الفصل الحادي عشر

تنفست ندى بقوة وهي تقف أمام المرآة تنظر إلى نفسها، كانت في أبهى حالتها، وغاية في الجمال والرقة، فقد ارتدت فستان بالون الوردي يضيق من عند الخصر ثم ينزل باتساع، وبه فصوص بالوان الذهبي، فكان يلمع بلمعة مُحببة للأنظار، وارتدت حجاب بالون الذهبي وزينته بتاج من الورد، ووضعت القليل من مساحيق الجمال فزادتها جمالًا، فأصبحت حقًا مثل الملكات في زيها الجميل والبسيط، استمعت إلى طرق على باب الغرفة يلية دلوف والدها ببتسامة حنونة فالتفتت بجسدها كلهُ إليه بينما تقدم منها عز ولثم جبينها بقُبلة هادئة ثم ابتعد عنها قائلًا:
_زي القمر يا ندى.. ابتسمت بخجل فاستطرد والدها الحديث قائلًا: أنا عارف إنك لحد دلوقتي مش مقتنعة بخطوبتك من أدهم، وعارف إن موافقتك ما كانت إلا علشان ترضي جِدك بس مش أكتر، بس عاوزه أقولك يا بنتي إنك مش هتلاقي حد زي أدهم وأتمنى فعلًا إنك تديلهُ فرصة!
ابتسمت له ندى وأمأت برأسها هامسة:_إن شاء الله يا بابا..
أمسك يدها ووضعها في يدها وانطلق إلى خارج الغُرفة فوجد الفتيات الثلاثة يقفون أمام البيت بأناقتهم الخاطفة للأنفس فقد كانت كلًا منهما تتألق في فستانها الخاص حيث أرتدت نيرة فستان بالون النبيتي رائعًا على ملامحها ولون بشرتها ناصعة البياض بينما أرتدت إنجي ويارا فساتين بنفس ألون وهو ألون الزهري الهادئ فكانتا حقًا رائعتان، عانقة نيرة شقيقتها وأيضًا إنجي ويارا بسعادة وانطلقوا ينزلان خلفها بخفة..
كان أدهم يقف أسفل الدرج وهو ينظر لها بانبهار وهو لا يستطع أن يُزيل عيناه من عليها من شدة جمالها، وقد كان هو الآخر غاية في الوسامة في بذلته السوداء الأنيقة وقميصهُ ناصع البياض الذي فتح أول ذر بهِ فظهرت تناسق عضلاته، ووضع عطره النفاذ، حقًا سحرت ندى بهِ، وصل عز أمامهُ هو وندى سلمها عز لهُ وهو يقول ببتسامة واسعة:_أنا مش هقول حاجه لأني واثق فيك يا أدهم..
ابتسم له أدهم وأمأ برأسهُ ثم أمسك يد ندى وهو يبتسم لها بحُب وذهبوا نحو الجنان التي تقام فيه حفلة خطبتهم..

*************

أردفت إنجي بفرح وهي تجلس بجانب يارا:_ندى عسولة أوي، ولا أدهم واو..
نظرت لها يارا بغيظ قائلة:_يا بنتي اتهدي بئا وبطلي تعاكسي في خلق الله..
نفخت إنجي ونهضت من جانبها مُرددة:_والله أنتِ بت معقدة لما أروح أشوف البت نيرو راحت فين، هي اللي بتشاركني تفاهتي..
ضحكت يارا عليها وهي تهز رأسها بينما انطلقت إنجي بين الضيوف تبحث عن نصفها التافهة الآخر أي نيرة..


أما عند أدهم وندى الذين يجلسون في مكانهم المُخصص، مال أدهم على ندى ببتسامة مستفزة هامسًا:
_ممكن تضحكي شوية، كدا هيشكوا إن في حاجه!
نظرت له ندى بغيظ وتمتمت بطفولية:_أنا حُرة

ابتسم خلسة ثم عقد حاجبيه مُتسائلًا:_بتقولي حاجه؟
ردت عليه بعند وتحدي:_لأ..
نظر أدهم بغيظ وصمت عندما رآى أصدقائه يتقدمون منهُ فابتسم ونهض يستقبلهم، تقدم منهُ أحمد أولًا واحتضنهُ مُرددًا بسعادة بعد أن ابتعد عنه:_مبروووك يا عريس..
تقدمه منه زين هو الآخر قائلًا بمرح:
_والله ووقعت يا دنجون المجرة..
أكمل سيف بمرح:_ومحدش سمى عليك يا بطل
دخل خالد بضحك مُستطردًا هو الآخر:_والله ودخلت القفص برجليك يا وحش!

ضيق أدهم عيناه وهو يرفع أحد حاجبيه قائلًا:_دا أنتم جايين تحفلوا عليا بئا..
نظروا الأربعة لبعضهم بصدمة مصطنعة وهما يقولون بمرح:
زين:_إحنا..
سيف:_معقول..
خالد:_مستحيل..
احمد:_عيب عليك..

رفع أدهم حاجبيه وهو ينظر لأحمد قائلًا بمرح:_حتى أنت يا أحمد كنت فكرك عاقل!
ضحك أحمد بقوة وهو يُعدل لياقة قميصهُ قائلًا:_أنا عاقل خالص أهو..
حدث ذلك أمام ندى التي تُحاول كتم ضحكاتها، فنظر لها أدهم مُرددًا بمرح:_اضحكي اضحكي..
أدارت وجهها الناحية الأخرى وهي تضحك فتقدم منها زين وهو يمد يده لندى قائلًا ببتسامة بلهاء:_ألف مبرووك يا عروسة أنا زين..
صافحهُ أدهم بحدة وهو يضغط على يده قائلًا بغيظ:_أهلًا بيك يا روح خالتك..
حمحم زين بحرج وهو يحاول فك يدهُ قائلًا بمرح يداري بهِ خجلهُ:_ طب سيب إيدي يا عم أنت ما بتصدق..
ألقى عليه نظرة حادة وترك يده كان كلًا من أحمد وسيف وخالد يضحكون خلسة بينما نظر أدهم لندى قائلًا وهو يُشير إلى أصدقائهُ:
_دول يا ستي أحمد وخالد وزين وسيف صُحابي بس أنصحك ما تعرفهمش..
شهق سيف بدهشة مصتنعة وهو يقول بستنكار:_ليه بس يا باشا، دا إحنا كيوت خالص وقمامير..
ضحكت ندى برقة قائلة:_أيوة طبعًا، عمتًا اتشرفت بيكم..

مال أحمد على أدهم قليلًا ثم همس له بُخبث:
_أيوة بئا، بضيتلك فى القفص يا دومي، دا أنا هفكر في الاستقرار بعد كدا..
نظر أدهم لهُ بستنكار ثم لكمهُ بغيظ مُرددًا:_اتلم يا حبيبي أحسن أخليك تستقر فعلًا، بس استقرار أبدي!
كتم أحمد ضحكتهُ وغمز له مُردفًا:_الله وبنغير كمان..

أبعده أدهم عنه بغيظ مرددًا ببرود:
_غور ياض يا جحش أنت من هنا..
ضحك أحمد بقوة وهو يرفع يده مرددًا بمرح:_ماشي يا عم ما تزوقش.. ونظر لأصدقائه قائلًا بمرح:
_يلا بينا يا شباب نشوف البوفية فين بدل الفرح النكد ده!
فضحك الشباب وذهبوا جميعًا، وبمجرد ذهابهم انفجرت ندى ضاحكة وهي تقول:_صحابك دول عسولات أوي مش شبهك..
أردف بتريقة على حديثها وغيظ:_صحابك عسولات أوي، دا إيه يا بت الخفة دي.. ثم تحدث بجدية:_اتلمي كدا هاه اتلمي..

لوة فمها بطفولية هامسة:_بارد..
رفع حاجبيه فلقد سمع حديثها وأردف بستنكار:_لا والله، هو مين ده؟
نظرت له ببرود مرددة:_واحد كدا كِشري ودمه يلطش، وحاجه كدا اممممم مش مهم بئا..
وأدارت وجهها الجهة الأخرى وهي تبتسم بخبث عندما رأت أدهم بدأ يستشيط غضبًا، وقبل أن ينطق بشيء أتى كلًا من عز وحسام فكتم أدهم غيظهُ وحاول أن يبتسم في وجه أبيهِ وخالهُ..
**********

أخذت نيرة تبحث عن أصدقائها وهي تسير غير منتبهة للطريق فقد كانت تنظر حولها، ودون أن تشعر وللمرة الثانية اصتدمت بشخصًا وكادت أن تقع بسبب الكعب الذي ترتدي، ولكن هذا الشخص جذبها إليه فاصتدمت في صدرهُ ودون إرادة منها جال في عقلها ذلك اليوم الذي اصتدمت فيه بسيف، فخجلت بشدة وتراجعت للخلف بضع خطوات وهتف قائلة بتوتر:_أنا آسفة جدًا ورفعت نظرها قليلًا، بينما تنحنح سيف وكاد أن يتحدث، ولكن اتسعت عيناه فرحًا عندما نظر إليها فهتف معًا بعدم تصديق:
_أنت/أنتِ

اتسعت ابتسامة سيف فرحًا وأخذ يردد بسعادة:_أنتِ بجد، قصدي بتعملي إيه هنا؟ يووه أنتِ عاملة إيه؟

ضحكت نيرة على توترهُ وتوردت وجنتيها خجلًا وهي تجيبهُ:
_الحمدلله، وأنت عامل إيه؟
رد بحماس وعيناه تلمع بشدة:_أنا تمام حلو جدًا، أنا سيف فكراني؟
كادت أن تتحدث ولكن قاطعها مجيئ صديقتها وهي تمسك بيده وتسحبها معها مُرددة بستعجال:_نيرة تعالي بسرعة طنط عايزاكِ..
واخذتها وذهبت بينما شرد سيف وهو ينظر لطيفها الذي اختفى بين الحاضريين، وهو يبتسم ببلاهة وعدم تصدق فلقد رآئها أخيرًا فطول الأيام السابقة كان يحلم برأيتها مرة أخرى وفجأة أتى من خلفهُ صوت عالي:_ســـيف

انتفض بخضة وهو يلتف حول نفسهُ قائلًا بتلعثم:_إيه في إيه، القاعة بتنهد!
أخذ زين يضحك بقوة وهو يراهُ يلتف حول نفسهُ كالمجانين فنظر لهُ سيف بغضب بينما تقدم زين منهُ ووضع يده على كتفاهُ قائلًا:_ إيه يا عم إهدى، كنت سرحان في إيه يا نمس؟ قال جملتهُ الأخيرة وهو يغمز له بخبث..
ضغط سيف بأسنانه على شفتيه السفلى بغيظ ودفعهُ عنه بضيق هاتفًا:_غور يا حيوان من هنا، دا أنا قطعت الخلفة بسببك..

ضحك زين أكثر وأقترب منهُ مرة أخرى وقرص وجنتيه بمرح مُرددًا:_حبيباي يا سيفو، اتخضيتي يا بطة!

نزع يده بااشمئزاز قائلًا:_أوعى يا بغل أنت، يتك القرف في تنحتك..
لم يتركه زين بل اقترب منه أكثر وهو يضحك بستمتاع على مضيقته حتى أتى صوت من خلفهم مرددًا بمرح:_خيانة بتعملوا إيه من غيري يا حلوين
كان ذلك صوت خالد فوضع زين يده على وجهه بمسرحية مرددًا بمرح:_ يالهوي يا فضحتي اتقفشنا يا أبو صلاح..
نظر لهم سيف شزرًا مرددًا بشمئزاز وهو يبتعد عنهما:_أوعى يا زفت أنت وهو، دا أنتم عيال مُهزءة.. وتركهم وغادر
فرفع خالد حاجبيه قائلًا بحيرة:_ ماله الواد ده؟

وضع زين يده على كتفاه قائلًا بدلع:_والنبي يا أوختي ما أعرف..
نظر له خالد بقرف وابتعد عنه ثم هتف بشمىزاز وهو يشير ببنسره عليه:_بذمتك دا شكل ظابط محترم…
اعتدل زين في وقفتهُ وهو يعدل لايقة قميصهُ قائلًا ببتسامة:
_طبعًا دا أنا ظابط عسل وقمور خالص أهو
نظر له خالد بستهزاء قائلًا:_يتك ستين خيبة قال عسل وقمور.. وتركه وذهب هو الآخر..
نظر له زين وهو يذهب ثم أردف بغرور:_هو أنا الكل بيحبني كدا.. وانطلق ذاهبًا خلفهُ..
فظهرت تلك الجميلة التي كانت تمر من جانبهم ورأت ما حدث فهزت رأسها بضحك مُرددة:_مجنونة!
ثم انطلقت حيثُ تجلس ابنة عمها ومعها نيرة، جلست بجانبهم فأردفت إنجي متسائلة:_كنتِ فين يا يارا؟
رددت يارا عليها ببتسامة:_مفيش روحت الحمام..
ثم وجهت نظرها لنيرة الشاردة مُتسائلة:_سرحانة في إيه يا أوخت نيرو؟
آفاقت نيرة من شرودها وابتسمت لهما مُرددة:_مفيش حاجه..
ثم وجهت نظرها نحو شقيقتها وأدهم الذين يبدو عليهم أنهم يتشاجران من تعابير وجههم..

*************

أما عند هبة، تلك المسكينة التي ما زالت محبوسة في تلك الغُرفة مُنذ شجارها الآخير مع والدها..
كانت تجلس على سجادة الصلاة تؤدي فريضتها وتدعو إلى المولى أن يخلصها من ذلك الشخص الذي لا يعرف شيء عن الرحمة، وتبكي إلى ربها.. ظلت على تلك الحالة بعضًا من الوقت وبمجرد أن انتهت ورفعت نظرها وجدت من ينظر لها بسخرية واستهزاء، فقد كان محمود يجلس على الأريكة ويضع قدم فوق الأخرى بتكبر ألقت عليه نظرة عابرة ثم توجهت نحو فراشها وجلست عليه، فهتف بسخرية:_ربنا يقوي إيمانك يا ست الشيخة..
نظرت له هبة بلامبالاة ولم تتحدث بحرفًا واحد بل فضلت الصمت فليس لديها أي استعداد أن تتحدث مع ذلك الشخص، فأكمل محمود بخبث:_صحبتك الأمورة خطوبتها النهاردة، يلا عِدى الجمايل سبتهالك أهو لحد ما شافت نفسها عروسة عاوزك بئا تعِدي الساعات، علشان هخليكِ تشوفيها قريب وتشبعيها منها أنتِ كمان!

نظرت له بعدم فهم ثم سألته بستفهام:_قصدك إيه؟
ابتسم محمود بخبث ومكر شيطاني:
_اممم، قصدي إيه.. نهضت من مكانه واقترب منها ثم مال عليها مُرددًا بخبث:_خليها مُفاجأة يا بيبو، سلام يا حبيبتي..
اعتدل في جلستهُ تاركة في تفكيرها وحيرتها ثم توجه ناحية الباب وقبل أن يدلف إلى الخارج أردف بجدية لا تقبل النقاش:_اعملي حسابك واستعدي بكرا هتسافري من مصر نهائيًا..
نهضت هبة من مكانها مُرددة بغضب وانفعال:_أنا مش هسافر في أي مكان..
ضحك بسخرية ثم أردف بغضب:_واحدة مكانك تسمع الكلام وتنفذه من غير نفس، واحد مكاني كان دفنك بالحي بس علشان أن قلب طيب لسه سايبك عايشة لحد دلوقتي..

أردفت بقهر:_يا ريتك تقتلني فعلًا وتخلصني من القرف ده
نظر لها من أعلى رأسها لأسفل قدماها مُرددًا ببرود:
_مش بمزاجك، موتك مش بمزاجك بس صدقيني يا هبة غلطة كمان منك ومش هتردد مرة واحدة في قتلك يا بِنــتي.. كان يضغط على الكلمة الآخيرة وكأنه يؤكد لها حقيقة أنها ابنتهُ أي مهما فعلت ومهما حدث لن تستطع التخلص منهُ نهائيًا..
انطلق خارج الغرفة وأغلق الباب بقوة جعل جسدها يرتجف، فوقعت على فراشها تبكي بعُنف وتتمنى أن تتخلص من ذلك السجن الذي يشعرها باختناق قاتل، فهي تُريد أن ترتاح من هذه الحياة..

أما محمود فانطلق ذاهبًا من قصرهُ بأكملهُ حتى وصل إلى شركتهُ الخاصة، وكان بانتظاره مجموع من الرجال، دلف وجلس فى المكان المخصص له ووضع قدم فوق الآخر وأخذ ينظر لهم قليلًا ثم أردف بقوة وتحذير:_ما يطلعش النهار إلا والبنت دي موجودة عندي، ومحدش يلمس منها شعرة أنتم فاهمين!
أمأت الرجال رأسهم بالموافقة واستأذنوا حتى يذهبون إلى تنفيذ المهمة التي كلفهم بها رئيسهم..

تنهد محمود بقوة وهو ينفس سجارتهُ بخبث، وبعد قليل من الوقت طرق باب المكتب فأذن للطارق بالدخول، والذي لم يكن غير المحامي الخاص لمحمود والذي يعتبر يده اليُمن في جميع أعماله، فمن يجرأ أن يأتي إلى هنا في ذلك الوقت المُتأخر غيرهُ والذي يدعى هاني، دلف وهو يبتسم بُخبث كرئيسهُ مرددًا:_مساء الخير يا محمود باشا..
أشار له محمود بالجلوس وهو يقول:_مساء النور يا هااني، ها عملت اللي قولتلك عليه؟
أمأ رأسه بثقة مُرددًا بجدية وبنبرة عملية وخبيثة:_أيوة وكله تمام وزي ما طلبت يا باشا، بس البوص لو عرف مش هيسكت!

نفخ الآخرى سيجارته ببرود قائلًا:_مش مهم، المهم إني أجيب حقي من عز وبنته مهما كان التمن!
حمحم هاني قائلًا بحذر:
_بس يا محمود بيه البوص مش بيحب حد يعمل حجة من غير ما يرجعله!
نظر له محمود بقوة قائلًا بحدة:_وأنا مش أي حد يا هاني وأعمل اللي أنا شايفه صح ولا إيه!
أمأ هاني برأسهُ قائلًا:_أكيد يا باشا..
قرر هاني عدم جِدالهُ في ذلك الأمر لأنه يعلم أن محمود إذا وضع شيء في باله ينفذه مهما كلف الأمر..
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي