4

الفصل الرابع:

في  اليوم التالي عند الصباح حيث كنا نشرب القهوة في الصالة .رن هاتفي لأجيب.

سالم :الو
عمر:الو ،كيف حالك ياصاحبي

سالم :نشكر الله ،وأنت

عمر:أنا بخير ، أردت أخبارك بأن صاحب العمل يريدك أن تعود حيث أنه لم يجد عامل بنشاطك ولكن كبريائه لايسمح له بأن يتصل بك فأخبرني أن أقول لك ذلك.

سالم :بارك الله بك ،سآتي حالاً

علت الابتسامه على وجهي بأنني عدت العمل  حيث أنني لم أستطع الرفض و لكن بنفس الوقت اكتئبت لأنني سأعود لرؤية ذاك الوجه البغيظ مجدداً ،ولكن لم يكن أمامي خيار سوى القبول .

ذهبت مسرعاً لتغيير ملابسي لتتبعني زوجتي
لتقول:هل ستعود لذاك العمل حقا ً
سالم : أنا مضطر ياجميلة ،وأياكِ أن تعرف أم سعد بأني طُردت بسببها ،فنحن لانريد زيادة بؤسها تلك المسكينة .
نظرت ألي زوجتي بعينان يملأها الحزن
لتقول: إلى متى ستبقى تعاني بهذا الشكل والمتاعب تلحق بك ،فأنا لاأريد أن تعود لهذا العمل،لانك لست سعيد فيه .
سالم: لاعليك ،سأعتاد عزيزتي وبنفس الوقت سأبحث عن عملِ أخر أعدك.

خرجت مودعاً وأقول سلام أراكم في المساء
اغلقت الباب زوجتي خلفي ،وأنا بدأت اركض لأصل بسرعه وأقول في نفسي هل أنا نفس ذاك الشخص الذي كان يذهب مكتأباً .

في الحقيقة لاأعلم ماالذي تغير ،هل نفسياتنا المحطمة تغيرت للأفضل بقدوم أم سعد ؟،أم أنني  أصبحت يآس من أنني أجد عمل ؟
بكل الأحوال شعور جيد أن أذهب للعمل وأنا في كامل نشاطي.

انتظرت أي باص قد يمر ليوصلني لأقرب نقطة من المطعم ،وعندما وصلت استقبلي صديقي عمر لنلقي على بعض التحية ثم ليقول،
عمر: صاحب العمل يريد التحدث إليك
سالم :حسنا ،سأذهب إليه .

ذهبت بكل فخر متوقع بأن يعتذر لي عن طرده دون معرفة السبب  ..لاتفاجئ
بقوله لي: انظر ياسالم المرة الماضية كانت مجرد تنبيه ،اذا تأخرت مرة آخرى لاتأتي وتبرر شيء وقتها لن أعيدك للعمل مهما فعلت  ،هيا أبدأ بالعمل اليوم لدينا زبائن مهمين .

ذهبت باتجاه الصالة وأنا اتمتم في نفسي ،آه يالك من لعين ومتعجرف .
هل كان من  الظروري سماع هذا الموشح المزعج؟ ،فقد كنت متحمس قليلاً لعودتي وكنت مضطر على الصمت والتحمل والكبت على نفسي .

وهكذا دب النشاط بي لأعمل هذه المرة وأنا سعيد ومطمئن بأن زوجتي ليست وحدها .
حتى أن صديقي عمر استغرب ملامح فرحي ولكن لم أرغب في الحديث عن وجود أم سعد لأحد ،حتى الجيران قلنا لهم بأننا أقرباء ،كي لاتشعر بالنقص ولاتضطر للتبرير لأحد أن سألها ،فليس الجميع مثل جميلة يبتعد عن الاسئلة الحرجة والمحزنة .

فكثير من الأشخاص أصحاب الفضول القاتل يزرعون الفوضى في النفوس ،لذا كنا حريصين جداً بألا يعرف أحد .

كنا نحتاط بأم سعد كما لو أنها أمنا وهي كانت تتعامل معنا كما لو أننا أبناؤها حقاً ودوماً تقول أحبكم كما أحب سعد .

لم أسألها حياله كثيراً لنعرف ماقصته وأين هو ولما أمه كانت في دار العجزة! ،هل كان يعرف بالأمر!؟ أضن أنها لم تخبره فهو مسافر منذ مدة كما قالت .

انتهى اليوم بطوله وأنا منشغل التفكير بكيفية أسعادهم وكانت تملئ وجنتاي الابتسامات المترادفة ،وعند عودتي للمنزل قررت بجلب التفاح والبطيخ للمنزل .

نزلت من الباص مسرعاً كّ طفلٍ عائد من مدرسته ليرى أمه بكل شوق .

نظرت للاعلى وإذ بهم ينظرون الي ،ثم لوحت لي زوجتي بيدها ،كانت علامات السعادة مرسومة على وجوهنا منذ أن أتت أم سعد .

آه كم غيرت حياتنا، حياتنا الروتينية المملة ،فكبير العمر دوماً لديه شيء جديد تتعلمه منه .
وكنت أنا وزوجتي ننصت بحب بكل مرة ،حيث أنها تعرف الكثير عن المزروعات والورود وطرق الزراعه وكان لديها اهتمام بالديكور والتصميم أيضاً .

كنا نستغرب بأن تستطيع امراة كبيرة عمر بالاحتفاظ بمعلومات كهذه .
فوالله انا التي اصغرها عشرون عاماً لاأحفظ هكذا .

طرقت الباب فاستقبلتني زوجتي وهي تقول
جميلة :سلمت يداك عزيزي،اذهب للجلوس مع أم سعد وانا سأبدأ بتحضير الطعام حتماً أنت جائع.

قبلت رأسها ثم ذهبت باتجاه الغرفة لتلتفت أم سعد الي التي تجلس على الشرفة لتقول

أم سعد: أهلاً بني ،كيف كان يومك؟

سالم:أهلا بك أماه ،نشكر الله كان جميل بعض الشيء ولم لكن هناك ضغط اليوم ،الحمدلله

أم سعد :الحمدلله

بعد أن تناولنا العشاء دخلت أنا وزوجتي لتجهيز غرفة أم سعد ،كانت غرفة صغير لكن تفي بغرض النوم ،وضعنا السرير على يمين الغرفة ووضعنا بجانبه طاولة خشبية صغيرة ووضعت فوقه زوجتي أبريق ماء وكأس ،ووضعنا لوحة صغيرة لسورة الاخلاص في صدر الغرفة لتزيين الحائط الفارغ .

كان نهارنا وليلنا كله مليء بالسعادة والتفاؤل ،وكانت أم سعد سعيدة بوجودنا بجانبها و أهتمامنا لصحتها فهي كانت بحاجة لذلك .

أنتهى هذا اليوم ونحن متحمسين ليوم جديد نقضيه سوياً.
دخلت غرفتي وتبعتني زوجتي لتقول ،
جميلة : سندهب يوم غد إلى السوق لنشتري بعض ألوان الصوف المختلفة.

ابتسمت وقلت لها: أن احتجت لشيء ولم تكفي النقود استعيري من صديقي ماجد فلديه محل جملة ،وأنا اسده له في نهايةالاسبوع .

جميلة:أتمنى من الله أن يبدل حالنا ولانحتاج لأحد .

سالم:اللهم آمين.

عند الصباح جلسنا جميعاً على الشرفة كعادتنا لشرب قهوة الصباح .
لتبدأ أم سعد تنظر للشارع الرئيسي مجدداً .
كما لو أنها أطمئنت بأنه يظهر لها وتبقى تراقب لعل من تنتظره يأتي .

لم نكن نعلم ماحل بها تلك المسكينة إلا بعد مرور عامين من وجودها معنا .
تلك الصبورة لم تظهر لنا شيء من الآسى الذي عانت منه خلال أربع سنين قبل مجيئها إلينا .

مضينا هذه السنتين بكل تفاهم وحب كما لو أنها تخصنا حقاً ونحن من أضعناها من قبل .

بقيت لمدة عام في المطعم ثم غيرته لاعمل في مقهى قريب من منزلي يبعد ربع ساعه مشياً على الاقدام .

أما بالنسبة لزوجتي وأم سعد قد وطدو علاقاتهم أكثر مع جيراننا وكانت جلسات البساطة والمحبة تجمعهم كل يوم .

إذ أن زوجتي قامت بشراء ماكينة للخياطة أيضاً وأصبحت تصنع الملابس وتتعاون هي وأم سعد وينفهن عن نفسهن بتضييع الوقت في تلك المهنة و
يوماً بعد يوم أصبحت زوجتي ماهرة وأصبح لها زبائن من أحياء آخرى وكلما زاد انتاجها تطور من نفسها ،

ولكن كانت مهنة متعبة ،حيث أنه في أيام يزداد الطلب والضغط عليها ،لكن لم تبالي وكانت سعيدة بأنها أصبحت منتجة كما أنها تحب هذه المهنة ولم أرغب في تحطيم معنوياتها وجعلها تترك هذه العمل .

تغيرت أحوالنا للأفضل قليلاً ،إذ أنني لم أعد أحتاج أخذ المواد الغذائية من دكان جارنا بالدين ،فالحمدلله أصبحنا نستطيع شراء أغلب الاشياء التي كنا نستغني عنها في اغلب الأوقات كالفواكهة والمعلبات والعصير واحيانا الأجبان فقد كان سعرها غالي .

كان لوجود ام سعد تأثير كبير بهذا التغيير كما لو أن البركة دخلت حياتنا بدخولها ،كما أن زوجتي أصبحت سعيدة ولم أعد آراها حزينة تفكر في وحدتها .

وهكذا مضت الأيام إلى اليوم الذي أتيت فيه مساءاً إلى المنزل أحمل بيدي جريدة .
وضعتها على الطاولة وذهبت لاغتسل وأنتظر زوجتي التي تحضر الطعام في المطبخ.

كانت أم سعد تجلس في الصالون ،فأخذت الجريدة لتقرأ مابها من جديد فهي دائما تترقب شيء وتسأل وتسفسر و لعل هناك جواب حيث أنها لم تفقد الأمل بأن يجدها من تنتظره .

ولكن كانت صدمتها كبيرة حين قرأت في تلك الجريدة بأن هناك من اعلن وفاتها .

فبدأت تبكي بأنين يحرق القلب هرعت زوجتي تركض نحوها لتشاهد ذاك الخبر ،والتي بدل أن تواسيها بدأت تبكي معها وتحضنها .

ياوليتاه من فعل هذا الأمر السيء دون التأكد ،يال تلك البشر العديمة الانسانية.

على مايبدو من وفاها هو من قام برميها ،لا بارك الله به .

لم تتحدث أم سعد بوقتها شيء بل بقيت طوال الليل تبكي وتتحسر .
وتقول :لماذا ،و كيف أستطعت تركي ،وحيدة في منتصف شارع وكيف لك أن تنهي حياتي وأنا اشتاق لأضمك وأشتم رائحتك وأعيدك لأحضاني ،وكيف لقلبي أن يموت قبل أن يراك .

لم تكن غاضبة منه بل كانت تدعي له طوال الوقت ،كم أنها عظيمة .

في صباح يوم العطلة ،أتتني الجرأة بأن أتساءل عن ابنها قليلاً او لعلها تتحدث لنا عن ماضيها .

سالم :صباح الخير أماه كيف حالك اليوم
لترد وهي تميل برأسها يميناً يتكأ وجهها على يدها لتقول وهي تهز برأسها .
أم سعد: الحمدلله ،الحمدلله
سالم: أماه أنت تقولين لنا بأننا أصبحنا أولادك صحيح؟ ،هل لك أن تخبريني من زرع كل هذا الألم بداخلك؟ أرجوكي لعلكِ تخففي من العبء الكبير الذي ثقل به قلبك .

وبدأت تبكي بحرقة لتحدثنا عن ماضيها وكيف آلات الأيام بأن تُرمى بدار عجزة .

ومن هنا بدأت تتحدث لتقول:

آه يابني لم أكن اعلم يوماً بأنني سأترك وحيدة في منتصف شارع وانتظر فقط يوم موتي ولكن الحمدلله على ماكتبه الله فأنا الآن سعيدة بوجود عائلة أجمل .

فقد كنت أعيش ضمن عائلة غنية يملأوها الحب ولكن لاتخلو من بعض الخلافات بين أخوتي أحمد ومحمد الذين سافرا منذ زمن للدول الاوربية هم وعائلاتهم وكنا نتحدث بين الحين والآخر لم يكن لدي سوى أخين .

تزوجت بعمر ال٢٦ عاماً بعد أن انهيت تعليمي في ادارة الاعمال لأستلم هذا الاختصاص في شركة أبي .

كان زوجي رجل أعمال مهم أيضأ يتردد بين الحين والآخر لشركتنا وهناك تعرفنا على بعض وأعجب بي
وتقدم لي بعد مرور أسبوعين .

كان زوجي من عائلة غنية أيضأ ولكنه يشبهني شخص غير طماع وبسيط ،إذ أنه بعد زواجنا قرر أن يفتح مشروعه الخاص بعيد عن شركة أهله ليكون له شركة تخصه وكنت الداعم له واليد اليمنى .

لم نرغب بأول فترة من زواجنا بالاطفال لأننا كنا على وشك بناء المشروع ،وبعد مرور ستة أعوام من ذلك أنجبت سعد وكان يوم سعدي وسعادتي وأنسي وفرحي ومؤنسي كانت فرحتي به لاتوصف ،ولم يرزقني الله بغيره .

ربيناه على الحب والتسامح والعطف ومرت الأيام والسنين وأصبح شاباً خلوقاً حسن المظهر والقامة كان طويلاً وأسمراً بشعر بني وعينان بنيتان وصاحب أكتاف عريضة وذو مبسم يخطف الانظار.
وكان شخص ناجح ومثابر و اشترينا له سيارة خاصة به جزاء لذلك .

ودربناه على كيفية التعامل بالشركة وطبيعه العمل العمل ،وكان ذكياً جداً وتطور أمر الشركة أكثر بمهاراته .

بعد عام من دخول سعد الشركة تدهورت صحة زوجي إذ أنه أصبح يشكي من نغزات في صدره دوماً و كان يشكي أيضأ من الضغط مثلي .

وفي يوم من الايام أستيقظت صباحاً لأراه مازال نائماً ولم يذهب للعمل ،وبدأت بمناداته ولكن لم يجب.

بدأت بالصراخ وساعدوني بحمله إلى السيارة الخدم والسائق حيث أن سعد ذهب باكراً للعمل .
جلستُ بجواره في الكرسي الخلفي وانا أنظر إليه وأبكي .
وصلنا إلى المستشفى ليدخلوه إلى الاسعاف ،اتصلت بسعد لأخبره بالأمر وأتى مسرعا ً .

يتبع..
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي