الفصل الثانى

قام أحد الضباط بتوصيلها، لمكان مهجور ومخيف إلى حدًا ما، وقاموا بوصف المكان لها بالتحديد!
ترجلت بخوف من ذلك المكان المظلم، إلى مكان يقبع به النور، كان كالمخزن !
دلفت بهدوء دون أن يشعر أحد تمامًا، لم يظهر لها دون ظهره فقط، وكان يتحدث مع رجل بصوت عالٍ وهو يقول
:- انت متخيل إني هسيبك عايش و لا إيه!
صوت طلقة رصاص جعلت المكان كله يصمت، ماعدا هي صرخت آثر تلك الصوت، التفت وهو يقترب منها بهدوء مُريب و ابتعدت هي بأنفاس لاهثة ومتضطربة، كادت تتمنىٰ أن تنشق الأرض وتبتلعها، كلما أبتعدت خطوة برعشة، اقترب هو خطوات بثبات ونظرات ثاقبة للغاية، بدأت تنحرف عن تراجعها والتلفت يُمنة و يسرة لكنه حاوطها بشدة وقال ببرود
_مش عارف ازاي رجالة المخابرات ، يجيبوكِ انتِ لمهمة زي دي .
نظرت له كاد أن يقتلع قلبها من مكانه، فكيف عرف انها جاءت هنا لهذا السبب، هل انتهى الأمر قبل أن يُبدأ حتى، أم أنه مصيرها حُتم ولا يمكن تغييرها فيه، حقًا ستموت مقتولة، هي مجرد فتاة رقيقة، بل إنها أقل مما يقال عليها رقيقة، فهي تبكي عندما أحد اظافرها ينكسر، فماذا أن خاضت حرب معه!
قالت بصوتٍ ثابت، أخرجته بعد صمتٍ دام لدقائق
_انت انسان مُجرم!.
ضحك بشدة، فهو كان يعتقد أنها ستقول غير ذلك بعد هذا الصمت، لكنه قال
_ومافيا كمان، انتِ جايه ومتعرفيش معلومات كافية ولا إيه!
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت
_سيبني أمشي، وأنا مش هقول أي حاجه من اللِ شوفتها..
قال وهو يلعب بأوتارها
_وانتِ شوفتي حاجه؟
قال بخوف، وهي تُغلق جفونها وتتراجع بفتحها مرة آخرى
_اه، لأ، أقصد أنا فعلًا جايه أراقبك
وانت لازم تتعاقب، مين أذن لك تعمل كل دا!!
احنا هنا جايين ندافع عن حقوق البشر دي كلها، وانت وجودك غلط.
ضغط على يديها بقوة جعلتها تتآوه وهو يقول بغضب
_الكلام دا كُله مش حقيقي!
علت رنات هاتفها وهو يتحدث فقال لها أن ترد عن المُتصل، لقد كان "تامر" الذي أوقعها في تلك الورطة، التي لن يتحمل عواقبها الوخيمة إلا هي!
قال تحت تهديدها بالسلاح
_رُدي عليه وإياكِ تعرفيه إني شوفتك، وقولي له إن كل شيء ماشي تمام جدًا
قامت بالرد عليه وصوتها يرتجف، كانت نظراته كلها تهديد، حتى أنه لا مفر
رغمًا عنها قالت مثلما قال لها!
وأغلقت معه
قال بإبتسامة
_شاطرة، لو سمعتي كلامي صدقيني هخليكِ عايشة
ردت عليه بتحدٍ وهي ترفع اصبع السبابة
_إياك تكون مُتخيل إني هكون كده، صدقني أنا مش هخاف من الحق حتى وإن كان دا هيكون مُقابل إني أموت!
أظهر لمعة غريبة لها!، وقال بسخرية
_واضح جدًا إنك مش خايفة، ياسين محدش يقدر يهدده يا آنسة
قالت بتحدٍ أكبر
_ولا ياقوت!
هي متأكدة من أنها تكذب على نفسها بتلك القوة الزائفة، لكن إن أظهرت إنها بالفعل خائفة، فسيجعلها كالدمية التي أتت لتُلبي مطالبه فقط، لا لتُنهي العمل الذي جاءت له!
قال وهو يقترب منها
_اياكِ تحاولي تجربي إظهار قوتك الزائفة دي قدامي دا أولًا، ثانيًا ومع الأسف انتِ جيتِ في الوقت الغلط، وشوفتيني في الوقت الغلط وأنا برتكب جريم*ة
ولازم أحل الموضوع دا!
وتركها، فكيف سيحل ذلك الموضوع يا تُرى!
                             ********
كانوا جالسين على مائدة الطعام، فقالت مريم بعد أن لكزتها فاطمة بأن تتحدث تآوهت في صمتٍ وقالت
_أمير
قال وهو يبتسم بهدوء
_نعم يا مريم؟
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت
_صاحبة فاطمة طلبت مننا نحضر عيد ميلادها النهاردة
مسح وجهه بيديه، نتيجة لغضبه الصامت
_اللِ منعتكم من أنكم تكلموها؟
هزت رأسها بخوف من صوته الذي تحوّل
فقال وهو يضغط على يديه
_هو عِند وخلاص!!
لما أمنعكم من أشخاص تأكدوا إن دا مش فرض سيطرة، دا بيكون نظرة مني خليتني أشوف حقيقة إنتم مش واخدين بالكم منها!!
قالت فاطمة بإندفاع
_بس نازلي طيبة، وانت متعاملتش معاها
وقف بعصبية وقال وهو يقف أمام أخته، فلأول مرة تُشكك في نظرته
_يعني انتِ شايفه إن دا تحكم؟، طيب يا فاطمة صدقيني لو خرجتي النهاردة للعيد ميلاد دا هيحصل شيء مش لطيف ومش هيعجبك.
قالت مريم بتبرير بدلًا من فاطمة التي إنعقد لسانها من عصبية أخيها
_هي متقصدش كده يا أمير!
ضغط على أسنانه وقال:-
مين قال إني بقول عنها كده وخلاص، هي  مش كويسة، حتى نظراتها تجاهك يا مريم متطمنش،
أنا شوفتها مرة واحدة لما كُنا كلنا رايحين المطعم، للمرة الآخيرة هقول، أنا مش حابب إنكم تروحوا العيد ميلاد دا، ولو حابين تخرجوا البسوا وأنا هخرجكم النهاردة!
نظرت إليه فاطمة بتهكم ودلفت إلى غرفتها دون أن تتحدث، نظرت مريم إلى طيفها وقالت
_شكرًا يا أمير، تقدر تروح شغلك وأنا هتكلم مع فاطمة
ثم دلفت بعد أن قالت ذلك، تابع طيفها وتنهد تنهيدة طويلة، لا يعلم لماذا لا يرتاح لصديقتهم تلك، ولا حتى لأخ صديقتهم عندما جاء معهما في المطعم!
في حين أن مريم دلفت لغرفة فاطمة وقالت
_يا فاطمة انتِ عارفه شخصية أمير، أرجوكِ متزعليش
قالت بِحُزن من ردة فعل أخيها
_حاضر!
بس نازلي كلمتني وقالت أنها هتيجي بعد العيد ميلاد هنا تقعد معايا شوية، وأنا مقدرتش أقول لها لأ!
قالت مريم وهي تشعر بأنهم وقعا بورطة
_افرضي أمير جيه، هتعملي إيه!
_هعرفه بعد ما تمشي، إني مقدرتش أقول لها لأ
هزت رأسها عدة هزات مُتتالية وخرجت لتستنشق الهواء في الخارج!
  مرت الساعات كالعِجاف على قلب مريم، وفاطمة
فأمير لم يثور عليهم ولو مرة واحدة، لكن سيحدث ذلك اليوم
أتت نازلي في الساعة العاشرة مساءً، وجلسا لفترة وجيزة، لكن رن هاتف مريم فخرجت للحديقة الموجودة ب"الفيلا" سريعًا
قال أمير بهدوء
_أنا جاي في الطريق أهو، لو محتاجين أي شيء من بره قولي لي
ابتسمت بوجهها الذى بدا عليه الشحوب فجأة!
ماذا سيفعل إن رأى نازلي يا تُرى!
جاء وكانت هي مازالت واقفه في الحديقة
قال وهو يبتسم لها بوّد
_تعالي يا مريم ادخلي
كانت صامتة، لا سبيل لها الآن غير الصمت!
رآها جالسة هي وفاطمة دلف إلى مكتبهُ دون أي رد فعل، وذلك جعلها ترتعب!
بعد قليل قامت نازلي، لكنها لم تذهب بل دلفت إلى مكتب أمير وأغلقت الباب خلفها في حين أن مريم وفاطمة استأذنوها لأن يتكلموا على انفراد للحظات!
وقف وقال بحدة
_مين قالك تدخلي مكتبي!
اقتربت منهُ بشدة، وقالت
_على فكرة انت مش في بال مريم، إنما تقدر تحبني، ويكون حُبنا مُتبادل!
نظر إليها بإستحقار لكنه قبل أن يرد عليها فُتح الباب فجأة قبل أن يجعلها تبتعد عنهُ، صُدما مريم وفاطمة!
باب مكتب مغلق!، قُرب نازلي من أمير!
ذهبت مريم بهدوء وكأن شيئًا لم يكن، دون حتى أن تسمع تبرير لذلك الموقف
قال أمير وهو يقترب منهم
_أنا محتاج أوضح لكم الموقف
ضحكت فاطمة بسخرية
_كنت قول إنك مش حابب إننا نكون قريبين من نازلي عشان تكون مرتاح
وأكملت مريم
_أنت مش محتاج تبرر شيء، لأن كل شيء بقى واضح!
وفاطمة عندها حق، بس متخيلتش إن قِيمك ومبادئك تخليك قريب من بنت بالشكل دا!
التفتوا فقال بصوته الجهوري
_استنوا هنا.
وقفوا دون أن يلتفتوا فقال
_أنا عارف إن البنت دي بتكره مريم، وعشان كده هي عملت الموقف الحقير دا
التفتت مريم بإستغراب فأكمل
_هي حابه تشوّه صورتي تجاهكم
قالت مريم ولم يرُق لها حديثه
_أنا محتاجه أنام من فضلك
سحب من معصمها أمام فاطمة وقال بصوت فيه الحنين والخذلان في نفس الوقت
_بتستغل حُبي ليكِ، وعاوزه تشوّهه، لأن حُبها مريض!
فهمتي هي عملت كده ليه
كان يقول ذلك وهو ينظر إلى عيونها، وهي الآخرى
صُدمت من رد فعله!
هربت إلى غرفتها تشعر بوخزة تقتلع قلبها آثر قُرب "نازلي" من "أمير"
لأول مرة يقودها شيئًا من مشاعر الحب!
هي شعرت بالغيرة، ولأول مرة تشعر بالسعادة الداخلية حينما قال بتستغل "حُبي ليكِ!"
يبدو وكأنهم سيأخدون محمل آخر تمامًا..
هي صدقته، حتى بعد أن شرح لفاطمة ونبه عليها عدم الحديث مع تلك الفتاة أو مصاحبتها وافقت، وتيقنت من وجهة نظر أخيها، كان من السهل أن يصدقوه، فعلاقتهم موطدة للغاية!
وكل شخصية منهم معروفة!
وما حدث منذ قليل لم يكن من شخصية أمير قط...
                             ********
كان الطبيب عز في غرفة الإشاعات يتفقد حال إشاعة "سيليا" الذي يُهيم بها!
لكن حدث تطور للأسوء!، دلف سريعًا ليتفقدها
وقال بصوتٍ حزين
_سيليا، انتِ حاسه بتعب دلوقتي أو تغيير عن العادي؟

أجابته بإبتسامة، فهي كالعادة تمد له الحياة بإبتسامتها، هي حمولة للغاية!
_أبدًا، أنا كويسه جدًا بس واضح إن انت اللِ تعبان، لو حابب تروح ترتاح متقلقش عليَّ.
هز رأسه بالنفي وقال
_أنا بخير الحمدلله، انتِ عارفه إن بقالي اسبوعين بنام هنا في المستشفى في غرفة الكشف بتاعتي!
وحاليًا هتركبي كانيولا، عشان في علاج محتاجه تأخديه
جلس وهي تُركب المحلول، نامت وهو يسري في يدها، بالتأكيد هي مُتعبة ولا توّد أن تقلقه!
خرج ليلتقط بعضًا من أنفاسه الذي بدأت تقل، يشعر بِثُقل العالم كُله على قلبه، يشعر بالخيبة الشديدة،وإن كان شيءٌ غير الخيبة ما كان قال عليه ثقيل!
جاءه صديقه وهو يقف بجانبه، فهو عرف ما سبب حُزنه، وقال وهو يحاول أن يواسيه
_متزعلش، صدقني مفيش أي شيء وحش هيحصل، دي أقدار ربنا، خليك مؤمن بيها!
قال وهو يتنهد بِحُزن شديد، فهو الآن يئن بصمت، الحزن الكامن بداخل قلبه لا يُمكن التعبير عنه، يشعر وكأن روحه تهرب منه كالعصافير الضالّة!
لكن لا سبيل له غير الدعاء، قال له بصوت ضعيف
_ادعي لها يا مصطفى!
_حاضر يا عز.
                           **********
قال وهو ينظر إليها بغضب
_انتِ متخيلة إني أترفض!
قالت وهي تتحكم بأعصابها
_أيوا أنا ك نسرين مش حاسه بقبول!
والقبول دا هبة من عند ربنا، أنا مش موافقة!
خرج وهو يصفع الباب خلفه بتذمر، هو إبن عمها، لكن شخصيته لا تتناسب مع شخصيتها تمامًا،حتى أفكارهم!
جلست في تلك الرؤية رغمًا عنها لتُرضي أبيها، وماذا بعد ذلك!
حتى القبول لم يحدث بينهما، وكأنه تأكيد من الله على عدم موافقتها، دلف ابيها إليها، شرحت له وموقفها، وتذمر إبن عمها بذلك السرعة، فقط لأنها رفضته!
انحاز أبيها إلى صفها، فهو تأكد أنها لن ترضى به مادام لم يحدث قبول!
               . . . . . . . .
كعادة الطبيبة فريحة، أنهت جميع الحالات وأنتهى يومها في المستشفى، وذهبت إلى منزلها الذي لم يعد له ملامح!
كعادة المنازل، معروفة بوجود عائلة، بشعور الدفء، بالسكن الحقيقي!
لكنها حُرمت من ذلك في الحادثة الإلهية التي جعلتها تفقد والدها ووالدتها
  . . . . . . . . . . .
قالت له جدته بإبتسامة
_انت هتفضل مشاغب كده لحد إمتى يا حضرة الظابط مروان!
قال بضحك
_هو في حد عنده جدة قمر زيك وميغازلهاش!
قالت وهي تضحك له
_بمناسبة المغازلة والقمر، أنا جايه لك بعروسة!
قال وهو يعبث بشعره مُكملًا بتهرب
_يا جدتي صدقيني أنا مش بفكر في الحوار دا دلوقتي، أنا عاوز الموضوع دا يجي بترتيب من ربنا، مش من عروسة كل أسبوع اللِ بتيجي لي بيها!
وصمت، لم تتحدث فهي تعلم حفيدها، لا يحب المراوغة في المواضيع التي بالنسبة له منتهية.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي