الفصل الثاني

(فاعلة خير)
لكل بطل حكاية وعقدة لابد لها من نهاية ، وبأرض العشق زُرِعَتِ البذور ، وستنمو عن قريب حتى تصبح أشواكا حادة ، تجرح نصالها العاشقين ، فهل يصمدون بمرمى القتال؟ ، أم تحتفل الأشواك نخب الانتصار؟!

انحنت سلوى بينما تزيح الغطاء عن جسد نيروز النائمة مُنادية:
اصحي يا نيروز ، اصحي يا بنتي كفاية نوم بقى.
دون أن تفتح عينيها زفرت بضيق ثم تشبّثت بالغطاء وأعادته ليدثّر رأسها ناطقة باحتجاج:
النهاردة أجازتي ، حرام أصحى بدري يا عالم!
عادت سلوى بجذب الغطاء عن رأس ابنتها من جديد بينما تقول بشيء من الحدة:
بس كله هيحضر الفطار النهاردة ، ومن قلة الذوق سيادتك تفضلي نايمة.
لم يأتِها الرد هذه المرة بل فضّلت الصمت كي تنعم بالمزيد من اللحظات الهانئة مع النوم اللذيذ ، وحتى يصيب الضجر والدتها فتبتعد مستسلمة ، وعوضا عن ذلك أتى صوت شذا من الخلف قائلة:
طنط سلوى.
التفتت كي ترى شذا عند الباب تنتظر إذن الدخول فقالت مرحبة:
تعالي يا شذا.
نطقت شذا بحبور:
أخرجي حضري الفطار مع ماما وانا هصحي الأبلة.
ابتعدت سلوى عن السرير ثم ربتت على ساعد شذا مُردفة بامتنان:
تسلميلي يا بنتي ، أنا غلبت معاها والله.
أجابتها شذا بنظرة واثقة ثم انتظرت حتى خروجها لتجلس على السرير ، انحنت بجذعها حتى صارت قريبة من نيروز فنطقت بصوت مرتفع النبرة:
اصحي يا نيروز.
أتاها هُتافها من تحت الغطاء بنعاس:
سيبيني أنام يا شذا ، ماتبقيش رخمة بقى.
حاولت إثناءها موضحة أهمية حضور المائدة اليوم:
كلهم قاعدين تحت وبدر قالي ان بابا وعمو حسين هيقولوا حاجة مهمة جدا النهاردة.
نطقت من بين ضيقها بانزعاج:
ماليش دعوة ، مافيش حاجة هتخليني أصحى ولو قلتيلي ان في زلزال.
ابتسمت شذا من جانب ثغرها بينما تقول بخفوت:
حتى لو قلت لك ان فهد هيفطر معانا؟
بين لحظة وأختها نفضت نيروز الغطاء عنها هاتفة بدهشة:
إيــه؟!
بالكاد استطاعت كتم ضحكاتها بينما ترمق هيئة نيروز المبعثرة ، متسعة العينين فاغرة الفم مع شعر غير مرتب الخصلات ، أكملت مؤكدة:
والله لقيته خارج مع بدر ونازلين سوا للفطار.
أبعدت الغطاء عنها ثم وقفت عن السرير هاتفة بزجر:
بقى سايباني نايمة كل ده وعمالة ترغي يا هانم! ، حرام عليكي يا شيخة.
كذلك وقفت شذا وأجابتها بضحك:
هسبقك تحت يا أبلة.
بعد مرور ثلث ساعة كانت نيروز تقف أمام المرآة بينما تُضيف من بعض المساحيق على بشرتها مُحاولة إخفاء المعالم القاتمة بها ، حيث يظهر الضعف على وجهها دوما إثر إهمالها لتغذيتها ، فصارت الهالة السوداء المحاوطة عينيها الخضراوتَين مُلازمة لها ، كما الجفاف الكامن بشفتيها الشاحبتَين ، كل ذلك جعلها تلجأ لمساحيق الزينة لإخفائها ، خاصة واليوم ستقابل فهد الذي يجب أن تكون أمامه في كامل أناقتها ، أنهت تصفيف شعرها المتموّج ذا اللون العسليّ ثم اتجهت مُسرعة للخروج ، لم يوقفها سوى مرور نائل الذي بادر بتحيتها ببشاشة:
صباح الخير يا فيروز!
تناولت شهيقا عميقا زفرته ببطء استعدادا للإجابة دون إطلاق سُباب ، ألا يكفي أوقف سيرها بل ويتعمّد نطق اسمها خطأ ككل مرة! ، أجابته مع ابتسامة صفراء كلّلت وجهها:
صباح النور يا باسم!
قطب حاجبيه بتعجب بينما ينطق مستنكرا:
بس انا اسمي نائل!
أجابته من بين أسنانها بتهكم:
وانا اسمي نيروز!، افتكر اسمي الأول وانا هفتكر اسمك.
ولم تُعطِه فرصة الرد بل جعلته يكتفي بهذا القدر من الجدال اليوم ، حيث أسرعت إلى الدرج على عجلة تاركة نائل الذي رمق طيفها بينما يتمتم بلسان حاله بضحك يتخلّله الإعجاب:
مجنونة!

بغرفة الطعام توجد المائدة الكبيرة التي تتّسع لتشمل كل أفراد العائلة ، فكان يونس مترأسا المائدة وبيمينه توجد زوجته نجلاء وشذا وبدر ونائل وعلى يساره يوجد حسين وزوجته سلوى وحمزة ونيروز وفهد ، يتناولون الطعام في جوٍّ من الألفة الغامر أغلبهم في حين يشعر القليل بالفتور عن هذا المحيط ، نقل يونس بصره يمينا ويسارا بينما يرمق أفراد عائلته مجتمعين برضا ، فقال بفخر:
بحس بالقوة بمجرد ما تتجمعوا في السفرة دي ياولاد ، يوم زي النهاردة بيفرحني جدا برغم انه ما بيحصلش كتير!
تكلم بدر بابتسامة مُعتذرا على الشطر الأخير من جملة والده:
معلش يا بابا ، فعلا بقى صعب نتجمع كلنا دلوقتي خصوصا بعد ما اتخرجنا وكله شاف شغله!
أكمل عنه حمزة مؤيدا:
بالظبط يا عمي ، عندك بدر وفهد علطول في مهمات رسمية وما بيقدروش يحضروا السُفرة في المعاد ، وبرضه نائل من ساعة ما استلم شغله في الموقع الجديد وبقى بيسافر علطول ، وكمان شغلي في المعرض ومواعيده اللي مش مظبوطة خصوصا بعد ما بقيت الوكيل عن أستاذ علاء ، ده غير شغل بابا ومواضيع العمارات والإسكان!
أجابه يونس متفهّما:
عارف يابني ، عشان كدة استغليت فرصة اجتماعنا النهاردة عشان اتكلم في اللي عايزه.
ابتلع نائل مضغة الطعام التي كانت بين أسنانه ثم التفت إلى يونس قائلا:
وإيه اللي انت عايزه يا عمي؟! ، إيه اللي قالقَك؟
نطق حسين باختصار:
الموضوع يخص بيت العيلة.
وتولى يونس الشرح والإيضاح:
احنا كبرنا وشعرنا شاب ، وكلها كام سنة وهتبقى الفيلا الكبيرة دي ليكم انتم وأولادكم يا حبايبي.
قال الأخيرة بينما يلوّح بسبابته إلى أولاده فأسرعت شذا تقول بقلق:
بعد الشر عليكم يا بابا.
أمسكت نجلاء بيد شذا وشدّت من قبضتها إشارة إلى الصمت دون المقاطعة من جديد ، أكمل يونس متجاهلا كلمة ابنته بابتسامة:
بفضل الله تمّت خطوبة اتنين من أحفاد العيلة وقريب جدا الباقي هيحصلوهم ، وكل واحد فيكم يبقى له أولاد يفرحونا ، وكل اللي بنتمناه انكم تفضلوا معانا وتحت جناح بيت العيلة ، مش تبعدوا كل واحد في حتة وظروف الشغل تشتّتكم أكتر وقوة العيلة تتفتّت
ثم استرسل موضحا مراده:
بمعنى أصح ، حسين قال لبدر عشان يبني له جناح خاص بيه ليه هو وعروسته ، وبدر وافق وأتمنى كل راجل في العيلة يوافق على حاجة زي كدة ، عشان ما تبعدوش عن بعض وتفضلوا دايما إيد واحدة زي ما وصّى جدكم عمران يا اولاد.
تحدث حسين بنبرة تعلوها الرضا:
أبويا قال لنا كدة أنا ويونس وسمير الله يرحمه ، والحمد لله نفذناها على أد ما قدرنا ، يا ترى تعرفوا تنفذوها ياولاد؟
أومأوا برؤوسهم جميعا إشارة إلى السمع والطاعة ثم عادوا إلى تناول الطعام ، منهم من رأى في ذلك عهدا لابد من الوفاء به كـبدر وحمزة ، ومنهم من رأى أن الأمر لا يعنيه في شيء كـشذا التي سيكون موطنها ببيت محبوبها وزوجها المستقبلي إبراهيم ، ومنهم من رأى بذلك أمنية كـنيروز التي دعت من كل قلبها أن يكون مصيرها بأحد الأجنحة مع من تودّ لقاءه حقا فهد ، يجلس إلى جانبها ولا تصل إليه ذبذبات التوتر التي تصيبها فور اقترابه ، تمضغ الطعام بينما تخطف النظرات إليه وفي نفسها ترجو حقا لو صارت مِلْكا له ، فتتخذ من جناحه مسكنا ومن قلبه مؤنسا ، في حين كان هو بعالم آخر بعدما سمع من وصايا ألقاها أعمامه ، حيث نطق في نفسه مستنكرا:
واضح ان الزهايمر عمل شغله معاك يا عمي ، أو انت بتحاول تجمّل صورة ابويا الله يرحمه ، كلنا عارفين هو اتمرّد وعصيانه اتقلب ضده في الآخر ، ولولا حبكم ليه ما كنتوش قبلتوني عشان اعيش وسط الأحفاد ، وماظنّش الابن يخالف ابوه ويلتزم بوصية عيلة تقرب له بالدم ، علطول مكسوف منهم بسبب حاجة مالوش ذنب فيها!
وعلى الجانب الآخر نطق نائل بعبوس احتلّ معالمه:
الوصية دي لولاد عيلة عمران اللي هيخلّدوا اسمه يا سيادة اللوا ، وانا مش منهم عشان كدة مش مضطر التزم بالوصية دي.
بعد مرور أقل من عشر دقائق وقف فهد عن مجلسه ثم قال مودّعا:
طيب يا جماعة ، هقوم انا دلوقتي ، مع السلامة.
قال بدر مبادلا إياه الوداع:
سلام يا فهد.
خرج ونيروز ترقب أثره ومنه إلى مقعده الذي كان يجلس عليه قبل قليل ، مرورا بالطبق الذي كان يأكل منه لتجد نظارته الشمسية لا تزال هنا ، وجدتها فرصة مناسبة للقاء منفردَين فالتقطت النظارة ثم وقفت عن مجلسها هاتفة ببعض الحماس الذي لم تستطع إخفاءه:
يا ربي! ، فهد نسي نضارته ، هروح اديها له.
ولكن فرحة لم يُكتَب لها التمام حيث أسرع نائل بالوقوف ثم جذب النظارة قائلا بابتسامة يعلوها السماجة:
كملي أكلك يا فيروز ، هروح انا اديها له.
ولم يترك لها فرصة الرد بل أسرع إلى الخارج كي يعطي النظارة لابن العم تاركا نيروز التي تكاد تنفجر من شدّة غيظها حيث جلست ووجهها بات أحمر من غضبها المستعرّ لضياع هذه الفرصة بينما تنطق سلوى بحنو:
ربنا يحفظك يا نائل.
تمتمت من بين أسنانها بغيظ:
إنت مستفز يا نائل!

في مكان آخر حيث توجد شقة رياض تمّام ، خرجت جيهان من المطبخ وهي تمسك بصينية مستديرة عليها كوب من عصير البرتقال ، سارت بها إلى غرفة الصالون والمُعدّة لاستقبال الضيوف ، انحنت قليلا لتُريح الصينية على المنضدة ثم استقامت بينما تنظر إلى هذا الشاب ذا الوجه الباسم فتقول مُرحّبة:
منور والله يا زياد.
أجاب مدحها بابتسامة:
تسلمي يا طنط ده من نورك.
ثم استطرد مكملا:
ألف سلامة على ريم.
الله يسلمك يا حبيبي.
استرسل يسألها باهتمام:
هي عاملة إيه دلوقتي؟
أجابته بشيء من الاطمئنان:
الحمد لله البرد بدأ يروح.
ثم ابتعدت نحو الباب قائلة:
هروح اناديها على ما تخلص العصير.
أوقفها بقوله نافيا:
لا لا هاجي فــ وقت تاني.
أخذت ترمقه بعدم فهم حتى وقف وأمسك بالكيس البلاستيكي الذي أتى به ومدّه إليها قائلا:
_ عايزك تشربيها من خلطة الأعشاب دي وان شاء الله الشفا قريب.
تناولت منه الكيس ثم عادت تنظر إليه ومعالم العرفان بادية بنظراتها حيث تقول بامتنان:
شكرا يابني ربنا يحفظك.
أزاح التكلّف بالشكر قائلا ببساطة:
الشكر لله ، بعد إذنك.
أوصلته حتى الباب وحين تجاوزه أخبرته قبل أن ينصرف:
ابقى سلم على الدكتور فؤاد.
أجابها بإيماءة من رأسه بودّ:
هيوصل أكيد ، سلام.

في معرض علاء إبراهيم للأعمال الفنّية ، كان يقف حمزة بينما يحدّق في كل اللوحات المعروضة للبيع بتركيز ، ينقل بنيتيْه بين جنبات اللوحة وفي عقله يرصد التفاصيل الصغيرة للخطوط المتواصلة التي أدت في النهاية إلى رسم تلك التحفة التي أمامه ، أعجبه التصميم وإبداع الرسّام الذي استطاع وصف ما في خياله بهذه الدقّة ، رفع شاشة هاتفه أمام اللوحة كي يلتقط لها صورة بعدما تأكد من جدارة نشر هذه اللوحة وضمّها لقائمة الإعلانات ، قاطعه صوت علاء الذي أتى من الخلف متسائلا:
بتعمل إيه يا حمزة؟
التفت حمزة برأسه ليرى أستاذه ثم أجابه بينما يغلق الهاتف:
بصور اللوحات الجديدة عشان انشرهم على صفحة الفيس بوك.
رمقه ببسمة رضا قائلا بمديح:
تسلم إيدك يابني.
ثم استطرد متذكّرا:
هو انا قلت لك انك هتدرب المجموعة الجديدة في كورس الرسم بالمواد؟
أجابه حمزة بتلقائية:
قلت لي دلوقتي.
عاد يلتفّ بجسده إلى اللوحة وأردف بنبرة يسكنها التصميم:
المهم اني مش هعلّم إلا اصحاب الموهبة اللي هيعدّوا اختبار القدرات.
أجابه علاء موافقا:
أكيد ، الدورة دي هتكون للموهوبين مش الهُواة.
أجابه حمزة بتأكيد:
تمام ، هبقى اعلن عن بدء الدورة في الصفحة.
ربت على كتفه مُشجّعا:
بالتوفيق.
ثم انصرف ما أن لَفِظَ بها ليترك حمزة كي يكمل عمله بانتخاب أفضل الصور لعرضها بإعلان ممول بالفيس بوك من باب الدعاية ، بإخلاص يتفانى بعمله بهذا المكان الذي يُعَدّ بيته الثاني ، يقابل فيه من يشبهونه في حب الفرشاة والأقلام والصلصال والرمال وغير ذلك من أدوات الفن التصويريّة ، فضلا عن أن داعمه الأول هو علاء إبراهيم أستاذه وصاحب الفضل الأول في توسيع دائرة شغفه بالألوان ، فما عادت المواد يراها منهجا لابد من دراسته كما أفضَت بذلك دراسته في الكلية ، بل علَّمه كيف يكون مُتعلّقا بها كتعلّق الطفل بأمه ، علاء إبراهيم صاحب الموهبة الفذّة التي استطاع بها صياغة الكثير من الأفكار على الورق ، ولولا ولَعه بالفرشاة وجعل روحه الداعم الأول لتصوير اللوحة أصبحت أعماله تصل إلى العالمية فضلا عن فوزه ببعض الجوائز حتى بات معرض الرسوم خاصته مكانا سياحيا أكثر منه مصريا ، وأصبح فخر لأيّ طالب فنون أن يلتحق بهذا المعرض ، وإلى جانب عرض الأعمال الإبداعية ليأتيها الزائرين من كل مكان يتم عقد دورات لالتحاق الجدد من الفنانين الشباب موهوبين أو هواة ، ففي عُرف علاء إبراهيم يكمن داخل كل إنسان روح فنان ، والأرواح تختلف في درجة خجلها ، فمنها من تخرج دون انكماش ، ومنها من تحتاج إلى بعض الدلال حتى تخرج وتنثر إبداعها على مختلف الماديّات،

أراح بدر ظهره إلى الكرسي الجلديّ مغمض العينين مرتخي الملامح ، بينما يلصق الهاتف بأذنه قائلا بهيام:
إي أخبارك حبيبتي؟
أتته إجابة من بالطرف الآخر بنبرة يشوبها الاقتضاب:
كويسة.
أحسَّ بالقلق يتسلّل إليه من كلمتها المختصرة التي تحمل في جوفها الكثير ، فأردف مستفهما:
مالك؟
أجابته بخشونة:
مافيش.
عقّب على كلامها بثقة:
طالما اتكلمتي كدة يبقى أكيد في حاجة! ، مالك يا تقوى؟
نطق بالأخيرة متسائلا بفضول لتُجيبه بنبرة قاتمة:
إيه اللي بيميّز وتين كدة عشان تمدحها أدام الكل؟
ضيّق حدقتيه ولم يفهم مغزى السؤال بعد بينما ينطق مستنكرا:
إيه؟!
أجابته بنبرة أعلى تحمل في طيّاتها الغضب حيث توضح ما تودّ قوله باتّهام صريح:
مش سألت وفتحت الموضوع؟ ، رد بقى يا سيادة الرائد!
هدأ تقلّص معالمه بعدما لاح إلى ذهنه ما أرادت إيصاله إليه ، ابتلع ريقه استعدادا للإجابة ببساطة:
مافيش حاجة بتميزها ، هي بس بنت شاطرة بتحب القانون وبتحاول تقدم أكبر جهد ممكن عشان تعرف تستلم أول قضيّة ليها بنجاح.
أردفت من بين غيظها بتهكّم:
وبالنسبة لدكتورة الأسنان اللي تعبت جدا في كليتها وخلصت الدراسات العليا بامتياز والمفروض انك بتحبها جدا ونفسك ترتبط بيها ، ما بتتكلمش عنها ليه بقى؟!
أسرع يدفع اتّهامها الصريح بتفضيل وتين عليها قائلا بدهشة:
هو انتي هتجيبي نفسك ليها يا تقوى؟ هي صديقة واني أتكلم عنها ده شيء طبيعي خصوصا اني بزورهم في المكتب علطول ، لكن انتي مش محتاجة اتكلم عنك كفاية ان البيت كله عارف انا بحبك أد إيه!
همهمت بضيق قبل أن تردف بقتامة:
همممم ، ماشي كلامك بس ممنوع تزور مكتب رياض ده تاني.
أسرع يثنيها قائلا:
بس،.
قاطعته تقول بحدّة:
أنا قلت كلمتي ، ومش عايزاك تقابل وتين تاني.
شعر بأن الأجواء تزيد اتّقادا وتقوى لن تدع الأمر يمر مرور الكرام ، فحاول تلطيف الجوّ مُداعبا:
هي حبيبتي غيرانة ولا إيه؟
هدأت غلاظتها قليلا بينما تجيبه بإصرار:
أكيد طبعا ، ما ينفعش تتكلم عن واحدة غيري ، ده غلط فــ حقي.
نطق يقول بدلال:
لا عاش ولا كان اللي يغلط فــ حقِك يا قمر ، أوعدك مش هروح إلا للضرورة.
تكلمت دون أن يبدو التصديق بصوتها:
تمام ، أما نشوف.

سار نائل وهو يحمل حقيبته الكبيرة بجانب أمه التي تحدّق فيه مليّا وكأنها تحفظ تقسيمات وجهه التي ستبتعد عن مرآها لأيام طوال ، ولكن ظروف عمله حتّمت عليه الغياب ليتركها بكل دقيقة تكتوي بلظى الفراق ، فراق حبيبها فلذة كبدها نائل الصغير ، ليته يعلم فقط كم تتعذّب أمه لأجله فيلغي فكرة اللجوء للسفر في حين يوجد فرص للعمل عن قرب ، ما أن وقف أمام الباب الداخليّ للفيلا حتى التفت إلى أمه قائلا بدفء:
مع السلامة يا أمي.
ربتت على خده قائلة بحنو:
سلام يا حبيبي.
عايزة حاجة أجيبها لك معايا في الأجازة؟
عايزة سلامتك.
سلام.
وبالفعل ذهب إلى حيث تنتظر السيارة بالخارج لإيصاله إلى المدينة الصناعية الجديدة ، بينما عادت نجلاء إلى الداخل حيث اتّجهت إلى غرفة صغيرها لتتأكد من تمام ترتيبها ، أشعلت الضوء وأخذت ترمق الأثاث بهدوء حتى لفت انتباهها جهاز الربو الذي لا زال بمكانه فوق الكومود ، أسرعت تلتقطه ثم ركضت بقدر ما استطاعت إلى الخارج تود اللحاق به قبل انصرافه ، قبل أن تنزل عن الدرج أوقفتها نيروز التي كانت تمسك بكوب قهوتها قائلة بقلق:
في إيه يا طنط؟
أجابتها من بين أنفاسها اللاهثة بتقطع:
نــ نائل نسي جهاز الربو.
جذبت الجهاز من بين أناملها ثم قالت بجديّة:
هوصلها له أنا.
ثم أسرعت تتخطّى الدرج تحت نظرات نجلاء الممتنّة بينما تهتف منادية باسمه:
يا نائل ، نااائل استنى ما تمشيش.
في نفس الأثناء أنهى نائل ضبّ حقيبته بالسيارة ثم التفّ حتى يصل إلى المقعد المُجاور للسائق ولكن أوقفه صوت أنثويّ يلفظ اسمه ، صوت يعرف ماهيته جيدا ولكن ما الذي يجعل صاحبته تنطق باسمه؟ ، أيعقل أن هناك خطر ما جال بالفيلا بعد خروجه؟ ، التفّ بجسده إلى الجهة الأخرى ليجدها قادمة من الباب راكضة ترجوه الانتظار ممّا زاد من قلقه أضعافا ، ما أن وقفت أمامه حتى نظر إليها بتعجب بينما يقول متسائلا بخوف:
في إيه يا فيروز؟
تجاهلت غضبها الكامن في تحريف اسمها المُتعمّد من جانبه حتى صار عادة مُحبّبة لديه ، ومدّت إليه الجهاز قائلة:
نسيت ده.
ارتخت معالمه بعدما فهم سبب قدومها الذي لم يكن خطيرا كما حَسب بل هي مشكلة الجهاز الذي لابد من أن يبقى معه دوما لمشكلة الربو المُلازمة لصدره منذ كان صغيرا،
أكملت نيروز قولها بهدوء:
طنط نجلاء بعتتني عشان اجيبه ليك.
تكلم بنبرة ودودة شاكرا:
فيكي الخير يا فيروز ، تسلمي.
تجاهلت الودّ الكامن بثنايا صوته وزمجرت باحتجاج:
للمرة المليون أنا اسمي نيروز.
أجابها بسماجة ضاحكا:
وانا عاجبني فيروز!
تناولت شهيقا طويلا زفرته دفعة واحدة من شدّة ضيقها من مُزاحه الثقيل ، فقالت بحدّة:
طيب يا سيدي مع السلامة.
ثم انصرفت من أمامه بسرعة تاركة إياه برقُبَ أثرها ثم يقول بنبرة هادئة:
سلام يا فيروز ، سلاام.

كان يونس يدرس أحد الملفات الجنائية بتفحّص دون أن يقطعه شيء ، حتى صدح الباب ببعض الطرقات ، ترك القلم ثم رفع رأسه صوب الباب ليجد العسكري يؤدي التحيّة ثم يقول:
سيادة الرائد بدر عمران مستني برة يا فندم.
نطق يونس بهدوء ظاهريّ يخفي بداخله صخب كبير:
دخله.
وما هي إلا لحظات حتى أتى بدر ثم أدّى التحيّة العسكريّة احتراما لحضرة اللواء -وليس والده- وأتبع ذلك بقوله بجديّة:
حضرتك طلبتني يا فندم؟
أماء يونس برأسه إيجابا:
أيوة يا بدر.
ثم أشار إلى المقعد في جهة اليمين قائلا:
اتفضل.
عَلَا الاستفهام بمعالم بدر الذي تقدّم حتى جلس بينما يرمق اللواء بغرابة ، فماذا حدث حتى يطلبه منفردا دون بقيّة الطاقم؟ ، أزاح يونس تساؤله بينما يضغط على إحدى أزرار المُسجّل قائلا:
اتفضل اسمع الريكورد ده.
((سيادة اللوا يونس عمران.
أيوة يا فندم مين؟
مش مهم انا مين ، المهم تعرف ان في شحنة هيروين هتدخل البلد على هيئة ملابس في (س.ص.ط) يوم 25 من الشهر.
إيه؟ يعني إيه (س.ص.ط).
سلام.
إستني عندِك ، إسمك إيه؟!
فاعلة خير.))
انتهى التسجيل القصير الذي لم تتجاوز مُدّته الدقيقة ويونس يرقب معالم وجه ابنه بتفحّص حيث باتت الدهشة جليّة بملامح الأخير ليقول يونس متسائلا بصلابة:
إيه رأيك في اللي سمعته؟
أردف بدر بينما ينظر إلى والده باختصار:
إتعقّبتوا المكالمة؟
أيوة ، وطلعت من تليفون عمومي في (،،)
زفر بدر بعمق ثم أردف بحيرة متناسيا المكان الذي يوجد به الآن:
للمرة التالتة البنت دي تتصل وتقول كلام شفرات مانفهمش منه أي حاجة ، ومش راضية تقول هي مين وكلمتها الأخيرة فاعلة خير!
زمجر يونس مستنكرا:
هو انت بتدردش معايا ولا بتقولي حاجة انا ماعرفهاش؟!
حمحم بدر بسرعة وقد عاد انتباهه إلى ماهية مركزه ومن يجلس أمامه فنطق بتلعثم معتذرا:
أ آسف يا فندم ، أ أنا بس قصدي إشمعنا بتتصل بيك إنت بالذات وتقول المعلومات دي حتى لو على هيئة شفرات؟
نطق يونس بتأكيد:
البنت دي واحدة من الشبكة الكبيرة المسؤولة عن التهريب ، بتتصل بيا ليه وحل شفرتها إيه دي مهمتك إنت يا حضرة الرائد ، كلمة هيروين مش قليلة ، وأكيد شحنة كبيرة هتدخل البلد لو ماعرفناش نوقفهم ، ادرس القضيّة بشكل سرّي وهات لي نتيجة مُرضية.
ابتلع بدر ريقه بصعوبة بعدما شعر بالخطر يحوم حوله بإسناد حل هذا اللغز إليه ، فوقف ثم أردف على مضض:
حاضر هعمل اللي اقدر عليه.
ثم أدّى التحيّة العسكرية وخرج من غرفة مكتب اللواء صامدا وبداخله يرتجّ خوفا من هذه المهمّة الجديدة التي أُسنِدَت إليه رسميّا ، فقد وردهم اتصال من فاعلة الخير هذه ثلاث مرات حتى الآن ، في كل مرة تنطق فيها باسم المكان عن طريق رموز أبجديّة مما جعلهم يعتقدون بكون هذه مزحة سخيفة لا أكثر ، ولكن تكرار الأمر لا يُنبِّئ إلا عن عمليات حقيقيّة تحدث في مصر ، من تهريب آثار بمكان (ر.م.ق) أو استيراد دواء فاسد في (ت.د.س) والآن شيفرة الهيروين في (س.ص.ط)! لم يكن يودّ أبدا أن يتسلّم قضيّة كهذه لا يظهر فيها طرف خيط صغير بإمكانه إيصاله إلى الحقيقة ، ولج بغرفة مكتبه فأمسك بنظارته الشمسيّة ثم تقدّم للخارج حيث أغلق الأنوار وأوصد الباب خلفه وقد حان موعد المُغادرة.

أستاذة وتين.
أبعدت وتين عينها عن الكتاب الذي كانت تقرأه مع صوت الساعي مُناديا إياها فنظرت إليه قائلة:
نعم.
الرائد بدر عمران مستني فــ مكتب أستاذ رياض.
جعّدت جبينها بعدم فهم وقد تملّك التعجب منها حيث أردفت في نفسها بتساؤل:
معقولة جه من غير معاد كدة؟!
لمّا لمْ تجد جوابا عادت إلى الساعي قائلة:
شوفه يشرب إيه وانا جاية حالا.
وبالفعل أغلقت كتاب القانون الجنائي بعدما وضعت علامة التحديد عند إحدى صفحاته ، ثم خرجت مُتّجهة إلى غرفة مكتب أبيها ، طرقت مرتين بباب الغرفة المفتوح لتجتذب انتباه بدر بينما تقول مبتسمة:
إزيك يا حضرة الرائد.
ابتسم بتثاقل لرؤيتها على خلاف وعده لتقوى ، بينما يقف قائلا بهدوء:
أهلا يا وتين ، عاملة إيه؟
الحمد لله بخير.
أسرع يسألها مُخمّنا:
هو أستاذ رياض مش هنا ولا إيه؟
جلست على الكرسي المقابل له ليجلس هو الآخر ثم أردفت بابتسامة:
أستاذ رياض في اجتماع مع محامي بيناقشه في قضية جديدة.
ثم استرسلت تسأله بشك:
في حاجة خاصة ولا إيه؟
هزّ رأسه نافيا بينما يقول موضحا:
لا لا خالص ، كنت عايزه بس يفكر معايا عشان افك شفرة.
هتفت بحماس:
وااو بحب الألغاز، إي هي الشفرة؟
أجابها بهدوء:
مكان اسمه (س.ص.ط).
كررت الرموز باستنكار:
(س.ص.ط)!
أيوة المفروض ده لغز لمكان ومش عارف إيه هو بالظبط!
سألته ببساطة:
ومافيش أي معلومات جانبيّة توصلك لحل اللغز؟!
هزّ رأسه نفيا بينما يقول بوجوم:
للأسف مافيش.
تكلّمت بنبرة محايدة:
هتعرف تفك الشفرة ، إنت بس محتاج وقت تقعد مع نفسك مع فنجان قهوة وتفكر على رواقة ، لكن مش معقول تاني يوم خطوبة ودوشة وأصوات وجاي تاني يوم على الشغل ومستني تعمل إنجاز!
زمّ شفتَيْه بينما يجيبها بإنهاك:
إذا كان يوم الخطوبة نفسه ماقدرتش اخد فيه أجازة لدرجة تقوى كانت هتقتلني!
شعرت بالحزن يتسلل إلى نبرته الخاملة فحاولت تلطيف الأجواء بقولها ضاحكة:
لا وانت تعبت جدا على ما وافقت تقوى على الخطوبة!
تلقائيا ابتسم بينما يقول موافقا:
آه والله دي خدت تلات سنين!
رفعت أحد حاجبيها استنكارا لطول المدة التي ذكرها فقالت متعجبة:
بس ليه خدت كل الوقت ده على ما وافقت؟ هي ما كانتش بتحبك؟
صمت لثوان وقد شعر بمدى صعوبة السؤال وما تؤدي إجابته إلى فتح أبواب الذكريات المُغلَقة قبل سنوات ، ترقّبت السكون الذي اعتلى ملامحه فعضّت على شفتها تأنيبا على ما أقدمت عليه بعفويتها العجيبة في الحديث ، نطقت من بين حرجها بخفوت:
آسفة لو سألت سؤال خاص ، كنت بهزر و،،
قاطعها يقول ببساطة:
لا خاص ولا حاجة ، ناس كتير عارفين سبب التأخير ، وانتي مش أعز منهم.
نظرت له باهتمام وقد أرهفت السمع لكلامه موضّحا:
أمي اسمها وفاء إبراهيم كانت دكتورة مخ وأعصاب في مستشفى ، ماتت من ورم وكان سنّي تقريبا 8 سنين وشذا خمس شهور ، وبعد وفاتها بابا شاف انه ضروري يتجوز واحدة طيبة تراعينا ، وساعتها اتجوز مدام نجلاء اللي كانت ممرضة في نفس المستشفى ، كانت متطلقة ومعاها ابن أصغر مني بأربع سنين اسمه نائل اللي شفتيه في الحفلة.
لم تُطِق صبرا حتى انتهائه من السرد حيث هتفت بدهشة:
ثانية واحدة ، هي مدام نجلاء مش مامتك الحقيقية؟
أجابها مؤكّدا تساؤلها:
في الحقيقة لأ ، بس أكتر من أم بالنسبة لنا ، بتعمل كل اللي تقدر عليه عشان تسعدنا إحنا التلاتة.
حثّته على الحديث قائلة باهتمام:
كمّل.
تنهد بتعب وقد بدأ بذكر أقسى الأيام التي مرّت بحياته مُردفا:
خالي علاء ماستحملش ان واحدة تانية تاخد مكان أخته خصوصا بعد موتها بفترة قصيرة، عشان كدة قاطعنا خالص ، مابقاش يزورنا وبقى شايف ان اللي كانت السبب في حضوره ماتت خلاص ، ولا كأن اللي ماتت دي ليها أولاد!
ثم أكمل بابتسامة هادئة:
بس بابا اتفهّم اللي بيحصل وسابه يعمل اللي هو عايزه ، ومرت السنين والحال زي ما هو ، لحد ما لمحت صورة تقوى في يوم وبدأت اتابع حسابها على الفيس ، كنت بشوف صورها ومنشوراتها وحبيتها من قبل ماكلمها واتمنيت تكون ليا ، يالا الممنوع مرغوب!
قال الأخيرة ضاحكا لتبتسم هي الأخرى وقد أثار ضحكها ، بينما يكمل بدر وقد اتّسعت ابتسامته حين أتت لحظة نهاية الحزن:
_لحد ما جه اليوم اللي يصارحني فيه إبراهيم بحبه لشذا وإنه عايز يتقدم لها وننهي الخلاف ده ، أنا فرحت جدا وفورا بدأت أمهّد للموضوع من الناحيتين لحد ما وافق بابا واديت لإبراهيم الشفرة اللي يعرف يدخل بيها لقلب خالي عشان يوافق ، وفعلا بابا وافق بعد ما أقنعته بصعوبة ان إبراهيم مش هيبقى زي خالي وهيحافظ على أختي وبرضه خالي لقى اولاد أخته اللي كان بيحبها كبروا وعمره ما شافهم وقلبه اتحجّر عنهم.
رفع بصره صوبها مكملا:
وقت الخطوبة بقى كلمت تقوى واعترفت لها بحبي ، ورفضت.
عَلَا الاستفهام بمعالم وتين من جديد وقد عادت إلى التعجب بأمر تقوى هذه التي استطاعت رفض حب رجل شريف كبدر ، لا يمتّ لها بصلة الدم فقط ، بل وقد حاك السنين في حبها ، في حين أكمل بجديّة:
وكان نفس سبب باباها ، إنها مش هتقدر تغير موقفه وتتجوز ابن اللي نسي عمتها ولا مرات أبوه اللي خدت مكانها.
نطقت وتين من بين تساؤلها بعدم فهم:
وعملت إيه عشان تنسيها حاجة زي كدة؟
عاد إلى نوبة المداعبة من جديد حيث أردف ضاحكا:
ليا طريقتي الخاصة وعرفت أقنعها فــ تلات سنين كاملين.
أجابته بضحك:
يااااه! ، دانت بالك طويل!
وهكذا أخذا يتحدثان في سائر الموضوعات من شتّى المجالات حتى أتى رياض وانضم إليهم لاستكمال الحديث حول الشيفرة والتي أعلن هو أيضا استسلامه عن حلها ، وفي الواقع لا يستطيع أحد حلّها فلا توجد مُعطيات أخرى سوى هذا الرمز الذي من المفترض أن يستخرج اسم مكان من حروفه الثلاثة!

على الجانب الآخر عادت تقوى إلى المنزل بعد يوم حافل بالمهام ابتداء بالمركز الطبيّ للأسنان ومرورا بمحاضرة الماجستير وها هي الآن تركن سيارتها بجراج الفيلا ، خرجت من الجراج ثم اتّجهت إلى الباب الداخلي ، ضغطت على جرس الباب ثم انتظرت قليلا حتى فتحت خيريّة الباب والتي ما أن رأتها حتى تهلّل وجهها لعودة ابنتها أخيرا بعد كل هذا التأخير ، قبلتها تقوى على وجنتها بخفة ثم اندفعت إلى الداخل قائلة بحبور يتخلله التعب:
مساء الخير يا ماما.
أغلقت خيرية الباب ثم أردفت بابتسامة مودة:
مساء الخير يا حبيبتي ، عاملة إيه؟
الحمد لله تمام.
اتّجهت خيرية إلى المطبخ بينما تقول بجديّة:
هقولهم يحضروا الغدا.
أوقفتها تقوى بقولها نافية:
لا مش جعانة ، أكلت في الجامعة.
زفرت خيريّة بضيق بينما تُردف معاتبة:
أكل من برة تاني وماخدتيش الساندوتشات وسيبتيها الصبح!
حاولت الهرب من وصلة عتابها حيث أردفت مُغيّرة مجرى الحديث:
هو بابا فين؟
أجابتها خيرية بمزاح:
يعني هيكون فين! ، في أوضة الرسم طبعا!
اتّجهت إلى اليسار بينما تقول بابتسامة:
حلو جدا.
طرقت عدة مرات ثم انتظرت قليلا حتى أتاها إذن الدخول لتفتح الباب ثم تهتف بحماس:
حبيبي بيعمل إيه؟
أبعد الفرشاة عن اللوحة بينما يلتفت إلى الخلف قائلا بحب:
تعالي يا تقوى.
أغلقت الباب ثم امتثلت لأمره حيث تقدّمت منه حتى طوّقت عنقه بذراعيها وعيناها تعلّقتا بالصورة التي في طور الاكتمال ، لوحة تُجسّد هيئة عريس ببدلته السوداء الأنيقة وعروسه ذات الفستان الأبيض بتصميم حديث يُنبّئ عن صيْحة هذا العام ، يقف خلفها ويحتضن خصرها بيساره وبيمينه يمسك يدها ويلثّمها في حين تنظر إلى الخلف قليلا كي تواجهه ببسمتها البشوشة ، تمّ هذا المنظر في محيط أخضر مُزيّن بالورود متعدّدة الألوان ، وقد نجح علاء في تصوير هذا المشهد دون الاستعانة بصورة حقيقيّة للعروسيْن بل كل ما أراده صورة فوتوغرافيّة منفردة لكل منهما ، نطقت تقوى من بين انبهارها بحماس:
حلوة أوي الصورة دي ، إنت بترسمها لمين؟
أجابها علاء بينما يرمق تفاصيل اللوحة:
ده بورتريه مطلوب مخصوص لعريس وعروسة في شهر العسل.
فتئت تقول بإعجاب:
شكلهم حلو أوي يا بابا.
تحدّث علاء بابتسامة:
وليكي هدية زيّهم.
ابتعدت عن والدها حتى اعتدلت في وقفتها بينما تقول بدهشة:
بجد؟!
أجابها بثقة:
أيون ، بعد ما ترجعي مع بدر من شهر العسل هتلاقيني مجهز لكم أحلى بورتريه.
سكنت معالمها مع ذِكر والدها لهذا الأمر وقد شعرت بالوجوم يتسلّل إلى قلبها ، ولكن حاولت إخفاء ذلك بقولها بدلال:
حبيبي إنت يا بابا.
ثم استرسلت وهي تمسّد جبهتها بإرهاق:
بعد إذنك هروح انام.
تصبحي على خير يا بنتي.
وانت من أهله.
قالتها بينما تسير باتجاه الخروج حيث تجاوزت باب الغرفة وسارت حتى الدّرج وفي عقلها يتردّد صدى سؤال يخيفها مجرد التفكير بإجابته ، هل حقا ستكون قادرة على تحقيق تفاؤل أخيها ووالدَيها بشأن الاجتماع مع بدر في أقرب ما يمكن ، فقد فرغت لديها الأعذار الفارغة لتأخير هذا الأمر ، ابتداء من الرفض بحجّة ابن عمتها الفقيدة ومرورا بالحديث عن دراستها كي يتأخر الأمر قدر الإمكان ، ولكن سبق ووضع إبراهيم العُقدة في المنشار وعقد العزم على عدم الزواج حتى يطمئن عليها أولا ، فهل تستطيع الفلات أم إن مواجهة ما لا ترغب صار محتوما!

بعد مرور ساعتين من الحديث البهيج المتواصل والذي لم يقطعه سوى تناول البيتزا التي طلبها رياض بعد أن انتابهم الجوع ، وقف بدر عن مجلسه مودّعا:
مع السلامة يا جماعة ، كانت سهرة حلوة والله.
أجابه رياض بمودّة:
الكلام معاك ما يتشبعش منه يابني ، زي باباك تمام.
تسلم.
أردف بها مجاملا ثم استدار إلى الخلف كي يسير نحو الباب ، قبل أن يدير المقبض أوقفه صوت وتين التي انتفضت عن مجلسها بسرعة هاتفة:
سيادة الرائد.
التفّ إلى الجهة الأخرى كي ينظر إلى وتين بتساؤل -كما رياض تماما- ثم قال بهدوء:
نعم.
نطقت وتين مُخمّنة:
ليه ما يكونش حل الشفرة (س.ص.ط) (طريق اسكندرية الصحراوي)؟
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي