الفصل الثا
(البرزخ)
فور إشراق شمس اليوم التالي عَلَا ضجيج الآلات وهُتاف العُمّال بموقع البناء ، وكان باسل يقف مع زميله بينما يرتدي خوذة صفراء تقيه الشمس وكمامة طبيّة تقيه الغبار المتطاير في الهواء ، نظر إلى الورقة المبرومة التي بيد زميله قائلا:
وريني التصميم كدة.
ناوله إياها ليبدأ بمطالعة الرسم الهندسيّ للبناء ، وما هي إلا دقائق حتى بدأ يسعل بقوّة وقد استطاع الغبار اختراق الكمامة والدخول إلى أنفه ممّا سبّب هياجا بصدره ، وضع يده على فمه بينما يحاول كتم سعاله ولكن دون فائدة حتى هتف زميله بقلق:
مالك يا نائل؟ في إيه؟
أجابه بأنفاس متقطّعة:
مـ مـافيش، حـ حاجة.
ثم عاد إل نوبة السعال من جديد حتى جذبه صاحبه من الموقع ، أسند عضده على كتفه ثم سار معه حتى دلفا ببناية السكن ، وفي نفسه نوى إيصاله إلى غرفته لتنعم رئتيْه ببعض الهواء النقيّ ، وقبل أن يصعد إلى الدرج أوقفه نائل قائلا بصوت مبحوح:
_ خــ خلاص يا أحمد أنا بقيت تــ تمام
رمق أحمد زميله بشفقة بينما يقول مستنكرا:
يابني بلاش تتعب نفسك كدة الموقع هيخلّص عليك!
أزاح الكمامة عن وجهه ثم أردف بتعب:
يعني اعمل إيه يا احمد؟ ده شغلي ولازم استحمله.
تكلم أحمد بجديّة:
أطلب التماس ما تشرفش على الموقع عشان الربو اللي عندك.
حدجه نائل باستنكار قبل أن يتشدق بسخرية:
هو انت عايزهم يرفدوني؟ ، معروف طبعا مافيش حاجة اسمها أبطل إشراف وهنا بالذات.
فتئ أحمد ببساطة:
بس ممكن تخلي عمك يونس يتواصل معاهم وهيوافقوا على طلبه فورا.
شعر نائل بغصّة علقت بحلقه فور تطرّق صاحبه الغير مقصود لهذا الأمر فتكلم بنبرة باتت حادّة:
أولا أنا ماليش في شغل الواسطة ، ثانيا بقى لو حد من العيلة عرف اني بشرف على الموقع وبتعرض لتراب مش هيسمحوا أكمل شغل ، وانت عارف وظيفة زي دي مهمة ازاي!
تحدث أحمد مؤكدا:
بس عارف كمان ان الصحة أهم من مليون وظيفة ، وأعتقد انك لو اشتغلت مع عمك حسين في هندسة العقارات اللي بيبنيها كان هيقدر ظروفك أكيد.
جذب نائل الورقة من بين صديقه بغضب بينما يقول بحدّة:
طب وقف السيرة وخلينا نرجع للشغل ، ممكن؟!
ثم سارا عائدَين إلى الموقع بأمر حاتم من نائل ليقول أحمد بهدوء:
ممكن يا سيدي.
في شقة واسعة المساحة بأحد الأحياء ، كان يجلس يونس مقابلا لسيّدة مسنّة تجاوزت السبعين ، يتحدثان والودّ يجوب بالأجواء حولهما حتى دلفت فتاة في منتصف العقد الثالث ذات ضفيرة سوداء طويلة تصل إلى نهاية خصرها وعينين سوداوتَيْن كعيون الغزال ، تقدّمت منهما وبيدها صينيّة بها واجب الضيافة الذي وضعته على الطاولة أمام يونس ثم استقامت في وقفتها قائلة بترحاب:
منور يا عمو والله.
التفت إليها يونس بنظرات معاتبة أتبعها بقوله:
زعلان منك جدا يا أسماء.
نظرت إليه السيّدة المسنّة قائلة بتساؤل:
ليه كدة بس؟ عملت إيه الشقية دي؟
نظر إليها يونس ثم أردف بحزن:
بقى يرضيكي ما تحضروش خطوبة بدر اللي كانت من يومين؟
تحدثت السيّدة بشيء من الاعتذار:
لا المرة دي السبب مش من أسماء ، ده أنا اللي كنت تعبانة.
سرعان ما ارتسم القلق بمعالم يونس حيث نطق بخوف ولهفة:
ألف سلامة عليكي يا أمي ، روحتي لدكتور؟
أجابته أسماء بنبرة مُطمْئنة:
ماتقلقش يا عمو ، كلمنا الدكتور وطمنّنا بس نسبة السكر زادت شوية.
نطق يونس بتعجب:
أنا نفسي تقبلي طلبي وتيجوا تعيشوا معانا في الفيلا ، هناك هتبقوا قصاد عيني واقدر اخد بالي منكم كويّس.
هزّت السيّدة رأسها نافية بينما تقول ببعض الشجن:
مانقدرش يابني ، هنا كان بيتي انا ومحمد وبقى بيت عمرو وأسماء ، إزاي نسيب البيت ده وفيه من ريحة الحبايب؟!
ابتسمت أسماء بخفوت بينما ترمق جدتها بانكسار بينما قال يونس بنبرة طبيعية:
عارف اني مش هقدر اخليكي تسيبي الشقة ، بس على الاقل كلموني لو احتاجتوا أي حاجة ، وانا ومن بعدي اولادي مش هنتأخر عنكم أبدا.
نطقت السيّدة بامتنان:
ربنا يكرمك يابني خيرك مغرقنا.
تكلم يونس ناهيا:
ماتقوليش كدة يا أمي.
ثم التفت برأسه إلى إطار قديم الطراز يحمل بجوفه صورة ترجع لأيام الثمانينات ، تم التقاطها لشاب عشريني يقف بزيّ الشرطة بينما يؤدي التحية العسكريّة والسعادة تُغلّف وجهه ، فأردف يونس بخفوت:
ده من بعض أفضال عمرو عليا ، الله يرحمه ويجعل مأواه الجنة.
في المساء ، خرجت وتين من غرفتها بعدما بدّلت ثيابها ، ثم اتّجهت إلى غرفة الصالون لمشاهدة بعض برامج التلفاز ، ما أن دلفت حتى تهلّل وجهها حين رأت ريم تجلس على الأريكة بعد مدّة قضتها في غرفتها إثر نزلة البرد التي اعترتها ، اقتربت حتى جلست بجانب أختها مُهلّلة:
مساء النعناع على أمورتي الصغيرة.
التفتت إليها ريم بملامح يعلوها السرور بينما تقول:
مساء الفل يا وتين.
ربتت وتين على كتف أختها قائلة بسعادة يُخالجها رضا:
الحمد لله بقيتي عال اهو!
أجابتها ريم بينما تلتقط الكوب من الطاولة بابتسامة:
آه الحمد لله.
حدّقت وتين بالسائل الأخضر الذي ترتشف منه ريم بغرابة ثم سألتها بتعجب:
بتشربي إيه؟
أجابتها ريم دون أن تزيح بصرها عن التلفاز:
دي خلطة أعشاب جابها زياد امبارح وقال لماما تعملها لي ، ومن ساعتها بدأت افوق اهو.
نطقت وتين بخبث:
حضرة الظابط زياد ده طيب أوي.
تكلمت ريم مُوافقة:
جدا ومسؤول.
ثم سرعان ما انتبهت إلى ما تودّ وتين الوصول إليه ويبدو أنها حقّقته ، فالتفتت إلى جانبها ثم رمقت وتين قائلة بشكّ:
إنتي عايزة تقولي إيه؟
تكلمت وتين بنبرة ضاحكة:
عايزة اقول الواد هيموت عليكي ، فكيها شوية يا فوزية!
تحول وجه ريم إلى الاحمرار كالبندورة بسبب مزيج الغضب والخجل الذي انتابها حيث تهتف باحتجاج:
أبعدين يا وتين؟ ، قلنا كذا مرة مافيش حاجة بيني وبينه إلا انه جاري وابن الدكتور فؤاد صاحب بابا وبس ، إهدوا بقى!
هدأت نبرة وتين بينما تسأل مداعبة:
جارك عشان كدة بتناديه باسمه حاف؟!
أجابتها مبررة:
ده عشان بعتبره زي اخويا علفكرة.
آه طبعا.
قالتها بشيء أقرب إلى الاستهزاء ثم أسرعت تقول راجية:
بس نصيحة بلاش تقولي أخويا دي أدامه أحسن يطبّ ساكت!
هتفت من بين ضيقها بتبرّم:
طيب يا ستي ممكن تغيري السيرة بقى؟
وانفضّ النقاش عند هذه النقطة حيث اكتفت وتين بالصمت اليوم دون إضفاء كلمة جديدة ، فهي تعرف جيدا كم يحب زياد ريم ومتعلّق بها حد الهيام ولكنها صدّت حبه منذ لحظة اعترافه ، وأصبح التعامل بينهما لا يتجاوز مكنون الصداقة ، وذلك بالنسبة لها أما هو فلا يزال عند كلمته وحبه قائم لم يتراجع بل صار أقوى ، والدليل على ذلك اهتمامه براحتها وما تحتاج إليه دوما ، وقد صارح وتين قبلا بما يخطّط للقيام به ، حيث رفضته ريم في سن السابعة عشر ومن الطبيعي أنها مراهقة صغيرة لم تُفَرِّق بعد بين الخطأ والصواب ، أما الآن فقد تجاوزت العشرين وتستطيع رؤية الأمور بمنظور آخر ، ولا تريد وتين إخفاق عزيمته بإخباره أنها لا زالت عند رأيها ترفض وسترفض أيا كان سواء زياد أو غيره ، ولا زالت صدمتها الأولى قابعة بعقلها بحيث رأت بجنس الرجال أوغادا لا أمان لهم ولا اطمئنان!
حدجت وتين أختها التي تشاهد المسلسل بينما تقول في نفسها بحزن:
عارفة انك لسة زعلانة بسبب اللي حصل زمان ، بس ده ما كانش حب يا حبيبتي ، إنتي كنتي لسة صغيّرة لكن دلوقتي انتي كبرتي ومن حقك تحبي ، ليه قافلة الباب قصاد واحد بيتمناكي؟
ثم قالت بابتهال صادق:
ربنا يكرمك يا حبيبتي يارب.
((أقضي السنوات وأنا أترقب طيفكِ ، وأخيرا حصلت على فرصة اللقاء ، فلتعبري عن مكنون قلبكِ وليكن الحب جليسنا.
#حمزة_عمران.))
كانت تلك الكلمات التي قرأتها فوق لوحة زيتيّة تصِف فتى وفتاة تفصلهما طاولة العشاء التي تحمل شمعة مشتعلة في وجود إضاءة خافتة ، يستند بمرفقيْه على الطاولة بينما يحدق بها بهيام في حين تنظر أرضا وكأنها لا تقوى على النظر بعينَيْه.
((هذه وردة لأجمل وردة ببستان قلبي ، فلتقبليها مني يا أميرتي
#حمزة_عمران.))
وكانت تلك صورة أخرى لفتاة تحمل باقة ورود باللونين الأبيض والأحمر والسرور يُغلّف ملامحها الرقيقة ، بحرفيّة تواصلت الخطوط حتى باتت ملامحها على هذه الهيئة البديعة.
وهكذا تابعت رؤية الصور والتي تحمل كل منها كلمات مختلفة بقلم حمزة عمران حتى وإن كانت اللوحة بغير فرشاته ، إلا أنه تألّق في تصوير اللوحة ببعض الكلمات التي تفصح عن روحها.
شردت لدقائق مع اسم حمزة عمران ثم عادت تقرأ أعلى المنشور لتجد إعلان يُنبّئ عن بدء دورة جديدة في معرض رسوم الفنان العالمي علاء إبراهيم ، حكّت رأسها بينما تفكر في نفسها متسائلة:
أروح ولا لأ؟!
ثم نطقت بحماس:
في الحقيقة مش هخسر حاجة ، يمكن اتعلم حاجة زيادة عن اللي بصمّه في الكلية.
ثم نطقت بخفوت:
وفرصة عشان اقابل حمزة عمران.
عامل إيه يا دكتور؟
أردف بها يونس بمودة بينما يلتفت إلى إبراهيم وعلاء اللذان يجلسان مقابله على الأريكة ليجيبه إبراهيم باحترام:
الحمد لله بخير يا عمي.
أعاد توجيه سؤاله إلى علاء قائلا:
وانت يا علاء؟
التقط علاء فنجان القهوة من فوق الطاولة ثم التفت إلى نسيبه قائلا بحبور:
كويس يا يونس ، الحمد لله.
وبعد انتهاء مقدّمة الترحاب والتسامر حول طبيعة العمل وحال كل منهم بوظيفته تطرّق علاء إلى صلب الموضوع قائلا ببهجة:
في الحقيقة كنا جايين النهاردة مخصوص عشان نتكلم عن فرح إبراهيم وشذا.
صمت يونس للحظات كي يُعطي عقله الفرصة لترجمة ما تلفّظ به علاء توا بينما يكمل إبراهيم موضحا:
أنا خلاص جاهز بكل حاجة وشذا خلاص اتخرجت يبقى إيه يأخرنا تاني؟
التفت إليه يونس والسعادة مرتسمة على معالمه حيث يقول مؤيّدا:
والله يابني دي فكرة هايلة ، ماعنديش أي مشكلة نعمل الفرح علطول.
صاح إبراهيم في حماس:
حلو أوي ، الفرح بعد شهر من دلوقتي.
قهقه علاء ضاحكا على طريقة ابنه في الحديث حيث قال من بين ضحكاته:
العريس مستعجل.
شاركه يونس الضحك حتى أصاب الحرج وجه إبراهيم الذي ظنّ أنّه قد أفسد الأمر بالحديث عن الميعاد بهذه السرعة ولكن أخرجه يونس عن تفكيره قائلا:
وماله يابني ، بعد شهر وهبقى أعرف شذا الموضوع ده عشان نبدأ التجهيز.
كان ذلك كفيلا بأن يُثلِج قلب إبراهيم الذي شعر بأنه طائر يرفرف بجناحيْه بحريّة في سماء العشق ، فقد استطاع العاشق الحصول على معشوقته وما هي إلا خطوات حتى تكون ملكه شرعا وعرفا ، أفاق من عالمه مع صوت طرقات الباب لينطق يونس آذنا للطارق بالدخول:
أدخل.
فُتِحَ الباب وظهر من خلفه بدر الذي قال بحبور:
مساء الخير.
وقف إبراهيم مرحّبا:
اهلا أهلا يا بدر.
أسرع بدر للسلام على خاله وابن خاله العزيز ثم جلس إلى جوار والده الذي بادر بنقل الخبر مُبشِّرا:
كنا بنتكلم عن فرح إبراهيم وشذا يا بدر وخلاص حددناه بعد شهر.
اتّسعت عينا بدر وسَرَت السعادة بملامحه حيث يهتف بلهفة:
بجد! ، ألف مبروك يا ابراهيم.
أجابه إبراهيم والبسمة تُكلِّل ثغره:
الله يبارك فيك يا صاحبي.
ولم يجد بدر فرصة أفضل لاستغلالها حيث التقط هذا الطرف من الخيط قائلا:
بقولكم ايه ، إي رأيكم نخلي الفرحة اتنين؟ ، وفرحي يتعمل مع إبراهيم!
تكلم يونس بسعادة مُشجعا:
ليه لأ؟ دي فكرة كويسة جدا.
أتبعه علاء برزانة:
مافيش مشكلة طبعا ، بس لازم اسأل تقوى لو عندها التزامات تبع الرسالة.
تكلم بدر طالبا:
سيبني أنا اتصل عليها واقولها.
قال علاء موافقا:
ماشي يابني ، على بركة الله.
ما أن انتهت الضيافة وانصرف علاء وإبراهيم حتى أسرع بدر إلى الأعلى دون أن يتناول طعام العشاء ، فقد اكتفى جسده اليوم وما عاد يريد شيئا بعد أن أدخلت الفرحة النبض فيه ، يريد التعجّل لمفاجأة تقوى بهذه البُشرى ، واثق أنها ستسعد لتحديد ميعاد إتمام حبهما بالزواج ، أغلق باب الغرفة ثم استلقى على السرير وأخرج هاتفه ثم طلب رقمها ، انتظر ثوان أحسّها دهورا حتى أتاه صوتها ليتنهد بعمق قبل أن يردف بثبات:
ازيك يا تقوى.
أجابته بنبرة طبيعية:
الحمد لله تمام ، عامل إيه
أجابها بهيام:
_ بخير عشان انتي بخير.
صمتت للحظات كرد بليغ على مجاملته والتي عدّها خجلا من التغزّل الصريح بها ، فأزاح تأثير كلماته السابقة بقوله:
بقولك ، إنتي فاضية الشهر الجاي ولا عندك امتحانات؟
أجابته بعدم فهم نافية:
لا مافيش امتحانات خالص ، بتسأل ليه؟
تمتم متضرّعا براحة:
طب الحمد لله!
أصابتها الرّيْبة ممّا يحاول هذا قوله فنطقت باستفهام:
في إيه؟
أجابها من بين سروره بتلقائيّة:
_ أصل يا ستي خالي علاء وإبراهيم كانوا في البيت النهاردة واتفقنا فرح إبراهيم وشذا يكون الشهر الجاي ، واقترحت عليهم يكون فرحنا فــ نفس اليوم ووافقوا بس ناقص نتأكد لو مش مشغولة.
جحظت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما بينما انفغر فمها في دهشة مفرطة ، متسمّرة هي تحاول جاهدة تكذيب ما سمعت توّا إلا أن عقلها يرفض ذلك ، نطقت من بين ذهولها بدهشة:
إنت بتقول إيه؟
انتابه الخوف من نبرتها التي باتت أكثر سكونا من سابقتها وكأنها لا تنمّ عن سعادة أبدا كما يشعر هو الآن ، نطق بشيء من القلق:
مالك حبيبتي انا قلت حاجة غلط؟
وهنا فقدت زمام السيطرة على أعصابها حيث هتفت بغضب:
إزاي تقرروا حاجة زي كدة من غير ماتعرفوني الأول؟
عقد حاجبيه متعجّبا من غضبها الكامن بصوتها ليردف مبرّرا:
ده كان اقتراح فجأة ، وجيت قلت لك بعد ما مشيوا علطول ، وبشوف لو انتي مشغولة وقلتي بعضمة لسانك انك مش مشغولة!
غَلَت الدماء بعروقها بينما تهدر بقسوة:
مش كفاية يا سيادة الرائد ، كان المفروض تقولي من قبلها مش تبني قرار مصيري على اقتراح جه على بالك فجأة!
قبض على يده حتى ابيضّت مفاصله محاولا كتمان غيظه من فظاظتها فقال من بين أسنانه بحدة:
علفكرة ده ما جاش على بالي فجأة أنا بفكر فــ كدة من فترة ، يعني إي اللي يمنع جوازنا مثلا؟
عادت تزمجر بثورة:
أنا مش نكرة يا فندم عشان تلغي وجودي بالشكل ده وتتكلم من نفسك.
زفر بحرارة ولم يستطع بعد الوصول إلى تبرير يوضّح موقفه فنطق بهدوء:
يا تقوى أنا،.
قاطعته تقول بجفاء:
بعد إذنك مضطرة اقفل.
ولم تنتظر إذنه كما أردفت بل أسرعت بإغلاق الخط في وجهه ليُلقي الهاتف جانبا ثم يستلقي على السرير ويضع ساعده على عينيْه بإرهاق ، يفكر مليّا في سبب غضبها وثورتها بهذا الشكل على خلاف ما ظنّ ، وبينما يبحث عن حل لهذه المعضلة غلبه سلطان النوم لينام بمكانه دون أن يبدل ثيابه أو ينزع حذاءه أو يتناول عشاءه ، بل تكفي الوجبة الدّسمة التي حصل عليها اليوم.
ننتقل إلى شقة رياض تمّام وتحديدا في غرفة وتين التي كانت تشتعل بنيران غضبها حيث زمجرت ناهرة:
إي اللي انت بتقوله ده يا تامر؟ ، إنت بتهزر صح؟ ، قول انك بتهزر!
أجابها بجديّة:
لا يا وتين انا بتكلم جد ، أنا عايز خطوبتنا تكون عالضيق وتلبسي الدهب في المحل.
ما كاد يفرغ من جملته حتى انفجرت به وتين زاجرة:
إي الجنان ده؟ ، إيه اللي يدعينا نعمل كدة!
تملّك أعصابه بصعوبة كي لا يرد لها الإساءة وهي صاحبة الحق في الأساس ، فأردف مُوضّحا:
يا وتين إفهمي ، عمي ميت بقاله تلات (3) شهور واحنا صعايدة ومعروف الحداد عندنا بيطوّل ، إذا كان واحد قريبنا من بعيد مارضيش يعمل زفّة لفرحه ، يبقى انا اعمل حفلة وفرحة كبيرة! ، إزاي؟!
لوت شدقها متهكّمة بينما تقول بضيق:
بغض النظر عن إن الحزن في القلب ، وطبعا أنا بحترم عاداتكم ، لكن ده مش معناه إني أتنازل عن فرحة الدبلة اللي كل بنت بتحلم بيها ، خصوصا وانا الكبيرة يعني ناس كتير مستنيين الليلة دي عشان يفرحوا معانا.
حاول تلطيف الأجواء متودّدا:
بس لازم تعملي كدة عشاني يا وتين ، هو انا ماليش معزّة فــ قلبك ولا إيه؟
نطقت بنفاذ صبر:
يا تامر ما تدخلش المعزّة في الموضوع ، أنا موافقة اننا نأجّل الخطوبة لحد ما يأذن الوقت اننا نحتفل.
ماينفعش.
وضعت يدها على رأسها حيث شعرت بأن عقلها قد ينفجر من شدة غيْظها فأردفت متسائلة بنفاذ صبر:
ليــــه؟!
تكلم مبررا بهدوء:
يا وتين أنا صعيدي وما ينفعش اقول أدام أي حد اني قاري فاتحة وبس ، لازم يكون في دبلة فــ إيدي.
عادت إلى الصياح بغلاظة:
خلاص يا تامر ، مش قررت وقلت مبرراتك وناقص التنفيذ! ، إتفضل اعمل اللي انت عايزه.
يا وتين أنا،.
قالها وفي نفسه يريد إقناعها بالحُسنى ولكن لم تدع له مجالا حيث بادرت بمقاطعته ناطقة بصلابة:
بعد إذنك يا تامر ، ماما بتناديني عشان العشا ، سلام.
ثم أغلقت الهاتف دون انتظار الرد ، حاولت تناول أنفاسها كي تعود إلى الانتظام من جديد بينما تفكر مليّا بما ألقى تامر من سخافة تقضي بإلغاء احتفال الخِطبة ، خرجت عن شرودها مع دخول والدتها قائلة:
العشا جاهز يا وتين.
أمسكت بطرف الغطاء ثم ألقته على جسدها قائلة بجمود:
مش جعانة ، أنا رايحة انام.
(رغد أنور حسّان)
هكذا خطّت رَغَد باسمها قبل أن تشرع في الإجابة بالقلم والفرشاة على اللوحة ، استحضرت خيالها وناشدت روحها الصفاء كي تستطيع تجسيد العنوان المطلوب والذي كان أشواك عشقكِ ، استغرقت ما يقارب الثلاث ساعات حتى ألقت بالفرشاة بجانب أنابيب الألوان الفارغة ثم أخذت تحدّق بالصورة عدّة مرات لتمام التأكد من أنها لم تنسَ شيئا حتى أمسكت بالفرشاة من جديد ووقّعت باللون الأسود باسمها رغد حسّان
خرجت من غرفة الامتحان إلى المرحاض فغسلت يديها المُخضَّبتيْن بمزيج الألوان المختلفة والذي التصق بجلدها مع رسم اللوحة ، ما أن انتهت حتى خرجت وملأت استمارة التقدّم ثم التفتت إلى موظف الاستقبال متسائلة:
هو فين أستاذ حمزة عمران؟
أجابها بعمليّة:
حاليا مش موجود ، تحبي أوصل له رسالة معيّنة
تلعثمت قليلا ثم أردفت بتردد:
هه! لا لا عادي ، كنت عايزة أناقشه فــ في رسوماته.
تحدث الثاني بابتسامة متفائلة:
هتقابليه كتير ، عشان هو هيكون أستاذ الكورس بتاعك لما تتقبلي ان شاء الله.
هتفت بدهشة:
بجد!
أجابها بجديّة موضحا:
أيوة طبعا ، أستاذ حمزة عمران قديم في الجاليري ومشهود له بالموهبة الفذّة ، وما بيدربش إلا بامتحان قدرات من تصميمه وتصحيحه بعد كدة يشوف لو ينفع دخول المتقدّم ولا لأ.
عادت إلى الشرود مع اسم هذا الغامض الذي تضاعف فضولها لرؤيته والحديث معه بشأن ما يكتب ويرسم ، خاصة بعد سماع شهادة الموجودين عنه ، أفاقت مع صوت الموظف قائلا:
بإذن الله تتقبلي.
أجابته بابتهال:
إن شاء الله.
طريق إسكندرية الصحراوي.
أردف بها بدر بتثاقل بينما يتحاشى النظر لوالده الذي يجلس خلف المكتب وفهد الذي يُجانبه وكأنه الحامي هنا ، حيث نطق يونس بخشونة:
جبت الحل ده منين؟
همهم للحظات قبل أن يجيبه على مضض:
آااا في الحقيقة تخمين.
أسرع فهد يوافقه بابتسامة:
والله تخمين وارد يا بدر.
وهنا وقف يونس عن مجلسه بينما يصدم بقبضته المكتب ليلتفت إليه كلاهما والخوف سَرَى بمعالمهما حيث يهتف يونس مستهجنا:
إي اللي بتقولوه ده؟! ، عايزين نمشّي عملية تهريب ورا تخمين؟!
أغمض بدر عينيه للحظات قبل أن ينطق محتجّا:
يا بابا يعني احنا لقينا دليل واحد وما خدناش بيه؟! ، ده لا المكان ولا المتّهم ولا حتى فاعلة الخير نعرفها ، يبقى نمشي ورا تخمين يا بابا ليه لأ؟!
هدر يونس زاجرا:
لأ كدة يبقى مهزلة يا سعادة الباشا.
وجد فهد أن الأجواء صارت مُتّقدة حتى وصل الأمر لفوّهة البركان فحاول التخفيف من حدّة ذلك قائلا:
يا سيادة اللوا،.
بتر كلمته مع قول يونس بنبرة قاطعة:
كلمة واحدة ، اتفضلوا على مكاتبكم وما ترجعوش إلا بتقارير مظبوطة.
أدّى كلاهما التحيّة العسكريّة ثم خرجا من الغرفة ، بدر يسابق الخُطى وكأنه يعدو بماراثون سباق ، في حين يحاول فهد اللحاق به ولكن دون جدوى ، ما أن دلفا بمكتب بدر حتى أسرع فهد يقول بجديّة:
ممكن تهدى يا بدر عشان نفكر؟
زمجر بدر باحتقان:
أفكر فــ إيه ، هو في مجال عشان افكر؟! ، العمليّة بعد خمس أيام وهو اللي يهمّه أدلة ملموسة كإني هخلقها!
ربت فهد على منكب ابن عمه يحثّه على الهدوء والتفكير بالأمر برويّة بينما يقول بهدوء:
هو برضه معذور يا بدر ، ما يقدرش يعمل أي حاجة وخلاص ، لإنه في وش المدفع قصاد الوزارة.
التفت بدر إلى صديقه بعينين بركانيتين بينما يقول بخشونة:
وبالنسبة ليا انا مافيش رحمة خالص؟!
ثم فرك جبهته بإرهاق مكملا بانفعال:
أنا مش عارف اجيبها منين ولا منين أنا تعبت!
عَلَت الشفقة بملامح فهد الذي أصابه الحزن لحال صديقه الذي انقلب رأسا على عقب ، فما يتكلم بدر بهذه الطريقة إلا وقد بلغ منه الهمّ مبلغه ، جذب ذراع بدر حتى جعله يجلس على أقرب مقعد ثم قال بشفقة:
يا الله! ، مالك يابني بتتكلم كدة ليه؟
لم يجبه بدر وإنما أسند مرفقه إلى المكتب في حين يمسح على وجهه المتعرق بتعب ، فنظر فهد باتجاه الباب مناديا:
يا عسكري.
دلف الحارس إلى الداخل مؤديا التحيّة العسكريّة ليقول فهد آمرا:
كوباية ماية بسرعة.
ما أن خرج العسكري لامتثال الأمر حتى جلس فهد مقابل صديقه قائلا بنبرة مُطمْئنة:
إهدى يا بدر ، إهدى مافيش حاجة تستاهل تتعصب عشانها وأكيد هنلاقي حل.
ابتسم بدر من جانب ثغره بسخرية على كلمة فهد المُبشّرة ، فلا يوجد ما يجعله هادئا بعد ما حدث بالأمس مع تقوى واليوم مع يونس ، فهو كالعالق في برزخ بين نارَيْن ، الأولى تكمن في عمله وما يؤدي إليه الإخفاق فيه ، والثانية تكمن في حيرته لمداواة قلبه الجريح بعد غضب تقوى وانقطاعها عن الرد على اتصالاته.
بعد تناول الغداء ، كانت وتين أول من وقف عن السفرة ، حيث أمسكت بطبقيْن ثم اتّجهت بهما إلى المطبخ ، يعلو العبوس معالمها والصدمة مُكبّلة لسانها ، فما عادت تستطيع النطق بكلمة أخرى بعدما وضع هذا العُقدة في نصل المنشار ، ما أن عادت إلى غرفة الطعام حتى لَحِظَ رياض ما يعتري ابنته من الحزن والوجوم فناداها:
وتين ، تعالي.
اقتربت منه حتى صارت واقفة بجانبه بينما تقول بهدوء:
أيوة يا بابا.
أشار إلى المقعد جانبه قائلا بحنو:
اقعدي جنبي يا حبيبتي.
ثم التفت إلى زوجته قائلا بنبرة ذات مغزى:
إعمليلنا شاي يا جيهان.
حاضر.
قالتها بطاعة بعدما فهمت فورا ما يودّ قوله دون كلام ، أمسكت بيد ريم ثم وقفتا واتّجهتا إلى الخروج تاركين المجال لانفراد الأب وابنته معا في حديث خاص جدا، حيث مسّد رياض على رأس ابنته قائلا:
نفسي أفهم يا حبيبتي ، مكتئبة كدة ليه؟ ، قوليلي.
التفتت إلى والدها بمعالم جامدة بينما تقول بصلابة:
يرضيك اللي بيقوله تامر ده؟!
أجابها بنبرة حانية:
من ناحية أب بيحب بناته ونفس يجيب لهم النجوم ماينفعش.
اعتَلَت الراحة معالمها بعدما نطق رياض والذي يُعدّ بمثابة إخراج لها من ظلام حزنها ، ولكنه زاد من حيرتها بقوله بموضوعيّة:
لكن من ناحية أب يفهم في الأصول ينفع.
رفعت أحد حاجبيها بعدم فهم بينما تنظر إلى والدها قائلة باستفهام:
إزاي يا بابا؟!
نطق بنبرة جديّة موضّحا مقصده:
حبيبتي ، أنا عارف انك حابة تعملي احتفال وتفرحي انتي وجيرانك واصحابك ، لكن ظروف تامر ما تسمحش ، وبرضه ما ينفعش يكون علاقته بيكي مجرد قراية فاتحة بس من غير دبلة حتى! ، من ساعة ما قرينا الفاتحة من شهرين وهو بيزورنا علطول وبيكلمك من غير علاقة رسميّة ، فاهماني حبيبتي؟
بادرت تتحدّث بوجوم:
بس يا بابا ماقدرش اتنازل عن حفلة الخطوبة!
أجابها بسؤال:
مش شفتي فــ تامر الإنسان المناسب عشان يبقى شريك حياتك؟
لم تُجبه وإنما اكتفت بالصمت التام ليستنتج رياض الرضا من ذلك ، فأكمل بابتسامة:
وانتي مش هتتنازلي ، ممكن الحفلة دي نعملها وقت كتب الكتاب ، إيه رأيك؟
ثم عاد يُمسّد على رأسها قائلا بدفء:
فكري وخدي وقتك يا حبيبتي ، ولو حابة تفسخي الخطوبة مش همنعك.
ماذا؟ فسخ الخِطبة! غير معقول أن ينتهي المطاف عند هذه النقطة ، أجل تختلف معه في إلغاء الحفل واقتصار ارتداء الخاتم عند الصائغ ولكن هذا لا يعني أن تُقرر الانفصال! ، رجل كتامر محترم شريف ولا تشوب شائبة على صفاته لن تخسره لمجرد حفل سخيف! ، فتكلمت بنبرة ثابتة:
خلاص يا بابا أنا موافقة.
أسرع يسألها:
عن اقتناع؟
أجابته بذات الثبات:
عن اقتناع.
وفي هذه الأثناء ، تجرّع بدر كأس الماء كاملا راويا ظمأ حنجرته بعدما أنهكها في وصلة صياح مع والده بشأن العملية مجهولة المعالم تلك ، تحت مرأى فهد الذي كان يرقب الإرهاق المُعتلي معالمه فيقول بهدوء:
ها ، روّقت؟!
لم يُجبه وإنما عاد إلى نوبة الصمت الرخيم التي أصابته ليكمل فهد ببعض التفاؤل:
بص بقى يا سيدي ، إحنا هننفذ اللي قلته.
التفت إلى فهد ونظراته صارت مُمتزجة بالدهشة حيث يردف متسائلا:
إزاي؟
أجابه فهد موضّحا:
تخمينك وارد وأقرب حاجة بالنسبة لنا ، وطالما على طريق صحراوي يبقى أكيد العربيّة هتعدي على كمين ، يبقى اللي فاضل اننا نكلم شرطة الكمين وتفتش كل النقل اللي معدّي والعربية اللي فيها قمصان يعملولها تعقّب ومنها هنتابع كل عربية ملابس رايحة وجاية ، والعربية اللي هتتمسك اللي هتقف في الصحرا ومش هتكمل للبلد ، وعلى ما تتم صفقة التسليم نكون وصلنا ونقبض عليهم.
ضيّق بدر حدقتيْه بعدم فهم بينما يتشدق مستنكرا:
إي اللفّة الطويلة دي؟ ومين بقى اللي فهّم سيادتك ان ممكن شرطة الكمين تفتش وتعمل تعقّب عشان احنا نقبض عالجاهز؟ الموضوع فيه إنّ وتحقيق يا سيادة النقيب.
تكلم فهد محايدا:
لا ما هو انا مش هكلم شرطة الكمين وش واضيّع الموضوع ، لازم يكون في وسيط.
واللي هو مين؟
قالها بدر متسائلا ثم سرعان ما مطّ فمه مستهجنا:
إوعى تقول اللوا يونس عمران!
فتئ فهد نافيا:
لا لا اللوا يونس هنحتاج منه بس إذن بالقبض بعد ما نوريه تعقّب اللوري.
ثم استرسل بثقة:
أنا قصدي الظابط زياد فؤاد.
اتّسعت عينا بدر باهتمام بينما يردف متسائلا:
ومين ده؟
أجابه فهد بابتسامة:
كان دفعتي ، شرطة كمين دلوقتي ، حبيبي وهيساعدنا من غير شوشرة خاالص ، هكلمه وافهمه إن الموضوع سرّي وهو مش هيتأخر.
صمت بدر للحظات كي يُقَلِّب الفكرة بعقله وقد استحسنها ونالت قبوله مبدئيّا رغم المخاطرة التي قد تنبع منها عن طريق التعرّض لتحقيق أو ما شابه ، إلا أن المغامرة تستحق ، فالتفت إلى ابنه عمه موافقا:
إمممم فكرة حلوة ، بس يا رب يقبل.
تكلم فهد بثقة:
هيقبل.
ثم أخرج هاتفه من جيبه وضغط عليه عدّة مرات متمتما:
يارب مايكونش غيّر رقمه.
وما هي إلا دقائق معدودة حتى نطق فهد بعدما استشعر إجابة الطرف الآخر:
مساء الخير ،، حضرة الظابط زياد فؤاد؟
انجذب انتباه بدر إلى ابن عمه الذي صاح في حبور:
إزيّك يا باشا عامل ايه؟ ،، أنا مين؟ فهد عمران يا سيدي!،،
نطق بمرح:
لا سؤال ولا كلام يا عم! متشكرين!،،
أخذ يضحك قائلا:
بهزر معاك ، في الحقيقة انا عايزك في خدمة يا صاحبي ، بص،،.
فور إشراق شمس اليوم التالي عَلَا ضجيج الآلات وهُتاف العُمّال بموقع البناء ، وكان باسل يقف مع زميله بينما يرتدي خوذة صفراء تقيه الشمس وكمامة طبيّة تقيه الغبار المتطاير في الهواء ، نظر إلى الورقة المبرومة التي بيد زميله قائلا:
وريني التصميم كدة.
ناوله إياها ليبدأ بمطالعة الرسم الهندسيّ للبناء ، وما هي إلا دقائق حتى بدأ يسعل بقوّة وقد استطاع الغبار اختراق الكمامة والدخول إلى أنفه ممّا سبّب هياجا بصدره ، وضع يده على فمه بينما يحاول كتم سعاله ولكن دون فائدة حتى هتف زميله بقلق:
مالك يا نائل؟ في إيه؟
أجابه بأنفاس متقطّعة:
مـ مـافيش، حـ حاجة.
ثم عاد إل نوبة السعال من جديد حتى جذبه صاحبه من الموقع ، أسند عضده على كتفه ثم سار معه حتى دلفا ببناية السكن ، وفي نفسه نوى إيصاله إلى غرفته لتنعم رئتيْه ببعض الهواء النقيّ ، وقبل أن يصعد إلى الدرج أوقفه نائل قائلا بصوت مبحوح:
_ خــ خلاص يا أحمد أنا بقيت تــ تمام
رمق أحمد زميله بشفقة بينما يقول مستنكرا:
يابني بلاش تتعب نفسك كدة الموقع هيخلّص عليك!
أزاح الكمامة عن وجهه ثم أردف بتعب:
يعني اعمل إيه يا احمد؟ ده شغلي ولازم استحمله.
تكلم أحمد بجديّة:
أطلب التماس ما تشرفش على الموقع عشان الربو اللي عندك.
حدجه نائل باستنكار قبل أن يتشدق بسخرية:
هو انت عايزهم يرفدوني؟ ، معروف طبعا مافيش حاجة اسمها أبطل إشراف وهنا بالذات.
فتئ أحمد ببساطة:
بس ممكن تخلي عمك يونس يتواصل معاهم وهيوافقوا على طلبه فورا.
شعر نائل بغصّة علقت بحلقه فور تطرّق صاحبه الغير مقصود لهذا الأمر فتكلم بنبرة باتت حادّة:
أولا أنا ماليش في شغل الواسطة ، ثانيا بقى لو حد من العيلة عرف اني بشرف على الموقع وبتعرض لتراب مش هيسمحوا أكمل شغل ، وانت عارف وظيفة زي دي مهمة ازاي!
تحدث أحمد مؤكدا:
بس عارف كمان ان الصحة أهم من مليون وظيفة ، وأعتقد انك لو اشتغلت مع عمك حسين في هندسة العقارات اللي بيبنيها كان هيقدر ظروفك أكيد.
جذب نائل الورقة من بين صديقه بغضب بينما يقول بحدّة:
طب وقف السيرة وخلينا نرجع للشغل ، ممكن؟!
ثم سارا عائدَين إلى الموقع بأمر حاتم من نائل ليقول أحمد بهدوء:
ممكن يا سيدي.
في شقة واسعة المساحة بأحد الأحياء ، كان يجلس يونس مقابلا لسيّدة مسنّة تجاوزت السبعين ، يتحدثان والودّ يجوب بالأجواء حولهما حتى دلفت فتاة في منتصف العقد الثالث ذات ضفيرة سوداء طويلة تصل إلى نهاية خصرها وعينين سوداوتَيْن كعيون الغزال ، تقدّمت منهما وبيدها صينيّة بها واجب الضيافة الذي وضعته على الطاولة أمام يونس ثم استقامت في وقفتها قائلة بترحاب:
منور يا عمو والله.
التفت إليها يونس بنظرات معاتبة أتبعها بقوله:
زعلان منك جدا يا أسماء.
نظرت إليه السيّدة المسنّة قائلة بتساؤل:
ليه كدة بس؟ عملت إيه الشقية دي؟
نظر إليها يونس ثم أردف بحزن:
بقى يرضيكي ما تحضروش خطوبة بدر اللي كانت من يومين؟
تحدثت السيّدة بشيء من الاعتذار:
لا المرة دي السبب مش من أسماء ، ده أنا اللي كنت تعبانة.
سرعان ما ارتسم القلق بمعالم يونس حيث نطق بخوف ولهفة:
ألف سلامة عليكي يا أمي ، روحتي لدكتور؟
أجابته أسماء بنبرة مُطمْئنة:
ماتقلقش يا عمو ، كلمنا الدكتور وطمنّنا بس نسبة السكر زادت شوية.
نطق يونس بتعجب:
أنا نفسي تقبلي طلبي وتيجوا تعيشوا معانا في الفيلا ، هناك هتبقوا قصاد عيني واقدر اخد بالي منكم كويّس.
هزّت السيّدة رأسها نافية بينما تقول ببعض الشجن:
مانقدرش يابني ، هنا كان بيتي انا ومحمد وبقى بيت عمرو وأسماء ، إزاي نسيب البيت ده وفيه من ريحة الحبايب؟!
ابتسمت أسماء بخفوت بينما ترمق جدتها بانكسار بينما قال يونس بنبرة طبيعية:
عارف اني مش هقدر اخليكي تسيبي الشقة ، بس على الاقل كلموني لو احتاجتوا أي حاجة ، وانا ومن بعدي اولادي مش هنتأخر عنكم أبدا.
نطقت السيّدة بامتنان:
ربنا يكرمك يابني خيرك مغرقنا.
تكلم يونس ناهيا:
ماتقوليش كدة يا أمي.
ثم التفت برأسه إلى إطار قديم الطراز يحمل بجوفه صورة ترجع لأيام الثمانينات ، تم التقاطها لشاب عشريني يقف بزيّ الشرطة بينما يؤدي التحية العسكريّة والسعادة تُغلّف وجهه ، فأردف يونس بخفوت:
ده من بعض أفضال عمرو عليا ، الله يرحمه ويجعل مأواه الجنة.
في المساء ، خرجت وتين من غرفتها بعدما بدّلت ثيابها ، ثم اتّجهت إلى غرفة الصالون لمشاهدة بعض برامج التلفاز ، ما أن دلفت حتى تهلّل وجهها حين رأت ريم تجلس على الأريكة بعد مدّة قضتها في غرفتها إثر نزلة البرد التي اعترتها ، اقتربت حتى جلست بجانب أختها مُهلّلة:
مساء النعناع على أمورتي الصغيرة.
التفتت إليها ريم بملامح يعلوها السرور بينما تقول:
مساء الفل يا وتين.
ربتت وتين على كتف أختها قائلة بسعادة يُخالجها رضا:
الحمد لله بقيتي عال اهو!
أجابتها ريم بينما تلتقط الكوب من الطاولة بابتسامة:
آه الحمد لله.
حدّقت وتين بالسائل الأخضر الذي ترتشف منه ريم بغرابة ثم سألتها بتعجب:
بتشربي إيه؟
أجابتها ريم دون أن تزيح بصرها عن التلفاز:
دي خلطة أعشاب جابها زياد امبارح وقال لماما تعملها لي ، ومن ساعتها بدأت افوق اهو.
نطقت وتين بخبث:
حضرة الظابط زياد ده طيب أوي.
تكلمت ريم مُوافقة:
جدا ومسؤول.
ثم سرعان ما انتبهت إلى ما تودّ وتين الوصول إليه ويبدو أنها حقّقته ، فالتفتت إلى جانبها ثم رمقت وتين قائلة بشكّ:
إنتي عايزة تقولي إيه؟
تكلمت وتين بنبرة ضاحكة:
عايزة اقول الواد هيموت عليكي ، فكيها شوية يا فوزية!
تحول وجه ريم إلى الاحمرار كالبندورة بسبب مزيج الغضب والخجل الذي انتابها حيث تهتف باحتجاج:
أبعدين يا وتين؟ ، قلنا كذا مرة مافيش حاجة بيني وبينه إلا انه جاري وابن الدكتور فؤاد صاحب بابا وبس ، إهدوا بقى!
هدأت نبرة وتين بينما تسأل مداعبة:
جارك عشان كدة بتناديه باسمه حاف؟!
أجابتها مبررة:
ده عشان بعتبره زي اخويا علفكرة.
آه طبعا.
قالتها بشيء أقرب إلى الاستهزاء ثم أسرعت تقول راجية:
بس نصيحة بلاش تقولي أخويا دي أدامه أحسن يطبّ ساكت!
هتفت من بين ضيقها بتبرّم:
طيب يا ستي ممكن تغيري السيرة بقى؟
وانفضّ النقاش عند هذه النقطة حيث اكتفت وتين بالصمت اليوم دون إضفاء كلمة جديدة ، فهي تعرف جيدا كم يحب زياد ريم ومتعلّق بها حد الهيام ولكنها صدّت حبه منذ لحظة اعترافه ، وأصبح التعامل بينهما لا يتجاوز مكنون الصداقة ، وذلك بالنسبة لها أما هو فلا يزال عند كلمته وحبه قائم لم يتراجع بل صار أقوى ، والدليل على ذلك اهتمامه براحتها وما تحتاج إليه دوما ، وقد صارح وتين قبلا بما يخطّط للقيام به ، حيث رفضته ريم في سن السابعة عشر ومن الطبيعي أنها مراهقة صغيرة لم تُفَرِّق بعد بين الخطأ والصواب ، أما الآن فقد تجاوزت العشرين وتستطيع رؤية الأمور بمنظور آخر ، ولا تريد وتين إخفاق عزيمته بإخباره أنها لا زالت عند رأيها ترفض وسترفض أيا كان سواء زياد أو غيره ، ولا زالت صدمتها الأولى قابعة بعقلها بحيث رأت بجنس الرجال أوغادا لا أمان لهم ولا اطمئنان!
حدجت وتين أختها التي تشاهد المسلسل بينما تقول في نفسها بحزن:
عارفة انك لسة زعلانة بسبب اللي حصل زمان ، بس ده ما كانش حب يا حبيبتي ، إنتي كنتي لسة صغيّرة لكن دلوقتي انتي كبرتي ومن حقك تحبي ، ليه قافلة الباب قصاد واحد بيتمناكي؟
ثم قالت بابتهال صادق:
ربنا يكرمك يا حبيبتي يارب.
((أقضي السنوات وأنا أترقب طيفكِ ، وأخيرا حصلت على فرصة اللقاء ، فلتعبري عن مكنون قلبكِ وليكن الحب جليسنا.
#حمزة_عمران.))
كانت تلك الكلمات التي قرأتها فوق لوحة زيتيّة تصِف فتى وفتاة تفصلهما طاولة العشاء التي تحمل شمعة مشتعلة في وجود إضاءة خافتة ، يستند بمرفقيْه على الطاولة بينما يحدق بها بهيام في حين تنظر أرضا وكأنها لا تقوى على النظر بعينَيْه.
((هذه وردة لأجمل وردة ببستان قلبي ، فلتقبليها مني يا أميرتي
#حمزة_عمران.))
وكانت تلك صورة أخرى لفتاة تحمل باقة ورود باللونين الأبيض والأحمر والسرور يُغلّف ملامحها الرقيقة ، بحرفيّة تواصلت الخطوط حتى باتت ملامحها على هذه الهيئة البديعة.
وهكذا تابعت رؤية الصور والتي تحمل كل منها كلمات مختلفة بقلم حمزة عمران حتى وإن كانت اللوحة بغير فرشاته ، إلا أنه تألّق في تصوير اللوحة ببعض الكلمات التي تفصح عن روحها.
شردت لدقائق مع اسم حمزة عمران ثم عادت تقرأ أعلى المنشور لتجد إعلان يُنبّئ عن بدء دورة جديدة في معرض رسوم الفنان العالمي علاء إبراهيم ، حكّت رأسها بينما تفكر في نفسها متسائلة:
أروح ولا لأ؟!
ثم نطقت بحماس:
في الحقيقة مش هخسر حاجة ، يمكن اتعلم حاجة زيادة عن اللي بصمّه في الكلية.
ثم نطقت بخفوت:
وفرصة عشان اقابل حمزة عمران.
عامل إيه يا دكتور؟
أردف بها يونس بمودة بينما يلتفت إلى إبراهيم وعلاء اللذان يجلسان مقابله على الأريكة ليجيبه إبراهيم باحترام:
الحمد لله بخير يا عمي.
أعاد توجيه سؤاله إلى علاء قائلا:
وانت يا علاء؟
التقط علاء فنجان القهوة من فوق الطاولة ثم التفت إلى نسيبه قائلا بحبور:
كويس يا يونس ، الحمد لله.
وبعد انتهاء مقدّمة الترحاب والتسامر حول طبيعة العمل وحال كل منهم بوظيفته تطرّق علاء إلى صلب الموضوع قائلا ببهجة:
في الحقيقة كنا جايين النهاردة مخصوص عشان نتكلم عن فرح إبراهيم وشذا.
صمت يونس للحظات كي يُعطي عقله الفرصة لترجمة ما تلفّظ به علاء توا بينما يكمل إبراهيم موضحا:
أنا خلاص جاهز بكل حاجة وشذا خلاص اتخرجت يبقى إيه يأخرنا تاني؟
التفت إليه يونس والسعادة مرتسمة على معالمه حيث يقول مؤيّدا:
والله يابني دي فكرة هايلة ، ماعنديش أي مشكلة نعمل الفرح علطول.
صاح إبراهيم في حماس:
حلو أوي ، الفرح بعد شهر من دلوقتي.
قهقه علاء ضاحكا على طريقة ابنه في الحديث حيث قال من بين ضحكاته:
العريس مستعجل.
شاركه يونس الضحك حتى أصاب الحرج وجه إبراهيم الذي ظنّ أنّه قد أفسد الأمر بالحديث عن الميعاد بهذه السرعة ولكن أخرجه يونس عن تفكيره قائلا:
وماله يابني ، بعد شهر وهبقى أعرف شذا الموضوع ده عشان نبدأ التجهيز.
كان ذلك كفيلا بأن يُثلِج قلب إبراهيم الذي شعر بأنه طائر يرفرف بجناحيْه بحريّة في سماء العشق ، فقد استطاع العاشق الحصول على معشوقته وما هي إلا خطوات حتى تكون ملكه شرعا وعرفا ، أفاق من عالمه مع صوت طرقات الباب لينطق يونس آذنا للطارق بالدخول:
أدخل.
فُتِحَ الباب وظهر من خلفه بدر الذي قال بحبور:
مساء الخير.
وقف إبراهيم مرحّبا:
اهلا أهلا يا بدر.
أسرع بدر للسلام على خاله وابن خاله العزيز ثم جلس إلى جوار والده الذي بادر بنقل الخبر مُبشِّرا:
كنا بنتكلم عن فرح إبراهيم وشذا يا بدر وخلاص حددناه بعد شهر.
اتّسعت عينا بدر وسَرَت السعادة بملامحه حيث يهتف بلهفة:
بجد! ، ألف مبروك يا ابراهيم.
أجابه إبراهيم والبسمة تُكلِّل ثغره:
الله يبارك فيك يا صاحبي.
ولم يجد بدر فرصة أفضل لاستغلالها حيث التقط هذا الطرف من الخيط قائلا:
بقولكم ايه ، إي رأيكم نخلي الفرحة اتنين؟ ، وفرحي يتعمل مع إبراهيم!
تكلم يونس بسعادة مُشجعا:
ليه لأ؟ دي فكرة كويسة جدا.
أتبعه علاء برزانة:
مافيش مشكلة طبعا ، بس لازم اسأل تقوى لو عندها التزامات تبع الرسالة.
تكلم بدر طالبا:
سيبني أنا اتصل عليها واقولها.
قال علاء موافقا:
ماشي يابني ، على بركة الله.
ما أن انتهت الضيافة وانصرف علاء وإبراهيم حتى أسرع بدر إلى الأعلى دون أن يتناول طعام العشاء ، فقد اكتفى جسده اليوم وما عاد يريد شيئا بعد أن أدخلت الفرحة النبض فيه ، يريد التعجّل لمفاجأة تقوى بهذه البُشرى ، واثق أنها ستسعد لتحديد ميعاد إتمام حبهما بالزواج ، أغلق باب الغرفة ثم استلقى على السرير وأخرج هاتفه ثم طلب رقمها ، انتظر ثوان أحسّها دهورا حتى أتاه صوتها ليتنهد بعمق قبل أن يردف بثبات:
ازيك يا تقوى.
أجابته بنبرة طبيعية:
الحمد لله تمام ، عامل إيه
أجابها بهيام:
_ بخير عشان انتي بخير.
صمتت للحظات كرد بليغ على مجاملته والتي عدّها خجلا من التغزّل الصريح بها ، فأزاح تأثير كلماته السابقة بقوله:
بقولك ، إنتي فاضية الشهر الجاي ولا عندك امتحانات؟
أجابته بعدم فهم نافية:
لا مافيش امتحانات خالص ، بتسأل ليه؟
تمتم متضرّعا براحة:
طب الحمد لله!
أصابتها الرّيْبة ممّا يحاول هذا قوله فنطقت باستفهام:
في إيه؟
أجابها من بين سروره بتلقائيّة:
_ أصل يا ستي خالي علاء وإبراهيم كانوا في البيت النهاردة واتفقنا فرح إبراهيم وشذا يكون الشهر الجاي ، واقترحت عليهم يكون فرحنا فــ نفس اليوم ووافقوا بس ناقص نتأكد لو مش مشغولة.
جحظت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما بينما انفغر فمها في دهشة مفرطة ، متسمّرة هي تحاول جاهدة تكذيب ما سمعت توّا إلا أن عقلها يرفض ذلك ، نطقت من بين ذهولها بدهشة:
إنت بتقول إيه؟
انتابه الخوف من نبرتها التي باتت أكثر سكونا من سابقتها وكأنها لا تنمّ عن سعادة أبدا كما يشعر هو الآن ، نطق بشيء من القلق:
مالك حبيبتي انا قلت حاجة غلط؟
وهنا فقدت زمام السيطرة على أعصابها حيث هتفت بغضب:
إزاي تقرروا حاجة زي كدة من غير ماتعرفوني الأول؟
عقد حاجبيه متعجّبا من غضبها الكامن بصوتها ليردف مبرّرا:
ده كان اقتراح فجأة ، وجيت قلت لك بعد ما مشيوا علطول ، وبشوف لو انتي مشغولة وقلتي بعضمة لسانك انك مش مشغولة!
غَلَت الدماء بعروقها بينما تهدر بقسوة:
مش كفاية يا سيادة الرائد ، كان المفروض تقولي من قبلها مش تبني قرار مصيري على اقتراح جه على بالك فجأة!
قبض على يده حتى ابيضّت مفاصله محاولا كتمان غيظه من فظاظتها فقال من بين أسنانه بحدة:
علفكرة ده ما جاش على بالي فجأة أنا بفكر فــ كدة من فترة ، يعني إي اللي يمنع جوازنا مثلا؟
عادت تزمجر بثورة:
أنا مش نكرة يا فندم عشان تلغي وجودي بالشكل ده وتتكلم من نفسك.
زفر بحرارة ولم يستطع بعد الوصول إلى تبرير يوضّح موقفه فنطق بهدوء:
يا تقوى أنا،.
قاطعته تقول بجفاء:
بعد إذنك مضطرة اقفل.
ولم تنتظر إذنه كما أردفت بل أسرعت بإغلاق الخط في وجهه ليُلقي الهاتف جانبا ثم يستلقي على السرير ويضع ساعده على عينيْه بإرهاق ، يفكر مليّا في سبب غضبها وثورتها بهذا الشكل على خلاف ما ظنّ ، وبينما يبحث عن حل لهذه المعضلة غلبه سلطان النوم لينام بمكانه دون أن يبدل ثيابه أو ينزع حذاءه أو يتناول عشاءه ، بل تكفي الوجبة الدّسمة التي حصل عليها اليوم.
ننتقل إلى شقة رياض تمّام وتحديدا في غرفة وتين التي كانت تشتعل بنيران غضبها حيث زمجرت ناهرة:
إي اللي انت بتقوله ده يا تامر؟ ، إنت بتهزر صح؟ ، قول انك بتهزر!
أجابها بجديّة:
لا يا وتين انا بتكلم جد ، أنا عايز خطوبتنا تكون عالضيق وتلبسي الدهب في المحل.
ما كاد يفرغ من جملته حتى انفجرت به وتين زاجرة:
إي الجنان ده؟ ، إيه اللي يدعينا نعمل كدة!
تملّك أعصابه بصعوبة كي لا يرد لها الإساءة وهي صاحبة الحق في الأساس ، فأردف مُوضّحا:
يا وتين إفهمي ، عمي ميت بقاله تلات (3) شهور واحنا صعايدة ومعروف الحداد عندنا بيطوّل ، إذا كان واحد قريبنا من بعيد مارضيش يعمل زفّة لفرحه ، يبقى انا اعمل حفلة وفرحة كبيرة! ، إزاي؟!
لوت شدقها متهكّمة بينما تقول بضيق:
بغض النظر عن إن الحزن في القلب ، وطبعا أنا بحترم عاداتكم ، لكن ده مش معناه إني أتنازل عن فرحة الدبلة اللي كل بنت بتحلم بيها ، خصوصا وانا الكبيرة يعني ناس كتير مستنيين الليلة دي عشان يفرحوا معانا.
حاول تلطيف الأجواء متودّدا:
بس لازم تعملي كدة عشاني يا وتين ، هو انا ماليش معزّة فــ قلبك ولا إيه؟
نطقت بنفاذ صبر:
يا تامر ما تدخلش المعزّة في الموضوع ، أنا موافقة اننا نأجّل الخطوبة لحد ما يأذن الوقت اننا نحتفل.
ماينفعش.
وضعت يدها على رأسها حيث شعرت بأن عقلها قد ينفجر من شدة غيْظها فأردفت متسائلة بنفاذ صبر:
ليــــه؟!
تكلم مبررا بهدوء:
يا وتين أنا صعيدي وما ينفعش اقول أدام أي حد اني قاري فاتحة وبس ، لازم يكون في دبلة فــ إيدي.
عادت إلى الصياح بغلاظة:
خلاص يا تامر ، مش قررت وقلت مبرراتك وناقص التنفيذ! ، إتفضل اعمل اللي انت عايزه.
يا وتين أنا،.
قالها وفي نفسه يريد إقناعها بالحُسنى ولكن لم تدع له مجالا حيث بادرت بمقاطعته ناطقة بصلابة:
بعد إذنك يا تامر ، ماما بتناديني عشان العشا ، سلام.
ثم أغلقت الهاتف دون انتظار الرد ، حاولت تناول أنفاسها كي تعود إلى الانتظام من جديد بينما تفكر مليّا بما ألقى تامر من سخافة تقضي بإلغاء احتفال الخِطبة ، خرجت عن شرودها مع دخول والدتها قائلة:
العشا جاهز يا وتين.
أمسكت بطرف الغطاء ثم ألقته على جسدها قائلة بجمود:
مش جعانة ، أنا رايحة انام.
(رغد أنور حسّان)
هكذا خطّت رَغَد باسمها قبل أن تشرع في الإجابة بالقلم والفرشاة على اللوحة ، استحضرت خيالها وناشدت روحها الصفاء كي تستطيع تجسيد العنوان المطلوب والذي كان أشواك عشقكِ ، استغرقت ما يقارب الثلاث ساعات حتى ألقت بالفرشاة بجانب أنابيب الألوان الفارغة ثم أخذت تحدّق بالصورة عدّة مرات لتمام التأكد من أنها لم تنسَ شيئا حتى أمسكت بالفرشاة من جديد ووقّعت باللون الأسود باسمها رغد حسّان
خرجت من غرفة الامتحان إلى المرحاض فغسلت يديها المُخضَّبتيْن بمزيج الألوان المختلفة والذي التصق بجلدها مع رسم اللوحة ، ما أن انتهت حتى خرجت وملأت استمارة التقدّم ثم التفتت إلى موظف الاستقبال متسائلة:
هو فين أستاذ حمزة عمران؟
أجابها بعمليّة:
حاليا مش موجود ، تحبي أوصل له رسالة معيّنة
تلعثمت قليلا ثم أردفت بتردد:
هه! لا لا عادي ، كنت عايزة أناقشه فــ في رسوماته.
تحدث الثاني بابتسامة متفائلة:
هتقابليه كتير ، عشان هو هيكون أستاذ الكورس بتاعك لما تتقبلي ان شاء الله.
هتفت بدهشة:
بجد!
أجابها بجديّة موضحا:
أيوة طبعا ، أستاذ حمزة عمران قديم في الجاليري ومشهود له بالموهبة الفذّة ، وما بيدربش إلا بامتحان قدرات من تصميمه وتصحيحه بعد كدة يشوف لو ينفع دخول المتقدّم ولا لأ.
عادت إلى الشرود مع اسم هذا الغامض الذي تضاعف فضولها لرؤيته والحديث معه بشأن ما يكتب ويرسم ، خاصة بعد سماع شهادة الموجودين عنه ، أفاقت مع صوت الموظف قائلا:
بإذن الله تتقبلي.
أجابته بابتهال:
إن شاء الله.
طريق إسكندرية الصحراوي.
أردف بها بدر بتثاقل بينما يتحاشى النظر لوالده الذي يجلس خلف المكتب وفهد الذي يُجانبه وكأنه الحامي هنا ، حيث نطق يونس بخشونة:
جبت الحل ده منين؟
همهم للحظات قبل أن يجيبه على مضض:
آااا في الحقيقة تخمين.
أسرع فهد يوافقه بابتسامة:
والله تخمين وارد يا بدر.
وهنا وقف يونس عن مجلسه بينما يصدم بقبضته المكتب ليلتفت إليه كلاهما والخوف سَرَى بمعالمهما حيث يهتف يونس مستهجنا:
إي اللي بتقولوه ده؟! ، عايزين نمشّي عملية تهريب ورا تخمين؟!
أغمض بدر عينيه للحظات قبل أن ينطق محتجّا:
يا بابا يعني احنا لقينا دليل واحد وما خدناش بيه؟! ، ده لا المكان ولا المتّهم ولا حتى فاعلة الخير نعرفها ، يبقى نمشي ورا تخمين يا بابا ليه لأ؟!
هدر يونس زاجرا:
لأ كدة يبقى مهزلة يا سعادة الباشا.
وجد فهد أن الأجواء صارت مُتّقدة حتى وصل الأمر لفوّهة البركان فحاول التخفيف من حدّة ذلك قائلا:
يا سيادة اللوا،.
بتر كلمته مع قول يونس بنبرة قاطعة:
كلمة واحدة ، اتفضلوا على مكاتبكم وما ترجعوش إلا بتقارير مظبوطة.
أدّى كلاهما التحيّة العسكريّة ثم خرجا من الغرفة ، بدر يسابق الخُطى وكأنه يعدو بماراثون سباق ، في حين يحاول فهد اللحاق به ولكن دون جدوى ، ما أن دلفا بمكتب بدر حتى أسرع فهد يقول بجديّة:
ممكن تهدى يا بدر عشان نفكر؟
زمجر بدر باحتقان:
أفكر فــ إيه ، هو في مجال عشان افكر؟! ، العمليّة بعد خمس أيام وهو اللي يهمّه أدلة ملموسة كإني هخلقها!
ربت فهد على منكب ابن عمه يحثّه على الهدوء والتفكير بالأمر برويّة بينما يقول بهدوء:
هو برضه معذور يا بدر ، ما يقدرش يعمل أي حاجة وخلاص ، لإنه في وش المدفع قصاد الوزارة.
التفت بدر إلى صديقه بعينين بركانيتين بينما يقول بخشونة:
وبالنسبة ليا انا مافيش رحمة خالص؟!
ثم فرك جبهته بإرهاق مكملا بانفعال:
أنا مش عارف اجيبها منين ولا منين أنا تعبت!
عَلَت الشفقة بملامح فهد الذي أصابه الحزن لحال صديقه الذي انقلب رأسا على عقب ، فما يتكلم بدر بهذه الطريقة إلا وقد بلغ منه الهمّ مبلغه ، جذب ذراع بدر حتى جعله يجلس على أقرب مقعد ثم قال بشفقة:
يا الله! ، مالك يابني بتتكلم كدة ليه؟
لم يجبه بدر وإنما أسند مرفقه إلى المكتب في حين يمسح على وجهه المتعرق بتعب ، فنظر فهد باتجاه الباب مناديا:
يا عسكري.
دلف الحارس إلى الداخل مؤديا التحيّة العسكريّة ليقول فهد آمرا:
كوباية ماية بسرعة.
ما أن خرج العسكري لامتثال الأمر حتى جلس فهد مقابل صديقه قائلا بنبرة مُطمْئنة:
إهدى يا بدر ، إهدى مافيش حاجة تستاهل تتعصب عشانها وأكيد هنلاقي حل.
ابتسم بدر من جانب ثغره بسخرية على كلمة فهد المُبشّرة ، فلا يوجد ما يجعله هادئا بعد ما حدث بالأمس مع تقوى واليوم مع يونس ، فهو كالعالق في برزخ بين نارَيْن ، الأولى تكمن في عمله وما يؤدي إليه الإخفاق فيه ، والثانية تكمن في حيرته لمداواة قلبه الجريح بعد غضب تقوى وانقطاعها عن الرد على اتصالاته.
بعد تناول الغداء ، كانت وتين أول من وقف عن السفرة ، حيث أمسكت بطبقيْن ثم اتّجهت بهما إلى المطبخ ، يعلو العبوس معالمها والصدمة مُكبّلة لسانها ، فما عادت تستطيع النطق بكلمة أخرى بعدما وضع هذا العُقدة في نصل المنشار ، ما أن عادت إلى غرفة الطعام حتى لَحِظَ رياض ما يعتري ابنته من الحزن والوجوم فناداها:
وتين ، تعالي.
اقتربت منه حتى صارت واقفة بجانبه بينما تقول بهدوء:
أيوة يا بابا.
أشار إلى المقعد جانبه قائلا بحنو:
اقعدي جنبي يا حبيبتي.
ثم التفت إلى زوجته قائلا بنبرة ذات مغزى:
إعمليلنا شاي يا جيهان.
حاضر.
قالتها بطاعة بعدما فهمت فورا ما يودّ قوله دون كلام ، أمسكت بيد ريم ثم وقفتا واتّجهتا إلى الخروج تاركين المجال لانفراد الأب وابنته معا في حديث خاص جدا، حيث مسّد رياض على رأس ابنته قائلا:
نفسي أفهم يا حبيبتي ، مكتئبة كدة ليه؟ ، قوليلي.
التفتت إلى والدها بمعالم جامدة بينما تقول بصلابة:
يرضيك اللي بيقوله تامر ده؟!
أجابها بنبرة حانية:
من ناحية أب بيحب بناته ونفس يجيب لهم النجوم ماينفعش.
اعتَلَت الراحة معالمها بعدما نطق رياض والذي يُعدّ بمثابة إخراج لها من ظلام حزنها ، ولكنه زاد من حيرتها بقوله بموضوعيّة:
لكن من ناحية أب يفهم في الأصول ينفع.
رفعت أحد حاجبيها بعدم فهم بينما تنظر إلى والدها قائلة باستفهام:
إزاي يا بابا؟!
نطق بنبرة جديّة موضّحا مقصده:
حبيبتي ، أنا عارف انك حابة تعملي احتفال وتفرحي انتي وجيرانك واصحابك ، لكن ظروف تامر ما تسمحش ، وبرضه ما ينفعش يكون علاقته بيكي مجرد قراية فاتحة بس من غير دبلة حتى! ، من ساعة ما قرينا الفاتحة من شهرين وهو بيزورنا علطول وبيكلمك من غير علاقة رسميّة ، فاهماني حبيبتي؟
بادرت تتحدّث بوجوم:
بس يا بابا ماقدرش اتنازل عن حفلة الخطوبة!
أجابها بسؤال:
مش شفتي فــ تامر الإنسان المناسب عشان يبقى شريك حياتك؟
لم تُجبه وإنما اكتفت بالصمت التام ليستنتج رياض الرضا من ذلك ، فأكمل بابتسامة:
وانتي مش هتتنازلي ، ممكن الحفلة دي نعملها وقت كتب الكتاب ، إيه رأيك؟
ثم عاد يُمسّد على رأسها قائلا بدفء:
فكري وخدي وقتك يا حبيبتي ، ولو حابة تفسخي الخطوبة مش همنعك.
ماذا؟ فسخ الخِطبة! غير معقول أن ينتهي المطاف عند هذه النقطة ، أجل تختلف معه في إلغاء الحفل واقتصار ارتداء الخاتم عند الصائغ ولكن هذا لا يعني أن تُقرر الانفصال! ، رجل كتامر محترم شريف ولا تشوب شائبة على صفاته لن تخسره لمجرد حفل سخيف! ، فتكلمت بنبرة ثابتة:
خلاص يا بابا أنا موافقة.
أسرع يسألها:
عن اقتناع؟
أجابته بذات الثبات:
عن اقتناع.
وفي هذه الأثناء ، تجرّع بدر كأس الماء كاملا راويا ظمأ حنجرته بعدما أنهكها في وصلة صياح مع والده بشأن العملية مجهولة المعالم تلك ، تحت مرأى فهد الذي كان يرقب الإرهاق المُعتلي معالمه فيقول بهدوء:
ها ، روّقت؟!
لم يُجبه وإنما عاد إلى نوبة الصمت الرخيم التي أصابته ليكمل فهد ببعض التفاؤل:
بص بقى يا سيدي ، إحنا هننفذ اللي قلته.
التفت إلى فهد ونظراته صارت مُمتزجة بالدهشة حيث يردف متسائلا:
إزاي؟
أجابه فهد موضّحا:
تخمينك وارد وأقرب حاجة بالنسبة لنا ، وطالما على طريق صحراوي يبقى أكيد العربيّة هتعدي على كمين ، يبقى اللي فاضل اننا نكلم شرطة الكمين وتفتش كل النقل اللي معدّي والعربية اللي فيها قمصان يعملولها تعقّب ومنها هنتابع كل عربية ملابس رايحة وجاية ، والعربية اللي هتتمسك اللي هتقف في الصحرا ومش هتكمل للبلد ، وعلى ما تتم صفقة التسليم نكون وصلنا ونقبض عليهم.
ضيّق بدر حدقتيْه بعدم فهم بينما يتشدق مستنكرا:
إي اللفّة الطويلة دي؟ ومين بقى اللي فهّم سيادتك ان ممكن شرطة الكمين تفتش وتعمل تعقّب عشان احنا نقبض عالجاهز؟ الموضوع فيه إنّ وتحقيق يا سيادة النقيب.
تكلم فهد محايدا:
لا ما هو انا مش هكلم شرطة الكمين وش واضيّع الموضوع ، لازم يكون في وسيط.
واللي هو مين؟
قالها بدر متسائلا ثم سرعان ما مطّ فمه مستهجنا:
إوعى تقول اللوا يونس عمران!
فتئ فهد نافيا:
لا لا اللوا يونس هنحتاج منه بس إذن بالقبض بعد ما نوريه تعقّب اللوري.
ثم استرسل بثقة:
أنا قصدي الظابط زياد فؤاد.
اتّسعت عينا بدر باهتمام بينما يردف متسائلا:
ومين ده؟
أجابه فهد بابتسامة:
كان دفعتي ، شرطة كمين دلوقتي ، حبيبي وهيساعدنا من غير شوشرة خاالص ، هكلمه وافهمه إن الموضوع سرّي وهو مش هيتأخر.
صمت بدر للحظات كي يُقَلِّب الفكرة بعقله وقد استحسنها ونالت قبوله مبدئيّا رغم المخاطرة التي قد تنبع منها عن طريق التعرّض لتحقيق أو ما شابه ، إلا أن المغامرة تستحق ، فالتفت إلى ابنه عمه موافقا:
إمممم فكرة حلوة ، بس يا رب يقبل.
تكلم فهد بثقة:
هيقبل.
ثم أخرج هاتفه من جيبه وضغط عليه عدّة مرات متمتما:
يارب مايكونش غيّر رقمه.
وما هي إلا دقائق معدودة حتى نطق فهد بعدما استشعر إجابة الطرف الآخر:
مساء الخير ،، حضرة الظابط زياد فؤاد؟
انجذب انتباه بدر إلى ابن عمه الذي صاح في حبور:
إزيّك يا باشا عامل ايه؟ ،، أنا مين؟ فهد عمران يا سيدي!،،
نطق بمرح:
لا سؤال ولا كلام يا عم! متشكرين!،،
أخذ يضحك قائلا:
بهزر معاك ، في الحقيقة انا عايزك في خدمة يا صاحبي ، بص،،.
