2

الفصل الثاني:

دخلت المنزل بتمام الساعه الحادية عشر ،بات على وجه زوجتي القلق  .

قبلت رأسها
وقلت لها:مساء الخير ،كيف حالك عزيزتي؟

جميلة:مسا النور ،أهلاً بك ،كم قلقت عليك لما كل هذا التأخير .
سالم:آسف عزيزتي لكن صديقي طلب مني أن اعمل بمكانه مساءاً ،زوجته ستلد اليوم
جميلة : ربي يتمم عليها وتكون هي وطفلها بخير
سالم :آمين

نظرت إليها حيث بات على وجهها الحزن  والحسرة.
آخ ليتني لم أخبرها بذلك  ،لم أرغب في تذكيرها كون ليس لديها طفل وتبقى وحيدة معظم وقتها
يالي من أبله .

حاولت تغيير الحديث وسألتها:ماذا فعلت خلال النهار
اجابت: لاشيء مهم تحدثت مع أمي على الهاتف ،وأتت آلاء بعد العصر وتسلينا قليلاً
سالم: الحمدلله أنه يوجد  لديك صديقة هنا تتحدثين معها وتتسلي

جميلة :أجل، تسلينا لكن دوماً تفكيري بك واعلم أنك لست سعيد بعملك وتضغط على نفسك من أجل حياتنا .
سالم:لاعليكي عزيزتي ،سيأتي يوم وتتبدل أحوالنا للافضل بأذن الله .
جميلة :بأذن الله .

كنا نسكن بمكان بعيد عن أهلها لذا كنت دوماً مشغول البال عليها لكن الآن أصبح لديها صديقة بات الامر أفضل  نوعاً ما .

في الحقيقة ليس لدينا سوى بعضنا ولم يبقى لي سواها مهم في هذه الحياة بعد وفاة والداي  .
بدأت اتنهد من التعب واضعاً قدماي على طاولة صغيرة مقابلة لي .

وأقول:كم كان يوماً عصيباً
جميلة :هيا عزيزي اغتسل  ريثما احضر الطعام على الطاولة .
سالم:حسناً، حيث أنني أتضور جوعاً منتظر طبقكي الشهي دوماً.
جميلة:ألم تأكل شيء في المطعم عزيزي
سالم:أكلت عند الظهيرة فقط ،تعلمين أني لااحب أكل ذاك المطعم ،كما أنني أحب الطعام الذي تصنعينه وكل يوم في الطريق أخبر نفسي ماذا ستكون صنعت جميلتي اليوم .

ضحكت وقالت:أعددت لك طبق المعكرونة بالجبنة الذي تحبه وقليل من المعكرونةبالصلصة
سالم: سلمت يداكي عزيزتي.

ذهبت الى غرفتي لاغير ملابسي  ثم ذهبت لاغتسل .
كانت خطواتي بطيئة ولم أشعر بقدماي ،كنت اتشوق لالقاء جسدي  المتعب على السرير بسرعه
جلسنا على طاولة الطعام ،وبدأت تسألني أن كنا نستطيع أن نذهب للحديقة القريبة من منزلنا في العطلة سوياً .

حيث أنه لم يكن بوسعي أخذها لأماكن أجمل ومع هذا هي راضية وسعيدة بالحياة معي ،كم أحب بساطتها وتقبلها للعيش ،لم تكن ملولة او كثيرة الشكوى مثلي هه.

أتمنى من الله أن يرزقني كي أجعله سعيدة دوماً وأن يبدل حالي لأرد جميل مساندتها لي وقبول حياتها معي  ،هي تستحق أن تعيش حياة أفضل من هذه لذا كل همي في هذه الحياة هو سعادتها .

انتهينا من تناول العشاء وذهبت لاشغل التلفاز ،حيث أنه كان الشيء الوحيد المسلي في المنزل  وضعت قدماي المنهكتان على الاريكة وانا اقلب في القنوات لعلي أجد شيء جديد .

أتت زوجتي وهي تحمل صينة الشاي ،
جميلة :هل تريد أن تشرب الشاي هنا؟ ام على الشرفة ؟
سالم: تعالي هنا إلى جانبي عزيزتي فقدماي تؤلماني هنا استطيع اسنادهن ،نظرت إلي بحزن
وقالت : ليت الالم هذا لي عزيزي
جلست بقربي ووضعت يدي على كتفها  وشديتها على صدري وقبلت رأسها
لأخبرها:كل تعبي يزول عندما أكون بجانبك
ابتسمت وهي تسكب كأس الشاي لي.

فوالله حتى كأس الشاي لذيذ معها ، فأتساءل في نفسي هل يبدو كل شيء جميل معها لأني أحبها؟! أم لان كل ماتفعله جميل؟قاطعت أفكاري
لتسألني :لما سألتني عن تلك العجوز هل حصل شيء
سالم :لا لم يحصل لكنني سألتها  ان كانت يحاجة للمساعدة ولكنهالم تجب بأي حرف ولكن عيناها كانت تتحدث بألم وحسرة  ،لاأعلم لما لم تقل شيئاً .

لم أستطع أن اسألها أن كانت بحاجة للنقود أم لأ
سألتها ان كانت بحاجة لشيء فقط
جميلة: لاعليك عزيزي ،أضن أنها كانت تنتظر أحد وأخذها  .
سالم :ربما ،أسأل الله ألا يظر أم أو أب في كبره .

أتعلمين يالجميلة  !
باتت الحياة جداً قاسية وتتطبع البشر أيضاً بتلك القسوة  لو ترين كم بدو في الخارج فقد أصبحو ينهشون في لحوم بعضهم  كالوحوش.

نظرت ألي مع ابتسامة خفيفة علت وجنتيها الصغيرتين
لتقول: المهم بأنك لست كذلك  وقلبك كبير يسع لعالم بأكمله ولكنني أحياناً أخشى أن تقع بالمشاكل بسبب طيبة قلبك ،أخشى خسارتك أيضاً.

سَكتت قليلاً ،ثم قالت:
هل ستبقى تحبني للأبد وحتى عندما أكبر ؟ولن تتركني وحيدة ؟
وضعت يدي على راسها وامسد بشعرها البني الطويل  السابل وأقول:
عزيزتي كيف لي أن أترك قمري وقدري ،هل لي أحداً سواكي في هذه الحياة؟
ابتسمت ومسكت يدي وقالت:
ربي أحفظه لي
لاأعلم لما تخاف خسراتي !!وأنا من علي أخاف فقدانها فهي افضل مني خلقاً والأفضل صبراً .

قلت لها :هيا عزيزتي علي أن أنام تعبت اليوم كثيراً لعل غداً يكون العمل اخف

جميلة :سأغسل الفناجين وألحق بك
سالم:حسناً.

مشيت وأنا مطأطأ الرأس محني الظهر وأمسكه بيدي اليسرى كما لو أن نصفه سيقع  لاتجه إلى غرفتي وأرمي بجسدي المتعب على التخت الذي بات مزعجاً كثيراً ويحتاج لتبديل .

فكرت في نفسي  وأنا أنظر إلى السقف الذي تهرهر منه ذرات الطلاء وأقول:أخ كم كثرت شكواي ، هي لم تشتكي وأنا أصبحت ملول وكثير الشكوى يالها من إنسانة عظيمة وقنوعه ،لاأعلم على ماذا أحبتني هههه

دخلت وأطفأت النور وأتت لجانبي وضعتُ يدي تحت رأسها لتسنده على صدري لأنام وأنا أشتم رائحة شعرها الجميلة كل يوم .
ثم قبلت رأسها وقلت : كم أنت جميلة وكم أنا محظوظ بكِ ،نظرت إلي مع ابتسامتها التي لاتفارقها
وقالت:لا ،بل أنا محوظة بكَ عزيزي ،انت لاتعلم مدى أتساع قلبك ،فهو منزلي المريح وأماني وملجأي ،لذا أخاف أن أبتعدت عني أين سيكون مكاني .

أجبتها:هل أنت سعيدة حقاً ؟فنحن على هذه الحال سنوات
قالت : مانفع البيوت والجدران وأنا أملك  أطيب قلب .
قبلت رأسها مجدداً وقلت لها:
تصبحي على خير حبيبتي
جميلة:أنت كل الخير حبيبي.


غفوت من التعب مباشرة ولم اشعر بشيء إلى أن حل الصباح بسرعه .
أستيقظت في تمام الساعه السادسة صباحا ً وأنا انظر حولي بعينين تفتح وتغلق بصعوبة واقول:ليت الصباح لم يأتي ؛فمازلت أشعر بالتعب الذي خالطه النعاس.
كانت زوجتي تعد القهوة  كعادتهاوتنادي :
عزيزي هل أستيقظت ؟هيا لقد أعددت القهوة
سالم:أجل عزيزتي ،سأبقى في السرير قليلا رثيما تأتين .
بعد مرور عشر دقائق سمعت صوت زوجتي من على الشرفة وهي تنادي هي عزيزي ،انظر الى هذا الصباح الجميل .

رفعت جسدي المنهمك ثم  ذهبت لاغسل وجهي وانا امطمط جسدي الكسول لعله يتنشط  وبدأت أرشق على وجهي الماء البارد ثم مشيت باتجاه الغرفة وأنا لم استوعب أن الصباح قد حل .

جلست على الكرسي في تلك الشرفة  حيث أنها المؤنس الوحيد في الصباح والليالي الصيفية هذه
أحمد الله على وجودها .

بعد الانتهاء من شرب القهوة رفعت جسدي لأتأمل الحي كعادتي ،وأستمع لصوت الأطفال وهم يتراكضون مستعدين للدوام يرتدون زيهم المدرسي المعتاد بلون كحلي .

ثم ذهبتُ بناظري نحو الشارع الرئيسي لتعلو ملامحي علامات الدهشة والاستغراب!

تعالى صوتي لأقول لزوجتي .
سالم:انظري 'انظري ياجميلة لقد عادت .
جميلة :من.
سالم:تلك المرأة التي كانت تجلس البارحة قد عادت مالذي آتى بها مجداً.
جميلة :أسألها مجدداً ماالذي آتى بها ،يال المسكينة يبدو أنها لم تجد ضالتها.

في الحقيقة لستُ الوحيد الذي يستغرب وجودها ويسألها فكل المارين يسألونها وكل من في الحي حين يمر بجانبها يسألها نفس أسئلتي ؛لكن دون جدوى هي لم تقل أي حرف قط  ،حيث أنني علمت في مابعد بأنها تخجل في بوح ماحصل معها.

قررت هذه المرة أن أزيد من ألحاحي وأسألها شيء مختلف لعلها تجيب.
في هذه المرأة لم تكن جالسة كانت تمشي عدة خطوات يميناً وعدة خطوات يساراً وتفرك يداها مع بعضهما حيث بات عليها التوتر والقلق .

ارتديت ملابسي بسرعه وودعت زوجتي وبدأت أهرول مسرعاً .
صادفني جاري  عند خروجي من الباب الرئيسي مخاطباً.
أيمن : خيراً خيراً ياسالم،مابك هل حدث شيء
سالم:هل رأيت تلك العجوز المسكينة هي تجلس كل يوم قرابة الساعتين صباحاً .
أيمن :أجل؛يالها من عجوز مسكينة لاأحد يعلم من تكون ومن أين تأتي .
سالم :سأذهب لأسألها مجدداً وازيد من ألحاحي كي تأتي إلى منزلي .
أيمن: لاتتعب نفسك فالجميع في هذا الحي طلب منها نفس الشيء وهي لا تجيب.
سالم:حسنا استودعك الله .
أيمن:بأمان الله.

باتت خطواتي تتباطئ واتجه بناظري إليها مراقباً .
وأحدث نفسي وأقول:حتماً هي لن تجيب بشيء
ماذا علي أن أفعل؟
هل أنسى أمرها ولاأكترث لها؟ أم ألح عليها بالسؤال ؟
أوف ،هكذا ستضجر مني ،كم أنا شخص فضولي
فضولي الذي يثير الشكوك أحياناً لمن حولي.

مشيت نحوها بخطوات بطيئة وانا أقول.
سالم:السلام عليكم أماه، كيف حالكِ؟
لم تجيب ولم تكترث لوجودي .
سالم:أين تسكنين؟ هل منزلك قريب من هنا ؟
أشارت باصبعها باتجاه اليمين دون أن تقول شيئاً
سالم:هل لديكي شيء ضائع هنا؟

حينها بدأت بالبكاء وانهالت دموعها وهي تضع يدها على فمها ،لأشعر بالندم الشديد على تدخلي
آه يالي من فظ وتافه بدأت اخاطب نفسي بذلك.

سالم:أرجوكي أماه لاتبكي ،أنا اعتذر أن بدا  مني أي غلط .

جلست على الرصيف لتحني رأسها على الارض وتضع يدها فوق رأسهاوهي تهزه يمنة ويسرى .

ابتعدت عنها لأقف على الطرف الآخر من الشارع وأنا أتمتم لنفسي .

كم أنا غبي ،مالي ومال تلك المرأة المسكينة .
شعرتْ كما لو أن فضولي وفضول أهل الحي بات يقلقها ويزيد من ألمها فهي لاتريد التحدث لأحد .

لكن الجميع يريد المساعدة ،كما أخبرتكم سابقاً لم يمر على هذا الحي أي مشاكل او خلافات .
ولم يحدث شيء غريب او ملفت للانتباه كهذه ،والجميع طيبون ويقدمون المساعدة رغم القلة
ربي يبارك لهم جميعاً.

وقفت كعادتي انتظر الباص ليقلني .
وهنا حدثت الكارثة أمامي حينما وقعت تلك المرأة على الأرض .
ياوليتاه (قلت لنفسي)، ركضت نحوها لأحاول رفعها ومناداتها لعلها تجيب ،بدا علي التوتر والقلق ولم أعرف ماذا أفعل .
ياإلاهي بمن اتصل من سيساعدني فالجميع قد ذهب  لعمله في الحي .

اتصلت بصاحب تكسي وانا اتحدث بخوف ولهفة
الو الو أرجوك تعال بسرعه إلى أول الشارع الرئيسي عن المدخل المقابل لشارع حينا  حيث أنه يعرف من أكون واتصل به عند الظرورة.

بدا على صاحب التكسي الخوف وهو يقول:مابك ياسالم هل حدث شيء طارئ .
سالم:أرجوك بسرعه يوجد هنا أمرأة عجوز وقعت على الأرض ويبدو عليها التعب
صاحب التكسي :حسنا حسنا أنا في طريقي إليك .

وبالفعل بعد مرور عشر دقائق أتى .
تناقلنا المرأة ووضعناها في الكرسي الخلفي
ثم ليقول:إلى أين تريد الذهاب ياسالم؟
سالم :خذ بنا إلى أقرب مشفى تجدها في طريقك
صاحب التكسي: من هذه هل تعرفها ؟
سالم :لا ،هي تقف كل يوم هنا
صاحب التكسي :يال المسكينة قد تكون تعرضت لضربة شمس ،فهي حارقة ببداية النهار .
سالم :ربما.

كانت ملامح الخوف والقلق على وجهي وأتمتم بين حين وآخر  وانا انظر كل حين للخلف.
وأقول:ربي لاتضرها ، أرجو أن تكون بخير .

وصلنا المستشفى وبدأت بالصراخ هيا هيا أرجوكم ساعدونا .
تراكضو ممرضين الإسعاف وهم يجرون السرير النقال ،ويضعون المرآة فيه .
بدأت أركض معهم ،كمجنون ضاع له شيء ولايعرف أين يذهب .

أدخلوها لغرفة المعاينة وبقيتُ في الخارج بانتظارها .

وبعد نص ساعه ليأتي الطبيب ويسألني .
الطبيب : هل هذه ولادتك؟ أم من أقرابائك
سالم:في الحقيقة لاأعرفها ،وحدثته بما حصل لها .
ثم سالته:هل هي بخير؟ مابها؟
الطبيب: هي مريضة سكري وضغط ويبدو أنها لاتأخذ علاجها بشكل جيد ،كما أنه أغمي عليها  بسبب تعرضها للشمس  طويلاً ،ثم تابع 'لاتقلق هي الآن بخير.
سالم :أستطيع رؤيتها والتحدث معها؟
الطيب :هي نائمة الآن ،انتظرها حينما تستيقظ،هي في الغرفة التاسعه.

جلست على المقعد المقابل لتلك الغرفة وانا انتظرت .
وبدأت أقول ، أوه  كيف نسيت أن أخبر صاحب العمل بأني لن آتي.
قمت بالاتصال  وقبل أن أقول شيء تعالت صرخاته وكلماته المزعجة ليقول.
صاحب العمل:أين أنت إلى الآن ؟ لما لم تأتي هل أصبحتَ مديراً تأتي كيفما أردت .

سالم :حدث شيء فجأة ونسي..
قاطعني ليقول:لاتبرر وتخلق أعذار زائفه وجدنا أحد غيرك .

أغلق الهاتف في وجهي وبدت علامات الحزن علي
ياله من شخص عديم الضمير .
من أين سأجد عملاً آخر الآن ؟حسبنا الله .

يتبع..
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي