•عٌقُأّبًيِّلَ-'

Zahra Mussa`بقلم

  • الأعمال الأصلية

    النوع
  • 2024-01-24ضع على الرف
  • 4.5K

    جارِ التحديث(كلمات)
تم إنتاج هذا الكتاب وتوزيعه إلكترونياً بواسطة أدب كوكب
حقوق النشر محفوظة، يجب التحقيق من عدم التعدي.

العَدَمْ part 1

يُقالُ أنّ الأبدِية هِي الوَجهُ الأخَر للِعدَم

.

.

.

مازال ينتظر... أراه وهو يجلس هناك لايفعل شيئاً
سوى الإنتظار، والإنتظار..أراه كيف ينظر لساعته كل حين وعلى وجهه تلك الإبتسامة التي تشع بالأمل،
كل لحظة وأخرى يمسح بدلته خوفاً من أن مظهره غير لائق، يدحرج نظره على الطريق بلهفة واضحة،
يبتسم مع نفسه كما لو أنه يرتب كلاماً في عقله
ليقوله، ويبتسم على ردات الفِعل التي يتمناها.
ولكن..

من يخبره أن ما ينتظره لساعاتٍ وساعاتٍ هنا ليس موجوداً..
لم يعد موجوداً!!
من سيتجرأ على محو تلك الإبتسامة على ثغره
بإخباره أنه ينتظر.. لاشئ!!

إعتدتُ على رؤيته هنا يومياً.. في نفس الوقت!
وفي نفس المكان!.. والغريب بنفس تلك اللهفة!!
كما لو أنه يُعانِد الواقع
قد مرت بالفِعل خمسة عشرة عاماً على وفاتها
زوجته كارولين جاسا 
على ذلك المقعد الخشبي العتيق إنتظر مجيئها
له خمسة عشرة عاماً
يقال أنها ماتت في حادث بينما كانت تتوجه لهذه
الحديقة التي كان هو ينتظرها بها
قد شُخِصت حالته في البداية  بإضطراب مابعد الصدمة ولكن..
كان من المفترض أن يقتنع بالواقع بعد أشهرٍ فقط
ولكن هو لم يفعل
لهذا تم تشخيصه من جديد ليتضح أنه مُصاب
بمرض الزهايمر
ذلك المرض الذي بقدر كونه نِعمة للبعض فهو
بالطبع نقمة للبعض الأخر
وهو من تلك الفئة الأولى
أتسأل لو لم يكن مصاباً بهذا المرض ماذا كانت ستكون ردة فِعله لموتها؟!
قد إستسلم الجميع من حوله محاولون جعله يدرك
الواقع ولكنه يأبى ذلك
هو يأبى مجرد التفكير في تلك الفِكرة فمابالك
بتصديقها!

تدحرجت حدقتاي نحو الساعة العتيقة التي تُزين
رُسغي قد إنتهت فترة إستراحتي الأن
أغلقتُ الكتاب الذي يتوسط أناملي لأحشره داخل
الحقيبة، أساساً لم أستطع قِراءة شيئاً منه
فجُلُ تركيزي كان مُنصباً على ذلك العجوز
بالدوين أرنولد هو كان ولايزال يأخذُ تفكيري
ربما بسبب ذلك الحب العجيب الذي يحمله لشخصٍ
ميت... ذلك الحب الذي كان بنظري غير منطقياً
البتة.

إلتقطتُ حقيبتي أتوجه نحو بوابة المشفى الذي
كان مقابلاً للحديقة، ذلك المشفى الذي أعمل به
كمعالجة نفسية تحتاج لمن يُعالج نفسيتها أولاً
قد مررتُ بجانبه ليقع بصري بتلقائية عليه ليعطيني إبتسامة دافئة جعلت شعوراً بالدفء يتسلل لي.

رغم أنه يبتسم لي يومياً عند مروري بجانبه إلا
أنني لا زلتُ أشعر بذاك الشعور كما لو أنها أول مرة يبتسم بتلك الطريقة الدافئة.

ربما لإن عيناه في كل مرة تُظهر كونه أول مرة
يلتقي بي
هذا غريب إستطاع نسياني وأنا التي إلتقيته بالأمس
لا أكثر ولكنه لم يستطع نسيان من لم تلتقيه لخمسة
عشرة عاماً!!
إلى أي مدى وذلك الشعور المسمى بالحب عظيم!

.


.

.

" إسبرانزا "

رفعتُ رأسي من ملف المريض الذي كنتُ أقرأه
حال سماعي لإسمي
نعم، إسمي الذي لا ينطبق عليّ تماماً "الأمل"
تلك الكلمة المكونة من أربعة أحرف كانت شيئاً أبعد مايكون عني..
فالأمل ياصديقي أن تتمنى شيئاً تعلم جيداً في قرارة نفسك أنه لن يكون لك، ورغم ذلك تُصر على إحتكاره لنفسك
أما أنا فلا أتمنى شيئاً لعلمي المسبق أنني لن أملِكه!

رفعتُ حدقتاي نحو " أستارا " التي أبعدت الكرسي تجلس عليه أمامي تماماً، هي زميلتي في العمل
التي لاتنكف تلتصق بي تريد تكوين صداقة معي،
ولكن أنا لا أصلُح للصداقة، بل لا أصلُح لتكوين
أي علاقة!وهذا بشكل غريبٍ لا يهمني.

همهمتُ لها رغبةً في أن تبدأ بالحديث عن ماتريده،
لألاحظ تلك الإبتسامة البلهاء الإعتيادية التي توسطت ثغرها
" هل ستأتين مساءً؟! "

أبعدتُ بصري عنها أعيده إلى الملف حالما علمتّ
أنها فقط جاءت لإقناعي بالمجئ إلى الندوى التي
ستقام اليوم للمتدربين، والتي على ما أعتقد كانت
بعنوان الأمراض النفسية والخدمات المُقدمة لها

" لستُ مهتمة بالمجئ "
لم أُكلف نفسي عناء النظر إليها حتى أتفحص الملف وكنت مدركة تماماً أنني قلتها بجفاء،
شعرتُ بإقتراب رأسها من خاصتي لتقول بنبرة
رجاء لاتعلم كم أمقتها
" أرجوكِ فقط تعالي لأجلي، سنستمتع بوقتنا حتى
أن السيد رايدن سيأتي "

عند كلامها فقط رفعتُ ببصري نحوها، لاتعلم تلك الغبية أن ماقالته للتو أضاف سبب إضافي لعدم ذهابي، إضافةً إلى كرهي لتلك التجمعات

كانت عيناها قد لمعت بالفعل ظناً منها أنني سأوافق،
ذلك الرايدن أكرهُ المخلوقات لقلبي، هو مثل التي
أمامي تماماً لاينكفان يلتصقان بي كالغِراء وهذا مزعج.. وجداً،

وقفتُ أجمع ماكان من ملفات على الطاولة،
عليّ التوجه الأن نحو مريضي باستيان
أغرب حالة من بين مرضاي جميعاً

كنتُ قد تجاهلت وجود أستارا أبتعد متجهة نحو غرفة
باستيان
ليصل لمسامعي صوتها العالي قليلاً غير أبِهة للناس
حولها
" هل هذا معناه أنكِ ستأتين؟! "

" بل معناه أن مجِيئي مستحيل "
أنا متأكدة تماماً أن صوتي قد وصل إليها بالفعل
إثر تلك التنهيدة التي خرجت منها والتي إستطعت
سماعها من هنا

هراء!

.

.



الإكتئاب
هو اضطراب المزاج الذي يسبب شعوراً متواصلاً
بالحزن وفقدان المتعة والإهتمام بالأمور المعتادة
ونقص التركيز، وقد يكون مصحوباً بالذنب وعدم الأهمية ونقص تقدير الذات، ويؤثر المرض على
المشاعر والتفكير والتصرفات،؛ مما يسبب الكثير
من المشكلات العاطفية والجسدية والتي بدورها تؤثر على أداء الأنشطة اليومية، وقد يسبب الشعور باليأس
من الحياة والتفكير في الإنتحار و ربما الإقدام عليه
في الحالات المتقدمة

جميع ماذُكر من الأعراض السابقة كانت على باستيان
رُغم أنه مصاب بالإكتئاب الذهاني أشد أنواع الإكتئاب خطورة يصاب به الشخص بإكتئاب شديد بالإضافة
إلى نوع من الإضطرابات العقلية مثل الهلوسات والأوهام وتكون أعراضه مرتبطة بأوهام كئيبة
مثل هلوسات الفقر والمرض وغيرها

توقفتُ أمام باب غرفته لأغلق ملف حالته، قد مضى
أسبوعٌ واحدٌ لا أكثر منذ مجيئه لهنا
قد وجده والداه يحاول أذية نفسه عِدة مرات
وبالطبع كما ذكرت مسبقاً أن حالته غريبة جداً
إستناداً إلى عمره الصغير البالغ إحدى عشر عاماً
لاغير 
طرقتُ الباب عِدة مرات ليصلني صوته الخامد
" تفضل "

فتحت الباب دالِفة للداخل لتتعلق عيناه العسلية
عليّ وبالأخص على عيناي الرمادية
قد أخبرني مسبقاً في جلستنا الماضية أن عيناي
تُذكرانه بكوكب عُطارد
كان الأمر صادماً قليلاً لي فلقد كانت أول جملة ينطقها معي منذ أسبوع ولكن يبقى في النهاية طفلاً ذا خيال خصب مهما كان مجروحاً
فقط يحتاج لبعض الضمادات لروحه ليعود من جديد
طفلاً بروح نقية لا تتخللها تلك الشوائب المسماة
بأفعال البشر به

علمت من تقريره أنه طِفل يتم التنمر عليه في المدرسة
وفي حييه أيضاً ولم يقتصر التنمر على ذلك فقط إذ
بدأ والديه بإنتقاده هما أيضاً ولماذا؟!
فقط لإنه يملك ذلك الإضطراب  المسمى بعُسر القِراءة!!
بدلاً من الإمساك بيده ومحاولة فهمه ودعمه لكي يتخطاه إذا بهم يشتمونه بأقذر الألفاظ ويسخرون منه
ليس وكأنها نهاية العالم إذا ماوُلد وهو هكذا

لهذا لا أحب البشر وأمقتهم وأحاول تجنبهم قدر المستطاع ليس بسبب شئ محدد.. وليس بسبب أنني تعرضت لصدمة أو ما شابه جعلتني أفقد الثقة بهم

فقط لا أحبهم.. بهذه البساطة!

كان من المفترض في الجلسة الأولى والتي كانت قبل
يومين أن يكون فرداً من عائلته حاضراً ليشرح وضعه
من وجهة نظر خارجية لتشخيص الحالة بدقة أكبر
ولكن والداه قد تعذرا عن الحضور فقد تم دعوتهما لحضور حفلة بمناسبة مولود جديد لأحد أقربائهما

يحتفلان بولادة مولود جديد إلى الحياة بينما إبناهما روحه تفارق جسده ببطئ.

تجاهلتُ كل هذه الأمور لأجلس مقابلة له تماماً
بينما هو لا يكف ينظر لي بتلك النظرات الخاوية المنطفئة
"باستيان إسمك معناه الميراث ويبدو أنك لم تأخذ
شيئاً من إسمك كحالي تماماً"

" تعلم لما أنت هنا صحيح؟! "

" نعم... لكي أعيش "

ألجمتني إجابته التي كانت بنبرته الخامدة تلك
كما لو أنه مغيباً عن هذا العالم
أحكمتُ قبضتي وأنا أقول ببعض الإندفاع الذي لم أعهده من نفسي
" إذاً عليك بمساعدتي لنجعلك تعيش "

لازالت نظراته ساكنة متمعنة في وجهي بدا وكأنه
شاردٌ بي رغم أنني أدرك أنه يستحضر تلك اللحظات
الحزينة السوداوية في حياته
فهذا هو الإكتئاب أن تطالب روحك بالمزيد والمزيد من
الألم دون سبب منطقي.. ربما لِجعلها تخرج من تبلدها
ولكن وقتها تكون مُشبعة بالألم ولا مكان للمزيد ولا مجال للتراجع..
فقد فات الأوان!

أرخيتُ ظهري على الكرسي أنتظره لكي يُكمل
تلك الرحلة القصيرة على موج زكرياته ليُلقي به الواقع نحو شاطئ الحاضر..

غريبة هي الحياة والأغرب منها هو ذاك المسمى
بالإنسان

إستمر الصمت المطبق طويلاً بيننا
وقد تعمدتُ ذلك لكي لايشعر أنه مجبور على البوح
لي بما في داخله

في بعض الأحيان لانحتاج لمظلة بقدر حاجتنا لشخص
نعيش معه شعور التبلل بحبات المطر

لاحظتُ كيف إتجهت حدقتاه نحوي ببعض التشتت
وكأنه بين قرار أن يبوح وبين أن تتراكم في داخله
تلك الأهات
ولكنه يجب أن يعلم أنه حتى ولم لم يبكي بعينيه
سيبكيها في قلبه

" أنا.. خائف "
تلك الكلمات المتقطعة كان الشئ الوحيد الذي نسجته
شفتاه قبل أن يبدأ جسده بالإرتجاف دليلاً على كبته لدموعه.. من أخبره بأنه عليه ألايبكي..
فليبكي.. ربما تسقط تلك الأحجار المتراكمة في قلبه
فليبكي.. لعل صوت بكاءه يطغى على صوت بكاء قلبه

كنتُ قد وقفتُ أسحبه لحضني
لستُ عديمة المشاعر لتلك الدرجة
ليس لدرجة أن أرى طفلاً يعاني وألا أعانقه
شعرتُ بتشبثه بقميصي من الخلف يشد عليه
يحاول ألا يبكي
إلا أي مدى عانى ليكبتها في قلبه
أرخيتُ رأسي على خاصته لأهمس بأذنه
" ستكون بخير، أعدك "

وكأن كلماتي تلك هو ماكان ينتظره ليطلق
العنان لشهقاته
كان يبكي بقوة.. بقوة جعلتني أدرك جم الألم الذي
تجرعه..
كان يتكلم وسط شهقاته ليتحول كلامه لشهقات
أخرى.. لا أعلم ماالذي يقوله ولكنني أدرك
أنه يخبرني بما مرّ به
إرتجافة صوته.. وقبضه عليّ... وصوت بكاءه
كلها أشياء جعلتني أدرك وللمرة الألف..

أن البشر سيئون

.

.

.

خرجتُ من الغرفة بهدؤ أحاول عدم إصدار أي ضجة
كان قد غفى للتو بعد نوبة بكاء مريرة
لازال لدي الكثير من العمل الشاق معه لكي يعود
أفضل وأعلم جيداً بما سأبدأ

توجهتُ للحمام أغسل وجهي بالماء البارد لعلني
أعود لرشدي سأكذب لو قلت أن كلامه لم يؤثر بي
لازال صغيراً لتحمل كل هذا
صغيراً جداً..

خرجتُ من المشفى بعد أن إنتهت مناوبتي وحل المساء
وقد طلبتُ أن يعتنو بباستيان بشكل خاص
فحالته غير مستقرة
يحتاج للعلاج المشترك الذي يتضمن الأدوية وكذلك
الرعاية النفسية

أوقفت سيارة أجرة وقبل أن أقوم بالدخول كانت
حدقتاي بتلقائية تتوجهان نحو ذلك المقعد الخشبي
العتيق في زاوية من الحديقة
الذي كان لايزال يجلس عليه ولاتزال تلك النظرات
المتلهفة لم تختفي من حدقتيه
بل وكأنهما تزدادان يوماً بعد يوم ببريق اللهفة
والشوق..
قد ذكرني بالأديب غابرييل ماركيز في أخر حياته حين فقد الذاكرة قال لصاحبه وهو يجلس بجانبه
" أنا لا أعرفك، ولكنني أعرف أني أحبك "
يبدو أن المشاعر حقاً لا تُنسى!

دخلتُ ولازالت عيناي تراقبه من زجاج السيارة
كيف يجلس، كيف يبتسم مع نفسه براحة تزين محياه،
جعلني أتمنى ولو للحظة أن أكون مكانه..
بلا زكريات!

بدأت السيارة بتحرك لأرخي رأسي على زجاج النافذة
أراقب الشوارع المضاءة المحتشدة بالناس
الطرقات مُضاءة بشكل جيد، لكن الجميع تائه
الجميع تائه في هذا العالم.. وأنا منهم وباستيان منهم
وكذالك ذلك العجوز..
جميعنا نبحث عن وُجهة لتحتضننا
وُجهة تُشعرنا بأن لنا قيمة وفائدة أكبر من إستنشاق
الألام وتزفير الهموم!

أغمضتُ عيناي عندما شعرتُ بصعوبة كل شئ
في هذه اللحظة عليّ وكأن أخذ النفس صار عذاباً
بِحد ذاته
رؤية حالة باستيان اليوم جعلتني أشعر بأنني لست
بخير...

فرجتُ عن جفناي حالما أحسستُ بتوقف السيارة
ليكون أول ما يقابلني ذلك المبنى الذي تقبع به شقتي
المتواضعة نزلتُ وأنا أُناول السائق النقود

ها أنا قد عدت وأخيراً لشقتي، أحتاج الأن لنوم عميق
يجعلني أتوقف عن التفكير
فكما أقول النوم هو الموت المؤقت!
وياله من موت!

تركتُ نفسي لأسقط على السرير حتى بدون أن
أغير ملابسي ولاحتى خلع حِذائي
أنا متعبة الأن ولا أقوى على شئ
أي شئ...

.

.

.

______________________

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه ثاني رواية لي
أتمنى أن يعجبكم البارت الأول،
طبعاً الرواية قصيرة
لن تتعدى الثلاث بارتات
أعطوني رأيكم بالبارت؟؟
أتقبل النقد البناء ولكن أن يكون
بطريقة لبِقة؟؟

.

.

.

ليس كل مِن ينظر إليك ، يعني أنه يقصدك فربما يرى عبرك آشياء من الماضي تشبهكَ ..
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي