُ أدهم وساد الصمت فالأربعة يتبادلون النظرات فقط حتى أردف الجد بجدية:_واقفين ليه اقعدو..
جلس الجميع وبدأ الجد في الحديث، دون أن يعرض الموضوع على أحد فهو قد قرر وهما فقط عليهم التنفيذ:_ها يا ولاد عايزين الخطوبة إمتا؟
أردفت ندى ببلاهة وهي تنظر لجدها بعدم فهم:
_خطوبة مين بالظبط يا جدو؟
أردف الجد بثقة وهدوء:_خطوبتك أنتِ وأدهم يا ندى، هو أبوكِ مقالكيش ولا إيه؟!
نظرت ندى نحو والدها بستنكار والذى تحدث قائلًا بتنهيدة:
_لسه يا بابا ما قولتلهاش، كنت مستني الوقت المناسب..
تحولت نظرت ندى للدهشة، فعن أي وقت مناسب يتحدثون، بل وعن أي خطوبة يخططون! بينما تحدث أدهم ببرود يماثل جدهُ، فدائمًا ما كان يشبهُ في كثير من الصفات:
_وقت مناسب لإيه بالظبط، وبعدين هو أنتم أخدتوا رأينا علشان تفكروا وكمان تنفذوا حاجه زي دي، وإحنا آخر من يعلم!
تحدث الجد بحدة فهو لا يُحب أن يعترض أحدًا على حديثهُ حتى لو كان أكثر أحفاده قُربًا لقلبه:
_دا موضوع الكلام فيه منهي يا سيادة الرائد، ومش منتظر رأى حد فيكم..
نهضت ندى من مكانها بغضب وبعض الحزن، فكيف يتحكمون في حياتها بتلك الطريقة، وخرجت من المكتب، لأنها تعلم مدى قسوة جدها وعناده، وأنه إذا أخذ قرار لا يتراجع فيه أبدًا مهما كانت العواقب..
أردف حسام لأدهم سريعًا:_روح مع بنت عمتك يا أدهم وخلي بالك منها..
أمأ برأسهُ ودلف إلى الخارج ورائها مسرعًا حتى يلحق بها، أما عن ندى فكانت تسير وكأنها تودو الركض، وكانت تشعر بالغضب الشديد، أخذ أدهم ينادي عليها وهي لا تُعيرهُ أي اهتمام فرفع صوتهُ مرددًا:_استني يا ندى، يا بنتى استني، هو أنتِ مركبة في رجلك عجل! وركض حتى وقف أمامها قائلًا بهدوء:
_ممكن تقفي عشان نعرف نتكلم!
اغتاظت ندى بشدة من هدوء وانفجرت فيه مرددة بغضب:
_نتكلم في إيه بالظبط، أنت ما سمعتش جدو بيقول إيه، عاوزني أتجوز واحد معرفهوش غير امبارح، واكتشف النهاردة إنه ابن عمتو، لا وقال إيه عاوزين الخطوبة إمتا، أنت مستوعب اللي حصل يا سيادة الرائد..
تنهد أدهم بقوة وأردف:_طب ممكن تهدي علشان نعرف نفكر، ما أنا كمان في أم المصيبة دي معاكِ مش أنتِ لوحدك، والجدو مش عاوز العِناد!
صرخت ندى بانفعال وصوت عالي، غير منتبهة للأشخاص الذين يمرون من جانبهم وأنهم يقفان في مكان عام:
_يعني عايز تفهمني إنك مكنش عندك خبر بالموضوع ده!
أدهم بغيظ وغضب من صوتها العالي، ولكنهُ حاول تمالك نفسه وتحدث وهو يحاول كتم غيظه:_هو أنتِ متخلفة ولا ما بتسمعيش، هو أنا مش كنت متنيل معاكم فوق، واتصدمت زي ما أنتِ اتصدمت بالظبط، ولا الآنسة عامية!
نظرت له ندى بانفعال وصوتها ارتفع أكثر ورفعت بنصرها في وجهه قائلة:_أنا مسمحلكش تتكلم معايا بالإسلوب ده، أنت فاهم..
غضب أدهم بشدة من صوتها العالي، وأيضًا حديثها معهُ بذلك الإسلوب، وكانت الناس تنظر لهما، فهما يقفان في منتصف الطريق، فتنهد بقوة وقام بسحبها من يديها دون أي كلمة وأركبها في سيارته بغضب مكتوم، وصعد هو الآخر وساق بأقصى سرعة يمتلكها، كل ذلك وندى تحاول سحب يدها منه وهي تشعر بخجل فقد تداركت خطأها وصوتها العالي التي كانت تتحدث به ولكنها كانت ما زالت تشعر بالغضب..
بينما في المكتب كان الجد يجلس بغضب بسبب تصرف حفيدته الذي فيه تقليل من شأنهُ، وعز يشعر بالقلق على ابنته بينما حسام يفكر في تلك المصيبة وكيف سيقنع ابنه وابنت صديقه بهذا الزواج..
هتف الجد بغضب وهو ينظر لولده:_شوفت بنتك يا عز ودلعك فيها، مش عاملة احترام ليا ولوجودي!
أجابها عز مبررًا تصرفها:_يا بابا هي معذورة بردو، فجأة كدا تتجوز واحد ما تعرفهوش..
الجد بحدة:_هو إيه اللي متعرفهوش يا عز، هو حد غريب دا ابن عمتها، ولو شغلك كانوا اتربوا مع بعض..
لا يعرف عز ماذا يقول ففضل الصمت بينما تحدث حسام بهدوء وحكمة:_بس يا عمى ندى وأدهم بقالهم ١٥ سنة ما شفوش بعض ولا يعرفوا حاجه عن بعض، فأكيد مش هيتقابلوا فكرة الجوز بين يوم وليلة كدا؟
رد عليهم بصرامة وإصرار وهو ينهض من مكانه:_الگلام دا میهمنیش، واللي قولتهُ هيتنفذ، فحددوا معاد الخطوبة في أقرب وقت وبلغوني..
القى عليهم تلك الكلمات وتركهم وغادر بينما عز نظر لحسام بشرود وقلة حيلة مُتسائلًا:_هنعمل إيه؟
أجاب حسام بتفكير وحيرة هو الآخر:_مش عارف..
***************
عندما كانت هبة تتحدث مع ندى في الهاتف وبمجرد أن أغلقت معها، اتسعت عيناها من الصدمة عندما سمعت صوت حاد يأتي من خلفها يتسأل بقوة:_كنتِ بتكلمي ميين يا هبة؟
ابتلعت ريقها بقلق وتوتر، والتفت إلى والدها الغاضب والذي ينظر لها بترقب، أخذت تفرق في يدها دون أن تنطق بحرف، فصرخ بها بغضب قائلًا:_انطقي يا بت..
أردفت هبة بخوف بدى واضحًا على ملامحها ونبرة صوتها المضطربة:_ ك كنت ب بك لم صحبتي..
والدها والشرار يتطير من عيناه تساءل بترقب وهدوء:_صحبتك مين؟
أشارت بنظرها للجهة الأخرى ولم تجيبهُ، فأمسكها من يدها بُعنف فقد استمع إلى حديثها كاملًا ونهرها بقوة مُرددًا:_أنتِ مصاحبة ندى بنت عز الدين يا هبة وليكِ علاقة بيها، وكمان بتتصنتي عليا..
ختم حديثه بضربة قوية على وجنتها جعلت سيل رفيع من الدماء يسير من جانب فمها، بينما هبة أغمضت عيناها بقوة ثم فتحتهما وكانت الدموع تهبط على وجنتيها بعنف وصرخت بانفعال فقد طفح الكيل، ولأول مرة تكون بهذه الشجاعة:
_أيوة بكلم ندى، وأيوة ندى صاحبتي، وأنا مش هسمحلك تأذيها وهعمل كل اللي أقدر عليه علشان أثبت أعمالك البشعة..
والمُفاجأة بئا إن ندى مالهاش ذنب في أي حاجه، أنا اللي خلتها تدور وراك، وأنا اللي ساعدتها تلاقي الأوراق والمستندات على أعمالك الغير شريعية!
أنا بكرهك وبكره نفسي علشان أنا بنتك، أنا أكبر عار في حياتي إني بنتك يا محمود يا شامي...
قاطعها بيدهُ القوية التي هبطت بقوة على وجنتيها فجعلت أنفها ينزف وهتف بها بغضب وهو يمسك خصلات شعرها بين يده بقوة قائلًا بهدوء؛ ولكنه هدوء ما يسبق العاصفة:
_ماشي يا بنت فريدة، أنا هوريگِ وسمة العار دي هتعمل فيگِ إيه أنتِ والسنيورة التانية، وتبقي غبية لو فاكرة أن عيلة زيك هتهدا كل اللي عملته السنين دي كُلها..
أبعدها عنه بقوة فوقعت على الأرض فخرج من الغرفة وأغلق عليها من الخارج بعد أن أخذ هاتفها بينما ظلت هبة مكانها تبكي بشدة وهي تدعو الله أن يحفظ ندى فهي ليس لها ذنب في كل ما حدث!
أما محمود فدلف إلى غُرفتهُ بغضب شديد فكيف تفعل ذلك دون أن يشعر،ثم أمسك هاتفهُ وتحدث مع سيد الشخص الذي كلفه بقتل ندى وأردف بغضب:_سيبوا البنت وتعالو هنا حالًا..
وأغلق الهاتف وألقهُ على الفراش بانفعال وهو يقسم بداخلهُ أن أي شخصًا وقف في طريقهُ سيقضي عليه حتى لو كانت ابنته..
************
أوقف أدهم السيارة في مكان شبه مقطوع تقريبًا فنظرت ندى حولها بستغراب ثم نظرت لهُ مُتسائلة:_ممكن أعرف إحنا بنعمل أيه هنا في المكان المقطوع ده؟
نظر لها أدهم بغضب وحدة، وأصبحت عروقه بارزة من شدة غضبه فبتلعت ندى ريقها بتوتر ورجعت للخلف بينما تحدث أدهم بغضب:_علشان نشوف الهانم اللي كانت بتصرخ في نص الشارع ومش عاملة احترام لكيس الجوافة اللي واقف معاها..
تنهدت ندى بقوة فهي تعرف أنها أخطأت ولكن هذا كان بسبب غضبها ولكنها أردفت بهدوء:_أنا عارفة إني غلطت علشان كدا أنا آسفة على اللي حصل من شوية بس أنا اتعصب من اللي حصل!
صمت أدهم ونظر أمامهُ يحاول ضبط انفعالهُ، فصمتت ندى هي الأخرى وكان تنظر لها بطرف عيناها بين الحين والآخر، ظلوا على تلك الحالة وقت ليس بالقليل حتى قرر أدهم قطع ذلك الصمت عندما تحدث بهدوء:_أنتِ فعلًا شايفاني شخص غريب عنك يا ندى؟
تفاجأت ندى من سؤالهُ ولكنها ظلت تنظر أمامها بعيون شاردة ثم أجابتهُ:_١٥ سنة يا أدهم معرفش عنك حاجه، ما شوفناش بعض، أو حتى اتكلمنا، حتى أونكل حُسام لما كان بيجي كنت بستناك تيجي بس ما جيتش، فلازم أشوفك شخص غريب بعد السنين دي كلها!
نظر لها وهو يقول بهدوء ونبرة غامضة فهمتها ندى على الفور:_بس إحنا عمرنا ما كُنا غُرب عن بعض يا ندى!
لم تنظر إليه بل ابتسمت بسخرية مُرددة:
_دا زمان أيام ما كُنا أطفال.. بس نظرة لهُ بألم استطاع رؤيتهُ في عسلية عيناها الساحرة: بس دلوقتي إحنا كبرنا وبقينا أغراب عن بعض..
ثم أشاحت عيناها للجهة الأخرى مستطردة:_ممكن تروحني
تنهد أدهم بحزن ثم أردف:_لازم نتكلم الأول..
تساءلت بهدوء:_نتكلم في إيه بالظبط
أجابها مرددًا:_هنتكلم في اللي حصل في المكتب وموضوع جوازنا ده..
نظرت له بترقب قائلة:_أكيد أنت مش موافق على المهزلة دي!
نظر لها بنظرة جعلت ندى تشعر برعشة تسير في جميع جسدها فأبعدت نظرها عنه سريعًا، بينما ابتسم أدهم ابتسامة بسيطة ثم أجاب:_جدو ما بيحبش حد يعاند قُصادهُ، ولو عاندنا هينفذ اللي في دماغهُ!
همست بسُخرية"وما شاء الله عليك طالع شبهُ بالظبط!"
سمعها أدهم فابتسم خِلسة ثم تساءل بجهل مصطنع:_قولتي حاجه؟
هزت رأسها نافية فأكمل بهدوء:_أنا بفكر نوافق
نظرت ندى له بخضة قائلة:
_نعم! نوافق على إيه بالظبط، أنا لا يمكن أتجوزك..
رفع أدهم حاجبيه بستنكار وحدة:_لا والله!
حمحمت ندى مُرددة:_أقصد يعني، أنا لا يمكن أتجوزك بالطريقة دا..
ابتسم بخُبث قائلًا:_يعني ممكن تجوزيني لو غيرنا الطريقة دي؟
نظرة له ندى بغيظ تُداري خجلها ولم تجب، فاتسعت ابتسامة أدهم وبدأ الحديث بجدية:_بصي إحنا هنعمل اتفاق سوى، إحنا لو رفضنا جدك مش هيسكت وهيجوزنا غصب، وطبعًا محدش هيقدر يمنعهُ، فإحنا نريحهُ ونتخطب، وبعد ما نخلص المهمة نفكر في حاجه نقدر نقنعهُ بيها إن إحنا نسيب بعض، وأهو كدا كدا أنا مسئول عن حمايتك الفترة دي، وعلشان أكون معاكِ ونتقابل لازم يكون في سبب قوي ومفيش أقوى من كدا سبب، فهنضرب عصفورين بحجر واحد ويبقا ريحنا واستريحنا..
شردت ندى قليلًا في اقتراحه، فهذا هو أسلم حل فعلًا خصوصًا أنها تعلم جدها حق المعرفة، فأردفت بهدوء:
_هي فكرة مش بطالة خصوصًا إن جدي مش بيرجع في كلمته أبدًا، خلاص أنا موافقة..
ابتسم لها أدهم قائلًا:_يبقا اتفقنا..
