3
الفصل الثالث:
في هذه الأثناء دخلت الممرضة إلى الغرفة لمدة خمس دقائق ثم خرجت .
وهي تقول لي:تفضل ،المريضة استيقظت .
ابتمست لتسبق قدماي جسدي النحيل بالاسراع.
دخلت ،ثم جلست بالقرب منها ،لكن هذه المرة لم أقل شيء .
كانت تنظر للأعلى بعينين باتت كل هموم الدنيا على عاتقها ،ثم رفعت يداها شاحبتي اللون للاعلى .
وتقول :ربي يقف معك بني وويسر أمرك .
بدا علي علامات الدهشة لأقول في نفسي ،أوه أنها تتحدث .
ثم زادت: شكراً لاهتمامك وأسئلتك المتكررة لي ،
بل شكراً لعدم تركي وحيدة بوسط ذاك الشارع .
ثم شرعت بالبكاء بصوت منخفض يميل للأنين .
سالم:أرجوكي لاتبكي ،ستكونين بخير ،أماه مابك ِ؟
أين منزلك لأخذكِ إليه؟
فازاداد بكائها ويزداد أكثر كلما تفوهت بشيء .
شعرت أنني أجرحها وأذكرها بشيء ما ،تجاوزت سؤالي عن ما حل بها وماذا تنتظر لأخبرها.
سالم:حسناً لاعليكي ،أعدكِ لن أسألكي شيء ،هيا بنا لنذهب إلى بيتنا سأعرفك إلى زوجتي فهي تريد التعرف إليك.
نظرت إلي وكنت أخشى رفضها .
لازيد من كلامي :أرجوكي فقط اليوم وبعدها سأخذكي إلى أي مكان ترغبين .
بدا عليها علامات القبول دون القول بشيء .
ذهبت مسرعاً أنادي للمرضة وتخبرنا التعليمات ،أعطتني ورقة مكتوب عليها حمية متبعه وأنواع أدويتها.
وقالت :الحمدلله على سلامتها
سالم:شكرالك
أمسكت بمعصم يدها وأتجهنا للخارج وننتظر تكسي تمر في الشارع.
ساعدتها بالصعود وجلست بالقرب من السائق
سالم:السلام عليكم ياعم.
السائق :وعليكم السلام .
سالم :خذنا إلى حي الزهور .
السائق :جسناً.
في هذه الأثناء أتصلت بزوجتي وأخبرتها بأن تنتظرني بالاسفل عند الباب الرئيسي للبناية
جميلة:ماذا حدث ؟ هل أنت بخير عزيزي؟ أم أنك تركت العمل؟
سالم:سنتحدث عن وصولي عزيزتي
أوصلنا صاحب التكسي عند باب البناية لأرى زوجتي يبدو عليها علامات الخوف والذعر فهي تخاف الانتظار أن لم اشرح لها شيء على الهاتف لكن لم أرغب بالتحدث أمام السائق والمرأة .
عرفت زوجتي بأن هذه هي المرأة التي تقف كل يوم ولم تخبرني ماحدث لها بل ساعدتني وشرعت بالذهاب باتجاة المرأة
لتقول:أهلا بكِ، أماه أعطني يدكِ لأساعدك.
صعدنا إلى المنزل بخطوات بطيئة كي لانتعبها
وادخلناها إلى غرفة نومنا لترتاح .
سالم :نامي قليلا أماه ،ولاتشغلي بالك بشيء ،أرجوكي اعتبريه منزلكِ
لم تقل شيئاً حيث بدا عليها التعب والارهاق الممزوجين بالألم .
اغلقنا الباب وتركناها لترتاح ،ثم رميت بظهري على الكنبة وارفع رأسي وانا اتنهد .
جميلة:مابكَ عزيزي ؟ماذا حدث؟
سالم :أه ياجميلتي قولي مالذي لم يحدث ،حينها تذكرت طردي من العمل واخبرتها ماحل بتلك المرأة .
جميلة :هون عن نفسك لعل الله يبدلك خيراً منه ويأجرك بتصرفك الانساني مع هذه المرأة .
زوجتي كانت متفائلة حتى لو تكالبت علينا الأمم ودوماً تقول لعلهُ خير،أحياناً أتململ وأقول غاضباً أي خيراً هذا الذي سيأتي من بشر كهذه لاتخاف الله ولاتشعر بأحد ،تخيلي لم يسألني حتى عن سبب عدم مجيئي ذاك اللعين .
جميلة :أرجوك أنسى أمره ،أتمنى من الله أن يرزقكك بعمل مريح وتلتقي بأناس تخاف الله ، فأنت تستحق كل الخير عزيزي،تابعت
لتقول:سأحضر لك شيئاً تشربه .
في هذا الوقت اتصل بي صديقي من العمل .
سالم: الو
عمر:الو ،أين أنت ياسالم لما لم تأتي
سالم:ألم يخبركَ ذاك البغيض بأنه قام بطردي؟
عمر:ياله من عديم ضمير لما فعل ذلك ،هو لم يخبرني بشيء.
سالم:حصل معي ظرف طارئ وتأخرت لهذا طردني.
عمر: سأسأله لما فعل ذلك على الرغم بأنك أفضل العاملين هنا .
سالم: لا ،لا تخبره بشيء، لاأحتاج الشفقة منه والترجي كي يعيدني للعمل ،فالله هو الغني.
عمر :حسبنا الله ونعم الوكيل،أراك يااخي لاحقاً علي أن اسكر الآن .
سالم:لاعليك ،بامان الله.
بقينا جالسين أنا وزوجتي قرابة الساعه نتحدث همساً في الصالون الصغير المتواضع 'يوجد الذي يتواجد فيه كنبتين أحداها مقابلة للتلفاز أضع فوقها لوحة صغيرة لمنظر طبيعي قد جائتني هدية من أحد أصدقائي منذ زمن، والاخرى مقابلة للباب الخارجي تركن فوقها مكتبة صغيرة مصنوعه من الخشب أحتفظ بها بكتبي وأوراقي الهامة ،وتوجد في الوسط طالتان آحداها كبيرة والآخرى صغيرة نضع تحتهن سجادة صغيرة تغطي مكان الجلوس فقط ،كانت عتيقة ورقيقة جدا أذ بجو كهذا لايطاق أي شيء لكن زوجتي تقول دائماً هكذا أرتب .
يال المسكينة ،كل أغراض منزلها قديم وتحاول أصلاح ماأمكنها منه .
وبالقرب من الكنبة المقابلة للتلفاز يوجد باب الحمام وبالقرب منه غرفة صغيرة قريبة للباب الخارجي ومقابلة للمطبخ ،ذاك المطبخ الصغير الموازي لغرفة نومنا و الذي يوجد فيه شباك كبير يطل على الشارع .
لم أكن راضي بحياتي كثيراً ،كنت دوماُ أطمح للأفضل وأن يقدرني الله لأسعاد زوجتي ومن حولي وأقدم المساعدة لمن يحتاجني ،ولكن مازلنا على نفس الحال سنين والحمدلله لعل فيه خيرا ً كما تقول زوجتي دائماً.
في أثناء تأملي للمنزل خرجت المرأة ودنت نحونا بخطوات بطيئة وجلست بالقرب من زوجتي على الكنبة المقابلة للباب ،ثم بدأ حديثنا حين قالت.
المرأة:مساء الخير
انا وزوجتي:مساء النور ، كيف أصبحتي الآن هل أنتِ بخير ؟
المرأة:بخير ،ثم أكملت .بارك الله فيك بني شكراً لك على مافعلته من أجلي .
سالم:أرجوكي لاتقولي هكذا هذا واجبي ،هل ممكن أن تنعدم الانسانية لهذا الحد ؟
طأطأت رأسها وباتت علامات الحزن تعلو وجهها.
المرأة:ليس الجميع يشبهك بني.
ادركت حينها ان هناك من سبب ألم لها، يالها من إمرأة مسكينة .
ابتسمت زوجتي في وجهها وربتت على كتفها لتقول
جميلة: هل تحبين الشاي أم القهوة أماه؟
المرأة:ابتسمت لتقول سأشرب الشاي معكم .
ذهبت زوجتي إلى المطبخ لتحضير الشاي عندها أشعلت التلفاز وسألتها أن كانت تريد مشاهدة شيء ما ،لتجيب بأنها قليل ماتشاهد التلفاز
سألتها ماذا كنت تفعلين في نهارك لعلي أجد حديثاً لتجيبني .
المرأة:كنت أقضي معضم وقتي في حديقة منزلي لأتفقد ورودي وأشجاري
سالم: جميل جداً .
لم أعرف أن كان يجب أن أسألها أين منزلها أم لا بقيت ساكتاً ،لعلها تتحدث لوحدها .
فأخبرتها بأنك لست مضطرة للشرح لشيء إلا أذا رغبت بذلك ، ولن يضغط عليك أحد أعدك ،و ارتاحي أماه .
ابتسمت لي ابتسامة لطيفة لتقول بوركت بني وبوركت طيبة قلبك ولطفك وتهذيبك .
قاطعت حديثنا زوجتي وهي تحمل صينة الكاسات لتقول: وهاي هي أجمل كأس شاي لأمنا الجميلة .
فرحت المرأة بكلماتها ،ثم سألت زوجتي المرأة
جميلة:ماهو أسمك أماه ؟
المرأة :اسمي لطيفة وينادونني( أم سعد )
جميلة : عاشت الاسامي فأنت حقاً لطيفة ،هل ترغبين بأن انادي لك بأم سعد؟
أم سعد: لا لا ، أحب لفظ أمي منكما
كم كانت طيبة تلك المرأة وحنونة ورقيقة المشاعر كيف يجرأ شخص على الهتك بقلبها الواسع وملئه بكل هذا الحزن الفائض من جميع ملامحها .
تسامرنا طوال النهار وحدثناها عن حياتنا وكيف قضينا سنين زواجنا مع بعض دون أن نسألها عن حياتها لندع لها حرية ذلك ، وعند الظهيرة تناولنا الغداء وأحبت ماتصنعه جميلة رغم بساطة أكلنا فنحن لانستطيع شراء اللحوم الا مرة أو مرتين بالشهر.
و عند الغروب استأذنت لأتركهن وحدهن ليتعرفن على بعض ولعل المرأة تفتح قلبها لجميلة،
وقلت: سأذهب لجاري سليم اقضي الوقت معه في دكانه الصغير ،حيث أن هناك المارون كثيرون لعلي أطمئن على أمور جيراننا .
جلست زوجتي وأم سعد على الشرفة ومن هنا بدأت تتوطد علاقتهن ببعض ،وعرفت المرأة كم جميلة أنسانة طيبة وودودة وقنوعه بما تعيشه بل وتحمد الله كل يوم على حالها .
في الحقيقة كانت أم سعد الأشد تواضعاً حين عرفت لاحقاً بأنها من أسرة غنية كما يقولون أب ً عن جد وكذلك زوجها ولكنها لم تظهر لنا بأنها كانت تعيش برخاء في ذاك الحين ولم تظهر شيء من التكبر أو التعجرف والاستغراب رغم أنه حياة البساطة جديدة عليها بل وكانت تساعد جميلة بالطعام أحياناً كما أنها تعلمت من جميلة حياكة الملابس الصوفيه على يديها وكانت أم سعد سعيدة بتعلم هذه المهنة إذ كانت مسلية وايضاً تجعل نهارها يمر دون تفكير.
كانت زوجتي تحيك ملابس الأطفال منذ أن تزوجنا وتقول هي لأولاي ولكن مع مر السنين وفقدانها للأمل أصبحت تبيع ماتصنع لتجلب عوضاً عنه حاجاتها الخاصة.
مر أسبوع ونحن على هذا الحال بعد ألحاح منا على بقائها لنتعرف على بعض أكثر .
وكنت خلال هذا الأسبوع أقضي معضم وقتي مع جاري في دكانه الصغير لأنني إلى الآن لم أجد عملاً آخر .
وجميلة وأم سعد ينشغلان بالتعارف والتسامر والتنفيه عن نفسيهما .
كانت زوجتي في قمه السعادة لوجودها فكانت مؤنسة ،خلوقة ،وأماً حنونة وطيبة .
لذا كثير ماتساألنا أنا وزوجتي حيالها .
من يستطيع الاستغناء عنها ؟
حل مساء يوم الجمعه وذهبت للمنزل ،لتفتح لي الباب زوجتي وتقول لي أم سعد تريد التحدث معك .
دخلت الى الصالون وجلست على الكنبة لاقول.
سالم: السلام عليكم أماه ،كيف حالك؟
ام سعد:وعليكم السلام بني ،أشكر الله
سالم :مابك ِ؟أخبريني هل تحتاجين لشيء؟
بدت لي علامات الحزن على وجهها لتقول.
أم سعد:بني ،أولاً أنا أشكرك كثيراً لمساعدتك لي،وأشكر الله بأن عرفني بكم ،فليشهد الله لم يمر في حياتي أطيب منكم وأكرم منكم رغم قلة حيلتكم ،ولكن عليّ أن أعود من حيث أتيت ،فالحياة صعبة عليكم ولاأريد أن ازيدها صعوبة .
سالم: آه لو تعلمين ياأم سعد بأن وجودك لون حياتنا ورسم البسمة على وجه زوجتي الذابل من الوحدة
فوالله لم تزيدي على قلوبنا إلا الخير .
سكت ثم قلت : أين تسكنين ؟على الأقل كي نستطيع أنا وجميلة بزيارتك.
عم الصمت لدقائق ،لتدمع عيناها التي اذبلها الحزن والتقدم في العمر .
أم سعد: في الحقيقة لم يعد لدي منزل ،أنا أسكن الآن في دار العجزة الذي يركن في نهاية الطريق.
بدت علامات الدهشة والتعجب على وجوههنا ولكن لم نرغب بأن نزيد (الطين بلة )كما يقال.
ثم بكت جميلة بحرقة ،وجلست بقرب أم سعد وأمسكت بيدها لتقول.
جميلة:بالله عليكي أماه لاتذهبي ،أرجوكي والله سأضعك بعيناي .
سالم:أبقي معنا ،فقد أصبح هذا منزلك ،إلا إن لم نعجبك أو لم ترتاحي معنا.
أم سعد:لا ،لا ماالذي تقوله .فأنا لم أشعر بهذه السعادة منذ زمن ،فوالله أصبحتم بمعزة ابني سعد .
سالم:سعد !! أين هو ؟ هل هو بخير ؟!
لم ترغب في شرح شي عنه بل أكتفيت بقول أنه مسافر ربي يحميه .
لم نهتم لأي شي ولا لأبنها ألذي تركها وسافر كان كل اهتمامنا بأن نقنعها بالبقاء .
وبعد إلحاح شديد مني ومن جميلة وافقت على البقاء معنا بكل حب ومودة ،فقد زرعت البركة في منزلنا ،حيث أنه تحل متى ماحلو كبار العمر .
في اليوم التالي ذهبنا لدار العجزة لنخبرهم بأن أم سعد ستسكن عندنا وأخذنا أمتعتها وذهبناكي يعلمو بأنها ليست تائهة إن سأل عليها أحد يومآ ما وكان ذلك بناءاً على طلباً منها.
قامت جميلة ببيع كل ماصنعته خلال الاشهر الماضية من ملابس وشراء عوض عنه سرير وفراش لأم سعد.
وأنا بدأت البحث عن عمل حيث أنه لاايجب البقاء هكذا لايجوز أن تشعر هذه المرأة بنقص أو أنها ثقيلة علينا .
فأنا سعيد لوجودها حيث أن جميلة أصبحت تضحك طوال اليوم وأصبحت تجد شيء يلهيها عن التفكير بالأولاد ،وتبقى تنتظرني كل الوقت.
بحثت في كل مكان عن عمل ولكن دون جدوى وجدت اعمال لكن بأجرة قليلة .
بدأت أتأفأف واتململ.
لأقول:ذاك اللعين لو لم يطردني لكنت سأبقى واتحمل عناء أزعاجه .
يتبع..
في هذه الأثناء دخلت الممرضة إلى الغرفة لمدة خمس دقائق ثم خرجت .
وهي تقول لي:تفضل ،المريضة استيقظت .
ابتمست لتسبق قدماي جسدي النحيل بالاسراع.
دخلت ،ثم جلست بالقرب منها ،لكن هذه المرة لم أقل شيء .
كانت تنظر للأعلى بعينين باتت كل هموم الدنيا على عاتقها ،ثم رفعت يداها شاحبتي اللون للاعلى .
وتقول :ربي يقف معك بني وويسر أمرك .
بدا علي علامات الدهشة لأقول في نفسي ،أوه أنها تتحدث .
ثم زادت: شكراً لاهتمامك وأسئلتك المتكررة لي ،
بل شكراً لعدم تركي وحيدة بوسط ذاك الشارع .
ثم شرعت بالبكاء بصوت منخفض يميل للأنين .
سالم:أرجوكي لاتبكي ،ستكونين بخير ،أماه مابك ِ؟
أين منزلك لأخذكِ إليه؟
فازاداد بكائها ويزداد أكثر كلما تفوهت بشيء .
شعرت أنني أجرحها وأذكرها بشيء ما ،تجاوزت سؤالي عن ما حل بها وماذا تنتظر لأخبرها.
سالم:حسناً لاعليكي ،أعدكِ لن أسألكي شيء ،هيا بنا لنذهب إلى بيتنا سأعرفك إلى زوجتي فهي تريد التعرف إليك.
نظرت إلي وكنت أخشى رفضها .
لازيد من كلامي :أرجوكي فقط اليوم وبعدها سأخذكي إلى أي مكان ترغبين .
بدا عليها علامات القبول دون القول بشيء .
ذهبت مسرعاً أنادي للمرضة وتخبرنا التعليمات ،أعطتني ورقة مكتوب عليها حمية متبعه وأنواع أدويتها.
وقالت :الحمدلله على سلامتها
سالم:شكرالك
أمسكت بمعصم يدها وأتجهنا للخارج وننتظر تكسي تمر في الشارع.
ساعدتها بالصعود وجلست بالقرب من السائق
سالم:السلام عليكم ياعم.
السائق :وعليكم السلام .
سالم :خذنا إلى حي الزهور .
السائق :جسناً.
في هذه الأثناء أتصلت بزوجتي وأخبرتها بأن تنتظرني بالاسفل عند الباب الرئيسي للبناية
جميلة:ماذا حدث ؟ هل أنت بخير عزيزي؟ أم أنك تركت العمل؟
سالم:سنتحدث عن وصولي عزيزتي
أوصلنا صاحب التكسي عند باب البناية لأرى زوجتي يبدو عليها علامات الخوف والذعر فهي تخاف الانتظار أن لم اشرح لها شيء على الهاتف لكن لم أرغب بالتحدث أمام السائق والمرأة .
عرفت زوجتي بأن هذه هي المرأة التي تقف كل يوم ولم تخبرني ماحدث لها بل ساعدتني وشرعت بالذهاب باتجاة المرأة
لتقول:أهلا بكِ، أماه أعطني يدكِ لأساعدك.
صعدنا إلى المنزل بخطوات بطيئة كي لانتعبها
وادخلناها إلى غرفة نومنا لترتاح .
سالم :نامي قليلا أماه ،ولاتشغلي بالك بشيء ،أرجوكي اعتبريه منزلكِ
لم تقل شيئاً حيث بدا عليها التعب والارهاق الممزوجين بالألم .
اغلقنا الباب وتركناها لترتاح ،ثم رميت بظهري على الكنبة وارفع رأسي وانا اتنهد .
جميلة:مابكَ عزيزي ؟ماذا حدث؟
سالم :أه ياجميلتي قولي مالذي لم يحدث ،حينها تذكرت طردي من العمل واخبرتها ماحل بتلك المرأة .
جميلة :هون عن نفسك لعل الله يبدلك خيراً منه ويأجرك بتصرفك الانساني مع هذه المرأة .
زوجتي كانت متفائلة حتى لو تكالبت علينا الأمم ودوماً تقول لعلهُ خير،أحياناً أتململ وأقول غاضباً أي خيراً هذا الذي سيأتي من بشر كهذه لاتخاف الله ولاتشعر بأحد ،تخيلي لم يسألني حتى عن سبب عدم مجيئي ذاك اللعين .
جميلة :أرجوك أنسى أمره ،أتمنى من الله أن يرزقكك بعمل مريح وتلتقي بأناس تخاف الله ، فأنت تستحق كل الخير عزيزي،تابعت
لتقول:سأحضر لك شيئاً تشربه .
في هذا الوقت اتصل بي صديقي من العمل .
سالم: الو
عمر:الو ،أين أنت ياسالم لما لم تأتي
سالم:ألم يخبركَ ذاك البغيض بأنه قام بطردي؟
عمر:ياله من عديم ضمير لما فعل ذلك ،هو لم يخبرني بشيء.
سالم:حصل معي ظرف طارئ وتأخرت لهذا طردني.
عمر: سأسأله لما فعل ذلك على الرغم بأنك أفضل العاملين هنا .
سالم: لا ،لا تخبره بشيء، لاأحتاج الشفقة منه والترجي كي يعيدني للعمل ،فالله هو الغني.
عمر :حسبنا الله ونعم الوكيل،أراك يااخي لاحقاً علي أن اسكر الآن .
سالم:لاعليك ،بامان الله.
بقينا جالسين أنا وزوجتي قرابة الساعه نتحدث همساً في الصالون الصغير المتواضع 'يوجد الذي يتواجد فيه كنبتين أحداها مقابلة للتلفاز أضع فوقها لوحة صغيرة لمنظر طبيعي قد جائتني هدية من أحد أصدقائي منذ زمن، والاخرى مقابلة للباب الخارجي تركن فوقها مكتبة صغيرة مصنوعه من الخشب أحتفظ بها بكتبي وأوراقي الهامة ،وتوجد في الوسط طالتان آحداها كبيرة والآخرى صغيرة نضع تحتهن سجادة صغيرة تغطي مكان الجلوس فقط ،كانت عتيقة ورقيقة جدا أذ بجو كهذا لايطاق أي شيء لكن زوجتي تقول دائماً هكذا أرتب .
يال المسكينة ،كل أغراض منزلها قديم وتحاول أصلاح ماأمكنها منه .
وبالقرب من الكنبة المقابلة للتلفاز يوجد باب الحمام وبالقرب منه غرفة صغيرة قريبة للباب الخارجي ومقابلة للمطبخ ،ذاك المطبخ الصغير الموازي لغرفة نومنا و الذي يوجد فيه شباك كبير يطل على الشارع .
لم أكن راضي بحياتي كثيراً ،كنت دوماُ أطمح للأفضل وأن يقدرني الله لأسعاد زوجتي ومن حولي وأقدم المساعدة لمن يحتاجني ،ولكن مازلنا على نفس الحال سنين والحمدلله لعل فيه خيرا ً كما تقول زوجتي دائماً.
في أثناء تأملي للمنزل خرجت المرأة ودنت نحونا بخطوات بطيئة وجلست بالقرب من زوجتي على الكنبة المقابلة للباب ،ثم بدأ حديثنا حين قالت.
المرأة:مساء الخير
انا وزوجتي:مساء النور ، كيف أصبحتي الآن هل أنتِ بخير ؟
المرأة:بخير ،ثم أكملت .بارك الله فيك بني شكراً لك على مافعلته من أجلي .
سالم:أرجوكي لاتقولي هكذا هذا واجبي ،هل ممكن أن تنعدم الانسانية لهذا الحد ؟
طأطأت رأسها وباتت علامات الحزن تعلو وجهها.
المرأة:ليس الجميع يشبهك بني.
ادركت حينها ان هناك من سبب ألم لها، يالها من إمرأة مسكينة .
ابتسمت زوجتي في وجهها وربتت على كتفها لتقول
جميلة: هل تحبين الشاي أم القهوة أماه؟
المرأة:ابتسمت لتقول سأشرب الشاي معكم .
ذهبت زوجتي إلى المطبخ لتحضير الشاي عندها أشعلت التلفاز وسألتها أن كانت تريد مشاهدة شيء ما ،لتجيب بأنها قليل ماتشاهد التلفاز
سألتها ماذا كنت تفعلين في نهارك لعلي أجد حديثاً لتجيبني .
المرأة:كنت أقضي معضم وقتي في حديقة منزلي لأتفقد ورودي وأشجاري
سالم: جميل جداً .
لم أعرف أن كان يجب أن أسألها أين منزلها أم لا بقيت ساكتاً ،لعلها تتحدث لوحدها .
فأخبرتها بأنك لست مضطرة للشرح لشيء إلا أذا رغبت بذلك ، ولن يضغط عليك أحد أعدك ،و ارتاحي أماه .
ابتسمت لي ابتسامة لطيفة لتقول بوركت بني وبوركت طيبة قلبك ولطفك وتهذيبك .
قاطعت حديثنا زوجتي وهي تحمل صينة الكاسات لتقول: وهاي هي أجمل كأس شاي لأمنا الجميلة .
فرحت المرأة بكلماتها ،ثم سألت زوجتي المرأة
جميلة:ماهو أسمك أماه ؟
المرأة :اسمي لطيفة وينادونني( أم سعد )
جميلة : عاشت الاسامي فأنت حقاً لطيفة ،هل ترغبين بأن انادي لك بأم سعد؟
أم سعد: لا لا ، أحب لفظ أمي منكما
كم كانت طيبة تلك المرأة وحنونة ورقيقة المشاعر كيف يجرأ شخص على الهتك بقلبها الواسع وملئه بكل هذا الحزن الفائض من جميع ملامحها .
تسامرنا طوال النهار وحدثناها عن حياتنا وكيف قضينا سنين زواجنا مع بعض دون أن نسألها عن حياتها لندع لها حرية ذلك ، وعند الظهيرة تناولنا الغداء وأحبت ماتصنعه جميلة رغم بساطة أكلنا فنحن لانستطيع شراء اللحوم الا مرة أو مرتين بالشهر.
و عند الغروب استأذنت لأتركهن وحدهن ليتعرفن على بعض ولعل المرأة تفتح قلبها لجميلة،
وقلت: سأذهب لجاري سليم اقضي الوقت معه في دكانه الصغير ،حيث أن هناك المارون كثيرون لعلي أطمئن على أمور جيراننا .
جلست زوجتي وأم سعد على الشرفة ومن هنا بدأت تتوطد علاقتهن ببعض ،وعرفت المرأة كم جميلة أنسانة طيبة وودودة وقنوعه بما تعيشه بل وتحمد الله كل يوم على حالها .
في الحقيقة كانت أم سعد الأشد تواضعاً حين عرفت لاحقاً بأنها من أسرة غنية كما يقولون أب ً عن جد وكذلك زوجها ولكنها لم تظهر لنا بأنها كانت تعيش برخاء في ذاك الحين ولم تظهر شيء من التكبر أو التعجرف والاستغراب رغم أنه حياة البساطة جديدة عليها بل وكانت تساعد جميلة بالطعام أحياناً كما أنها تعلمت من جميلة حياكة الملابس الصوفيه على يديها وكانت أم سعد سعيدة بتعلم هذه المهنة إذ كانت مسلية وايضاً تجعل نهارها يمر دون تفكير.
كانت زوجتي تحيك ملابس الأطفال منذ أن تزوجنا وتقول هي لأولاي ولكن مع مر السنين وفقدانها للأمل أصبحت تبيع ماتصنع لتجلب عوضاً عنه حاجاتها الخاصة.
مر أسبوع ونحن على هذا الحال بعد ألحاح منا على بقائها لنتعرف على بعض أكثر .
وكنت خلال هذا الأسبوع أقضي معضم وقتي مع جاري في دكانه الصغير لأنني إلى الآن لم أجد عملاً آخر .
وجميلة وأم سعد ينشغلان بالتعارف والتسامر والتنفيه عن نفسيهما .
كانت زوجتي في قمه السعادة لوجودها فكانت مؤنسة ،خلوقة ،وأماً حنونة وطيبة .
لذا كثير ماتساألنا أنا وزوجتي حيالها .
من يستطيع الاستغناء عنها ؟
حل مساء يوم الجمعه وذهبت للمنزل ،لتفتح لي الباب زوجتي وتقول لي أم سعد تريد التحدث معك .
دخلت الى الصالون وجلست على الكنبة لاقول.
سالم: السلام عليكم أماه ،كيف حالك؟
ام سعد:وعليكم السلام بني ،أشكر الله
سالم :مابك ِ؟أخبريني هل تحتاجين لشيء؟
بدت لي علامات الحزن على وجهها لتقول.
أم سعد:بني ،أولاً أنا أشكرك كثيراً لمساعدتك لي،وأشكر الله بأن عرفني بكم ،فليشهد الله لم يمر في حياتي أطيب منكم وأكرم منكم رغم قلة حيلتكم ،ولكن عليّ أن أعود من حيث أتيت ،فالحياة صعبة عليكم ولاأريد أن ازيدها صعوبة .
سالم: آه لو تعلمين ياأم سعد بأن وجودك لون حياتنا ورسم البسمة على وجه زوجتي الذابل من الوحدة
فوالله لم تزيدي على قلوبنا إلا الخير .
سكت ثم قلت : أين تسكنين ؟على الأقل كي نستطيع أنا وجميلة بزيارتك.
عم الصمت لدقائق ،لتدمع عيناها التي اذبلها الحزن والتقدم في العمر .
أم سعد: في الحقيقة لم يعد لدي منزل ،أنا أسكن الآن في دار العجزة الذي يركن في نهاية الطريق.
بدت علامات الدهشة والتعجب على وجوههنا ولكن لم نرغب بأن نزيد (الطين بلة )كما يقال.
ثم بكت جميلة بحرقة ،وجلست بقرب أم سعد وأمسكت بيدها لتقول.
جميلة:بالله عليكي أماه لاتذهبي ،أرجوكي والله سأضعك بعيناي .
سالم:أبقي معنا ،فقد أصبح هذا منزلك ،إلا إن لم نعجبك أو لم ترتاحي معنا.
أم سعد:لا ،لا ماالذي تقوله .فأنا لم أشعر بهذه السعادة منذ زمن ،فوالله أصبحتم بمعزة ابني سعد .
سالم:سعد !! أين هو ؟ هل هو بخير ؟!
لم ترغب في شرح شي عنه بل أكتفيت بقول أنه مسافر ربي يحميه .
لم نهتم لأي شي ولا لأبنها ألذي تركها وسافر كان كل اهتمامنا بأن نقنعها بالبقاء .
وبعد إلحاح شديد مني ومن جميلة وافقت على البقاء معنا بكل حب ومودة ،فقد زرعت البركة في منزلنا ،حيث أنه تحل متى ماحلو كبار العمر .
في اليوم التالي ذهبنا لدار العجزة لنخبرهم بأن أم سعد ستسكن عندنا وأخذنا أمتعتها وذهبناكي يعلمو بأنها ليست تائهة إن سأل عليها أحد يومآ ما وكان ذلك بناءاً على طلباً منها.
قامت جميلة ببيع كل ماصنعته خلال الاشهر الماضية من ملابس وشراء عوض عنه سرير وفراش لأم سعد.
وأنا بدأت البحث عن عمل حيث أنه لاايجب البقاء هكذا لايجوز أن تشعر هذه المرأة بنقص أو أنها ثقيلة علينا .
فأنا سعيد لوجودها حيث أن جميلة أصبحت تضحك طوال اليوم وأصبحت تجد شيء يلهيها عن التفكير بالأولاد ،وتبقى تنتظرني كل الوقت.
بحثت في كل مكان عن عمل ولكن دون جدوى وجدت اعمال لكن بأجرة قليلة .
بدأت أتأفأف واتململ.
لأقول:ذاك اللعين لو لم يطردني لكنت سأبقى واتحمل عناء أزعاجه .
يتبع..
