الفصل الثاني عشر والأخير
كان سيف يجلس على إحدى التربيظات التي تُكشف الحديقة بأكملها ويُتابع نيرة تلك الفراشة التي تذهب هُنا وهناك وتبتسم ابتسامتها الساحرة..
يُتايعها ببتسامتهُ الجذابة تلك فهو لا يدرى إلى الآن كيف استطاعت تلك الرائعة أن تخطف قلبه من نظرة واحدة، هل فعلًا يوجد حُب من النظرة الأولى! لم يكن يتخيل أن يراها هُنا فقد ظل يبحث عنها كثيرًا الأيام الماضية حتى أنه كان يوميًا وفي كل وقت يذهب إلى النادى لعل وعسى أن يراها مرةً أخرى..
أما نيرة كانت بالفعل كالفراشة في زيها الرائع والجميل مع قهوة عيناها اللامعة، وضحكتها الجذابة والتي كانت سببًا في توهان ذاك المسكين وفقدانهُ عقله، مُنذ أن رأتهُ نيرة وابتسامتها لم تُفارقها خاصةً عندما تتذكر توترهُ وابتسامتهُ البلهاء، تشعر بسعادة تغمرها فهو قد شغل قلبها وعقلها منذ أمدًا، أرادة أن تراهُ كثيرًا في الأيام الفائتة ولكنها انشغلت مع شقيقتها في الخطبة ومُستلزماتها..
كانت تجلس بجانب أحد أقارب والدتها شاردة بهِ وتشعر بعيناه التي تُتابعها من بُعد فتتسع ابتسامتها أكثر حتى آفاقت على صوت يارا المدونة وهي تنظر في أحد الأتجاهات فنظرت هي الأخرى إلى ما ينظرون بستغراب ثواني واتسعت صدمتها هي الأخرى ونهضت من مقعدها تنظر إلى الذي يدلف من البوابة بعدم استيعاب..
أم عند ذلك الولهان سيف، تقدم منهُ أصدقائهُ الثلاثة وهما يعقدون حاجبيهم بستغراب من هيئتهُ المضحكة فقد كان ينظر في أحد الأتجاهلت وهو يبتسم بتوهان، فنظرو لبعضهم البعض ثم انفجروا ضاحكان على هيئتهُ فقد كانت حقًا مُضحكة للغاية، آفاق سيف على صوت ضحكاتهم فرفع نظرهُ لهما مُتسائلًا بجهل:_مالكم أنتم التلاتة بتضحكم على إيه؟
فنظروا لبعضهم بخُبث ثم مالبث أن ارتفعت ضحكاتهم مرة أخرى، فأردف أحمد من بين ضحكاتهُ:_شكلك مسخرة وربنا..
أكمل زين وهو يحاول أن ياخذ نفسهُ من الضحك:
_وأنت فاتح بقك زي الأهبل..
بينما خالد ظل يضحك فقط وزاد ضحكته عندما تذكر شكلهُ يوم النادي فكان نفس الموقف تقريبًا..
نهض سيف بغيظ مرددًا بخنقة:
_والله أنتم عيال عرر أصلًا، أوعى ياض أنت وهو من وشي يتكم القرف وبمجرد أن التفى كي يذهب تيبث أمامهُ بصدمة مُرددًا:_يا نهار ألوان..
توقف أصدقائه عن الضحك ونظروا له بستغراب ثم وجهوا نظرهم نحو النقطة الذي ينظر لها، واتسعت دهشتهم جميعًا بينما أردف أحمد بصدمة:_إحنا مش اتفقنا على كدا يا أدهم!
***************
نظر لها أدهم بطرف عيناه فرآئها تضغط على عيناها بإرهاق فتساءل بقلق:_حاسة بصُداع؟
نظرت لها ندى فمازال يتذكر أنها تُعاني من صُداع كُلما حضرت مُناسبة أين كانت فهزت رأسها نافية وأردفت باستفزاز:
_لأ أنا بس تعبت منك..
رفع حاجبيه بغيظ ولم يُجيبها فيكفي مُجادلات تافهة لليوم، بينما ندى نظرت أمامها فرأت شقيقتها تركض نحوها بملامح مندهشة فسألتها ندى بستغراب:
_مالك يا بنتي بتجري كدا ليه؟
تنهدت بقوة وأشارت ناحية البوابة مُرددة بترقب:_بصي على الباب كدا وأنتِ تعرفي..
نظرت ندى وكذلك أدهم وما لبث أن اتسعت عيناهما دهشة وصدمة، فتحت ندى فمها عاجزة عن الحديث فحقًا ما تراهُ حقيقة أم أنها تتخيل؟
أما أدهم فهو لا يقل حالة عنهُ، فهذا لم يكُن في الحُسبان قط، نظرت له ندى قائلة بصدمة وعدم فهم:
_الراجل ده بيعمل إيه هنا، ومين جابه أصلًا، وما تقوليش إنك ما كنتش تعرف إنه هيجي؟
نظر لها أدهم وهو يجيبها بصدق:_صدقيني والله ما كنت أعرف، أكيد جدي اللي عاملها!
هزت نيرة رأسها بستنكار وحيرة هي الأخرى ووجهت نظرها ناحية الباب مرة أخرى هاتفة:_فعلًا جدو اللي عاملها، وأصدر فرمان بكتب كتابكم النهاردة!
التفت لها كلًا منهم بعينان مفتوحتان على وسعهما، ثم نظروا لبعضهما قائلًا في نفس واحد وبغيظ:_عملتها يا جدو
كان الجد يستقبل المأذون بترحيب شديد والذي انصدم به كلًا من حسام وعز هما الآخران والذين نظرو لأولادهم بقلة حيلة وانطلقوا نحوهما فعند أدهم وحسام، هتف أدهم بستنكار لوالده:
_حضرتك كنت عارف يا بابا إن جدو هيعمل كدا؟
أجابهُ حسام بهدوء:_ومن إمتا يا بني إحنا بنعرف جدك بيفكر في إيه!
هـز رأسه مُرددًا:_عندك حق..
نظر له حسام وأمسك يده مرددًا:_المهم عدي الليلة يا أدهم مش عاوزين أي مشاكل يا بني..
أمأ له برأسة عدة إماءات ووجها نظرهُ ناحية ندى الذي تقف مع والدها ويبدو عليها الغضب الشديد، فعند ندى كانت حقًا في قمة غضبها، وهي تحادث والدها قائلة:
_بابا جدو بيعمل كدا ليه، أنا عايزه أفهم، يعنى وافقت على الخطوبة علشان خاطرهُ، لأ عايز يجوزني كمان ومن غير ما ياخد رأيي!
أمسك عز يدها وأردف بهدوء:_اهدي يا بنتي الأول الناس بدأت تلاحظ وبيتفرجوا علينا، وبعدين يا حبيبتي دا كتب كتاب مش هتروحي معاه يعني!
أردفت بقهرة:_ما هو ده اللي ناقص كمان..
أتت هيام في ذلك الوقت وضمت طفلتها مُرددة وهي تنظر لعز:_اهدى يا ندى دلوقتي واللي أنتِ عايزاه هيحصل..
عانقة ندى والدتها ولم تتحدث فيبدو أنها وضعت في الأمر الواقع، تقدم الجد منهم وهتف بجدية:
_مالكم واقفين كدا ليه؟ يلا علشان المأذون مستني.. ثم نظر لهيام مُرددًا:_روحي يا هيام هاتي بطاقة ندى..
تنحنح عز قائلًا وهو ينظر لأبنته:_هبعت نيرة تجيبها يا بابا، روح حضرتك وإحنا جايين أهو..
أمأ برأسهُ وذهب باتجاة المكان الذي يجلس فيه المأذون بانتظارهم، نظر عز لأبنتهُ وربط على كتفاها بحنان قائلًا:
_يلا يا بنتي..
رفعت نظرها لوالدها برجاء، والذى ما كان عليه غير أنه أبعد نظره عنها، فلا يعلم ماذا يفعل حيل هذا الأمر بينما تحدثت هي بهمس وقلة حيلة:_ يعني إيه! خلاص اتكتب عليا أرضى باللي بيحصل ده..
جاء كلا من حسام وأدهم نحوهما فربط حسام على كتفاها وهو يبتسم لها بحنان أبوي مرددًا:_مُبارك يا بنتي..
ابتسمت له ووجهت نظرها ناحية أدهم الذي يبدو عليه الهدوء ثم توجهوا جميعًا ناحية المأذون..
تمت مراسم كتب الكتاب سريعًا كانت ندى برغم كل شيء تشعر بإحساس لطيف يسير في جميع جسدها مع كُل كلمة ينطقها المأذون كان يطرب قلبها معهُ، وعندما تنظر لأحدهم ترى ابتسامة رائعة مرسومة على ملامحهُ فتسأل نفسها بستغراب هل هذه الابتسامة حقيقية أم زائفة؟
انتهى المأذون وأصبحت ندى حرم أدهم حسام السيوفي، عندما قال المأذون "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير" أغمضت عيناها بستمتاع فقد عاشت لوقت طويل تحلم بذلك اليوم مع اختلاف الطريقة..
بدأ الجميع يقدم لها المُباركات، استقبلتها ندى بهدوء ونظرها لم ينزل من على أدهم الذي يبتسم مع أصدقائهُ بسعادة..
بعد بعض الوقت انتهت الحفلة وبدأ الجميع في الرحيل كانت نيرة وندى يودعان كُلًا من يارا وإنجي الذي ينتظرهما والد إنجي عانقة يارا ندى مُرددة بسعادة:_الف مبروك يا ندى ربنا يفرحك يا حبيبتي يارب..
ابتسمت ندى بامتنان قائلة:_الله يبارك فيكِ يا حبيبتي عقبالك أنتِ وإنجي..
أردفت نيرة بمرح:_وأنا كمان يا ماما عقبالي..
ابتسمت الفتيات عليهم بينما أردفت إنجي غامزة لندى:_يا بنتي ندى هتظبطلنا صحاب أدهم المُزز..
ضحكت ندى قائلة بمرح هي الأخرى:_ومالهُ يا باشا من عنيا..
لكمتها يارا بضحك مرددة:_طب يلا يا حلوة علشان أبوك مش يروقنا..
أردفت إنجي بتذكر:_أوبس بابا.. ثم أمسكت يد يارا وسحبتها مرددة بضحك:_باي يا بنات..
ضحكت ندى عليهم وهي تهز رأسها بيأس فأردفت نيرة وهي تدلف للداخل:_وأنا هطير على أوضتي علشان مش قادرة..
ابتسمت ندى وأوشكت على الدلوف هي الأخرى ولكنها رأت أدهم يقف في زاوية في الحديقة ويبدو أنه يتحدث مع أحدًا ما فتقدمت منهُ فيجب أن يتحدثا ولكن بمجرد أن أصبحت على مقربة منه استمعت إلى ما جعل عيناها تتسع صدمة..
حيث كان يتحدث أدهم بهدوء:_بس يا جدي إحنا مش اتفقنا على كتب الكتاب ده؟
أردف الجد بذكاء:_يا غبي أنا عملت كدا علشان تعرف تتقرب منها أكتر، دلوقتي ندى هتفكر مرة واتنين وتلاتة إنما الخطوبة بس دي كلام فاضية مش هتقدر تخليها تحن بخطوبة..
أنهى حديثه بغمز شقية، فضحك أدهم بصوتهُ كلهُ قائلًا:_مش سهل أنت يا باشا، بس بجد يا جدي شكرًا على مساعدتك والتضحية الكبيرة اللي عملتها ليا..
تحدث جده بفخر:_عِد الجمايل بئا وعاوز أسمع أخبار حلوة قريب..
أمأ له أدهم بسعادة فتركهُ جده وذهب وبمجرد أن اختفى في الداخل ظهرت ندى من وراء الشجرة التي كانت تختبأ خلفها كان أدهم يعطيها ظهرها فأردفت ندى بعدم فهم:
_يعني ده كلهُ كان مترتب منك أنت من الأول؟
اتسعت صدمت أدهم والتف لها بدهشة من وجودها فابتلع ريقهُ بتوتر مُتسائلًا:_قصدك إيه؟
ابتسمت بسخرية ونظرت له بحُزن قائلة:
_أنت شايفني ماليش لازمة للدرجادي علشان تلعب بيا بالشكل ده يا حضرة الظابط!
تنهد أدهم بقوة فلقد تأكد أنها استمعت إلى حديثهُ فأخذ يقترب منها مُرددًا بهدوء:_ممكن تسمعيني يا ندى؟
ترجعت للخلف قائلة بتحذير:_ما تقربش مني يا أدهم ومتفكرش حتى تلمسني..
وقف مكانهُ مُرددة بحنان:_طب هنتكلم بالعقل..
ابتسمت بسخرية وعقدت حاجبيها بدهشة ثم تحدثت بانفعال قائلة:_عقل، عقل إيه يا باشا اللي نتكلم فيه، لما حضرتك تتفق مع جدو علشان تعملوا عليا التمثيلية دي وتدبسوني في جوازي من حضرتك، وأنت عامل فيها بريء ومتعرفش حاجه، وأنا اللي طلعت هبلة وعبيطة، أنا فعلًا عبيطة لما صدقتك زمان وإحنا أطفال ورجعت صدقتك تاني دلوقتي يا أدهم!
كان عيناها بدأت تترقرق بالدموع، فتنهد أدهم ثم سحبها تحت الشجرة التي كانت تختبأ خلفها ونظر في عيناها بعمق قائلًا بصوتٍ هامس:
_أنت مش عبيطة ولا هبلة أنتِ أجمل حاجة حصلت في حياتي، علشان كدا عملت التمثيلية دي، علشان أقرب منك أكتر لأني مش مستعد أخسرك أو تبعدي عني مرة تانية، وعارف إنك عنيدة وبرغم أنك عاوزه قربي زي ما أنا عايز قربك هتبعدي عني!
هبطت دموعها وأخذت تدفعهُ عنها قائلة بوجع:_وأنت فاكر إنك كدا بتقربني منك تبقا غلطان يا أدهم، أنا عمري ما هنسى إنك خلفت وعدك معايا زمان وعمري ما هنسى دلوقتي خداعك ليا، أنت أناني يا أدهم ومش بتفكر غير في نفسك بس..
أمسك أدهم يدها الإثنان ولوهما وراء ظهرها فأصبحت قريبة منهُ إلى حدًا مهلك وهذا الوضع خطف أنفاسها جعلها غير قادرة على الحركة بينما أدهم حاول أن يتماسك من سحر قربها الذي تمناهُ كثيرًا واقترب من أذناها مُرددًا بنبرة ساخرة:
_أنا ما خلفتش وعدي، أنا فضلت ١٥ سنة بتابعك من بعيد، وبشوفك وأنتِ بتكبري قدامي، كنت بسافر كل شهر علشان بس ألمحك وأشوفك، كُنت بتمنى اللحظة اللي نتقابل فيها تاني وتكوني بين إيديا بالشكل ده، مكنتش بخليكِ تشوفيني علشان مش أضعف وأخدك في إيدي وأرجعك معايا مصر، كُنت عارف إنك زعلانه مني ومش طايقة حتى تشوفيني بس أنا متأكد أن قلب الطفلة اللتي اتعلق بيا زمان وأنا اتعلقت بيها وكانت محور حياتي هيفضل متعلق بيا حتى لما كبرت وبقت بنوتة بالجمال والرقة دي كلها، أيوة أنا أناني بس أناني فيكِ أنتِ لأنك بتاعتي من وقت من كُنت طفلة صُغيرة..
كانت ندى تذوب بين يداه وحقًا لا تشعر بالعالم من حولها، نعم هو حُب طفولتها ومراهقتها فهي برغم تلك السنوات التي لم تراهُ فيها ولكنها لم تنساهُ ولو يومٍ واحدًا ولم يلفت نظرها أحدًا غيره..
أفاقت من عندما طبع قُبلة هادئة بجانب أذناها قائلًا بهمسًا هالك:_بـ حـبـ ك..
ابتعد عنها قليلًا فوجد وجهها أصبح بلون الأحمر من شدة خجلها اتسعت ابتسامتهُ العاشقة فرفعت ندى نظرها لها ببطء وعندما أوشك على الاقتراب مرةً أخرى دفعتهُ بقوة وانطلقت هاربة من أمامهُ وقلبها ينبض بشدة وتحاول أن تُعيد توازنها فهي لا تشعر بقدماها..
ابتسم أدهم بعشق وهو يضع يدهُ على خصلات شعرهُ، بينما ندى بمجرد أن دلفت إلى غرفتها، استلقت على الفراش ببتسامة عاشقة، فتلك اللحظات التي مرت بالقرب منها أنستها غضبها منه بل أنستها العالم.. وضعت يدها على وجهها بخجل وسعادة عندما تذكرت قبلته واعترافهُ بعشقها، لم تكن تصدق أنها ستعيش تلك اللحظات معه هو! ظلت على تلك الحالة حتى ذهبت في النوم..
***********
دقت عقارب الساعة تُعلن عن تمام الثانية صباحًا، وفي ذلك الوقت بالتحديد توقفت سيارة بالقُرب منزل عز الدين يوجد بداخلها خمسة رجال ذو عضلات ضخمة وقوية، هبط منها رجلان تقدموا من بوابة الفيلة الضخمة التي يقف أمامها رجلان أمن وقبل أن يستوعب الرجلان شيء كانوا مُلقان على الأرض أثر خبطة على دماغهم من قِبل هاتان الرجلان، أما باقي الخمسة رجال قاموا بالتسلق على السور بسلاسة وخفة، ودلفوا إلى الداخل من خلال الباب الخلفي والذي لحسن حظهم لم يكن مُغلقًا بإحكام، صعدو درجات السلم بحذر وذهبوا إلى غرفة ندى مباشرةً فهما يعرفان مداخل ومخارج الفيلة وتفاصيلها من الداخل..
دلفوا إلى داخل الغرفة، فأحست ندى بحركة غريبة وشعرت بالخوف وعندما كادت أن تفتح عينها سبقها أحدهما ووضع منديل على فمها به مادة مخدرة جعلتها تفقد الوعي فلم تستطع المقامة..
وإلى هنا وانتهى الجزء الأول من رواية "عرفت الحُب معاك" لتبدأ ملحمة كبيرة من الانتقام الذي يغلبهُ العشق..
يُتايعها ببتسامتهُ الجذابة تلك فهو لا يدرى إلى الآن كيف استطاعت تلك الرائعة أن تخطف قلبه من نظرة واحدة، هل فعلًا يوجد حُب من النظرة الأولى! لم يكن يتخيل أن يراها هُنا فقد ظل يبحث عنها كثيرًا الأيام الماضية حتى أنه كان يوميًا وفي كل وقت يذهب إلى النادى لعل وعسى أن يراها مرةً أخرى..
أما نيرة كانت بالفعل كالفراشة في زيها الرائع والجميل مع قهوة عيناها اللامعة، وضحكتها الجذابة والتي كانت سببًا في توهان ذاك المسكين وفقدانهُ عقله، مُنذ أن رأتهُ نيرة وابتسامتها لم تُفارقها خاصةً عندما تتذكر توترهُ وابتسامتهُ البلهاء، تشعر بسعادة تغمرها فهو قد شغل قلبها وعقلها منذ أمدًا، أرادة أن تراهُ كثيرًا في الأيام الفائتة ولكنها انشغلت مع شقيقتها في الخطبة ومُستلزماتها..
كانت تجلس بجانب أحد أقارب والدتها شاردة بهِ وتشعر بعيناه التي تُتابعها من بُعد فتتسع ابتسامتها أكثر حتى آفاقت على صوت يارا المدونة وهي تنظر في أحد الأتجاهات فنظرت هي الأخرى إلى ما ينظرون بستغراب ثواني واتسعت صدمتها هي الأخرى ونهضت من مقعدها تنظر إلى الذي يدلف من البوابة بعدم استيعاب..
أم عند ذلك الولهان سيف، تقدم منهُ أصدقائهُ الثلاثة وهما يعقدون حاجبيهم بستغراب من هيئتهُ المضحكة فقد كان ينظر في أحد الأتجاهلت وهو يبتسم بتوهان، فنظرو لبعضهم البعض ثم انفجروا ضاحكان على هيئتهُ فقد كانت حقًا مُضحكة للغاية، آفاق سيف على صوت ضحكاتهم فرفع نظرهُ لهما مُتسائلًا بجهل:_مالكم أنتم التلاتة بتضحكم على إيه؟
فنظروا لبعضهم بخُبث ثم مالبث أن ارتفعت ضحكاتهم مرة أخرى، فأردف أحمد من بين ضحكاتهُ:_شكلك مسخرة وربنا..
أكمل زين وهو يحاول أن ياخذ نفسهُ من الضحك:
_وأنت فاتح بقك زي الأهبل..
بينما خالد ظل يضحك فقط وزاد ضحكته عندما تذكر شكلهُ يوم النادي فكان نفس الموقف تقريبًا..
نهض سيف بغيظ مرددًا بخنقة:
_والله أنتم عيال عرر أصلًا، أوعى ياض أنت وهو من وشي يتكم القرف وبمجرد أن التفى كي يذهب تيبث أمامهُ بصدمة مُرددًا:_يا نهار ألوان..
توقف أصدقائه عن الضحك ونظروا له بستغراب ثم وجهوا نظرهم نحو النقطة الذي ينظر لها، واتسعت دهشتهم جميعًا بينما أردف أحمد بصدمة:_إحنا مش اتفقنا على كدا يا أدهم!
***************
نظر لها أدهم بطرف عيناه فرآئها تضغط على عيناها بإرهاق فتساءل بقلق:_حاسة بصُداع؟
نظرت لها ندى فمازال يتذكر أنها تُعاني من صُداع كُلما حضرت مُناسبة أين كانت فهزت رأسها نافية وأردفت باستفزاز:
_لأ أنا بس تعبت منك..
رفع حاجبيه بغيظ ولم يُجيبها فيكفي مُجادلات تافهة لليوم، بينما ندى نظرت أمامها فرأت شقيقتها تركض نحوها بملامح مندهشة فسألتها ندى بستغراب:
_مالك يا بنتي بتجري كدا ليه؟
تنهدت بقوة وأشارت ناحية البوابة مُرددة بترقب:_بصي على الباب كدا وأنتِ تعرفي..
نظرت ندى وكذلك أدهم وما لبث أن اتسعت عيناهما دهشة وصدمة، فتحت ندى فمها عاجزة عن الحديث فحقًا ما تراهُ حقيقة أم أنها تتخيل؟
أما أدهم فهو لا يقل حالة عنهُ، فهذا لم يكُن في الحُسبان قط، نظرت له ندى قائلة بصدمة وعدم فهم:
_الراجل ده بيعمل إيه هنا، ومين جابه أصلًا، وما تقوليش إنك ما كنتش تعرف إنه هيجي؟
نظر لها أدهم وهو يجيبها بصدق:_صدقيني والله ما كنت أعرف، أكيد جدي اللي عاملها!
هزت نيرة رأسها بستنكار وحيرة هي الأخرى ووجهت نظرها ناحية الباب مرة أخرى هاتفة:_فعلًا جدو اللي عاملها، وأصدر فرمان بكتب كتابكم النهاردة!
التفت لها كلًا منهم بعينان مفتوحتان على وسعهما، ثم نظروا لبعضهما قائلًا في نفس واحد وبغيظ:_عملتها يا جدو
كان الجد يستقبل المأذون بترحيب شديد والذي انصدم به كلًا من حسام وعز هما الآخران والذين نظرو لأولادهم بقلة حيلة وانطلقوا نحوهما فعند أدهم وحسام، هتف أدهم بستنكار لوالده:
_حضرتك كنت عارف يا بابا إن جدو هيعمل كدا؟
أجابهُ حسام بهدوء:_ومن إمتا يا بني إحنا بنعرف جدك بيفكر في إيه!
هـز رأسه مُرددًا:_عندك حق..
نظر له حسام وأمسك يده مرددًا:_المهم عدي الليلة يا أدهم مش عاوزين أي مشاكل يا بني..
أمأ له برأسة عدة إماءات ووجها نظرهُ ناحية ندى الذي تقف مع والدها ويبدو عليها الغضب الشديد، فعند ندى كانت حقًا في قمة غضبها، وهي تحادث والدها قائلة:
_بابا جدو بيعمل كدا ليه، أنا عايزه أفهم، يعنى وافقت على الخطوبة علشان خاطرهُ، لأ عايز يجوزني كمان ومن غير ما ياخد رأيي!
أمسك عز يدها وأردف بهدوء:_اهدي يا بنتي الأول الناس بدأت تلاحظ وبيتفرجوا علينا، وبعدين يا حبيبتي دا كتب كتاب مش هتروحي معاه يعني!
أردفت بقهرة:_ما هو ده اللي ناقص كمان..
أتت هيام في ذلك الوقت وضمت طفلتها مُرددة وهي تنظر لعز:_اهدى يا ندى دلوقتي واللي أنتِ عايزاه هيحصل..
عانقة ندى والدتها ولم تتحدث فيبدو أنها وضعت في الأمر الواقع، تقدم الجد منهم وهتف بجدية:
_مالكم واقفين كدا ليه؟ يلا علشان المأذون مستني.. ثم نظر لهيام مُرددًا:_روحي يا هيام هاتي بطاقة ندى..
تنحنح عز قائلًا وهو ينظر لأبنته:_هبعت نيرة تجيبها يا بابا، روح حضرتك وإحنا جايين أهو..
أمأ برأسهُ وذهب باتجاة المكان الذي يجلس فيه المأذون بانتظارهم، نظر عز لأبنتهُ وربط على كتفاها بحنان قائلًا:
_يلا يا بنتي..
رفعت نظرها لوالدها برجاء، والذى ما كان عليه غير أنه أبعد نظره عنها، فلا يعلم ماذا يفعل حيل هذا الأمر بينما تحدثت هي بهمس وقلة حيلة:_ يعني إيه! خلاص اتكتب عليا أرضى باللي بيحصل ده..
جاء كلا من حسام وأدهم نحوهما فربط حسام على كتفاها وهو يبتسم لها بحنان أبوي مرددًا:_مُبارك يا بنتي..
ابتسمت له ووجهت نظرها ناحية أدهم الذي يبدو عليه الهدوء ثم توجهوا جميعًا ناحية المأذون..
تمت مراسم كتب الكتاب سريعًا كانت ندى برغم كل شيء تشعر بإحساس لطيف يسير في جميع جسدها مع كُل كلمة ينطقها المأذون كان يطرب قلبها معهُ، وعندما تنظر لأحدهم ترى ابتسامة رائعة مرسومة على ملامحهُ فتسأل نفسها بستغراب هل هذه الابتسامة حقيقية أم زائفة؟
انتهى المأذون وأصبحت ندى حرم أدهم حسام السيوفي، عندما قال المأذون "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير" أغمضت عيناها بستمتاع فقد عاشت لوقت طويل تحلم بذلك اليوم مع اختلاف الطريقة..
بدأ الجميع يقدم لها المُباركات، استقبلتها ندى بهدوء ونظرها لم ينزل من على أدهم الذي يبتسم مع أصدقائهُ بسعادة..
بعد بعض الوقت انتهت الحفلة وبدأ الجميع في الرحيل كانت نيرة وندى يودعان كُلًا من يارا وإنجي الذي ينتظرهما والد إنجي عانقة يارا ندى مُرددة بسعادة:_الف مبروك يا ندى ربنا يفرحك يا حبيبتي يارب..
ابتسمت ندى بامتنان قائلة:_الله يبارك فيكِ يا حبيبتي عقبالك أنتِ وإنجي..
أردفت نيرة بمرح:_وأنا كمان يا ماما عقبالي..
ابتسمت الفتيات عليهم بينما أردفت إنجي غامزة لندى:_يا بنتي ندى هتظبطلنا صحاب أدهم المُزز..
ضحكت ندى قائلة بمرح هي الأخرى:_ومالهُ يا باشا من عنيا..
لكمتها يارا بضحك مرددة:_طب يلا يا حلوة علشان أبوك مش يروقنا..
أردفت إنجي بتذكر:_أوبس بابا.. ثم أمسكت يد يارا وسحبتها مرددة بضحك:_باي يا بنات..
ضحكت ندى عليهم وهي تهز رأسها بيأس فأردفت نيرة وهي تدلف للداخل:_وأنا هطير على أوضتي علشان مش قادرة..
ابتسمت ندى وأوشكت على الدلوف هي الأخرى ولكنها رأت أدهم يقف في زاوية في الحديقة ويبدو أنه يتحدث مع أحدًا ما فتقدمت منهُ فيجب أن يتحدثا ولكن بمجرد أن أصبحت على مقربة منه استمعت إلى ما جعل عيناها تتسع صدمة..
حيث كان يتحدث أدهم بهدوء:_بس يا جدي إحنا مش اتفقنا على كتب الكتاب ده؟
أردف الجد بذكاء:_يا غبي أنا عملت كدا علشان تعرف تتقرب منها أكتر، دلوقتي ندى هتفكر مرة واتنين وتلاتة إنما الخطوبة بس دي كلام فاضية مش هتقدر تخليها تحن بخطوبة..
أنهى حديثه بغمز شقية، فضحك أدهم بصوتهُ كلهُ قائلًا:_مش سهل أنت يا باشا، بس بجد يا جدي شكرًا على مساعدتك والتضحية الكبيرة اللي عملتها ليا..
تحدث جده بفخر:_عِد الجمايل بئا وعاوز أسمع أخبار حلوة قريب..
أمأ له أدهم بسعادة فتركهُ جده وذهب وبمجرد أن اختفى في الداخل ظهرت ندى من وراء الشجرة التي كانت تختبأ خلفها كان أدهم يعطيها ظهرها فأردفت ندى بعدم فهم:
_يعني ده كلهُ كان مترتب منك أنت من الأول؟
اتسعت صدمت أدهم والتف لها بدهشة من وجودها فابتلع ريقهُ بتوتر مُتسائلًا:_قصدك إيه؟
ابتسمت بسخرية ونظرت له بحُزن قائلة:
_أنت شايفني ماليش لازمة للدرجادي علشان تلعب بيا بالشكل ده يا حضرة الظابط!
تنهد أدهم بقوة فلقد تأكد أنها استمعت إلى حديثهُ فأخذ يقترب منها مُرددًا بهدوء:_ممكن تسمعيني يا ندى؟
ترجعت للخلف قائلة بتحذير:_ما تقربش مني يا أدهم ومتفكرش حتى تلمسني..
وقف مكانهُ مُرددة بحنان:_طب هنتكلم بالعقل..
ابتسمت بسخرية وعقدت حاجبيها بدهشة ثم تحدثت بانفعال قائلة:_عقل، عقل إيه يا باشا اللي نتكلم فيه، لما حضرتك تتفق مع جدو علشان تعملوا عليا التمثيلية دي وتدبسوني في جوازي من حضرتك، وأنت عامل فيها بريء ومتعرفش حاجه، وأنا اللي طلعت هبلة وعبيطة، أنا فعلًا عبيطة لما صدقتك زمان وإحنا أطفال ورجعت صدقتك تاني دلوقتي يا أدهم!
كان عيناها بدأت تترقرق بالدموع، فتنهد أدهم ثم سحبها تحت الشجرة التي كانت تختبأ خلفها ونظر في عيناها بعمق قائلًا بصوتٍ هامس:
_أنت مش عبيطة ولا هبلة أنتِ أجمل حاجة حصلت في حياتي، علشان كدا عملت التمثيلية دي، علشان أقرب منك أكتر لأني مش مستعد أخسرك أو تبعدي عني مرة تانية، وعارف إنك عنيدة وبرغم أنك عاوزه قربي زي ما أنا عايز قربك هتبعدي عني!
هبطت دموعها وأخذت تدفعهُ عنها قائلة بوجع:_وأنت فاكر إنك كدا بتقربني منك تبقا غلطان يا أدهم، أنا عمري ما هنسى إنك خلفت وعدك معايا زمان وعمري ما هنسى دلوقتي خداعك ليا، أنت أناني يا أدهم ومش بتفكر غير في نفسك بس..
أمسك أدهم يدها الإثنان ولوهما وراء ظهرها فأصبحت قريبة منهُ إلى حدًا مهلك وهذا الوضع خطف أنفاسها جعلها غير قادرة على الحركة بينما أدهم حاول أن يتماسك من سحر قربها الذي تمناهُ كثيرًا واقترب من أذناها مُرددًا بنبرة ساخرة:
_أنا ما خلفتش وعدي، أنا فضلت ١٥ سنة بتابعك من بعيد، وبشوفك وأنتِ بتكبري قدامي، كنت بسافر كل شهر علشان بس ألمحك وأشوفك، كُنت بتمنى اللحظة اللي نتقابل فيها تاني وتكوني بين إيديا بالشكل ده، مكنتش بخليكِ تشوفيني علشان مش أضعف وأخدك في إيدي وأرجعك معايا مصر، كُنت عارف إنك زعلانه مني ومش طايقة حتى تشوفيني بس أنا متأكد أن قلب الطفلة اللتي اتعلق بيا زمان وأنا اتعلقت بيها وكانت محور حياتي هيفضل متعلق بيا حتى لما كبرت وبقت بنوتة بالجمال والرقة دي كلها، أيوة أنا أناني بس أناني فيكِ أنتِ لأنك بتاعتي من وقت من كُنت طفلة صُغيرة..
كانت ندى تذوب بين يداه وحقًا لا تشعر بالعالم من حولها، نعم هو حُب طفولتها ومراهقتها فهي برغم تلك السنوات التي لم تراهُ فيها ولكنها لم تنساهُ ولو يومٍ واحدًا ولم يلفت نظرها أحدًا غيره..
أفاقت من عندما طبع قُبلة هادئة بجانب أذناها قائلًا بهمسًا هالك:_بـ حـبـ ك..
ابتعد عنها قليلًا فوجد وجهها أصبح بلون الأحمر من شدة خجلها اتسعت ابتسامتهُ العاشقة فرفعت ندى نظرها لها ببطء وعندما أوشك على الاقتراب مرةً أخرى دفعتهُ بقوة وانطلقت هاربة من أمامهُ وقلبها ينبض بشدة وتحاول أن تُعيد توازنها فهي لا تشعر بقدماها..
ابتسم أدهم بعشق وهو يضع يدهُ على خصلات شعرهُ، بينما ندى بمجرد أن دلفت إلى غرفتها، استلقت على الفراش ببتسامة عاشقة، فتلك اللحظات التي مرت بالقرب منها أنستها غضبها منه بل أنستها العالم.. وضعت يدها على وجهها بخجل وسعادة عندما تذكرت قبلته واعترافهُ بعشقها، لم تكن تصدق أنها ستعيش تلك اللحظات معه هو! ظلت على تلك الحالة حتى ذهبت في النوم..
***********
دقت عقارب الساعة تُعلن عن تمام الثانية صباحًا، وفي ذلك الوقت بالتحديد توقفت سيارة بالقُرب منزل عز الدين يوجد بداخلها خمسة رجال ذو عضلات ضخمة وقوية، هبط منها رجلان تقدموا من بوابة الفيلة الضخمة التي يقف أمامها رجلان أمن وقبل أن يستوعب الرجلان شيء كانوا مُلقان على الأرض أثر خبطة على دماغهم من قِبل هاتان الرجلان، أما باقي الخمسة رجال قاموا بالتسلق على السور بسلاسة وخفة، ودلفوا إلى الداخل من خلال الباب الخلفي والذي لحسن حظهم لم يكن مُغلقًا بإحكام، صعدو درجات السلم بحذر وذهبوا إلى غرفة ندى مباشرةً فهما يعرفان مداخل ومخارج الفيلة وتفاصيلها من الداخل..
دلفوا إلى داخل الغرفة، فأحست ندى بحركة غريبة وشعرت بالخوف وعندما كادت أن تفتح عينها سبقها أحدهما ووضع منديل على فمها به مادة مخدرة جعلتها تفقد الوعي فلم تستطع المقامة..
وإلى هنا وانتهى الجزء الأول من رواية "عرفت الحُب معاك" لتبدأ ملحمة كبيرة من الانتقام الذي يغلبهُ العشق..
