الفصل الاول
الفصل الأول
في الصباح الباكر بدأت الحركة تدب سريعا في أنحاء البلدة ومع أول إشراقة لضوء الشمس يخرج أهل البلدة لمتابعة أعمالهم لكي يحصلوا على البركة "فبالبركة في البكور" يتوجهون إلى أعمالهم بغية طلب الزرق لذا كان من النادر أن تجد أحدهم قد تأخر في نومه ،فالكل يستيقظون باكرا مع آذان الفجر يؤدون الصلاة ويتناولون فطورهم ومن ثم يتوجهون إلى أعمالهم المختلفة والتي تكون معظمهما أعمال زراعية، وهناك من يتناول فطوره في عمله، فيخرج من بيته قبل ان يسد رمق جوعه، فعليه أن يسابق ضوء الشمس فيصل قبلها إلى أرضه وعندما ينجح في ذلك يكافىء نفسه بوجبه فطور ميسورة الحال.
وكذلك الحال كان في منزل أحد رجال البلدة الأكابر، والذي تتميز عائلته بالعراقة والصيت الواسع عائلة عيسى البكري
أجتمع أهل المنزل حول الطاولة التي يتوسطها يوميا فغالبا لا يخلو فطور منه "طبق الفطير الشهي، الذي رائحتة تصل لآخر البلدة تجعل لعاب الشبعان يسيل، والعسل الصافي الطبيعي الذي يستخرج من المناحل الخاصة بتلك العائلة ".
وبقية أنواع الطعام الأخرى من البيض المسلوق وطبق الفول والفلافل والجنبة القريش وغيرها من الفطور المصري الأصيل.
توسط المائدة كبير البيت وعلى شماله تجلس زوجته وعلى يمينه يجلس ولده البكري حمزة وزوجته الى جواره وإلى جوارها أبناءهم .
أنهت الخادمة من وضع بقية الطعام وحان الوقت ليشرع الجميع في تناول الفطور لينظر عيسى لذلك المقعد الشاغر جوار زوجته والذي يخص عز الدين ابنه وقال بصوته الأجش الحاد
_عز لساه نايم لحد دلوك ولا إيه؟
قالها ثم نظر لابنه حمزه يؤنبه
_وإزاي أخوك يا حمزة ميجومش يصلي الفجر معانا حاضر النهاردة، إزاي تسيبه نايم تفوته صلاة جماعة!!!
رد حمزة بهدوء
_لااه يا بوي، عز أنا شفته راچع الفچر من الچامع.
ضيق والده عينيه وهتف باستنكار
_كيف ديه أنا ملمحتوش في الچامع بتاعنا واصل!
_كان بيصلي في چامع عباد الرحمن يا بوي مش في الچامع بتاعنا .
رفعت والدته حاجبها وهتفت بصوت متعجب
_واااه واللي يخليه يروح لبعيد إيه؟,ما عنده الچامع اللي چار البيت.
هز حمزة كتفه وقال بعدم معرفة السبب
_عز ابنك وانت عارفاه يا ماي، بيحب يعمل اللي في دماغه وهو النهاردة شكلها طلعت في دماغه يروح الچامع البعيد فمكدبش خبر وراح
هز والده رأسه بتفهم وقال وهو يمسح ذقنه البيضاء واللي يتخللها بعض الشعرات السوداء البسيطة
_أيوة خير ما عمل عز ف"أ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: مَنْ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ مَضى إِلى بيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرائِضِ اللَّهِ، كانَتْ خُطُواتُهُ، إِحْدَاها تَحُطُّ خَطِيئَةً، والأُخْرى تَرْفَعُ دَرَجَةً "
والله لولا إني خايف الچامع اللي بناه چدك يتهچر من المصلين كنت روحت كل يوم في چامع شكل، علشان أعمر بيوت الله، لكن علشان عارف أن الناس بتأخدني قدوة فلو عملت هيعملوا زيي، والأمر هيكون فيه مشقة عليهم وممكن كمان الچامع إهنه الرجل تقل من عليه، كنت عملت من بدري، وكمان عامل السن بردك مانعني فمبقاش الحيل زي الأول .
ربت حمزة على يد والده الموضوعة على الطاولة وقال
_ربنا يباركلنا في عمرك يا حچ، دايما سباق بالخير والطاعات، وده مش جديد عنك، ربنا يرزقك الصحة والعافية دائما يا بوي.
قطعت حديثهم ذاك، تلك التي قدمت تجاههم وهي مازالت لا تستطيع فتح أعينها جيدا فما زالت نعسانة بعد، وقالت بتبرم واضح وهي تدعك في عينيها علها تفيق
_ديه إيه الغلب داه بس ياربي، أني مكتوب عليا أصحى بدري طول العمر، في الدراسة قلنا ماشي لكن في الأجازة كمان ليه، ليه يا ناس عايزة أفهم؟
ضربها أخوها على قفاها والذي كان يقف خلفها فقد هبط لتوه من غرفته واستمع حديثها وقال هازئا
_إنتي يابت إنتي ميعچبكيش العچب، قايمة تبرطمي على الصبح ليه، طب جولي صباح الخير حتى يا مصيبة انتي.
وضعت يدها مكان ضربته وهتفت بتزمر
_واه إيدك زي المرزبة، وچعتني
رمقها عز بضجر وقال بتحذير
_فاطمة!!
هتفت فاطمة بضجر
_صباح الخير عليكم .
دفعها أخيها لكي تذهب وتقبل يدي والديها
_چدعة يلا روحي حِبي على يد ابوك وأمك بسرعة اخلصي
أبعدت يده قائلة بضيق
_طب ما أني كنت رايحة، بتدفشني ليه عاد ولا هو كل مرة لازم تطول يدك عليا وخلاص .
قالت أمهم بصوت مستاء
_بكفياكي يا فاطنة، هملي أخوكي ياجي يوفطر ...وتعي اجعدي مكانك .
توجه عز الدين تجاههم وقال بصوت جاد وهو يقبل يد أبيه
_صباح الخير يا حچ .
ابتسم له والده وقال بهدوء
_صباح الدين يا عز يابني، كيفك يا ولدي؟
انتصب عز الدين في وقفته ورد عليه قائلا
_ بخير يا بوي طول ما انت بخير.. ربنا يبارك في عمرك.
بعدها انتقل نحو أمه وقبل يدها مثلما فعل مع والده وقال مداعبا أمه
_صباح الخير يا ست الدار وست الحبايب، يا جلبي إنتي
ابتسمت أمه وانشرح قلبها لمداعبته إياها دائما
_صباح الخير على جلبك يا ضي عيني، كيفك يا قلب أمك .
اتخذ عز مقعدة جوار أمه وقال
_بخير يا ماي، بفضل دعواتك يا ست الحبايب والله .
قالها ثم نظر لأخيه وزوجته
_كيفك يا يا خوي؟،كيفك يا مرت أخوي، والعيال الاشقيا دول حبايب عمهم, عاملين ايه !!
رد حمزة مبتسما فهو يحب أخيه كثيرا ويرى فيه ملامح الرجولة منذ الصغر
_صباح الخير يا عز، عامل ايه يا بن أبوي
بينما هتفت نوارة ببسمة
_الله يسلمك يا عز، يا ولد عمي .
أما فاطمة ففعلت مثلما فعل عز وكذلك فعل أخيهما حمزة من قبلهما، قبلت يدي والدها بحب واحترام شديد
_كيفك يا بوي يا غالي
رد أبيها بحب لصغيرته
_صباح الخير يا فاكهة الدار ، اقعدي يا بتي اوفطري البركة تحل على جسدك وروحك با بنتي، متحرميش نفسك من رزق البكور .
هتفت بطاعة
_حاضر يا بوي .
بعدها قبلت يد أمها وتوجهت لتجلس في مقعدها المعتاد جوار أخيها عز
أعطى والدهم الإشارة لهم بالبدء بالفطور بإيماءه من وجهه وهو يقول
_يلا بسم الله .
شرع الجميع في تناول إفطاره
ليبحث عز الدين بعينه على طبقه المفضل وهو يقول بأعين لامعة
_فين طبق العسل بتاعي؟
قربته أمه منه وهي تقول
_أهو يا ضي عيني، العسل بتاعك أهو، اللمون كماني معاه.
تناوله عز من أمه بفرحة وكأنه يتناول منها كنزا سمينا، بعدها قام بعصر الليون فيه ومن ثم رفعه إلى فمه دفعة واحدة، ليتجرعه كله باستمتاع وتلذذ شديد.
لتهتف أخته وهي تفتح فهمها وكأنها أول مرة تراه فيها يفعل ذلك
_ واه يا عز ،هموت وأعرف بتعملها كيف داي؟ ،ده أني مبتحملش أخد معلقة واحدة منيه إكده حاف.
أنزل عز الطبق عن فمه وهتف بضجر
_ ايييه كنك اول مرة تشوفيني بشرب العسل إكده, انتي حاطاني في دماغك ليه يا بت، يا باي عليكي ،بصي في طبجك ومتركزيش معايا .
رمقته أخته بمشاغبة
ليضحك كل من حمزة ونوارة عليهما فهما لا يكفان عن مناكفة بعضهما البعض أبدا
لتهتف نوارة بصوت خفيض لكنه مسموع للجميع
_بدأت وصلة الخناق من بدري النوبة داي .
ليهتف عز الدين حانقا
_قوليلها يا نوارة تحل عني ،مش عارف مركزة امعاي ليه.
رفع يده مشيرا لأخيه حمزة
_عندك أهو أخوكي حمزة مبتناكفيش فيه ليه.
أرسلت فاطمة قبلة لأخيها في الهواء ومن ثم قالت
_حمزة ده حبيبي، بعدين مقدرش أناكفه لأنه متجوزش ،إنما انت لا.
رفع عز حاجبه وقال
_يا شيخة!! طااايب ان كان الموضوع في الچواز، اتچوز من بكرة علشان تحلي عني يا شيخة.
ادعت هي الحزن وقالت وهي تدلي شفتها السفلى للأمام قليلا
_يعني أني تقيلة على چلبك للدرچة داي يا عز، يخص عليك.
قلب عينه بملل
_يا باي على دلع البنات الماسخ ده، يابنتي لا انتي تقيلة ولا حاچة، إيه بلاش أضحك معاكي يعني ولا إيه!!
انخرطت في الضحك وقالت
_أنا كماني كنت بضحك إمعاك.
دفعها أخيها بملل
_طب غوري يا بت مش وشي.
لتهتف هي بتبرم
_والله انا مكنتش عايزة أجوم على الفطور من أصله وأكمل بس نعمل ايه حكم القوي .
_طب ياختي خلصي وكلك وعلى اوضتك متطلعيش منها طول ما انا في الدار.
همت لتفتح فمها لتتحدث لكنه قاطعها وقال
_اوعك اسمع حسك، ششش
ليتحدث أبيه بعد أن تنحنح بصوت مسموع
_حمزة انت عارف ان اليوم هنضم المحصول مش اكدة؟
_عارف يا بوي والعمال زمانهم اهناك من الفجر كمان, واني هفطر وهنزلهم .
اومأ له أبيه بأعينه ومن نظر لعز الدين ليقول له
_وانت يا عز محتاچك تكون جار أخوك، وتجف تراچع الحسابات كلها، حسابات المحصول اللي خرج من الأرض، وحصة المصانع والمتبقي يتحول للتچار اللي محتاچينه،ديه في حالة ان اتبقى، لو ماتبجاش خلاص .
أجفل عز مكانه ونظر لأبيه بتوتر فهو لم يكن في حسبانه ان يذهب للأرض او العمل هذا اليوم
بينما تنحنح حمزة وقال
_بعد إذنك يا بوي أنا عندي شورة تانية.
_جول يا ولدي سامعك
_أنا شايف لو اتنظرنا إنه يتبقى شىء من حصة المصانع علشان يروح للتچار، فمش هيتبقى حاچة، علشان إكده بقترح يا بوي، اننا نجسم المحصول نصين نص يروح للمصنع والنص التاني للتچار علشان ميزعلوشي، بيكونوا عشمانين في الزرع بتاعنا يا بوي، عارفين انه من أچود الأنواع وكله يتمنى يتعامل مع عيلة الحچ عيسى البكري.
أخذ والده يفكر في كلام ابنه ويحسبه في رأسه وبعدها قال وهو يهز رأسه بالموافقة
_كلام معجول فعلا، بس لو عملنا إكده، بس إكده انتاچية المصانع هتقل يا ولدي وده مش لصالحنا.
هتف حمزة بعملية
_فكرت فيها داي كمان يا بوي، ايه رأيك بدل ما إحنا بنعمل نوعين امربى بس في المصانع نخليهم، تلاتة.
_النوع الثالث ده إيه! احنا بنعملوا مربى التين والفروالة؟
_ممكن نعمل مربى الچزر يا بوي وكمان أني بفكر نعمل قسم للعصاير, والأيس كريم كمان معاهم يعنى نوسع المجال أكتر يا بوي.
_ايوة يا ولدي، بس كدا الحمل هيكون زيادة عليك وانت عارف أني مبقتش صحتي زي الأول.
قبل حمزة يد والده وقال
_الله يمن عليك بالصحة ويلبسك ثوب العافية يارب.
ليهتف عز الذي كان يتابع الحوار باهتمام
_عچبتني فكرة حمزة يا بوي، وان شاء الله نحاول نحججها، وكمان حمزة مش لوحده أني معاه وراضي كمان معانا وأهل ثجة، يعني هنقدروا عليها بإذن الله.
ابتسم لهم أبيهم وقال
_على خيرة الله، يلا هموا بينا على الأرض نتابع العمال.
أمسك هو عصاته وحاول النهوض لينهض كل من حمزة وعز الدين بسرعة لمعاونة والدهم.
أمسك حمزة بيد أبيه بينما، قام عز الدين بمساعدة والده على أن يرتدي عباءته المفتوحة فوق جلبابه والتي تزيده هيبة ووقار.
ليهتف عيسى لأهل بيته
_يلا فوتكم بعافية، خدوا بالكم على حالكم منيح
هتفت زوجته قائلة بحب
_الله يسلم طريجكم يارب
ورددت نوارة
_ربنا معاكم يا أبا الحچ.
وانطلق ثلاثتهم مغادرين بعد أن أرسل حمزة لزوجته نوراة قبلة في الهواء خلسة ودون أن ينتبه له أحد سواها وأمه التي لا يفوتها شىء فابتسمت برضا عن علاقة ولده بنوارة وذاك الحب الذي بينهما.
أما فاطمة ما ان رحل والدها وإخوتها حتى هبت واقفة وقالت وهي تركض للأعلى
_أني رايحة أكمل نوم، سلام
لتنادي عليها أمها بضجر
_واه بت يا فاطنة، تعالي يابت ساعديني في لم الفطور يا چزمة.
هتفت فاطمة وهي تصعد الدرج هرولة
_معلش يا ماي، عندك أم الخير خليها تساعدك، أني نعسانة يا ناس، نعسانة.
لوت أمها فمها لتبرم وقالت
_روحي ياختي أنعسي، عليه العوض ومنه العوض في الخلفة اللي عايزة تتربى من اول وچديد.
وقفت فاطمة بالأعلى وقالت بتكشيره عابسة
_يووه يا ماي بلاش أنام يعنى.
_نامي ياختي نامت عليكي حيطة.. جال يعني الكم طبجين دولن كانوا هيضعوا عليكي النوم، ما إنتي نايمة طول النهار والليل ،معتشبعيش!.
هتفت نوارة بابتسامة صافية
_همليها يا خالة تنام كيف ما هي عايزة، أني هقوم أنظف وألم الفطور متجلجيش.
لتهتف فاطمة بفرحة
_أهي يامة نوارة هتساعد، فكك مني يا سكر.
قالتها وانطلقت لغرفتها .
بينما زفرت أمها من تدلل ابنتها ونظرت لنوارة برضا
_ربي يرضى عنك يابنتي، بس إكده كتير عليكي كفايا العيال... هادين حيلك طول النهار.
_مفيهاش حاچة يا خالة ربنا بيعين.
_ربنا يعينك يا بنتي ويرزچك الصحة والعافية.
آمنت نوراة على دعائها وحملت الأطباق نحو المطبخ لتنظفها، بينما إنطق الأطفال في باحة المنزل الأمامية يلعبون بمرح وسط أعين جدتهم التي ترعاهم وتحرسهم بها.
___
على الجانب الآخر
نهضت هي مبكرا عندما تسلل ضوء الشمس إلى وجهها فداعب صفحة وجهها ناصع البياض ،لتفتح وجهها وتنهض بهمة ونشاط، قامت بممارسة بعضا من التمارين الصباحية البيتية بداخل غرفتها، ومن دلفت لتأخذ حماما باردا منعشا، ثم تهيأت وارتدت ملابسها واستعدت للخروج من غرفتها.
وجدت أسرتها تلتف حول السفرة ويتناولون فطورهم فانضمت لهم بنشاط وحماس وهي تقول بمرح
_صباح الخير على أحلى عيلة في الدنيا
قالتها وهي تقبل وجه أبيها ووجه أمها وتداعب شعر أخيها الأكبر نبيل
الذي رمقها بضجر
لتهتف أمها بملل
_اقعدي يا نادين اخلصي وبلاش جنانك ده على الصبح، امتا بس هتعقلي وأحس إنك بقيتي شابة كبيرة مش طفلة بضفيرتين.
ضحكت نادين وقالت بمشاكسة
_مالهم بس الضفيرتين يا فوفا يا قمر انتي!.
ضحك نبيل وقال لمشاغبة أخته
_يا أم ضفيرتين.
رمقته أخته مدعية الضيق وقالت
_بس يا أستاذ مالك انت ومال الضفيرتين بتوعي.
لتهتف أمها بضجر
_نادين, بطلي بقا ويلا افطري من سكات
لتهتف نادين بمشاكسة
_استني يا ماما لما نشوف حكاية الضفرتين اللي انا عمري ما عملتهم في شعري وانا صغيرة حتى.
لتهتف أمها بحزم
_نادين وبعدهالك!.
أشارت لها نادين بيدها أنها لن تتحدث ووضعت يدها فوق فمها
_خلاص يا ست الكل انكتمت مش عارفة ليه كإن بينك وبيني تار، هو انا كنت ضرتك ومش عارفة!!
نظرت لها أمها بضيق بينما ضحك أبيها بخفوت لحتى لا تثور زوجته كالعادة
ليميل نبيل إلى أخته ويهمس في وجهها
_لمي الدور يا نودي، ماما شكلها في حاجة مضايقاها وشايطة من الصبح.
هتفت نادين مدعية ببراءة
_وربنا ماعملت حاجة، ما انت شايف يادوب بقول صباح الخير، ماما هبت فيا.
أمسك نبيل يدها وقال
_طب اسكتي بقا كلي وانتي ساكتة.
نظرت نادين للأطباق والتي لم تلاحظها الا الآن وقالت بتزمر وصوت عال ساخط
_فول، لاااا مبحبش الفووول يا ناااس ابعدوه عن هنا.
وعندما نظرت لها أمها بتحذير تراجعت على الفور وقالت
_احم، لا قصدي الفول كله بروتين وشوية حاجات كدا مش عارفة ايه هيه، المهم انه جميل، الفول جميل.
ظلت أمها ترمقها بحدة لتهتف نادين بعدم فهم وهي تقول
_ايه يا فوفا، ما أنا بقول الفول جميل أهو!
هتفت أمها بحدة
_نادين
هتفت نادين وهي تبتسم بسخافة
_والله بحبك يافوفا بس بلاش الوش الخشب ده على الصبح كدا, حاضر هأكل الفول علشان طنط زيزي متقولش علينا حاجة
لم يستطع نبيل ولا والده كبت ضحكاتهم فانفجروا ضاحكين فالتحقت بهم نادين أيضا وشاركتهم الضحك.
لتنهض فاتن مبتعدة عن السفرة مغادرة المكان نحو غرفتها
لترفع نادين أحد حاجبيها وقالت
_لا بجد هيه ماما مالها النهاردة مش طبيعية, نبيل هو اما زودت العيار حبتين النهاردة ولا ايه
هتف نبيل قائلا
_انا مش قايلك أمك النهاردة على آخرها.
لتهم هي بالنهوض من مكانها لتلحق بأمها
_طب انا هروح أصالحها
ليمنعها أبيها مرددا
_لا ياحبيبتي ،انتي معملتيش حاجة، أمك اللي مزاجها النهاردة مش مظبط.
هتفت نادين بقلق
_ليه يابابا حصل إيه؟في حاجة زعلتها؟.
هتف والدها بتوتر وقال مخفيا الحقيقة
_لا يا حبيبتي متشغليش بالك, بعد شوية هتبقى كويسة.
ضمت نادين شفتيها بأسف ليربت أبيها على يدها قائلا بابتسامة واسعة
_كملي فطارك يا نادين قلتك هتبقى كويسة.
رددت هي بطاعة
_حاضر يا بابا
__
في الأرض الزراعية الخاصة بعائلة عيسى البكري
كان الجميع يعمل على قدم وساق ،الكل يشتغل بهمة ونشاط دول كلل او ملل، قطع عملهم صوته الذي يجلجل الأرجاء بصوته الذي كالرعد وقال ليترك الجميع ما يده ويتوجهون ببصرهم نحو صوت الرعد ذاك الذي يدب الرعب في قلوب المتخاذلين
_العمال اللي لسه مفطروش، ياجوا اهنه، فطورهم جاهز، واللي فطر وچاع تاني، ياجي بردو، الشغل كاتير اليوم ومش عايزين حد يتعب مننا ولا تفتر قوته، يلا تعالوا خمس دقايق وهتعاودوا تاني.
استمع لأصوات دعوات المزارعين له ولأبيه بالبركة وهم يتوجهون نحو الطاولة الموضوع عليها الطعام ببسمة كبيرة وفرحة بأن صاحب عملهم يهتم بهم وبمصلحتهم
اقترب منه أحدهم وقال
_ان شالله يخليك يا حمزة بيه ويكتر من أمثالك.
ربت حمزة على كتب المزارع وقال بابتسامة عريضة
_الله يعزك يا مسعد، كلوا بالهنا والشفا، وأي حاچة محتاچينها هتكون عندكم، أهم حاچة رچالتنا تكون مرضية ومرتاحة.
ليهتف الآخر برضا
_هو احنا بنحب نشتغل امعاكم اهنه يا حمزة بيه من شوية، ما هو علشان كرمكم الواسع وإحترامكم للصغير جبل الكبير.
ابتسم له حمزة وهو يقول مازحا
_هتخليني أتغر في نفسي ليه عاد يا حسين ،بعدين اتحول وميعجبكشي.
ضحك الرجل لأنه يعرف أن حمزة يمزح معه وقال
_لاااه طبعا كلنا عارفين إهنه مين هي عيلة عيسى البكري والكل بيتحاكي ويحكي عن أخلاجهم وطيبة جلبهم ووجوفهم مع الحق دايما .
رمقه حمزة بابتسامة واسعة وتنهد بسعادة بسبب نظرة الناس الطيبة عنهم وقال
_تسلم يا حسين يلا ألحق كلك لجمة، هما خمس دجايج بس وهجمع الكل تاني للشغل متضيعش وجت.
الكل تناول طعامه وسد رمق جوعه واسترد قوته ولم ينسى حمزة أبدا أن يوصى على إحضار الشاي لهم، فالشاي بالنسبة للعاملين جزء لا يتجزأ من يومهم ،فاحستاه الجميع ومن ثم عاودوا عملهم بهمة ونشاط، وقف حمزة يشرف على تعبئة المحصول لكي يتم وزنه ولم يكتفي على الإشراف فقط وإنما كان يساعد العمال أيضا ويحمل معهم الصناديق بنفسه وكأنه واحد منهم وليس مشرفا عليهم.
في الصباح الباكر بدأت الحركة تدب سريعا في أنحاء البلدة ومع أول إشراقة لضوء الشمس يخرج أهل البلدة لمتابعة أعمالهم لكي يحصلوا على البركة "فبالبركة في البكور" يتوجهون إلى أعمالهم بغية طلب الزرق لذا كان من النادر أن تجد أحدهم قد تأخر في نومه ،فالكل يستيقظون باكرا مع آذان الفجر يؤدون الصلاة ويتناولون فطورهم ومن ثم يتوجهون إلى أعمالهم المختلفة والتي تكون معظمهما أعمال زراعية، وهناك من يتناول فطوره في عمله، فيخرج من بيته قبل ان يسد رمق جوعه، فعليه أن يسابق ضوء الشمس فيصل قبلها إلى أرضه وعندما ينجح في ذلك يكافىء نفسه بوجبه فطور ميسورة الحال.
وكذلك الحال كان في منزل أحد رجال البلدة الأكابر، والذي تتميز عائلته بالعراقة والصيت الواسع عائلة عيسى البكري
أجتمع أهل المنزل حول الطاولة التي يتوسطها يوميا فغالبا لا يخلو فطور منه "طبق الفطير الشهي، الذي رائحتة تصل لآخر البلدة تجعل لعاب الشبعان يسيل، والعسل الصافي الطبيعي الذي يستخرج من المناحل الخاصة بتلك العائلة ".
وبقية أنواع الطعام الأخرى من البيض المسلوق وطبق الفول والفلافل والجنبة القريش وغيرها من الفطور المصري الأصيل.
توسط المائدة كبير البيت وعلى شماله تجلس زوجته وعلى يمينه يجلس ولده البكري حمزة وزوجته الى جواره وإلى جوارها أبناءهم .
أنهت الخادمة من وضع بقية الطعام وحان الوقت ليشرع الجميع في تناول الفطور لينظر عيسى لذلك المقعد الشاغر جوار زوجته والذي يخص عز الدين ابنه وقال بصوته الأجش الحاد
_عز لساه نايم لحد دلوك ولا إيه؟
قالها ثم نظر لابنه حمزه يؤنبه
_وإزاي أخوك يا حمزة ميجومش يصلي الفجر معانا حاضر النهاردة، إزاي تسيبه نايم تفوته صلاة جماعة!!!
رد حمزة بهدوء
_لااه يا بوي، عز أنا شفته راچع الفچر من الچامع.
ضيق والده عينيه وهتف باستنكار
_كيف ديه أنا ملمحتوش في الچامع بتاعنا واصل!
_كان بيصلي في چامع عباد الرحمن يا بوي مش في الچامع بتاعنا .
رفعت والدته حاجبها وهتفت بصوت متعجب
_واااه واللي يخليه يروح لبعيد إيه؟,ما عنده الچامع اللي چار البيت.
هز حمزة كتفه وقال بعدم معرفة السبب
_عز ابنك وانت عارفاه يا ماي، بيحب يعمل اللي في دماغه وهو النهاردة شكلها طلعت في دماغه يروح الچامع البعيد فمكدبش خبر وراح
هز والده رأسه بتفهم وقال وهو يمسح ذقنه البيضاء واللي يتخللها بعض الشعرات السوداء البسيطة
_أيوة خير ما عمل عز ف"أ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: مَنْ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ مَضى إِلى بيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرائِضِ اللَّهِ، كانَتْ خُطُواتُهُ، إِحْدَاها تَحُطُّ خَطِيئَةً، والأُخْرى تَرْفَعُ دَرَجَةً "
والله لولا إني خايف الچامع اللي بناه چدك يتهچر من المصلين كنت روحت كل يوم في چامع شكل، علشان أعمر بيوت الله، لكن علشان عارف أن الناس بتأخدني قدوة فلو عملت هيعملوا زيي، والأمر هيكون فيه مشقة عليهم وممكن كمان الچامع إهنه الرجل تقل من عليه، كنت عملت من بدري، وكمان عامل السن بردك مانعني فمبقاش الحيل زي الأول .
ربت حمزة على يد والده الموضوعة على الطاولة وقال
_ربنا يباركلنا في عمرك يا حچ، دايما سباق بالخير والطاعات، وده مش جديد عنك، ربنا يرزقك الصحة والعافية دائما يا بوي.
قطعت حديثهم ذاك، تلك التي قدمت تجاههم وهي مازالت لا تستطيع فتح أعينها جيدا فما زالت نعسانة بعد، وقالت بتبرم واضح وهي تدعك في عينيها علها تفيق
_ديه إيه الغلب داه بس ياربي، أني مكتوب عليا أصحى بدري طول العمر، في الدراسة قلنا ماشي لكن في الأجازة كمان ليه، ليه يا ناس عايزة أفهم؟
ضربها أخوها على قفاها والذي كان يقف خلفها فقد هبط لتوه من غرفته واستمع حديثها وقال هازئا
_إنتي يابت إنتي ميعچبكيش العچب، قايمة تبرطمي على الصبح ليه، طب جولي صباح الخير حتى يا مصيبة انتي.
وضعت يدها مكان ضربته وهتفت بتزمر
_واه إيدك زي المرزبة، وچعتني
رمقها عز بضجر وقال بتحذير
_فاطمة!!
هتفت فاطمة بضجر
_صباح الخير عليكم .
دفعها أخيها لكي تذهب وتقبل يدي والديها
_چدعة يلا روحي حِبي على يد ابوك وأمك بسرعة اخلصي
أبعدت يده قائلة بضيق
_طب ما أني كنت رايحة، بتدفشني ليه عاد ولا هو كل مرة لازم تطول يدك عليا وخلاص .
قالت أمهم بصوت مستاء
_بكفياكي يا فاطنة، هملي أخوكي ياجي يوفطر ...وتعي اجعدي مكانك .
توجه عز الدين تجاههم وقال بصوت جاد وهو يقبل يد أبيه
_صباح الخير يا حچ .
ابتسم له والده وقال بهدوء
_صباح الدين يا عز يابني، كيفك يا ولدي؟
انتصب عز الدين في وقفته ورد عليه قائلا
_ بخير يا بوي طول ما انت بخير.. ربنا يبارك في عمرك.
بعدها انتقل نحو أمه وقبل يدها مثلما فعل مع والده وقال مداعبا أمه
_صباح الخير يا ست الدار وست الحبايب، يا جلبي إنتي
ابتسمت أمه وانشرح قلبها لمداعبته إياها دائما
_صباح الخير على جلبك يا ضي عيني، كيفك يا قلب أمك .
اتخذ عز مقعدة جوار أمه وقال
_بخير يا ماي، بفضل دعواتك يا ست الحبايب والله .
قالها ثم نظر لأخيه وزوجته
_كيفك يا يا خوي؟،كيفك يا مرت أخوي، والعيال الاشقيا دول حبايب عمهم, عاملين ايه !!
رد حمزة مبتسما فهو يحب أخيه كثيرا ويرى فيه ملامح الرجولة منذ الصغر
_صباح الخير يا عز، عامل ايه يا بن أبوي
بينما هتفت نوارة ببسمة
_الله يسلمك يا عز، يا ولد عمي .
أما فاطمة ففعلت مثلما فعل عز وكذلك فعل أخيهما حمزة من قبلهما، قبلت يدي والدها بحب واحترام شديد
_كيفك يا بوي يا غالي
رد أبيها بحب لصغيرته
_صباح الخير يا فاكهة الدار ، اقعدي يا بتي اوفطري البركة تحل على جسدك وروحك با بنتي، متحرميش نفسك من رزق البكور .
هتفت بطاعة
_حاضر يا بوي .
بعدها قبلت يد أمها وتوجهت لتجلس في مقعدها المعتاد جوار أخيها عز
أعطى والدهم الإشارة لهم بالبدء بالفطور بإيماءه من وجهه وهو يقول
_يلا بسم الله .
شرع الجميع في تناول إفطاره
ليبحث عز الدين بعينه على طبقه المفضل وهو يقول بأعين لامعة
_فين طبق العسل بتاعي؟
قربته أمه منه وهي تقول
_أهو يا ضي عيني، العسل بتاعك أهو، اللمون كماني معاه.
تناوله عز من أمه بفرحة وكأنه يتناول منها كنزا سمينا، بعدها قام بعصر الليون فيه ومن ثم رفعه إلى فمه دفعة واحدة، ليتجرعه كله باستمتاع وتلذذ شديد.
لتهتف أخته وهي تفتح فهمها وكأنها أول مرة تراه فيها يفعل ذلك
_ واه يا عز ،هموت وأعرف بتعملها كيف داي؟ ،ده أني مبتحملش أخد معلقة واحدة منيه إكده حاف.
أنزل عز الطبق عن فمه وهتف بضجر
_ ايييه كنك اول مرة تشوفيني بشرب العسل إكده, انتي حاطاني في دماغك ليه يا بت، يا باي عليكي ،بصي في طبجك ومتركزيش معايا .
رمقته أخته بمشاغبة
ليضحك كل من حمزة ونوارة عليهما فهما لا يكفان عن مناكفة بعضهما البعض أبدا
لتهتف نوارة بصوت خفيض لكنه مسموع للجميع
_بدأت وصلة الخناق من بدري النوبة داي .
ليهتف عز الدين حانقا
_قوليلها يا نوارة تحل عني ،مش عارف مركزة امعاي ليه.
رفع يده مشيرا لأخيه حمزة
_عندك أهو أخوكي حمزة مبتناكفيش فيه ليه.
أرسلت فاطمة قبلة لأخيها في الهواء ومن ثم قالت
_حمزة ده حبيبي، بعدين مقدرش أناكفه لأنه متجوزش ،إنما انت لا.
رفع عز حاجبه وقال
_يا شيخة!! طااايب ان كان الموضوع في الچواز، اتچوز من بكرة علشان تحلي عني يا شيخة.
ادعت هي الحزن وقالت وهي تدلي شفتها السفلى للأمام قليلا
_يعني أني تقيلة على چلبك للدرچة داي يا عز، يخص عليك.
قلب عينه بملل
_يا باي على دلع البنات الماسخ ده، يابنتي لا انتي تقيلة ولا حاچة، إيه بلاش أضحك معاكي يعني ولا إيه!!
انخرطت في الضحك وقالت
_أنا كماني كنت بضحك إمعاك.
دفعها أخيها بملل
_طب غوري يا بت مش وشي.
لتهتف هي بتبرم
_والله انا مكنتش عايزة أجوم على الفطور من أصله وأكمل بس نعمل ايه حكم القوي .
_طب ياختي خلصي وكلك وعلى اوضتك متطلعيش منها طول ما انا في الدار.
همت لتفتح فمها لتتحدث لكنه قاطعها وقال
_اوعك اسمع حسك، ششش
ليتحدث أبيه بعد أن تنحنح بصوت مسموع
_حمزة انت عارف ان اليوم هنضم المحصول مش اكدة؟
_عارف يا بوي والعمال زمانهم اهناك من الفجر كمان, واني هفطر وهنزلهم .
اومأ له أبيه بأعينه ومن نظر لعز الدين ليقول له
_وانت يا عز محتاچك تكون جار أخوك، وتجف تراچع الحسابات كلها، حسابات المحصول اللي خرج من الأرض، وحصة المصانع والمتبقي يتحول للتچار اللي محتاچينه،ديه في حالة ان اتبقى، لو ماتبجاش خلاص .
أجفل عز مكانه ونظر لأبيه بتوتر فهو لم يكن في حسبانه ان يذهب للأرض او العمل هذا اليوم
بينما تنحنح حمزة وقال
_بعد إذنك يا بوي أنا عندي شورة تانية.
_جول يا ولدي سامعك
_أنا شايف لو اتنظرنا إنه يتبقى شىء من حصة المصانع علشان يروح للتچار، فمش هيتبقى حاچة، علشان إكده بقترح يا بوي، اننا نجسم المحصول نصين نص يروح للمصنع والنص التاني للتچار علشان ميزعلوشي، بيكونوا عشمانين في الزرع بتاعنا يا بوي، عارفين انه من أچود الأنواع وكله يتمنى يتعامل مع عيلة الحچ عيسى البكري.
أخذ والده يفكر في كلام ابنه ويحسبه في رأسه وبعدها قال وهو يهز رأسه بالموافقة
_كلام معجول فعلا، بس لو عملنا إكده، بس إكده انتاچية المصانع هتقل يا ولدي وده مش لصالحنا.
هتف حمزة بعملية
_فكرت فيها داي كمان يا بوي، ايه رأيك بدل ما إحنا بنعمل نوعين امربى بس في المصانع نخليهم، تلاتة.
_النوع الثالث ده إيه! احنا بنعملوا مربى التين والفروالة؟
_ممكن نعمل مربى الچزر يا بوي وكمان أني بفكر نعمل قسم للعصاير, والأيس كريم كمان معاهم يعنى نوسع المجال أكتر يا بوي.
_ايوة يا ولدي، بس كدا الحمل هيكون زيادة عليك وانت عارف أني مبقتش صحتي زي الأول.
قبل حمزة يد والده وقال
_الله يمن عليك بالصحة ويلبسك ثوب العافية يارب.
ليهتف عز الذي كان يتابع الحوار باهتمام
_عچبتني فكرة حمزة يا بوي، وان شاء الله نحاول نحججها، وكمان حمزة مش لوحده أني معاه وراضي كمان معانا وأهل ثجة، يعني هنقدروا عليها بإذن الله.
ابتسم لهم أبيهم وقال
_على خيرة الله، يلا هموا بينا على الأرض نتابع العمال.
أمسك هو عصاته وحاول النهوض لينهض كل من حمزة وعز الدين بسرعة لمعاونة والدهم.
أمسك حمزة بيد أبيه بينما، قام عز الدين بمساعدة والده على أن يرتدي عباءته المفتوحة فوق جلبابه والتي تزيده هيبة ووقار.
ليهتف عيسى لأهل بيته
_يلا فوتكم بعافية، خدوا بالكم على حالكم منيح
هتفت زوجته قائلة بحب
_الله يسلم طريجكم يارب
ورددت نوارة
_ربنا معاكم يا أبا الحچ.
وانطلق ثلاثتهم مغادرين بعد أن أرسل حمزة لزوجته نوراة قبلة في الهواء خلسة ودون أن ينتبه له أحد سواها وأمه التي لا يفوتها شىء فابتسمت برضا عن علاقة ولده بنوارة وذاك الحب الذي بينهما.
أما فاطمة ما ان رحل والدها وإخوتها حتى هبت واقفة وقالت وهي تركض للأعلى
_أني رايحة أكمل نوم، سلام
لتنادي عليها أمها بضجر
_واه بت يا فاطنة، تعالي يابت ساعديني في لم الفطور يا چزمة.
هتفت فاطمة وهي تصعد الدرج هرولة
_معلش يا ماي، عندك أم الخير خليها تساعدك، أني نعسانة يا ناس، نعسانة.
لوت أمها فمها لتبرم وقالت
_روحي ياختي أنعسي، عليه العوض ومنه العوض في الخلفة اللي عايزة تتربى من اول وچديد.
وقفت فاطمة بالأعلى وقالت بتكشيره عابسة
_يووه يا ماي بلاش أنام يعنى.
_نامي ياختي نامت عليكي حيطة.. جال يعني الكم طبجين دولن كانوا هيضعوا عليكي النوم، ما إنتي نايمة طول النهار والليل ،معتشبعيش!.
هتفت نوارة بابتسامة صافية
_همليها يا خالة تنام كيف ما هي عايزة، أني هقوم أنظف وألم الفطور متجلجيش.
لتهتف فاطمة بفرحة
_أهي يامة نوارة هتساعد، فكك مني يا سكر.
قالتها وانطلقت لغرفتها .
بينما زفرت أمها من تدلل ابنتها ونظرت لنوارة برضا
_ربي يرضى عنك يابنتي، بس إكده كتير عليكي كفايا العيال... هادين حيلك طول النهار.
_مفيهاش حاچة يا خالة ربنا بيعين.
_ربنا يعينك يا بنتي ويرزچك الصحة والعافية.
آمنت نوراة على دعائها وحملت الأطباق نحو المطبخ لتنظفها، بينما إنطق الأطفال في باحة المنزل الأمامية يلعبون بمرح وسط أعين جدتهم التي ترعاهم وتحرسهم بها.
___
على الجانب الآخر
نهضت هي مبكرا عندما تسلل ضوء الشمس إلى وجهها فداعب صفحة وجهها ناصع البياض ،لتفتح وجهها وتنهض بهمة ونشاط، قامت بممارسة بعضا من التمارين الصباحية البيتية بداخل غرفتها، ومن دلفت لتأخذ حماما باردا منعشا، ثم تهيأت وارتدت ملابسها واستعدت للخروج من غرفتها.
وجدت أسرتها تلتف حول السفرة ويتناولون فطورهم فانضمت لهم بنشاط وحماس وهي تقول بمرح
_صباح الخير على أحلى عيلة في الدنيا
قالتها وهي تقبل وجه أبيها ووجه أمها وتداعب شعر أخيها الأكبر نبيل
الذي رمقها بضجر
لتهتف أمها بملل
_اقعدي يا نادين اخلصي وبلاش جنانك ده على الصبح، امتا بس هتعقلي وأحس إنك بقيتي شابة كبيرة مش طفلة بضفيرتين.
ضحكت نادين وقالت بمشاكسة
_مالهم بس الضفيرتين يا فوفا يا قمر انتي!.
ضحك نبيل وقال لمشاغبة أخته
_يا أم ضفيرتين.
رمقته أخته مدعية الضيق وقالت
_بس يا أستاذ مالك انت ومال الضفيرتين بتوعي.
لتهتف أمها بضجر
_نادين, بطلي بقا ويلا افطري من سكات
لتهتف نادين بمشاكسة
_استني يا ماما لما نشوف حكاية الضفرتين اللي انا عمري ما عملتهم في شعري وانا صغيرة حتى.
لتهتف أمها بحزم
_نادين وبعدهالك!.
أشارت لها نادين بيدها أنها لن تتحدث ووضعت يدها فوق فمها
_خلاص يا ست الكل انكتمت مش عارفة ليه كإن بينك وبيني تار، هو انا كنت ضرتك ومش عارفة!!
نظرت لها أمها بضيق بينما ضحك أبيها بخفوت لحتى لا تثور زوجته كالعادة
ليميل نبيل إلى أخته ويهمس في وجهها
_لمي الدور يا نودي، ماما شكلها في حاجة مضايقاها وشايطة من الصبح.
هتفت نادين مدعية ببراءة
_وربنا ماعملت حاجة، ما انت شايف يادوب بقول صباح الخير، ماما هبت فيا.
أمسك نبيل يدها وقال
_طب اسكتي بقا كلي وانتي ساكتة.
نظرت نادين للأطباق والتي لم تلاحظها الا الآن وقالت بتزمر وصوت عال ساخط
_فول، لاااا مبحبش الفووول يا ناااس ابعدوه عن هنا.
وعندما نظرت لها أمها بتحذير تراجعت على الفور وقالت
_احم، لا قصدي الفول كله بروتين وشوية حاجات كدا مش عارفة ايه هيه، المهم انه جميل، الفول جميل.
ظلت أمها ترمقها بحدة لتهتف نادين بعدم فهم وهي تقول
_ايه يا فوفا، ما أنا بقول الفول جميل أهو!
هتفت أمها بحدة
_نادين
هتفت نادين وهي تبتسم بسخافة
_والله بحبك يافوفا بس بلاش الوش الخشب ده على الصبح كدا, حاضر هأكل الفول علشان طنط زيزي متقولش علينا حاجة
لم يستطع نبيل ولا والده كبت ضحكاتهم فانفجروا ضاحكين فالتحقت بهم نادين أيضا وشاركتهم الضحك.
لتنهض فاتن مبتعدة عن السفرة مغادرة المكان نحو غرفتها
لترفع نادين أحد حاجبيها وقالت
_لا بجد هيه ماما مالها النهاردة مش طبيعية, نبيل هو اما زودت العيار حبتين النهاردة ولا ايه
هتف نبيل قائلا
_انا مش قايلك أمك النهاردة على آخرها.
لتهم هي بالنهوض من مكانها لتلحق بأمها
_طب انا هروح أصالحها
ليمنعها أبيها مرددا
_لا ياحبيبتي ،انتي معملتيش حاجة، أمك اللي مزاجها النهاردة مش مظبط.
هتفت نادين بقلق
_ليه يابابا حصل إيه؟في حاجة زعلتها؟.
هتف والدها بتوتر وقال مخفيا الحقيقة
_لا يا حبيبتي متشغليش بالك, بعد شوية هتبقى كويسة.
ضمت نادين شفتيها بأسف ليربت أبيها على يدها قائلا بابتسامة واسعة
_كملي فطارك يا نادين قلتك هتبقى كويسة.
رددت هي بطاعة
_حاضر يا بابا
__
في الأرض الزراعية الخاصة بعائلة عيسى البكري
كان الجميع يعمل على قدم وساق ،الكل يشتغل بهمة ونشاط دول كلل او ملل، قطع عملهم صوته الذي يجلجل الأرجاء بصوته الذي كالرعد وقال ليترك الجميع ما يده ويتوجهون ببصرهم نحو صوت الرعد ذاك الذي يدب الرعب في قلوب المتخاذلين
_العمال اللي لسه مفطروش، ياجوا اهنه، فطورهم جاهز، واللي فطر وچاع تاني، ياجي بردو، الشغل كاتير اليوم ومش عايزين حد يتعب مننا ولا تفتر قوته، يلا تعالوا خمس دقايق وهتعاودوا تاني.
استمع لأصوات دعوات المزارعين له ولأبيه بالبركة وهم يتوجهون نحو الطاولة الموضوع عليها الطعام ببسمة كبيرة وفرحة بأن صاحب عملهم يهتم بهم وبمصلحتهم
اقترب منه أحدهم وقال
_ان شالله يخليك يا حمزة بيه ويكتر من أمثالك.
ربت حمزة على كتب المزارع وقال بابتسامة عريضة
_الله يعزك يا مسعد، كلوا بالهنا والشفا، وأي حاچة محتاچينها هتكون عندكم، أهم حاچة رچالتنا تكون مرضية ومرتاحة.
ليهتف الآخر برضا
_هو احنا بنحب نشتغل امعاكم اهنه يا حمزة بيه من شوية، ما هو علشان كرمكم الواسع وإحترامكم للصغير جبل الكبير.
ابتسم له حمزة وهو يقول مازحا
_هتخليني أتغر في نفسي ليه عاد يا حسين ،بعدين اتحول وميعجبكشي.
ضحك الرجل لأنه يعرف أن حمزة يمزح معه وقال
_لاااه طبعا كلنا عارفين إهنه مين هي عيلة عيسى البكري والكل بيتحاكي ويحكي عن أخلاجهم وطيبة جلبهم ووجوفهم مع الحق دايما .
رمقه حمزة بابتسامة واسعة وتنهد بسعادة بسبب نظرة الناس الطيبة عنهم وقال
_تسلم يا حسين يلا ألحق كلك لجمة، هما خمس دجايج بس وهجمع الكل تاني للشغل متضيعش وجت.
الكل تناول طعامه وسد رمق جوعه واسترد قوته ولم ينسى حمزة أبدا أن يوصى على إحضار الشاي لهم، فالشاي بالنسبة للعاملين جزء لا يتجزأ من يومهم ،فاحستاه الجميع ومن ثم عاودوا عملهم بهمة ونشاط، وقف حمزة يشرف على تعبئة المحصول لكي يتم وزنه ولم يكتفي على الإشراف فقط وإنما كان يساعد العمال أيضا ويحمل معهم الصناديق بنفسه وكأنه واحد منهم وليس مشرفا عليهم.
