الفصل الأربعون والأخير

(هل تذكرني!!؟)



وقف أدريان أمام باب الحجرة التي بها سيسيليا، ورغم التعب والإرهاق الذي يشعر به إنه يشعر أن عليه أن يراها، حتى وهو خائف بأن يكون كل ما عاشه مجرد حلم في عقله أثنان الغيبوبة.

تردد كثيراً في فتح الباب، أخذ نفساً عميقاً ثم فتحه، وقع نظره إليها وهي نائمة بعمق وتبدو كملاك.

'كم أنا مشتاق إليكِ!'

قال في نفسه ثم اتجه إلى سريرها وجلس بجانبها أمسك يدها يقبلها بشوق، دخلت الممرضة وابتسمت لتقول:
"إنها نائمة الآن، لقد اعطيناها منوم حتى تستعيد القليل من نشاطها بمحاليل التغذية وستستيقظ بعد قليل!"

"هل حالها جيد؟"

رغم أن الطبيب طمأنه إلا أنه يريد أن يطمئن أكثر، غلبه النعاس بسبب التعب ونام على الكرسي بجانبها وهو يمسك بيدها، أصرت عليه الممرضة أن لغرفته ولكنه رفض رفضاً قاطعاً.

لمسات خفيفة حنونة بين خصلات شعره ما جعلته يستيقظ ويفتح عينيه، التقت عيونها الذابلة بعينيه التي تلفها هالة سوداء من كثر الإرهاق.

"لقد استيقظتِ وأخيراً، سأستدعي الطبيب!"
كان صوته مملوءً شوقاً ولهفةً، وقبل أن يذهب أمسكت بأصابعه وقالت:

"انتظر!"

عاد وجلس وشجعته النظرات التي في عينيها على لمس خدها بلطف ورقة، كانت لا تطيق البقاء قربه قبلاً أبداً وهذا يعني ربما.....

"شكراً لك، لقد علمت إنك من حاول انقاذي من الغاز في ذلك اليوم"

كانت نظراتهما تحكي الكثير ولكن أي منهما لم يتحدث عما عاشوه.

"صحيح، حاولت انقاذك ولكن فشلت في ذلك! كنت لحقت بكِ عندما لاحظت إنني ربما قسوة عليكِ كثيراً، لحقت بكِ لأخبركِ إنني طوال هذا الوقت كنت أحبك!"

شهقت سيسيليا وتأثرت كثيراً بكلمة "كنت" واخفضت رأسها في حزن فأضاف أدريان ليقول:

"وجدت باب المنزل مفتوح ودخلت، شممت رائحة غريبة ولكني لم أهتم، وعندما وجدتك في غرفتك كنت قد أصبت بالاختناق، حاولت ايقاظك ولكن لم أستطع، علمت أنه يوجد شيء غير طبيعي فأسعفني عقلي واتصلت بالنجدة وأنا لا أكاد أستطيع لا التنفس ولا التحدث.. وبعدها لم أعد أذكر شيء حتى استيقظت"

'هذا يعني أنه لا يذكر أي شيء حدث في المملكة!!'
فكرت سيسيليا.

***

مر أسبوعان منذ خروج سيسيليا وأدريان من المستشفى، وخلال هذان الأسبوعان لم يفارق أدريان سيسيليا أبداً، رفضت الذهاب معه لمنزله فأقحم نفسه في منزلها وجاء معه سائقه وخادمتان وحارسان شخصيان، والمنزل لا يسع الجميع..

كان يعمل على حاسوبه المحمول عندما دخلت عليه كالعاصفة وقالت:

"متى سأستعيد منزلي وخصوصيتي، هاا؟"

نظر لها بغير فهم فأضافت:

"خادماتك يمنعنني من عمل أي شيء وسائقك يحضر جميع الطلبات وحراسك يقيدون حضور ضيوفي وأنت.. أنت تحتل غرفتي!"

ابتسم وقال:

"إذا دعينا نذهب لمنزلي إنه كبير ويكفي الجميع وأكثر!!"

صرخت به وقالت:

"أذهب لمنزلك؟ لماذا!! وبأي صفة؟ أنا لا أريد أن ...."

ولم تكمل جملتها حتى أسكتها بقبلة شوق، اتسعت عيناها من الصدمة ونظرت له بتفاجئ فخلال الاسبوعان لم يلمح لأي مشاعر خاصة، كان فقط يتأكد من طعامها وشرابها ودوائها.

ابعد شفتيه وقال:

"تذهبين بصفتك حبيبتي، بصفتك زوجتي، بصفتك ملكتي!!"

رمشت بعدم تصديق ثم وضعت يديها على فمها لتكبت صرخة، فقال هو بحزن:

"خلال غيبوبتي يا سيسيليا عشت معكِ حلم جميل، لا أعلم شعرت به كأنه حقيقة، حتى عندما استيقظتي كنت أتوقع أن تقولي إنكِ....."

قطعت عليه حديثه وقالت:

"أتقصد أنك تتذكر كل شيء!؟"

مرت لحظة صمت بينهما وهما ينظران لبعضهما البعض، ثم قالت:

"أدريان!"

أجابها:

"سيسيليا!"

ثم حضنها بقوة وهو يقول:

"يا إلهي، يعني إنكِ شعرتِ بكل مشاعري نحوكِ، لا أكاد أصدق ذلك!"

امتلئت عينيها بالدموع وهي تجيب:

"كنت خائفة من أن أكون عشت كل شيء وحدي!!"

ثم قالت باستغراب واتهام:

"ولكن أنا أخبرتك إنني كتبت كل شيء وأنت لم تخبرني أبداً أنك أدريان!"

ابتسم بسعادة وقال:

"كنت أحاول اخبارك، في البداية لم أشعر بشيء ولا أشك بشيء، ولكن في الزنزانة داهمني صداع قوي وتذكرت كل شيء، ولكن الحروف لم تخرج من فمي لم استطع نطقها!"

"أوووه، ربما لأن الرواية منعتك، فقد منعتني أيضاً من كتابة النهاية، ولكن بعد أن عدنا من المستشفى سوياً وجدتها مكتوبة ومنتهية بزواجنا وتتويجنا!"

جثى على ركبة واحدة وقال:

"هل تقبلين الزواج مني؟ رغم إنني لا أملك خاتماً حالياً!"

انقضت عليه بصراخ حتى سقطا سوياً على الأرض وقالت:

"نعم .. نعم .. بالطبع أوافق!!"

***

لم تستطع سيسيليا أن تتمالك نفسها وكانت على وشك البكاء وهي ترقص في حضن أدريان خلال حفل زواجهم.

"هل تعلمين كم أحبك؟"

"أعلم، فأنا أيضا أفعل" قالت وهي تتلمس خده.

"ألا تشبع منها؟ هيا اترك لي ابنتي بالقانون لأرقص معها!"

قال والده وهو يسحب سيسيليا من بين ذراعي أدريان الذي أصدر صوت اعتراض بسيط ولكنه بالطبع انسحب.

"كنت أنا و روزالي نتمنى هذا اليوم بفارغ الصبر، إنه مفتون بكِ منذ الطفولة"

"لم أكن أعلم ذلك!" قالت سيسيليا بصدق.

"أجل بالطبع لن تعلمي، فهو سيء في إظهار مشاعر الحب، ولا تعتقدي أن إلى هنا وانتهى الأمر.."

لم تفهم سيسيليا فقالت: "ماذا تعني؟"

"ابني شخص متملك وعصبي، أتمنى فقط أن تقدري ذلك فهو يعشقكِ"

ابتسمت سيسيليا بتسامح ولكن جاء أدريان وسحبها مجددا وهو يقول:

"هذا يكفي! أنا أعلم أنه يفشي أسراري لكِ"

ضحك ثلاثتهم وانضمت إليهم روزالي التي كانت كملاك، وأيضاً أصدقائهم ومن بينهم أكين وخطيبته التي يبدو سعيداً معها.

بعد انتهاء الحفلة كانت سيسيليا تعتقد أنهم سيذهبون إلى فيلا أدريان ولكنه أخذ طريقاً آخر نحو المطار.

"إلى أين نحن ذاهبون؟"

"سترين!" قال أدريان وهو يقبل يدها.

وصلوا إلى إيطاليا ثم اتجهت بهم سيارة ليموزين نحو قصر ضخم في ريف إيطاليا.

وما إن رأته سيسيليا حتى انصدمت، إنه قصر أدريان.

"يا إلهي!!"

صرخت وقبلت أدريان الذي قال:

"هذه هدية زواجنا، فأنا أريد أن نكمل ما لم نستطع إكماله هناك في غرفتي!"

كان القصر عبارة عن ملكية خاصة لسيدة عجوز ولكن أدريان استأجره منها لشهر كامل، وتحيط به الأنهار والطبيعة الخلابة ولا يبعد كثيراً عن روما.

**
بعد مرور شهر كان أدريان قد أكمل الإجراءات القانونية لشراء القصر، وهم في طريق عودتهم إلى فيلا أدريان.

عند وصولهم وجدت استقبال من الأصدقاء واخوة أدريان ووالديه ووالدتها.

"لا أعلم متى يشعر بي، حاولت كثيراً لفت انتباهه ولكن لا فائدة إنه عديم الإحساس"

كانت هذه تاليا قريبة أدريان تخبر سيسيليا عن حبها لجيف أخ أدريان، والذي يبدو فتى لعوب ولم يترك فتاة لم يراقصها في حفلة الاستقبال ما عدا تاليا.

ابتسمت سيسيليا للفتاة ولكن بقيت في ذهنها ولم تستطع ابعادها.

وعندما ذهبت للنوم أمسكت دفترها للروايات وكتبت أول سطر في روايتها الجديدة وهي تبتسم بخبت:

{تاليا عروس جيف.....}

وضعت الدفتر جانباً عندما دخل أدريان، الذي قال لها وهو يضحك:

"إياك أن تنقلينا لعالم آخر"

ابتسمت ببراءة وهي تحضنه وقالت:

"بالطبع لا.. ولكن هناك من سيعيش قصة حب قريباً"

ثم غابا أدريان وسيسيليا في عالمهما الخاص.


النهاية
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي