4

(ولادة المسخ)

خليل؛

كنت جالس بجانب أيور، طفلة صغيرة في عمر العاشرة ولكنها تبدو كئيبة كثيرا، ربما معها حق، فها أنا أشعر بشوق فضيع يتآكلني نحو عائلتي، حضن أمي خاصة.

ولكن ما أراه منها الآن أكثر من مجرد فتاة حزينة ووحيدة، كانت مرتبكة تماما، عندما رأيتها من بعيد والآن بعدما جلست بجانبها شعرت أنها خائفة وليس مرتبكة فقط، كانت تنظر إلى كل مكان باستثنائي.

"هل أنتِ خائفة من شيء ما"

-"لا ولم سأخاف؟"

قالت ذلك واحمرت وجنتاها لتصبح بلون شعرها الناري، كانت تبدو بريئة جدا ووحيدة وضعيفة.
أقسمت في هذه اللحظة أن أساعدها وأحميها إن احتاجت إلى مساعدة في أي وقت من الأوقات.

ففي النهاية هي فتاة بشرية، وإن كانت نصف بشرية، وحيدة ويتيمة.

"هل تدرسين؟"

أومأت برأسها ثم نظرت لي للمرة الأولى منذ جلست بجانبها، كانت عيناها بلون النار، تتلألآن وكأن أضواء فيهما، كان تفكيرها وتصرفاتها حقا أكبر من عمرها، أو ربما هي حياة اليتم من جعلتها هكذا، فاليتيم يبقى يتيم وإن عاش في قصور.

فجأة وقفت بإرتباك وقالت: "عليا الذهاب؟"

وقفت خلفها استوقفها: "انتظري، لما العجلة؟ إن كنت أزعجتك فأنا ذاهب!"

أومأت برأسها نافية وتحركت بعجل وعندما نظرت إلى المكان الذي تنظر له علمت أنها كانت تنظر إلى مربيتها، حيث كانت الأخرى على ما يبدو تبحث عليها.

ولكن قبل أن تسير مبتعدة كانت تاكليت قد رأتها وجاءت مسرعة نحونا، كنت أتوقع أن تبدأ في توبيخها، ولكنها لم تفعل بل على العكس.

"ها أنتِ ذا يابُنيّتي، كنت أبحث عنك في كل مكان، لقد كنت قلقة عليكِ للغاية حقا"

بدت المرأة لطيفة جدا ومتفهمة، عكس ما أظهرته تصرفات أيور عندما وقعت عيناها عليها.

"اعتذر، شعرت بالملل والتعب من الدراسة، وأنت تأخرتِ!"

كانت أيور تبرر أفعالها لمربيتها بحزن.

"مرحبا، أنا خليل." قلت ذلك أوجه حديثي إلى مربية ايور وأنا أمد يدي من أجل المصافحة.

نظرت مطولا إلى يدي الممدودة نحنوها ثم رفعت نظرها لي وكانت نظراتها غريبة، ثم فجأة ابتسمت وصافحت يدي.

"أنا تاكليت، مربية أيور وخادمة الإيندينان السابق، والد أيور."

"سررت بمعرفتك" قلت ذلك.

كانت تبدوا امرأة قوية، مظهرها وكأنها في الثلاثين من عمرها من أعمار نساء البشر، ولكن بالطبع هي في عمر كَمٍّ من القرون.

إستأذنت بأدب وأخذت أيور معها وتوجهتاداخل القصر من البوابة الخلفية.

لم أشعر بالراحة لهذه المرأة، شعرت أن ورائها أمر غير مريح، فنظراتها لي غريبة، وكأنها تحاول سبر أغوار نفسي وفي ذات الوقت تحاول إخفاء ما تظهره عينيها من اشئزاز.

ظللت واقفا حتى غابتا داخل القصر ولم أعد أراهما، التفت حولي أرى العائلات جالسون وأطفالهم يلهون ويلعبون، جلست أنظر إليهم وأنا غارق في أفكاري.

--

بعد مرور عدة أشهر؛

خليل؛

كنت في هذه الفترة قد تقدمت كثيرا في تدريباتي مع شمهورش الذي بدا عصبيا وحاد الطباع على غير العادة، وأيضا لمست شيء آخر في تصرفات شمهورش وهو الحزن.

ورغم ذلك كنا نتدرب شبه يوميا على مر الأشهر، وهذا جعلني أنا الذي لم أخض في حياتي عراك واحد، أصبحت فتى قوي خشن مفتول العضلات في وقت قياسي، وكأن طابع شمهورش قد اصطبغ علي.

وأيضا أشعر أنني أصبحت أكثر ذكاء وحكمة في تصرفاتي بسبب ما تعلمته من الحكيم توربو، وقد تعلمت أيضا بعضا من لغة أهل الجان، وبعض من علوم الأرض وكل ما يتعلق بالخلق، حتى أنني تفاجأت بالمعلومات التي يملكها هذا الحكيم المبدع.

ولكن شوقي لأهلي في هذه الفترة يزداد كل يوم، أشعر بالحنين إلى أمي، أتمنى أن تضمني إلى صدرها الدافئ الحنون كما تفعل عندما أفوز في المسابقات، رأن تصدح زغاريتها في المنزل لتسمع جاراتها زغاريتها وتهرعن لتهنئتها، كانت تفرح وتتصرف في كل مسابقة قرآنية أربحها وكأنها الأولى، نفس الفرحة لا تفتر أبدا.

ولكن الذي يحدث في هذه الفترة غريب جدا، فأنا أحلم بها باستمرار، وكأني آراها، حتى إنني عندما أستيقظ من نومي أكاد أقسم أنني أشتم رائحتها على يداي.

كم يقتلني الشوق لكِ يا أمي وإلى والدي وأخي وأخواتي، لطالمنا كان أبي فخورا بي ورافعا رأسه في القرية بسبب تميزي وتفوقي في المسابقات.

أنا أعلم إنني لا أستطيع زيارتهم إلا بعد أن أنهي مهامي كأيندينان، فإن رحلت الآن وتخليت عن هؤلاء القوم الذين آمنوا ووثقوا بي، حينها ليس فقط إني سأفقد قواي كإيندينان للأبد، بل سأفقد إحترامي لذاتي وأكون أنقضت العهد بين الجنسين!

غير إنني لا أعلم كم سيطول بي الوقت هنا، في الحقيقة أنا متعلق بعائلتي كثيرا، بحكم أن الشيخ في طفولتي طلب من والداي أن أبقى ملازما للمسجد وأن لا أحضر المناسبات الاجتماعية وأيضا أن لا أبقى خارج المنزل بعد غروب الشمس. وبالطبع أهم شيء أن لا أدخل إلى الصحراء ابدأ، ولكن بالطبع مشيئة الله لن يؤخرها أي حرص او تحفظ!

كنت مستلقي على ظهري في ساحة التدريب التي أصبحت وكأنها منزلي، الجنود من حولي يتدربون، أما أنا فبعد أن خضت نزالا قويا مع شمهورش، استلقيت مباشرة على الأرض الزجاجية الشفافة التي اعتدت على السير فوقها، وأيضا وثقت أخيرا أنها لن تنكسر تحت أقدامي.

كان شمهورش أيضا مستلقي بجانبي وقال وهو مغمض عينيه: "لقد تحسنت كثيرا أيها الفتى، لقد أصبحت تنافسني في مدة زمنية قياسية"

"هذا بفضل المعلم الجيد"
وقفت فورا بعد أن قلت ذلك، ثم مددت له يدي وأضفت: "إن الحكيم توربو طلب مني أن اخبرك أن تأتي معي عندما أذهب إليه من أجل التعلم."

أمسك شمهورش بيدي الممدوده ووقف، ثم توجهنا نحو مدرسة الحكيم توربو.

--

في القرية؛

دوت صرخاتها عالية لتكسر الصمت الذي أطبق على القرية منذ عدة أشهر، تتوالى الصرخات تباعا مع إرتفاع سريع في الصوت، كانت ولادة إحدى نساء القرية، وكانت ولادتها متعسرة بشكل كبير.

كانت هذه المرأة هي الساحرة تيثريت، تم نقلها إلى أقرب مشفى للولادة من قبل إحدى جاراتها، ورغم صراخها المفجع إلا أن أحد من القرية لم يتعاطف معها، إذ إنهم موقنون أن وراء طفلها هذا سر غامض، أو أنها استغلت الفتى نوفل....

كانت القابلة في غرفة الولادة تحاول مساعدتها ولكن ولادة الساحرة كانت متعسرة للغاية، تم استدعاء اخصائية، وقبل أن تقرر الإخصائية نقلها لغرفة العمليات القيصرية بلحظات نزل الطفل وأخيرا...

ولكن ما إن نزل الطفل ذو الحجم الكبير، حتى خرجن القابلات والطبيبة الإخصائية مسرعات من هول مظهر المولود الحديث.

كان شيئا غريبا لم يكن كما رأوه من قبل، لم يكن كطفل رضيع مشوه أو ما شابه لا، كانت هيئته بشرية ولكن لون جلده غريب، وشكله مفزع، حتى إن له شعرا مجعدا. ولكن ما أرعب الطبيبة الإخصائية والقابلات حقا وجعلهن يهربن من غرفة الولادة هي نظرات هذا الطفل الرضيع!!

كان ينظر في أعينهم وكأنه يفهم ما يدور حوله، فسلمته الإخصائية فورا إلى القابلة ويداها ترتجفان بسبب الخوف، فاستلمته القابلة لتقوم بدورها وتحمم الطفل، وقد استعجبت من خروج الإخصائية على عجل!!

أخذت الرضيع وما إن بدأت بتحميمه حتى إرتعبت، أليس مرعبا عندما تمسك طفل رضيع لا يتجاوز عمره الدقائق وتجد أنه ينظر لعينيك مباشرة وكأنه يفهم تماما كل ما يدور حولك!؟

وعلاوة على ذلك تجده يبتسم لك، هذا حقا مرعب، والرعب شيء بسيط لما شعرت به القابلة في تلك اللحظة والرضيع بين يديها وينظر لها مباشرة، فوضعته من يديها على الطاولة الخاصة بالمواليد وخرجت مسرعة هي والممرضة التي معها.

وصلن إلى غرفة الطبيبة الإخصائية ووجوههن كأن الموت وقف متجسداً أمامهن، لهثن أمام الباب، وقالت إحداهن:
"لقد نظر لي الرضيع في عيني وابتسم وكأنه يدرك كل شيء حوله"

قالت الإخصائية وهي تلملم حقيبتها اليدوية بعد أن نزعت زي العمل: "لقد حدث ظرف طارئ في المنزل، سأعود بعد غد، أخبرا الطبيب المناوب أن يحضر."

قالت هذه الكلمات وخرجت على عجل تاركة كل شيء خلفها، نظرت القابلة والممرضة إلى بعضهما بحيرة ثم توجهن إلى مدير المستشفى، على المدير أن يجد حل فهن لد يدخلن تلك الغرفة.

ولكن بعد عدة دقائق، دخل طبيب وأكمل العمل الذي رفضت الإخصائية والقابلة والممرضة إكماله، حتى أنه أكمله دون أي مشاكل، وأخبرهم أن موقفهم غير مهني. كيف يتركون امرأة حديثة الولادة هي وطفلها دون تقديم الرعاية اللازمة، ولم يصدق ما أخبروه به....

وبعد يوم من الولادة عادت الساحرة تيثريت وطفلها بين يديها إلى القرية، كانت قد استقلت سيارة أجرة حيث أن لا أحد من سكان القرية قام حتى بزيارتها.

ولكنها لم تتوجه إلى منزلها، بل أنزلتها السيارة مباشرة أمام منزل أهل نوفل.

عندما فتحت والدة نوفل الباب صدمت بوجود تيثريت أمام الباب، وبعد أن ابتلعت صدمتها قالت: "ما جاء بك يا تيثريت؟"

"ما جاء بي!؟ جاء بي ابنكم المشوه هذا"
ومدت الطفل إلى والدة نوفل وقالت: "خذي، أنه لكم"

قالت هذه الكلمات والتفتت لتذهب، فقالت أم نوفل بعد أن نظرت إلى وجد الطفل المشوه: "بماذا تهذين أيتها العجوز الخرفة، أنت تتصابين، خذي بلائك عنا وارحلي."

أعادت الطفل إلى أمه وأغلقت بابها وأسرعت نحو النافذة لتراقب تلك اللعينة ماذا ستفعل، فهي تعلم أنها لن تمرر الأمر على خير، ولكن أم نوفل واثقة من براءة ابنها، ولكنها لم تجد طريقة لتثبت ذلك.

كان قلبها حزين جدا بشأن غياب ابنها، فهو منذ أشهر ترك القرية واستقر في المدينة عند منزل حاله.

تنهدت بعمق لعجزها عن حل هذه المشكلة، فهي تعلم تمام المعرفة أن هذه الساحرة الشمطاء لن تتوقف عند هذا الحد، ربما يجب أن تعطيها بعض الأموال لتجعلها تصمت، ففوق كل هذا تحضر لها رضيع مشوه وتقول لها ابنكم.

"خسئتي أيتها اللعينة"

ولكن الساحرة اللعينة تيثريت خرجت من منزل أهل نوفل، متجهة إلى بيتها وابتسامة جانبية على فمها، ستفعل ذلك يوميا، ستأتي إليهم دائما، لا لشيء فقط لأنها تحب أن تؤذي غيرها، فهي تعلم أن أغلب سكان القرية لا يصدقونها، ونظراتهم هذه التي يرمقونها بها الآن وهي تسير نحو الخرابة التي تعيش فيها أكبر دليل...

نظرت نحو ابنها الرضيع الذي بين يديها، كان ينظر نحوها بمكر، فارتجفت يديها من الخوف، إنها تعلم أنه شيطان، روح الشيطان من تسكنه، وحتى من مظهره مسخ لأن جينات الشيطان في جسده.

فقد قامت بعمل طقوس شيطانية بذبح ذلك الرضيع، واغتسلت بدمه تعبدا للشيطان، فعلت كما طُلب منها بالضبط، فروحها لم تكن روح انسان طبيعي، إنها من أرواح شياطين الإنس.

--

شمهورش؛

وصل إلى مدرسة الحكيم توربو بصحبة خليل، كان يجهل فيما يريده الحكيم، ولكن رفع سقف توقعاته أنه سيطلب منه أن يعيد الزواج من سايا، لابد وأنها انهارت بعد عدة اشهر قد مرت على الطلاق، حسنا رغم مكابرته ودوسه على قلبه إلا أن شوقه لها يتآكله من الداخل ويكاد يمزقه.

اشتاق لضحكتها، لمرحها، لإهتمامها به، والذي يتضاهر بأنه يزعجه حتى لا يظهر ضعفه أمام أي أحد، حتى وإن كان هذا الأحد هو سايا.

كان المنزل صامتا وباردا بدونها، لا يكاد يصبر على غيابها، إلا أن كبريائة المجروحة تمنعه من التواصل معها، هو لم يلتقي بها منذ ذلك اليوم من عدة أشهر عند القاضي عندما رمى عليها يمين الطلاق..

كان متلهفا في خطواته، ولكنه أيضا كالصنديد الحديدي من المستحيل أن تسبر أغواره أو تلاحظ فيما يفكر أو بم يشعر.

دخل إلى المكتب الخاص بالحكيم توربو بصحبة خليل باد أن طرقا على الباب وأُذن لهما بالدخول.

لكن بفطنته وذكائه الحاد شعر بتوتر الحكيم فور أن أدخل والتقت عيناهما، الحكيم يتجنب النظر في عينيه مباشرة...

"هل لك أن تتركنا بمفردنا قليلا يا خليل!؟" قال الحكيم توربو.

"لا داعي، دعه يبقى فهو أمين على الأسرار" لا يعلم شمهورش لم قال ذلك، هو لا يحب أن يعرف أي أحد شيئا عن حياته الخاصة، إلا أنه في نفس الوقت أحس غريزيا أنه سيحتاج للدعم.

جلس شمهورش ويبدوا واثقا مسيطرا كعادته رغم قلبه الذي يرتجف من الداخل كالورقة، هل ستعود له سايا حقا!؟ لا يكاد يصدق.

كان متلهفا ليسمع ما يريد الحكيم قوله، بيد أن الحكيم لم يكن متلهف، بل كان متوترا، إلا أن شمهورش ولسبب ما يحاول اتباع أماله ويتجاهل كل مادونها.

"هيا، اخبرني مالأمر!؟" قال شمهورش

رفع توربو وأخيرا بصره لتلتقي عيناه مباشرة بعيني شمهورش، حينها أدرك شمهوش الحقيقة، إن ما سيخبره توربو به ليس بالأمر سار أبدا.

"اليوم ستتم خطبة ابنتي سايا!"

خنجر سام من الألم شق قلب شمهورش، وللمرة الأولى في حياته تخرج مشاعره أمام أحد ما، يخرج ضعفه للعلن وبسبب هذه المرأة..

لا إراديا قال شمهورش بصوت يشبه الهمس: "ماذا!؟"

"أرجوا أن لا تسبب المشاكل يا بني، فهي انتظرتك لأشهر مضت، علك تتراجع عن عنادك ولكنك لم تأتي!"

كان توربو خائف من ردة فهل شمهورش، ليس لأنه واثق من حبه لسايا، لأنه بدأ متأكد أنه لا يحبها، إنما كان خائف من أن يشعر الأخير بالإهانة ويفسد موضوع الخطبة، هذا الموضوع الذي أصرت عليه سايا رغم محاولاته هو ووالدتها لإقناعها للعدول عنه.

"من؟"

فهم فورا مقصده فأجابه مرتبك وهو ينظر لخليل عله يساعده في تخفيف هذا الإرتباك:

"آهار"

قال توربو ذلك وهو يحاول أن يبدوا هادئ ثم أكمل: "آهار ابن الملك أمنوكال"

عم الصمت لثواني معدودة ابتلع فيها شمهورش صدمته، كان قلبه الذي داخل ضلوعه يضج حرقة بسبب الغيرة، له رغبة شديدة في تهشيم وجه ذاك اللعين الذي نجرأ على خطبة سايا.

إلا أن خارجه بارد كالجليد، حتى نظراته أفلح في جعلها باردة، وقف وتوجه نحو الباب بخطوات ثابثة صلبة وكأنه جبل لا يزحزحه زلزال، رغم البركان الذي يغلي داخل قلبه.

لم يكن شيء يشير إلى غضبه سوى قبضتيه المضمومتين. وقف أمام الباب وقال قبل أن يخرج بصوت عادي جدا: :"إذا كان هذا ما استدعيتني من أجله، أوصل تهنئاتي وتبريكاتي لسايا، إنها تستحق السعادة"

كاد توربو أن يصرخ ليقول: "إن سعادتها معك أيها الأحمق!"

ولكن بالطبع تلك فقط كلمات تتزاحم لتُختنق في حنجرته، ثم يبتلعها مجددا في أعماقه لتبقى دفينه، إن شمهورش لم يقدم على أي أمر يوضح تمسكه بسايا، بينما آهار فعل.

أما شمهورش فبمجرد أن صعد سيارته، شعر بشيء ساخن وسائل يحرق عيونه، دموع!! دموع يا شمهورش؟!!! وأخذ يحدث نفسه: 'إنك لم تبكي منذ ذلك اليوم الذي توفي في والديك، ولن تبكي الآن لمجرد امرأة تخلت عنك!'

حلقه جاف وكأن كتلة من شيء ما تسد مجراه،، كتلة لا مادية، كتلة من خيبة الأمل والكسرة والخيانة..

وما إن وطئت قدماه الشقة وأقفل الباب حتى إنهال يقذف بكل شيء له لمساتها أو ذرقها داخل المنزل، يحطمهم وهو يلهث من الغضب، ثم ذلك الغضب تحول إلى حزن ورثاء.

جلس على عالأرض وأخذ يتذكر ما حوله وحياتها هنا واستقبالها له وذكرياتهما الخاصة سويا، كان يعشقها، كيف لم تشعر بذلك.

نزلت دموعه وأخيرا، ثم بكى بكاء شديد، بكى وكأنها ماتت، فبالنسبة له سايا ماتت، ما إن أصبحت ملك لرجل آخر يعني أنها ماتت في حياته.

فتح خزانتها ووجد فيها ثوب يحبه عليها لا يزال معلق فيها، وعطرها المفضل، وأيضا صورة تجمعهما سويا، كانت في الصورة تبدو سعيدة للغاية وهي تقبل خده، وهو يقف غاضبا بسبب أنها تأخرت في ذلك اليوم للعودة من منزل والديها.

أعاد الأشياء للخزانة وخرج...

في القرية؛

كن ثلاث من نسوة القرية، يجلسن سويا في منزل إحداهن، كانت وجوههم شاحبة وكأن أرواحهم قد فارقت اجسادهم، أو أن الحياة قد فارقتهم ومضت، كيف لا وقد فارقن فلذة اكبادهن.

الأولى ابنها مفقود في دهاليز الصحراء، لا تعلم إن كان ميتا أو حي، تراه بشكل متكرر وغامض في احلامها ولكن لا معنى لتلك الأحلام سوى أنها تزيد من لوعتها على فراق ابنها.

والأخرى ذبح ابنها الرضيع الحديث الولادة في سريرها وفي عقر دارها، والفاعلة تصول وتجول وهي تكاد تجن وخيال ذلك اليوم المشؤوم لا يفارق مخيلتها.

أما الأخيرة فقد طفش ابنها وهرب من القرية منذ عدة أشهر، بسبب امرأة سافرة ماجنة لا تخاف الله، وتريد الآن في توريطه بالمسخ الذي لديها.

كانت عاتيكا قد علمت أت تيثريت هي السبب في إرسال ابنها إلى الصحراء، فهي من حرضت الشباب الغافلون وأوهمتهم بعدة أوهام ليطيعوها.

"سأشرب من دمها أعدكم" قالت والدة الطفل الرضيع.

هزت عاتيكا رأسها أسفا على هذه الأم الشابة، لصد أصبحت هستيرية، ولولا أن زوجها رجل جيد ومتمسك بها ويدعمها لكانت انهارت.

لا تعلم أيهم فاجعتها أكبر، أهي لأن ابنها على حين غرة غاب في دهاليز الصحراء ولا تعلم عنه شيء! أم هذه المرأة وطفلها الرضيع الذي حملته بين ذراعيها مذبوح، أَم أُمُّ نوفل وهذا الإبتلاء بطفل مسخ كالشيطان تدعي الساحرة أنه إبن ابنها الذي هج من القرية ولم تعد تراه، فقد تدمر مستقبله بالتأكيد.

"ابني يدفع ثمن ما فعله بخليل!" قالت أم خليل بحزن.

اجلت عاتيكا حنجرتها وقالت: "لا يا عزيزتي، إنه قدره، أنا لن ألوم نوفل أبدا" ثم تغيرت نظرة عينيها من الحزن إلى الحقد والغضب: "بل تلك الساحرة اللعينة هي سبب كل ما حصل لنا"

"أريد قتلها وأشرب من دمها" قالت أم الرضيع.

"سنعمل على طردها من هنا، يجب أن نتخلص من شرورها"

"وأن نطرد ابنها معها، لن نعترف بذلك الطفل أبداً"

ابتسمت عاتيكا ابتسامة جانبية واستطردت تقول: "ألا تلاحظين يا عزيزتي! تحاول ابتزازكم بذلك الطفل، علينا أن نعمل على طردها قبل أن تقدم على أمر جديد"

ثم خطرت فكرة على والدة نوفل لكي يستدرجوا تلك اللعينة ويقوموا بالتسبب في طردها من القرية أشر طردة.

"سأقوم بدعوتها لمنزلي ثم ...."

وأخبرتهم ما تنوي فعله، ولم تتوانى المرأتين الأخرتين على مساعدتها، فالأم تصبح لبوة حينما يصل الأمر إلى أولادها.

ثم في اليوم التالي بعد أن جهزن الخطة اختبأت عاتيكا ووالدة الطفل الرضيع في إحدى غرف منزل والدة نوفل.

بعد نصف ساعة جاءت تيثريت تتبختل في خطواتها وهي تخطوا داخل المنزل بعد أن فتحت لها والدة نوفل باب المنزل.

"ما الأمر؟ لم استدعيتني"

"أين تركتي الطفل!؟"

"في المنزل" ثم قلبت عينيها بشكل مخيف أصاب قلب والدة نوفل بالخوف وأكملت: "لا تقلقي على حفيدك فلديه من يحرسه"

شعرت المرأتان المختبئتان أيضا بالخوف عندما كنا يراقبن من خلف الباب.

تمالكت أم نوفل أعصابها وطلبت من تيثريت أن تجلس، ثم حاولت أن تبدوا جدية جدا في حديثها رغم الخوف الذي يعصف داخل قلبها.

"عليكِ بالرحيل من هنا يا تيثريت! انتِ وذاك الذي تسمينه ابنك!"

ابتسمت تيثريت ابتسامتها المقززة: "ومن سيجبرني على ذلك" ثم همست وأضافت: "ألا تعلمين أن لدي مساعدون في الخفاء!"

استجمعت أم نوفل شجاعتها ونظرت بتحدي نحو تيثريت وقالت: "وأنا أيضا لدي مساعدون من العالم الآخر، وسيساعدونني عند الحاجة"

ابتسمت تيثريت ابتسامة واسعة مقززة وأشارت بإصبعها نحو الباب حيث يختبئن عاتيكا وأم الطفل الرضيع ...

(ولادة المسخ)

خليل؛

كنت جالس بجانب أيور، طفلة صغيرة في عمر العاشرة ولكنها تبدو كئيبة كثيرا، ربما معها حق، فها أنا أشعر بشوق فضيع يتآكلني نحو عائلتي، حضن أمي خاصة.

ولكن ما أراه منها الآن أكثر من مجرد فتاة حزينة ووحيدة، كانت مرتبكة تماما، عندما رأيتها من بعيد والآن بعدما جلست بجانبها شعرت أنها خائفة وليس مرتبكة فقط، كانت تنظر إلى كل مكان باستثنائي.

"هل أنتِ خائفة من شيء ما"

-"لا ولم سأخاف؟"

قالت ذلك واحمرت وجنتاها لتصبح بلون شعرها الناري، كانت تبدو بريئة جدا ووحيدة وضعيفة.
أقسمت في هذه اللحظة أن أساعدها وأحميها إن احتاجت إلى مساعدة في أي وقت من الأوقات.

ففي النهاية هي فتاة بشرية، وإن كانت نصف بشرية، وحيدة ويتيمة.

"هل تدرسين؟"

أومأت برأسها ثم نظرت لي للمرة الأولى منذ جلست بجانبها، كانت عيناها بلون النار، تتلألآن وكأن أضواء فيهما، كان تفكيرها وتصرفاتها حقا أكبر من عمرها، أو ربما هي حياة اليتم من جعلتها هكذا، فاليتيم يبقى يتيم وإن عاش في قصور.

فجأة وقفت بإرتباك وقالت: "عليا الذهاب؟"

وقفت خلفها استوقفها: "انتظري، لما العجلة؟ إن كنت أزعجتك فأنا ذاهب!"

أومأت برأسها نافية وتحركت بعجل وعندما نظرت إلى المكان الذي تنظر له علمت أنها كانت تنظر إلى مربيتها، حيث كانت الأخرى على ما يبدو تبحث عليها.

ولكن قبل أن تسير مبتعدة كانت تاكليت قد رأتها وجاءت مسرعة نحونا، كنت أتوقع أن تبدأ في توبيخها، ولكنها لم تفعل بل على العكس.

"ها أنتِ ذا يابُنيّتي، كنت أبحث عنك في كل مكان، لقد كنت قلقة عليكِ للغاية حقا"

بدت المرأة لطيفة جدا ومتفهمة، عكس ما أظهرته تصرفات أيور عندما وقعت عيناها عليها.

"اعتذر، شعرت بالملل والتعب من الدراسة، وأنت تأخرتِ!"

كانت أيور تبرر أفعالها لمربيتها بحزن.

"مرحبا، أنا خليل." قلت ذلك أوجه حديثي إلى مربية ايور وأنا أمد يدي من أجل المصافحة.

نظرت مطولا إلى يدي الممدودة نحنوها ثم رفعت نظرها لي وكانت نظراتها غريبة، ثم فجأة ابتسمت وصافحت يدي.

"أنا تاكليت، مربية أيور وخادمة الإيندينان السابق، والد أيور."

"سررت بمعرفتك" قلت ذلك.

كانت تبدوا امرأة قوية، مظهرها وكأنها في الثلاثين من عمرها من أعمار نساء البشر، ولكن بالطبع هي في عمر كَمٍّ من القرون.

إستأذنت بأدب وأخذت أيور معها وتوجهتاداخل القصر من البوابة الخلفية.

لم أشعر بالراحة لهذه المرأة، شعرت أن ورائها أمر غير مريح، فنظراتها لي غريبة، وكأنها تحاول سبر أغوار نفسي وفي ذات الوقت تحاول إخفاء ما تظهره عينيها من اشئزاز.

ظللت واقفا حتى غابتا داخل القصر ولم أعد أراهما، التفت حولي أرى العائلات جالسون وأطفالهم يلهون ويلعبون، جلست أنظر إليهم وأنا غارق في أفكاري.

--

بعد مرور عدة أشهر؛

خليل؛

كنت في هذه الفترة قد تقدمت كثيرا في تدريباتي مع شمهورش الذي بدا عصبيا وحاد الطباع على غير العادة، وأيضا لمست شيء آخر في تصرفات شمهورش وهو الحزن.

ورغم ذلك كنا نتدرب شبه يوميا على مر الأشهر، وهذا جعلني أنا الذي لم أخض في حياتي عراك واحد، أصبحت فتى قوي خشن مفتول العضلات في وقت قياسي، وكأن طابع شمهورش قد اصطبغ علي.

وأيضا أشعر أنني أصبحت أكثر ذكاء وحكمة في تصرفاتي بسبب ما تعلمته من الحكيم توربو، وقد تعلمت أيضا بعضا من لغة أهل الجان، وبعض من علوم الأرض وكل ما يتعلق بالخلق، حتى أنني تفاجأت بالمعلومات التي يملكها هذا الحكيم المبدع.

ولكن شوقي لأهلي في هذه الفترة يزداد كل يوم، أشعر بالحنين إلى أمي، أتمنى أن تضمني إلى صدرها الدافئ الحنون كما تفعل عندما أفوز في المسابقات، رأن تصدح زغاريتها في المنزل لتسمع جاراتها زغاريتها وتهرعن لتهنئتها، كانت تفرح وتتصرف في كل مسابقة قرآنية أربحها وكأنها الأولى، نفس الفرحة لا تفتر أبدا.

ولكن الذي يحدث في هذه الفترة غريب جدا، فأنا أحلم بها باستمرار، وكأني آراها، حتى إنني عندما أستيقظ من نومي أكاد أقسم أنني أشتم رائحتها على يداي.

كم يقتلني الشوق لكِ يا أمي وإلى والدي وأخي وأخواتي، لطالمنا كان أبي فخورا بي ورافعا رأسه في القرية بسبب تميزي وتفوقي في المسابقات.

أنا أعلم إنني لا أستطيع زيارتهم إلا بعد أن أنهي مهامي كأيندينان، فإن رحلت الآن وتخليت عن هؤلاء القوم الذين آمنوا ووثقوا بي، حينها ليس فقط إني سأفقد قواي كإيندينان للأبد، بل سأفقد إحترامي لذاتي وأكون أنقضت العهد بين الجنسين!

غير إنني لا أعلم كم سيطول بي الوقت هنا، في الحقيقة أنا متعلق بعائلتي كثيرا، بحكم أن الشيخ في طفولتي طلب من والداي أن أبقى ملازما للمسجد وأن لا أحضر المناسبات الاجتماعية وأيضا أن لا أبقى خارج المنزل بعد غروب الشمس. وبالطبع أهم شيء أن لا أدخل إلى الصحراء ابدأ، ولكن بالطبع مشيئة الله لن يؤخرها أي حرص او تحفظ!

كنت مستلقي على ظهري في ساحة التدريب التي أصبحت وكأنها منزلي، الجنود من حولي يتدربون، أما أنا فبعد أن خضت نزالا قويا مع شمهورش، استلقيت مباشرة على الأرض الزجاجية الشفافة التي اعتدت على السير فوقها، وأيضا وثقت أخيرا أنها لن تنكسر تحت أقدامي.

كان شمهورش أيضا مستلقي بجانبي وقال وهو مغمض عينيه: "لقد تحسنت كثيرا أيها الفتى، لقد أصبحت تنافسني في مدة زمنية قياسية"

"هذا بفضل المعلم الجيد"
وقفت فورا بعد أن قلت ذلك، ثم مددت له يدي وأضفت: "إن الحكيم توربو طلب مني أن اخبرك أن تأتي معي عندما أذهب إليه من أجل التعلم."

أمسك شمهورش بيدي الممدوده ووقف، ثم توجهنا نحو مدرسة الحكيم توربو.

--

في القرية؛

دوت صرخاتها عالية لتكسر الصمت الذي أطبق على القرية منذ عدة أشهر، تتوالى الصرخات تباعا مع إرتفاع سريع في الصوت، كانت ولادة إحدى نساء القرية، وكانت ولادتها متعسرة بشكل كبير.

كانت هذه المرأة هي الساحرة تيثريت، تم نقلها إلى أقرب مشفى للولادة من قبل إحدى جاراتها، ورغم صراخها المفجع إلا أن أحد من القرية لم يتعاطف معها، إذ إنهم موقنون أن وراء طفلها هذا سر غامض، أو أنها استغلت الفتى نوفل....

كانت القابلة في غرفة الولادة تحاول مساعدتها ولكن ولادة الساحرة كانت متعسرة للغاية، تم استدعاء اخصائية، وقبل أن تقرر الإخصائية نقلها لغرفة العمليات القيصرية بلحظات نزل الطفل وأخيرا...

ولكن ما إن نزل الطفل ذو الحجم الكبير، حتى خرجن القابلات والطبيبة الإخصائية مسرعات من هول مظهر المولود الحديث.

كان شيئا غريبا لم يكن كما رأوه من قبل، لم يكن كطفل رضيع مشوه أو ما شابه لا، كانت هيئته بشرية ولكن لون جلده غريب، وشكله مفزع، حتى إن له شعرا مجعدا. ولكن ما أرعب الطبيبة الإخصائية والقابلات حقا وجعلهن يهربن من غرفة الولادة هي نظرات هذا الطفل الرضيع!!

كان ينظر في أعينهم وكأنه يفهم ما يدور حوله، فسلمته الإخصائية فورا إلى القابلة ويداها ترتجفان بسبب الخوف، فاستلمته القابلة لتقوم بدورها وتحمم الطفل، وقد استعجبت من خروج الإخصائية على عجل!!

أخذت الرضيع وما إن بدأت بتحميمه حتى إرتعبت، أليس مرعبا عندما تمسك طفل رضيع لا يتجاوز عمره الدقائق وتجد أنه ينظر لعينيك مباشرة وكأنه يفهم تماما كل ما يدور حولك!؟

وعلاوة على ذلك تجده يبتسم لك، هذا حقا مرعب، والرعب شيء بسيط لما شعرت به القابلة في تلك اللحظة والرضيع بين يديها وينظر لها مباشرة، فوضعته من يديها على الطاولة الخاصة بالمواليد وخرجت مسرعة هي والممرضة التي معها.

وصلن إلى غرفة الطبيبة الإخصائية ووجوههن كأن الموت وقف متجسداً أمامهن، لهثن أمام الباب، وقالت إحداهن:
"لقد نظر لي الرضيع في عيني وابتسم وكأنه يدرك كل شيء حوله"

قالت الإخصائية وهي تلملم حقيبتها اليدوية بعد أن نزعت زي العمل: "لقد حدث ظرف طارئ في المنزل، سأعود بعد غد، أخبرا الطبيب المناوب أن يحضر."

قالت هذه الكلمات وخرجت على عجل تاركة كل شيء خلفها، نظرت القابلة والممرضة إلى بعضهما بحيرة ثم توجهن إلى مدير المستشفى، على المدير أن يجد حل فهن لد يدخلن تلك الغرفة.

ولكن بعد عدة دقائق، دخل طبيب وأكمل العمل الذي رفضت الإخصائية والقابلة والممرضة إكماله، حتى أنه أكمله دون أي مشاكل، وأخبرهم أن موقفهم غير مهني. كيف يتركون امرأة حديثة الولادة هي وطفلها دون تقديم الرعاية اللازمة، ولم يصدق ما أخبروه به....

وبعد يوم من الولادة عادت الساحرة تيثريت وطفلها بين يديها إلى القرية، كانت قد استقلت سيارة أجرة حيث أن لا أحد من سكان القرية قام حتى بزيارتها.

ولكنها لم تتوجه إلى منزلها، بل أنزلتها السيارة مباشرة أمام منزل أهل نوفل.

عندما فتحت والدة نوفل الباب صدمت بوجود تيثريت أمام الباب، وبعد أن ابتلعت صدمتها قالت: "ما جاء بك يا تيثريت؟"

"ما جاء بي!؟ جاء بي ابنكم المشوه هذا"
ومدت الطفل إلى والدة نوفل وقالت: "خذي، أنه لكم"

قالت هذه الكلمات والتفتت لتذهب، فقالت أم نوفل بعد أن نظرت إلى وجد الطفل المشوه: "بماذا تهذين أيتها العجوز الخرفة، أنت تتصابين، خذي بلائك عنا وارحلي."

أعادت الطفل إلى أمه وأغلقت بابها وأسرعت نحو النافذة لتراقب تلك اللعينة ماذا ستفعل، فهي تعلم أنها لن تمرر الأمر على خير، ولكن أم نوفل واثقة من براءة ابنها، ولكنها لم تجد طريقة لتثبت ذلك.

كان قلبها حزين جدا بشأن غياب ابنها، فهو منذ أشهر ترك القرية واستقر في المدينة عند منزل حاله.

تنهدت بعمق لعجزها عن حل هذه المشكلة، فهي تعلم تمام المعرفة أن هذه الساحرة الشمطاء لن تتوقف عند هذا الحد، ربما يجب أن تعطيها بعض الأموال لتجعلها تصمت، ففوق كل هذا تحضر لها رضيع مشوه وتقول لها ابنكم.

"خسئتي أيتها اللعينة"

ولكن الساحرة اللعينة تيثريت خرجت من منزل أهل نوفل، متجهة إلى بيتها وابتسامة جانبية على فمها، ستفعل ذلك يوميا، ستأتي إليهم دائما، لا لشيء فقط لأنها تحب أن تؤذي غيرها، فهي تعلم أن أغلب سكان القرية لا يصدقونها، ونظراتهم هذه التي يرمقونها بها الآن وهي تسير نحو الخرابة التي تعيش فيها أكبر دليل...

نظرت نحو ابنها الرضيع الذي بين يديها، كان ينظر نحوها بمكر، فارتجفت يديها من الخوف، إنها تعلم أنه شيطان، روح الشيطان من تسكنه، وحتى من مظهره مسخ لأن جينات الشيطان في جسده.

فقد قامت بعمل طقوس شيطانية بذبح ذلك الرضيع، واغتسلت بدمه تعبدا للشيطان، فعلت كما طُلب منها بالضبط، فروحها لم تكن روح انسان طبيعي، إنها من أرواح شياطين الإنس.

--

شمهورش؛

وصل إلى مدرسة الحكيم توربو بصحبة خليل، كان يجهل فيما يريده الحكيم، ولكن رفع سقف توقعاته أنه سيطلب منه أن يعيد الزواج من سايا، لابد وأنها انهارت بعد عدة اشهر قد مرت على الطلاق، حسنا رغم مكابرته ودوسه على قلبه إلا أن شوقه لها يتآكله من الداخل ويكاد يمزقه.

اشتاق لضحكتها، لمرحها، لإهتمامها به، والذي يتضاهر بأنه يزعجه حتى لا يظهر ضعفه أمام أي أحد، حتى وإن كان هذا الأحد هو سايا.

كان المنزل صامتا وباردا بدونها، لا يكاد يصبر على غيابها، إلا أن كبريائة المجروحة تمنعه من التواصل معها، هو لم يلتقي بها منذ ذلك اليوم من عدة أشهر عند القاضي عندما رمى عليها يمين الطلاق..

كان متلهفا في خطواته، ولكنه أيضا كالصنديد الحديدي من المستحيل أن تسبر أغواره أو تلاحظ فيما يفكر أو بم يشعر.

دخل إلى المكتب الخاص بالحكيم توربو بصحبة خليل باد أن طرقا على الباب وأُذن لهما بالدخول.

لكن بفطنته وذكائه الحاد شعر بتوتر الحكيم فور أن أدخل والتقت عيناهما، الحكيم يتجنب النظر في عينيه مباشرة...

"هل لك أن تتركنا بمفردنا قليلا يا خليل!؟" قال الحكيم توربو.

"لا داعي، دعه يبقى فهو أمين على الأسرار" لا يعلم شمهورش لم قال ذلك، هو لا يحب أن يعرف أي أحد شيئا عن حياته الخاصة، إلا أنه في نفس الوقت أحس غريزيا أنه سيحتاج للدعم.

جلس شمهورش ويبدوا واثقا مسيطرا كعادته رغم قلبه الذي يرتجف من الداخل كالورقة، هل ستعود له سايا حقا!؟ لا يكاد يصدق.

كان متلهفا ليسمع ما يريد الحكيم قوله، بيد أن الحكيم لم يكن متلهف، بل كان متوترا، إلا أن شمهورش ولسبب ما يحاول اتباع أماله ويتجاهل كل مادونها.

"هيا، اخبرني مالأمر!؟" قال شمهورش

رفع توربو وأخيرا بصره لتلتقي عيناه مباشرة بعيني شمهورش، حينها أدرك شمهوش الحقيقة، إن ما سيخبره توربو به ليس بالأمر سار أبدا.

"اليوم ستتم خطبة ابنتي سايا!"

خنجر سام من الألم شق قلب شمهورش، وللمرة الأولى في حياته تخرج مشاعره أمام أحد ما، يخرج ضعفه للعلن وبسبب هذه المرأة..

لا إراديا قال شمهورش بصوت يشبه الهمس: "ماذا!؟"

"أرجوا أن لا تسبب المشاكل يا بني، فهي انتظرتك لأشهر مضت، علك تتراجع عن عنادك ولكنك لم تأتي!"

كان توربو خائف من ردة فهل شمهورش، ليس لأنه واثق من حبه لسايا، لأنه بدأ متأكد أنه لا يحبها، إنما كان خائف من أن يشعر الأخير بالإهانة ويفسد موضوع الخطبة، هذا الموضوع الذي أصرت عليه سايا رغم محاولاته هو ووالدتها لإقناعها للعدول عنه.

"من؟"

فهم فورا مقصده فأجابه مرتبك وهو ينظر لخليل عله يساعده في تخفيف هذا الإرتباك:

"آهار"

قال توربو ذلك وهو يحاول أن يبدوا هادئ ثم أكمل: "آهار ابن الملك أمنوكال"

عم الصمت لثواني معدودة ابتلع فيها شمهورش صدمته، كان قلبه الذي داخل ضلوعه يضج حرقة بسبب الغيرة، له رغبة شديدة في تهشيم وجه ذاك اللعين الذي نجرأ على خطبة سايا.

إلا أن خارجه بارد كالجليد، حتى نظراته أفلح في جعلها باردة، وقف وتوجه نحو الباب بخطوات ثابثة صلبة وكأنه جبل لا يزحزحه زلزال، رغم البركان الذي يغلي داخل قلبه.

لم يكن شيء يشير إلى غضبه سوى قبضتيه المضمومتين. وقف أمام الباب وقال قبل أن يخرج بصوت عادي جدا: :"إذا كان هذا ما استدعيتني من أجله، أوصل تهنئاتي وتبريكاتي لسايا، إنها تستحق السعادة"

كاد توربو أن يصرخ ليقول: "إن سعادتها معك أيها الأحمق!"

ولكن بالطبع تلك فقط كلمات تتزاحم لتُختنق في حنجرته، ثم يبتلعها مجددا في أعماقه لتبقى دفينه، إن شمهورش لم يقدم على أي أمر يوضح تمسكه بسايا، بينما آهار فعل.

أما شمهورش فبمجرد أن صعد سيارته، شعر بشيء ساخن وسائل يحرق عيونه، دموع!! دموع يا شمهورش؟!!! وأخذ يحدث نفسه: 'إنك لم تبكي منذ ذلك اليوم الذي توفي في والديك، ولن تبكي الآن لمجرد امرأة تخلت عنك!'

حلقه جاف وكأن كتلة من شيء ما تسد مجراه،، كتلة لا مادية، كتلة من خيبة الأمل والكسرة والخيانة..

وما إن وطئت قدماه الشقة وأقفل الباب حتى إنهال يقذف بكل شيء له لمساتها أو ذرقها داخل المنزل، يحطمهم وهو يلهث من الغضب، ثم ذلك الغضب تحول إلى حزن ورثاء.

جلس على عالأرض وأخذ يتذكر ما حوله وحياتها هنا واستقبالها له وذكرياتهما الخاصة سويا، كان يعشقها، كيف لم تشعر بذلك.

نزلت دموعه وأخيرا، ثم بكى بكاء شديد، بكى وكأنها ماتت، فبالنسبة له سايا ماتت، ما إن أصبحت ملك لرجل آخر يعني أنها ماتت في حياته.

فتح خزانتها ووجد فيها ثوب يحبه عليها لا يزال معلق فيها، وعطرها المفضل، وأيضا صورة تجمعهما سويا، كانت في الصورة تبدو سعيدة للغاية وهي تقبل خده، وهو يقف غاضبا بسبب أنها تأخرت في ذلك اليوم للعودة من منزل والديها.

أعاد الأشياء للخزانة وخرج...

في القرية؛

كن ثلاث من نسوة القرية، يجلسن سويا في منزل إحداهن، كانت وجوههم شاحبة وكأن أرواحهم قد فارقت اجسادهم، أو أن الحياة قد فارقتهم ومضت، كيف لا وقد فارقن فلذة اكبادهن.

الأولى ابنها مفقود في دهاليز الصحراء، لا تعلم إن كان ميتا أو حي، تراه بشكل متكرر وغامض في احلامها ولكن لا معنى لتلك الأحلام سوى أنها تزيد من لوعتها على فراق ابنها.

والأخرى ذبح ابنها الرضيع الحديث الولادة في سريرها وفي عقر دارها، والفاعلة تصول وتجول وهي تكاد تجن وخيال ذلك اليوم المشؤوم لا يفارق مخيلتها.

أما الأخيرة فقد طفش ابنها وهرب من القرية منذ عدة أشهر، بسبب امرأة سافرة ماجنة لا تخاف الله، وتريد الآن في توريطه بالمسخ الذي لديها.

كانت عاتيكا قد علمت أت تيثريت هي السبب في إرسال ابنها إلى الصحراء، فهي من حرضت الشباب الغافلون وأوهمتهم بعدة أوهام ليطيعوها.

"سأشرب من دمها أعدكم" قالت والدة الطفل الرضيع.

هزت عاتيكا رأسها أسفا على هذه الأم الشابة، لصد أصبحت هستيرية، ولولا أن زوجها رجل جيد ومتمسك بها ويدعمها لكانت انهارت.

لا تعلم أيهم فاجعتها أكبر، أهي لأن ابنها على حين غرة غاب في دهاليز الصحراء ولا تعلم عنه شيء! أم هذه المرأة وطفلها الرضيع الذي حملته بين ذراعيها مذبوح، أَم أُمُّ نوفل وهذا الإبتلاء بطفل مسخ كالشيطان تدعي الساحرة أنه إبن ابنها الذي هج من القرية ولم تعد تراه، فقد تدمر مستقبله بالتأكيد.

"ابني يدفع ثمن ما فعله بخليل!" قالت أم خليل بحزن.

اجلت عاتيكا حنجرتها وقالت: "لا يا عزيزتي، إنه قدره، أنا لن ألوم نوفل أبدا" ثم تغيرت نظرة عينيها من الحزن إلى الحقد والغضب: "بل تلك الساحرة اللعينة هي سبب كل ما حصل لنا"

"أريد قتلها وأشرب من دمها" قالت أم الرضيع.

"سنعمل على طردها من هنا، يجب أن نتخلص من شرورها"

"وأن نطرد ابنها معها، لن نعترف بذلك الطفل أبداً"

ابتسمت عاتيكا ابتسامة جانبية واستطردت تقول: "ألا تلاحظين يا عزيزتي! تحاول ابتزازكم بذلك الطفل، علينا أن نعمل على طردها قبل أن تقدم على أمر جديد"

ثم خطرت فكرة على والدة نوفل لكي يستدرجوا تلك اللعينة ويقوموا بالتسبب في طردها من القرية أشر طردة.

"سأقوم بدعوتها لمنزلي ثم ...."

وأخبرتهم ما تنوي فعله، ولم تتوانى المرأتين الأخرتين على مساعدتها، فالأم تصبح لبوة حينما يصل الأمر إلى أولادها.

ثم في اليوم التالي بعد أن جهزن الخطة اختبأت عاتيكا ووالدة الطفل الرضيع في إحدى غرف منزل والدة نوفل.

بعد نصف ساعة جاءت تيثريت تتبختل في خطواتها وهي تخطوا داخل المنزل بعد أن فتحت لها والدة نوفل باب المنزل.

"ما الأمر؟ لم استدعيتني"

"أين تركتي الطفل!؟"

"في المنزل" ثم قلبت عينيها بشكل مخيف أصاب قلب والدة نوفل بالخوف وأكملت: "لا تقلقي على حفيدك فلديه من يحرسه"

شعرت المرأتان المختبئتان أيضا بالخوف عندما كنا يراقبن من خلف الباب.

تمالكت أم نوفل أعصابها وطلبت من تيثريت أن تجلس، ثم حاولت أن تبدوا جدية جدا في حديثها رغم الخوف الذي يعصف داخل قلبها.

"عليكِ بالرحيل من هنا يا تيثريت! انتِ وذاك الذي تسمينه ابنك!"

ابتسمت تيثريت ابتسامتها المقززة: "ومن سيجبرني على ذلك" ثم همست وأضافت: "ألا تعلمين أن لدي مساعدون في الخفاء!"

استجمعت أم نوفل شجاعتها ونظرت بتحدي نحو تيثريت وقالت: "وأنا أيضا لدي مساعدون من العالم الآخر، وسيساعدونني عند الحاجة"

ابتسمت تيثريت ابتسامة واسعة مقززة وأشارت بإصبعها نحو الباب حيث يختبئن عاتيكا وأم الطفل الرضيع ...

(ولادة المسخ)

خليل؛

كنت جالس بجانب أيور، طفلة صغيرة في عمر العاشرة ولكنها تبدو كئيبة كثيرا، ربما معها حق، فها أنا أشعر بشوق فضيع يتآكلني نحو عائلتي، حضن أمي خاصة.

ولكن ما أراه منها الآن أكثر من مجرد فتاة حزينة ووحيدة، كانت مرتبكة تماما، عندما رأيتها من بعيد والآن بعدما جلست بجانبها شعرت أنها خائفة وليس مرتبكة فقط، كانت تنظر إلى كل مكان باستثنائي.

"هل أنتِ خائفة من شيء ما"

-"لا ولم سأخاف؟"

قالت ذلك واحمرت وجنتاها لتصبح بلون شعرها الناري، كانت تبدو بريئة جدا ووحيدة وضعيفة.
أقسمت في هذه اللحظة أن أساعدها وأحميها إن احتاجت إلى مساعدة في أي وقت من الأوقات.

ففي النهاية هي فتاة بشرية، وإن كانت نصف بشرية، وحيدة ويتيمة.

"هل تدرسين؟"

أومأت برأسها ثم نظرت لي للمرة الأولى منذ جلست بجانبها، كانت عيناها بلون النار، تتلألآن وكأن أضواء فيهما، كان تفكيرها وتصرفاتها حقا أكبر من عمرها، أو ربما هي حياة اليتم من جعلتها هكذا، فاليتيم يبقى يتيم وإن عاش في قصور.

فجأة وقفت بإرتباك وقالت: "عليا الذهاب؟"

وقفت خلفها استوقفها: "انتظري، لما العجلة؟ إن كنت أزعجتك فأنا ذاهب!"

أومأت برأسها نافية وتحركت بعجل وعندما نظرت إلى المكان الذي تنظر له علمت أنها كانت تنظر إلى مربيتها، حيث كانت الأخرى على ما يبدو تبحث عليها.

ولكن قبل أن تسير مبتعدة كانت تاكليت قد رأتها وجاءت مسرعة نحونا، كنت أتوقع أن تبدأ في توبيخها، ولكنها لم تفعل بل على العكس.

"ها أنتِ ذا يابُنيّتي، كنت أبحث عنك في كل مكان، لقد كنت قلقة عليكِ للغاية حقا"

بدت المرأة لطيفة جدا ومتفهمة، عكس ما أظهرته تصرفات أيور عندما وقعت عيناها عليها.

"اعتذر، شعرت بالملل والتعب من الدراسة، وأنت تأخرتِ!"

كانت أيور تبرر أفعالها لمربيتها بحزن.

"مرحبا، أنا خليل." قلت ذلك أوجه حديثي إلى مربية ايور وأنا أمد يدي من أجل المصافحة.

نظرت مطولا إلى يدي الممدودة نحنوها ثم رفعت نظرها لي وكانت نظراتها غريبة، ثم فجأة ابتسمت وصافحت يدي.

"أنا تاكليت، مربية أيور وخادمة الإيندينان السابق، والد أيور."

"سررت بمعرفتك" قلت ذلك.

كانت تبدوا امرأة قوية، مظهرها وكأنها في الثلاثين من عمرها من أعمار نساء البشر، ولكن بالطبع هي في عمر كَمٍّ من القرون.

إستأذنت بأدب وأخذت أيور معها وتوجهتاداخل القصر من البوابة الخلفية.

لم أشعر بالراحة لهذه المرأة، شعرت أن ورائها أمر غير مريح، فنظراتها لي غريبة، وكأنها تحاول سبر أغوار نفسي وفي ذات الوقت تحاول إخفاء ما تظهره عينيها من اشئزاز.

ظللت واقفا حتى غابتا داخل القصر ولم أعد أراهما، التفت حولي أرى العائلات جالسون وأطفالهم يلهون ويلعبون، جلست أنظر إليهم وأنا غارق في أفكاري.

--

بعد مرور عدة أشهر؛

خليل؛

كنت في هذه الفترة قد تقدمت كثيرا في تدريباتي مع شمهورش الذي بدا عصبيا وحاد الطباع على غير العادة، وأيضا لمست شيء آخر في تصرفات شمهورش وهو الحزن.

ورغم ذلك كنا نتدرب شبه يوميا على مر الأشهر، وهذا جعلني أنا الذي لم أخض في حياتي عراك واحد، أصبحت فتى قوي خشن مفتول العضلات في وقت قياسي، وكأن طابع شمهورش قد اصطبغ علي.

وأيضا أشعر أنني أصبحت أكثر ذكاء وحكمة في تصرفاتي بسبب ما تعلمته من الحكيم توربو، وقد تعلمت أيضا بعضا من لغة أهل الجان، وبعض من علوم الأرض وكل ما يتعلق بالخلق، حتى أنني تفاجأت بالمعلومات التي يملكها هذا الحكيم المبدع.

ولكن شوقي لأهلي في هذه الفترة يزداد كل يوم، أشعر بالحنين إلى أمي، أتمنى أن تضمني إلى صدرها الدافئ الحنون كما تفعل عندما أفوز في المسابقات، رأن تصدح زغاريتها في المنزل لتسمع جاراتها زغاريتها وتهرعن لتهنئتها، كانت تفرح وتتصرف في كل مسابقة قرآنية أربحها وكأنها الأولى، نفس الفرحة لا تفتر أبدا.

ولكن الذي يحدث في هذه الفترة غريب جدا، فأنا أحلم بها باستمرار، وكأني آراها، حتى إنني عندما أستيقظ من نومي أكاد أقسم أنني أشتم رائحتها على يداي.

كم يقتلني الشوق لكِ يا أمي وإلى والدي وأخي وأخواتي، لطالمنا كان أبي فخورا بي ورافعا رأسه في القرية بسبب تميزي وتفوقي في المسابقات.

أنا أعلم إنني لا أستطيع زيارتهم إلا بعد أن أنهي مهامي كأيندينان، فإن رحلت الآن وتخليت عن هؤلاء القوم الذين آمنوا ووثقوا بي، حينها ليس فقط إني سأفقد قواي كإيندينان للأبد، بل سأفقد إحترامي لذاتي وأكون أنقضت العهد بين الجنسين!

غير إنني لا أعلم كم سيطول بي الوقت هنا، في الحقيقة أنا متعلق بعائلتي كثيرا، بحكم أن الشيخ في طفولتي طلب من والداي أن أبقى ملازما للمسجد وأن لا أحضر المناسبات الاجتماعية وأيضا أن لا أبقى خارج المنزل بعد غروب الشمس. وبالطبع أهم شيء أن لا أدخل إلى الصحراء ابدأ، ولكن بالطبع مشيئة الله لن يؤخرها أي حرص او تحفظ!

كنت مستلقي على ظهري في ساحة التدريب التي أصبحت وكأنها منزلي، الجنود من حولي يتدربون، أما أنا فبعد أن خضت نزالا قويا مع شمهورش، استلقيت مباشرة على الأرض الزجاجية الشفافة التي اعتدت على السير فوقها، وأيضا وثقت أخيرا أنها لن تنكسر تحت أقدامي.

كان شمهورش أيضا مستلقي بجانبي وقال وهو مغمض عينيه: "لقد تحسنت كثيرا أيها الفتى، لقد أصبحت تنافسني في مدة زمنية قياسية"

"هذا بفضل المعلم الجيد"
وقفت فورا بعد أن قلت ذلك، ثم مددت له يدي وأضفت: "إن الحكيم توربو طلب مني أن اخبرك أن تأتي معي عندما أذهب إليه من أجل التعلم."

أمسك شمهورش بيدي الممدوده ووقف، ثم توجهنا نحو مدرسة الحكيم توربو.

--

في القرية؛

دوت صرخاتها عالية لتكسر الصمت الذي أطبق على القرية منذ عدة أشهر، تتوالى الصرخات تباعا مع إرتفاع سريع في الصوت، كانت ولادة إحدى نساء القرية، وكانت ولادتها متعسرة بشكل كبير.

كانت هذه المرأة هي الساحرة تيثريت، تم نقلها إلى أقرب مشفى للولادة من قبل إحدى جاراتها، ورغم صراخها المفجع إلا أن أحد من القرية لم يتعاطف معها، إذ إنهم موقنون أن وراء طفلها هذا سر غامض، أو أنها استغلت الفتى نوفل....

كانت القابلة في غرفة الولادة تحاول مساعدتها ولكن ولادة الساحرة كانت متعسرة للغاية، تم استدعاء اخصائية، وقبل أن تقرر الإخصائية نقلها لغرفة العمليات القيصرية بلحظات نزل الطفل وأخيرا...

ولكن ما إن نزل الطفل ذو الحجم الكبير، حتى خرجن القابلات والطبيبة الإخصائية مسرعات من هول مظهر المولود الحديث.

كان شيئا غريبا لم يكن كما رأوه من قبل، لم يكن كطفل رضيع مشوه أو ما شابه لا، كانت هيئته بشرية ولكن لون جلده غريب، وشكله مفزع، حتى إن له شعرا مجعدا. ولكن ما أرعب الطبيبة الإخصائية والقابلات حقا وجعلهن يهربن من غرفة الولادة هي نظرات هذا الطفل الرضيع!!

كان ينظر في أعينهم وكأنه يفهم ما يدور حوله، فسلمته الإخصائية فورا إلى القابلة ويداها ترتجفان بسبب الخوف، فاستلمته القابلة لتقوم بدورها وتحمم الطفل، وقد استعجبت من خروج الإخصائية على عجل!!

أخذت الرضيع وما إن بدأت بتحميمه حتى إرتعبت، أليس مرعبا عندما تمسك طفل رضيع لا يتجاوز عمره الدقائق وتجد أنه ينظر لعينيك مباشرة وكأنه يفهم تماما كل ما يدور حولك!؟

وعلاوة على ذلك تجده يبتسم لك، هذا حقا مرعب، والرعب شيء بسيط لما شعرت به القابلة في تلك اللحظة والرضيع بين يديها وينظر لها مباشرة، فوضعته من يديها على الطاولة الخاصة بالمواليد وخرجت مسرعة هي والممرضة التي معها.

وصلن إلى غرفة الطبيبة الإخصائية ووجوههن كأن الموت وقف متجسداً أمامهن، لهثن أمام الباب، وقالت إحداهن:
"لقد نظر لي الرضيع في عيني وابتسم وكأنه يدرك كل شيء حوله"

قالت الإخصائية وهي تلملم حقيبتها اليدوية بعد أن نزعت زي العمل: "لقد حدث ظرف طارئ في المنزل، سأعود بعد غد، أخبرا الطبيب المناوب أن يحضر."

قالت هذه الكلمات وخرجت على عجل تاركة كل شيء خلفها، نظرت القابلة والممرضة إلى بعضهما بحيرة ثم توجهن إلى مدير المستشفى، على المدير أن يجد حل فهن لد يدخلن تلك الغرفة.

ولكن بعد عدة دقائق، دخل طبيب وأكمل العمل الذي رفضت الإخصائية والقابلة والممرضة إكماله، حتى أنه أكمله دون أي مشاكل، وأخبرهم أن موقفهم غير مهني. كيف يتركون امرأة حديثة الولادة هي وطفلها دون تقديم الرعاية اللازمة، ولم يصدق ما أخبروه به....

وبعد يوم من الولادة عادت الساحرة تيثريت وطفلها بين يديها إلى القرية، كانت قد استقلت سيارة أجرة حيث أن لا أحد من سكان القرية قام حتى بزيارتها.

ولكنها لم تتوجه إلى منزلها، بل أنزلتها السيارة مباشرة أمام منزل أهل نوفل.

عندما فتحت والدة نوفل الباب صدمت بوجود تيثريت أمام الباب، وبعد أن ابتلعت صدمتها قالت: "ما جاء بك يا تيثريت؟"

"ما جاء بي!؟ جاء بي ابنكم المشوه هذا"
ومدت الطفل إلى والدة نوفل وقالت: "خذي، أنه لكم"

قالت هذه الكلمات والتفتت لتذهب، فقالت أم نوفل بعد أن نظرت إلى وجد الطفل المشوه: "بماذا تهذين أيتها العجوز الخرفة، أنت تتصابين، خذي بلائك عنا وارحلي."

أعادت الطفل إلى أمه وأغلقت بابها وأسرعت نحو النافذة لتراقب تلك اللعينة ماذا ستفعل، فهي تعلم أنها لن تمرر الأمر على خير، ولكن أم نوفل واثقة من براءة ابنها، ولكنها لم تجد طريقة لتثبت ذلك.

كان قلبها حزين جدا بشأن غياب ابنها، فهو منذ أشهر ترك القرية واستقر في المدينة عند منزل حاله.

تنهدت بعمق لعجزها عن حل هذه المشكلة، فهي تعلم تمام المعرفة أن هذه الساحرة الشمطاء لن تتوقف عند هذا الحد، ربما يجب أن تعطيها بعض الأموال لتجعلها تصمت، ففوق كل هذا تحضر لها رضيع مشوه وتقول لها ابنكم.

"خسئتي أيتها اللعينة"

ولكن الساحرة اللعينة تيثريت خرجت من منزل أهل نوفل، متجهة إلى بيتها وابتسامة جانبية على فمها، ستفعل ذلك يوميا، ستأتي إليهم دائما، لا لشيء فقط لأنها تحب أن تؤذي غيرها، فهي تعلم أن أغلب سكان القرية لا يصدقونها، ونظراتهم هذه التي يرمقونها بها الآن وهي تسير نحو الخرابة التي تعيش فيها أكبر دليل...

نظرت نحو ابنها الرضيع الذي بين يديها، كان ينظر نحوها بمكر، فارتجفت يديها من الخوف، إنها تعلم أنه شيطان، روح الشيطان من تسكنه، وحتى من مظهره مسخ لأن جينات الشيطان في جسده.

فقد قامت بعمل طقوس شيطانية بذبح ذلك الرضيع، واغتسلت بدمه تعبدا للشيطان، فعلت كما طُلب منها بالضبط، فروحها لم تكن روح انسان طبيعي، إنها من أرواح شياطين الإنس.

--

شمهورش؛

وصل إلى مدرسة الحكيم توربو بصحبة خليل، كان يجهل فيما يريده الحكيم، ولكن رفع سقف توقعاته أنه سيطلب منه أن يعيد الزواج من سايا، لابد وأنها انهارت بعد عدة اشهر قد مرت على الطلاق، حسنا رغم مكابرته ودوسه على قلبه إلا أن شوقه لها يتآكله من الداخل ويكاد يمزقه.

اشتاق لضحكتها، لمرحها، لإهتمامها به، والذي يتضاهر بأنه يزعجه حتى لا يظهر ضعفه أمام أي أحد، حتى وإن كان هذا الأحد هو سايا.

كان المنزل صامتا وباردا بدونها، لا يكاد يصبر على غيابها، إلا أن كبريائة المجروحة تمنعه من التواصل معها، هو لم يلتقي بها منذ ذلك اليوم من عدة أشهر عند القاضي عندما رمى عليها يمين الطلاق..

كان متلهفا في خطواته، ولكنه أيضا كالصنديد الحديدي من المستحيل أن تسبر أغواره أو تلاحظ فيما يفكر أو بم يشعر.

دخل إلى المكتب الخاص بالحكيم توربو بصحبة خليل باد أن طرقا على الباب وأُذن لهما بالدخول.

لكن بفطنته وذكائه الحاد شعر بتوتر الحكيم فور أن أدخل والتقت عيناهما، الحكيم يتجنب النظر في عينيه مباشرة...

"هل لك أن تتركنا بمفردنا قليلا يا خليل!؟" قال الحكيم توربو.

"لا داعي، دعه يبقى فهو أمين على الأسرار" لا يعلم شمهورش لم قال ذلك، هو لا يحب أن يعرف أي أحد شيئا عن حياته الخاصة، إلا أنه في نفس الوقت أحس غريزيا أنه سيحتاج للدعم.

جلس شمهورش ويبدوا واثقا مسيطرا كعادته رغم قلبه الذي يرتجف من الداخل كالورقة، هل ستعود له سايا حقا!؟ لا يكاد يصدق.

كان متلهفا ليسمع ما يريد الحكيم قوله، بيد أن الحكيم لم يكن متلهف، بل كان متوترا، إلا أن شمهورش ولسبب ما يحاول اتباع أماله ويتجاهل كل مادونها.

"هيا، اخبرني مالأمر!؟" قال شمهورش

رفع توربو وأخيرا بصره لتلتقي عيناه مباشرة بعيني شمهورش، حينها أدرك شمهوش الحقيقة، إن ما سيخبره توربو به ليس بالأمر سار أبدا.

"اليوم ستتم خطبة ابنتي سايا!"

خنجر سام من الألم شق قلب شمهورش، وللمرة الأولى في حياته تخرج مشاعره أمام أحد ما، يخرج ضعفه للعلن وبسبب هذه المرأة..

لا إراديا قال شمهورش بصوت يشبه الهمس: "ماذا!؟"

"أرجوا أن لا تسبب المشاكل يا بني، فهي انتظرتك لأشهر مضت، علك تتراجع عن عنادك ولكنك لم تأتي!"

كان توربو خائف من ردة فهل شمهورش، ليس لأنه واثق من حبه لسايا، لأنه بدأ متأكد أنه لا يحبها، إنما كان خائف من أن يشعر الأخير بالإهانة ويفسد موضوع الخطبة، هذا الموضوع الذي أصرت عليه سايا رغم محاولاته هو ووالدتها لإقناعها للعدول عنه.

"من؟"

فهم فورا مقصده فأجابه مرتبك وهو ينظر لخليل عله يساعده في تخفيف هذا الإرتباك:

"آهار"

قال توربو ذلك وهو يحاول أن يبدوا هادئ ثم أكمل: "آهار ابن الملك أمنوكال"

عم الصمت لثواني معدودة ابتلع فيها شمهورش صدمته، كان قلبه الذي داخل ضلوعه يضج حرقة بسبب الغيرة، له رغبة شديدة في تهشيم وجه ذاك اللعين الذي نجرأ على خطبة سايا.

إلا أن خارجه بارد كالجليد، حتى نظراته أفلح في جعلها باردة، وقف وتوجه نحو الباب بخطوات ثابثة صلبة وكأنه جبل لا يزحزحه زلزال، رغم البركان الذي يغلي داخل قلبه.

لم يكن شيء يشير إلى غضبه سوى قبضتيه المضمومتين. وقف أمام الباب وقال قبل أن يخرج بصوت عادي جدا: :"إذا كان هذا ما استدعيتني من أجله، أوصل تهنئاتي وتبريكاتي لسايا، إنها تستحق السعادة"

كاد توربو أن يصرخ ليقول: "إن سعادتها معك أيها الأحمق!"

ولكن بالطبع تلك فقط كلمات تتزاحم لتُختنق في حنجرته، ثم يبتلعها مجددا في أعماقه لتبقى دفينه، إن شمهورش لم يقدم على أي أمر يوضح تمسكه بسايا، بينما آهار فعل.

أما شمهورش فبمجرد أن صعد سيارته، شعر بشيء ساخن وسائل يحرق عيونه، دموع!! دموع يا شمهورش؟!!! وأخذ يحدث نفسه: 'إنك لم تبكي منذ ذلك اليوم الذي توفي في والديك، ولن تبكي الآن لمجرد امرأة تخلت عنك!'

حلقه جاف وكأن كتلة من شيء ما تسد مجراه،، كتلة لا مادية، كتلة من خيبة الأمل والكسرة والخيانة..

وما إن وطئت قدماه الشقة وأقفل الباب حتى إنهال يقذف بكل شيء له لمساتها أو ذرقها داخل المنزل، يحطمهم وهو يلهث من الغضب، ثم ذلك الغضب تحول إلى حزن ورثاء.

جلس على عالأرض وأخذ يتذكر ما حوله وحياتها هنا واستقبالها له وذكرياتهما الخاصة سويا، كان يعشقها، كيف لم تشعر بذلك.

نزلت دموعه وأخيرا، ثم بكى بكاء شديد، بكى وكأنها ماتت، فبالنسبة له سايا ماتت، ما إن أصبحت ملك لرجل آخر يعني أنها ماتت في حياته.

فتح خزانتها ووجد فيها ثوب يحبه عليها لا يزال معلق فيها، وعطرها المفضل، وأيضا صورة تجمعهما سويا، كانت في الصورة تبدو سعيدة للغاية وهي تقبل خده، وهو يقف غاضبا بسبب أنها تأخرت في ذلك اليوم للعودة من منزل والديها.

أعاد الأشياء للخزانة وخرج...

في القرية؛

كن ثلاث من نسوة القرية، يجلسن سويا في منزل إحداهن، كانت وجوههم شاحبة وكأن أرواحهم قد فارقت اجسادهم، أو أن الحياة قد فارقتهم ومضت، كيف لا وقد فارقن فلذة اكبادهن.

الأولى ابنها مفقود في دهاليز الصحراء، لا تعلم إن كان ميتا أو حي، تراه بشكل متكرر وغامض في احلامها ولكن لا معنى لتلك الأحلام سوى أنها تزيد من لوعتها على فراق ابنها.

والأخرى ذبح ابنها الرضيع الحديث الولادة في سريرها وفي عقر دارها، والفاعلة تصول وتجول وهي تكاد تجن وخيال ذلك اليوم المشؤوم لا يفارق مخيلتها.

أما الأخيرة فقد طفش ابنها وهرب من القرية منذ عدة أشهر، بسبب امرأة سافرة ماجنة لا تخاف الله، وتريد الآن في توريطه بالمسخ الذي لديها.

كانت عاتيكا قد علمت أت تيثريت هي السبب في إرسال ابنها إلى الصحراء، فهي من حرضت الشباب الغافلون وأوهمتهم بعدة أوهام ليطيعوها.

"سأشرب من دمها أعدكم" قالت والدة الطفل الرضيع.

هزت عاتيكا رأسها أسفا على هذه الأم الشابة، لصد أصبحت هستيرية، ولولا أن زوجها رجل جيد ومتمسك بها ويدعمها لكانت انهارت.

لا تعلم أيهم فاجعتها أكبر، أهي لأن ابنها على حين غرة غاب في دهاليز الصحراء ولا تعلم عنه شيء! أم هذه المرأة وطفلها الرضيع الذي حملته بين ذراعيها مذبوح، أَم أُمُّ نوفل وهذا الإبتلاء بطفل مسخ كالشيطان تدعي الساحرة أنه إبن ابنها الذي هج من القرية ولم تعد تراه، فقد تدمر مستقبله بالتأكيد.

"ابني يدفع ثمن ما فعله بخليل!" قالت أم خليل بحزن.

اجلت عاتيكا حنجرتها وقالت: "لا يا عزيزتي، إنه قدره، أنا لن ألوم نوفل أبدا" ثم تغيرت نظرة عينيها من الحزن إلى الحقد والغضب: "بل تلك الساحرة اللعينة هي سبب كل ما حصل لنا"

"أريد قتلها وأشرب من دمها" قالت أم الرضيع.

"سنعمل على طردها من هنا، يجب أن نتخلص من شرورها"

"وأن نطرد ابنها معها، لن نعترف بذلك الطفل أبداً"

ابتسمت عاتيكا ابتسامة جانبية واستطردت تقول: "ألا تلاحظين يا عزيزتي! تحاول ابتزازكم بذلك الطفل، علينا أن نعمل على طردها قبل أن تقدم على أمر جديد"

ثم خطرت فكرة على والدة نوفل لكي يستدرجوا تلك اللعينة ويقوموا بالتسبب في طردها من القرية أشر طردة.

"سأقوم بدعوتها لمنزلي ثم ...."

وأخبرتهم ما تنوي فعله، ولم تتوانى المرأتين الأخرتين على مساعدتها، فالأم تصبح لبوة حينما يصل الأمر إلى أولادها.

ثم في اليوم التالي بعد أن جهزن الخطة اختبأت عاتيكا ووالدة الطفل الرضيع في إحدى غرف منزل والدة نوفل.

بعد نصف ساعة جاءت تيثريت تتبختل في خطواتها وهي تخطوا داخل المنزل بعد أن فتحت لها والدة نوفل باب المنزل.

"ما الأمر؟ لم استدعيتني"

"أين تركتي الطفل!؟"

"في المنزل" ثم قلبت عينيها بشكل مخيف أصاب قلب والدة نوفل بالخوف وأكملت: "لا تقلقي على حفيدك فلديه من يحرسه"

شعرت المرأتان المختبئتان أيضا بالخوف عندما كنا يراقبن من خلف الباب.

تمالكت أم نوفل أعصابها وطلبت من تيثريت أن تجلس، ثم حاولت أن تبدوا جدية جدا في حديثها رغم الخوف الذي يعصف داخل قلبها.

"عليكِ بالرحيل من هنا يا تيثريت! انتِ وذاك الذي تسمينه ابنك!"

ابتسمت تيثريت ابتسامتها المقززة: "ومن سيجبرني على ذلك" ثم همست وأضافت: "ألا تعلمين أن لدي مساعدون في الخفاء!"

استجمعت أم نوفل شجاعتها ونظرت بتحدي نحو تيثريت وقالت: "وأنا أيضا لدي مساعدون من العالم الآخر، وسيساعدونني عند الحاجة"

ابتسمت تيثريت ابتسامة واسعة مقززة وأشارت بإصبعها نحو الباب حيث يختبئن عاتيكا وأم الطفل الرضيع ...
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي