الفصل الخامس

(انكشاف المستور)



بعد ان اصبح عمر وحيدا داخل الكهف، اشعل ضوء الهاتف مجددا وبدأ يبحث في الارجاء بعد ان وضع قميص اخيه في الحقيبة التي على ظهره، ولكن لم يجد شيئا، هو يعلم ان خليل كان هنا، ولكن لا يريد ان يصل خبر القميص الى والديه، فهو اشارة سيئة، ففقدان خليل لقميصه لا يشير الا الى ان مكروهاً قد أصابه.

وضع الضوء على حائط الكهف وبدأ يبحث، فهو يعلم ان اخاه قد كان هنا، ولابد ان يجد دليلا او خيطاً آخر.
وبعد بحثه على جدران الكهف وجد في زاوية اخرى من الكهف، مكتوب على الحائط جملة (انا بخير. خليل) ويبدو ان الكتابة حديثة وقد استخدم الحجر في كتابتها.

كان هذه ملاحظة دونها خليل قبل هروبه من الكهف، ظن حينها انها فكرة سخيفة، ولكنه يعلم ان والده وأخاه سيبحثان عنه. ولكن لم يعلم ان احد ما سيستعملها ليؤذي أخيه!

امسك عمر هاتفه المحمول واخذ صورة للجدار، ثم وهو يمشي دخل داخل مخطط لدائرة لم يعلم بوجوده.
احس بضيق في صدره، فوضع يده على قلبه واخذ نفساً عميقاً.
فجأة سمع صرخة مجلجلة بصوت اخيه خليل يقول: "عمر".
التفت حوله ثم اسرع خارج الكهف فوجد باقي المجموعة من الرجال قد اكملوا بحثهم وجاءو، يقفون امام باب الكهف بصحبة خالد.
نظروا له متفاجئين فقد بدا مصدوما.
قال لهم: الم تسمعوا ذلك؟ الم تسمعوا صوت خليل يناديني؟ لقد سمعته وانا في الداخل لقد قال اسمي!
نظر له الرجال بإشفاق وقال خالد: لقد اكمل الرجال بحثهم ولكن للاسف لم يجدوا شيئا، وكنا هنا ننتظرك، فقد اخبرتهم انك تحتاج القليل من الوقت لوحدك.
قال احد الرجال: اجل يا بني للاسف لم نجد اي شيء، واليوم نكون قد جبنا كل ارجاء الصحراء ولم نترك جزءا منها.
عمر: انا اخبركم انني سمعت صوت اخي!
نظروا اليه جميعا بحزن، وقد علم حينها ان لا احد سيصدقه، فطلب منهم ان يبيتوا الليلة فقط وغدا يعودون الى القرية.

خليل؛

بعد ان قيدوني بسلاسلهم التي لا آراها، اقتادوني حيث كان ينتظرهم سيدهم الاعظم حسب قولهم،
يا إلهي ما أشعر به من طاقة مهول ولا يصدق، ان في هذا المكان طاقة غريبة!

وقفت وانا انظر حولي ولا أرى احد، حتى ذلك الرجل الانيق اقصد الجني الانيق لم يعد يظهر لي!
ولكن بدأت اسمع اصواتهم يتهامسون ويتحدثون من حولي.
وفجأة دوى صوت في الارجاء، كان صوت ثخين بشع قائلا: اخرج يا شمهورش، ان البشري خاصتكم في قبضتنا، وعليك ان تنفذ شرطنا ام سنقوم بالقضاء عليه.
بدأت اشعر بالجنون، ربما انا اهذي بسبب هذه الصحراء الملعونة، اسمع اصواتا وارى جنا، ولم اعد اعرف ماهو الحقيقة وماهو الخيال!

ومن الفراغ ظهر شمهورش، وحينها ادركت ان شمهورش ليس بشريا عاديا حتما، قد يكون ساحر كما اخبرني ذلك الغريب في الصحراء. او ربما يكون جني! وعند هذه الفكرة توسعت عيناي وانا انظر له بصدمة.

كان الحزن يبدو على ملامحه، وعو يعلم انني ادركته حقيقته، ولكنه رغم ذلك نظر ناحيتي نظرة غريبة، كانت نظرة مختلطة بالحزن والغضب وخيبة الامل، او ربما حتى الاعتذار!

نطق شمهورش بهدوء عكس ما يحدث حوله من امور وقال: "لقد نفذت طلبك، اتركوه يذهب الآن"

رد عليه من يسمونه بالسيد الاعظم بصوته المقيت وقال: "يبدو انك اخرجت بعضا من قوى هذا البشري، لما لم تعطها له دفعة واحدة ايها الغبي لكنا حينها لن نستطيع ايذاءه"
وضحك ضحكة غرور وكبر ثم اضاف وهو يقول كل كلمة ببطء وكأنه يريدني ان افهم ما يقال: "حسنا، سنكتفي بذلك البشري الذي اعطيتنا اياه بدل من هذا، انه يحمل نفس دماءه وطينه اعتقد انه سيفي بالغرض!"

نظرت الى الفراغ من حيث يظهر الصوت وسحبت السلاسل التي كانت تقيدني بقوة آلمت يداي وقلت: "ماذا تقصد ايها الكريه!"

ضحك ضحكة شريرة وكأنه مستمتع لأنه أصاب الهدف مباشرة، ثم تجسد أمامي على هيئة رجل يلفه الدخان من كل جانب، ملامحه غير واضحة، وكل المخلوقات الغريبة التي معه ظهرت امامي، منهم عفاريت ومردة يمسكون بالسلاسل التي تقيدني، اشكالهم مخيفة لي وشعرت اني في دوامة.

ضعفت قواي واحسست بالوهن، فقال لي شمهورش بدون ان ينظر نحوي بل مركز عيناه نحو ذلك الرجل الذي يلفه الدخان: "لا تخف، انا احميك، هم يتغذون على خوفك، كلما خفت زادت قواه وضعفت قواك.

ولكن رجل الدخان قال لي: "انه يكذب عليك وسأريك ما يثبت كلامي!"

حرك يده في الدخان فتجسدت صورة امامي وكأنها فيديو، كان اخي عمر في الكهف الذي كنت انا فيه، تسارعت دقات قلبي فقد علمت الآن انهم كانوا يتحدثون عن اخي عمر، وعلى بعد خطوتين منه كانت هناك دائرة مرسومة وبها ثقب اسود يبدوا لي انه كأنه دوامة بحرية.

الصدمة ثبثتني مكاني دون حراك، الدم تجمد في عروقي.
نطق رجل الدخان وقال: "اخيك في خطر وتستطيع انت وحدك انقاذه"

نظرت له بسرعة مبعدا عيناي عن على المشهد المتجسد امامي وقلت: "اي شيء سأفعل اي شيء، فقط ان لا يصيب اخي اي مكروه."

"اسجد لي."

هذا كل ما قاله، كلمتان فقط لأنقذ اخي من الموت المحتم او المصير المجهول، نظرت له بذهول عجيب، هل هذا كله فقط لأسجد له!

ابتسمت ابتسامة جانبية وانا اعلم ان لا احد في هذه الساحة صادق معي ولا احد في صفي، كل له مصالحه، لا اعلم ما الذي يريدونه مني، ولكن اعلم انهم هم من يحتاجونني.

همسْتُ بصوت مسموع قائلا: "سأسجد فقط حين أكون جثة ميتة لا ارادة لها، ربِّ فقط له اسجد."

نظرت ناحية المشهد المتجسد امامي لأرى اخي عمر يكاد يدخل الدائرة على بعد ثانية منها، فقلت بأعلى صوتي بصرخة خرجت من اعماق قلبي: "عمررررر".

وكانت هذه بمثابة صافرة انذار لبدء المعركة.

وهنا تيقنت ان كل من حولي هم من الجن! وشمهورش منهم ايضا.

ازداد جسد شمهورش في الحجم واحمرت عيناه، ثم ظهرت له انياب مخيفة كأنياب الذئاب، وارتفع يطفوا عن سطح الارض! كان شكله مرعبا حقا، لا يمث بصلة الى الرجل الذي كان معه في الكهف!

بصوت مجلجل صرخ شمهورش صرخة تدب الرعب في قلب كل من يسمعها.

وبإشارة من يد رجل الدخان هجم جميع المردة والعفاريت على شمهورش، حتى الذين كانوا يمسكون السلاسل التي تقيدني، كانوا بعدد مئة جني او يزيد، وكان شمهورش وحيدا بينهم.

قال رجل الدخان: "لن تكون المواجهة الاخيرة يا شمهورش اعدك بذلك" ثم اختفى وكأنه لم يكن موجودا هناك منذ ثوان.

اخذ شمهورش يضرب يمنى ويسرى وهم يهجمون عليه. كان ضاريا قويا وقد اردى العديد منهم ارضا. كان حوله عشرة وهم يحاولون ضربه ولكن بلا فائدة، حتى جاء واحذ منهم من خلفه وهو يمسك سلاحا غريبا لم اره من قبل! وكأنهم نسوا وجودي في الاساس وقد ذكرتهم بنفسي حين صرخت لا اراديا: "شمهورش انتبه".

لا اعلم لم نبهته فهو بالنسبة لي مثلهم استغلني وحاول تسليم اخي الى هؤلاء.

التفت الي جميعهم، وكان شمهورش قد اصيب في جانبه اصابة تبدو كبيرة حينها قال شمهورش: "ياااارب".

وما ان نطقها حتى ظهرت زمرة من ملثمين، ظهروا من اللاشيء، عددهم ثلاثة، دخلوا الى وسط الساحة يقاتلون بدلا عن شمهورش الذي توجه نحوي وذراعه مصابة وقال: "هيا معي"

ركضت مسرعا لا اعلم الى اين، وكثبان الرمال تعيق حركتي، ركضت وركضت ولم انظر خلفي، حتى تعبت فوقفت وانا اتكئ بيديَّ الاثنتان على ركبتي.

جائني صوت شمهورش خلفي قائلا: "كنت سأخبرك بهويتي، فقط كنت انتظر الوقت المناسب!"

التفت اليه والغضب يتملكني، لقد عاد إلى هيئته كما في الكهف، قلت: "الهذا دائما كانت ملابسك البيضاء تشع نظافة، انت جني وكل هذا مظهر خادع لا يمت للواقع بصلة، انت كاذب ومخادع اغرب عن وجهي"

قال شمهورش: "كل ما رأيته نصف الحقيقة حتى الآن، لانك تمتلك نصف قواك فقط! هناك العديد من الاشياء حولك وانت لا تراها."

"اه حقا!؟ وانت ماذا الملاك الذي سينير دربي؟" قلت متهكما احاول استفزازه، لا اعلم لما لا اشعر بالخوف منه!

نظر نحوي وفي عينيه نظرة جدية وقال: "اعتقد انه حان الوقت لتأخذ قواك ايها القائد العظيم!"

ضحكت بإستهزاء ضحكة من اعماق قلبي، لم اضحكها منذ سافر اخي عمر. ثم قلت: "هل تسخر مني يا هذا؟ ثم اريد ان اطمئن على اخي" ثم رفعت اصبعي في اشارة تهديد وقلت: "وان حدث له اي مكروه فسوف....."

ابتسم ابتسامة جانبية وقال: "سوف ماذا؟"

خفضت اصبعي وجمعت يداي في قبضتين، فقال هو: "ستأخذ قواك ايها القائد العظيم، ولكن ليس هنا، وحينها تستطيع مهاجمتي وضربي، اما الآن فأنا لا اهاجم بشري!"

قلت بتهكم لم اعهده سابقا في شخصيتي: "ابهرتني! اريد الاطمئنان على اخي".

اكمل شمهورش وكأنه لم يسمعني اتحدث: "انت المختار يا خليل، ستكون القائد. ولم نخترك عبثا بل تحت اشارات واهداف، ولديك واجب ستأديه اتجاه ابناء جنسك"

احسست الجدية والصدق في كلامه، ورغم هذا لا استطيع ان اسامحه لما كان سيفعله لأخي، فصرخت فيه: "لقد كنت ستسلمهم اخي!"

تحرك شمهورش ويده على جانبه يضغط على مكان اصابته، رسم دائرة وظهر فيها نفس حفرة الدوامة في الكهف، وقال لي: "انت لن تقتنع ما كنت افعله الا بالدليل"

ثم امسكني من ذراعي وجرني نحو الحفرة، في الحقيقة لم يكن جرا بل كنت كالريشة في يده، نظرت نحوه بذهول وقلت: "انتظر! لا تفعل ذلك، سأذهب معك حيث شئت فقط لا تفعل هذا، انا اريد فقط ان اطمئن على اخي، واعدك ان ارافقك اينما شئت"

كان لدي رهاب من الاماكن الضيقة المظلمة، ازداد تعرق جسدي وارتجافه، جف حلقي وانا اراه يبتسم ويقول: "لهزيمة الخوف عليك مواجهته على حين غرة!".

نطق هذا الكلمات ودفعني داخل الحفرة!

القرية؛


كانت اجواء الحزن تخيم على القرية، وعلياء جالسة في وسط ساحة القرية بعباتها السوداء تنتظر خبر وفاة ولدها عزيزها، فموته اهون عليها من ان تخطفه الشياطين.

منذ الفجر وهي جالسة وأبت ان تعود الى المنزل بعد ان رأت ذلك الحلم، ومهما حاولتا ابنتيها ان تقنعانها بالعودة والانتظار داخل المنزل فلم تستمع لهما.

حل الصبح وهي جالسة وبعض من نساء القرية اشفقن عليها وجلسن يسامرنها.

كان عدنان جالسا في السيارة وقلبه حزين ولا يعرف كيف سيخبر زوجته ان لا أثر لإبنهما، وكأن الصحراء قد ابتلعته، لا جثة ولا اي أثر.
غاب اسبوع كامل وعاد اليها خالي الوفاض، ماذا سيقول لها!

قال الرجل الذي بجانبه: "انظر انها السيدة علياء، جالسة في وسط الساحة، هل تعلم بقدومنا؟"

قال رجل آخر: "كيف ولا يوجد اشارة اتصال في تلك الصحراء الملعونة؟"

قال عدنان بصوت حزين: "اوقف السيارة سأنزل لها، انها تنتظرني بلا شك."

واما علياء ما ان رأت زوجها ينزل من السيارة حتى قفزت مسرعة نحوه، لا ترى حولها الا زوجها وما سيخبرها به وباقي الحياة سوداء لا تهمها.

"اين هو؟ هل وجدته؟ هل هو ميت؟ اين جثته"
قالت ذلك وهي تمسكه من يديه.
لم يجبها، لم يعرف ماذا سيقول لها!
فتوقعت هي انه قد مات. بدأت دموع حارة ساخنة تنساب من جفنيها بغزارة وكتلة من الالم تسد حلقها.

قالت بحزن: "اريد فقط ان أرى جثته ليطمئن قلبي، اريد ان اقبله وان كان جثة متعفنه فهو عندي ازكى من الفل والياسمين، اريد ان ادفنه بيداي، اريد ان يكون له قبر ازوره"

قال عدنان بعد ان حضن زوجته، وقد بدأ بالبكاء وهو يشعر بكل كلمة تقولها وكأنها سكين يسلخ جلده: "لم نجد شيء، لا جثة ولا آثر، كأن الصحراء ابتلعت كل اثر له!"

بصوت ضعيف يكاد يكون همسا قالت: "يا حبيبي يابني، يا قلب امك ماذا اصابك"
ثم سقطت مغشي عليها بين يدي زوجها، واسرعت اليها ابنتيها وهما تبكيان حال اخوهما وحال امهما.



خليل؛

بعد ان رمى بي شمهورش داخل حفرة الدوامة، لم اشعر بأي شيء حقيقة، فقط وجدت نفسي في ثوان معدودة داخل الكهف الذي كنت فيه سابقا!

نظرت حولي ووجدت معي شمهورش عاقدا يديه فوق صدره، جلست على السرير الذي لا يزال موجودا في الكهف.

قلت بحيرة: "ماذا كان ذلك؟"
ابتسم وقال: "ثقب للتنقل السريع بين الاماكن، يساعدنا في الوصول حيث نشاء بسرعة"

التمعت عيناي وقلت: "اتقصد انني استطيع من خلالها العودة إلى القرية؟"

قال بجدية: "نعم، ولكن لن نعيدك اليها عليك ان تفهم هذا! كانت تلك التي سيسقط فيها اخاك ستنقله الى خارج الصحراء."

وعندما شاهد عدم اقتناعي اضاف: "كان المتفق مع رجل الدخان ان ننقله الى قلعة حضرموت، حيث يعيش الشيطان، ولكني كنت اموههم فقط لكي نكسب الوقت واستطيع ان اعيدك الى داخل المملكة"

قلت بإستغراب: "وهل كنت انا داخل المملكة لكي تعيدني؟"

ابتسم شمهورش بتفهم وقال: "انك حاليا فيها! ولكن في غرفها الخارجية الخاصة بحراس القلعة!"

فتحت عيناي من الصدمة، ربما يقول الحقيقة، سأحاول ان اجاريه قليلا فقلت: "هل هذا السرير جزء من اثاث الغرفة مثلا، وهل رآه اخي؟"

"لا لم يره اخاك، وانت رأيته فقط لانك اكتبست جزء صغير من قواك، واجل هو جزء من اثاث الغرفة!"

كنت اشاهد شمهورش يمسك بجانبه المصاب، وان كان يتألم فذلك لا يظهر على ملامحه!"

قال لي: "قف امامي سأريك شيئا ما!"

فعلت كما طلب مني، ادارني ليصبح ظهري له، ثم وضع يديه على عيناي وقال: "سترى الآن جزء صغير جدا مما حولك، فقط الاشياء المادية"

لم افهمت ماذا يقصد ولكني كنت متحمسا، بدأ بنزع يديه من على عيناي ببطئ، وما ان فتحتهما حتى رأيت عجبنا!!!
كان الكهف ليس كهفا وانما غرفة مؤثثة بالكامل، اشياء غريبة عجيبة ولكن تبدوا انها ذات تقنية عالية.

نظرت حولي في ذهول ثم ركضت خارج الكهف او الغرفة لأنظر الى الجبل من الخارج، وما ان رفعت بصري ونظرت له حتى اتسعت عيناي وقد اصابتني الصدمة، لم يكن امر حتى في الخيال!

ان الجبل اصبح.......
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي