الأَبدِيةَpart3

لطَالمَا أردتُ أنَ إٔختفِي ، أَن أكونَ شفَافًا ، مَا ورَاء الأَبدِيةَ .

.

.

.

تنهدتُ بإستياء وأنا أوجه بصري نحوها، ومن غيرها
"أستارا"
توقفت عن الحديث حالما رفعت رأسي لها
هذه الفتاة لا تفهم البتة
عقلي مشغول بأمر ذلك العجوز وهي بكلامها فوق رأسي تشتتني.
أخبرتها مِراراً أنني لن أستطيع مصادقتها
ولكنها عنيدة جداً مالذي تريده من شخص مثلي
لا ينكف يجرحها بتصرفاته قبل كلامه
أنا لا أريد جرحها أكثر..

" إسمعي.. "
تفاجأت من ذاك البريق اللامع الذي سطع من زرقاوتيها
للتو أهي لهذه الدرجة.. متعلقة بي؟!!
لدرجة أنه بكلمة واحدة مني قد لمعت عيناها
كما لو أنها تقول لي "أنا أسمعك"
وبشكل غريب هذا قد جعلني أشعر... بالدفء!!

" عليك أن تكفي عن هذا "

" أي هذا؟! "

" هذا الذي تفعلينه دوماً.. محاولة التقرب مني
أخبرتك مراراً أنني لا أصلح لتكوين صداقات "

رأيت الضيق يتسلل لملامحها المشرقة
هذا ما أخشاه.. عليها أن تبتعد، لست سوى شخصٍ
كئيب سيجعل روحها المشرقة تنطفئ
لطالما كانت شخصاً مشرقاً ومبتسماً فيه من ألوان
الحياة الكثير،الإبتسامة نادراً ماتفارق ثغرها، كانت كإسمها تماماً "نجمة ساطعة"

" إنظري أنت لا تستحقين كل هذا.. وأساساً لا أعلم سبب تعلقك بي رغم أنني وبجدية لم أبتسم لك يوماً حتى!! "

إستنكرتُ إرتسام إبتسامة طفيفة شفتيها كما لو أنها
تتذكر شيئاً ورغم تلك الإبتسامة الجميلة ولكنها نوعاً
ما كانت.. مُنطفئة!!

" أنت كنتِ الأمل بالنسبة لي، كنتِ طوق نجاةٍ تشبثت
به.. أعلم أنك لم تتذكريني ولكن. هذا لا يهمني بقدر
سعادتي بأنني وأخيراً أستطيع رد جميلك لي ولو كان بسيطاً "

بلعت ريقي وأنا أنظر لها ومقلتاي ترتجف
مالذي تقوله..
أنا أملها!
أنا..
طوق نجاة!

"مالذي تقصدينه؟!"

" أنا تلك الفتاة التي ساعدتها عندما تم رميها في
الطريق كخردة بالية بعدما فعلوا فِعلتهم الشنيعة
تلك  "
بدا صوتها ينخفض تدريجياً ليصبح همساً في أخر كلماتها تلك
كم إستشعرت الإنكسار في نبرتها.. وكذالك الألم!
هي الفتاة من تلك الليلة؟!
وجهت حدقتاي نحو الفراغ شاردة به
بينما صوتها الخافت ذاك وكلماتها تلك تجعل
دواخلي ترتجف بصمت
" لم أنسى لليوم كيف مسحتِ دموعي لتجعلينني
أقف من جديد بعدما ظننت أن ساقاي لم تعودا
تحملانني.. بدلاً من توجيه أصابع الإتهام لي
ولومي كما فعل الجميع لم تفعلي، سمعتيني بصمت
، عيناك كانت تعكس صورتي فقط وليس مشاعر
النفور مني، بعد كل هذا أظن أن عدم تعلقي بك هو
الجنون بحد ذاته "

تدحرجت حدقتاي نحو وجهها عند أخر كلماتها
وياللعجب!! لازالت تلك الإبتسامة تتوسط ثغرها..
بل بدت.. أحن! 
تُذكرني بذاك العجوز
كلاهما يمتلكان إبتسامة مميزة تجعلك تشعر بأن
لك قيمة في هذا العالم،
رغم أنهما قد عانى الكثير، كان العجوز ضحية
حبٍ، بينما هي ضحية إغتصاب.
ولكن الفرق أن الأول غالباً ما يعطيك روحاً أما الثاني
يسلبه!
يجعلان معتقداتي تتغير لا إرادياً، ربما ليس الجميع
سئ حقاً..

ضحايا البشر كثيرون، و مشفى الأمراض العقلية
هو المكان الوحيد بنظري الذي ستجدهم بكثرة فيه

أدرك جيداً صعوبة ما تشعر به، أن ينتهك أحداً روحك
قبل جسدك لهو أمرٌ في غاية البشاعة
و للأسف في النهاية على من سيقع الذنب
عليها هي!
هذا هو مجتمعنا للأسف مجتمع، التنمر، الإعتداء، التحرش، التشهير، الخداع، وغيرها الكثير،
كلها أمور لازالت متعشعشة في مجتمعنا
متى سننهض، متى سيفتح العالم أعينه على هذه
الجرائم التي بنظرهم لا تستحق الكثير
تلك الأشياء وإن لم تقتل أجساداً فهي قد قتلت أرواحاً
بريئة نقية، لما يجب على العالم أن يسير خلف قانون
" المفترس والفريسة"
لما فقط لا يكون الجميع صياداً يصطاد أحلامه لا أكثر السيدة كلوديا، وبعدها باستيان، والأن أستارا
وبعدهم الكثير الكثير.
نحن أناس.. والأناس من الإنسانية، ولكنني لا أدري أين الإنسانية وربما في المستقبل لن نرى أناساً بل وحوش بشرية.

.

.

.

لم أشعر بنفسي إلا بعدما وقفتُ أمام باب غرفة باستيان

جُلُ تفكيري منصب في حديث أستارا قبل قليل
قد مرت بالفعل أربع أعوام على لقائي ذاك بها
أتذكر جيداً أنها كانت ليلة ماطرة وبشدة
كنتُ أهرول نحو منزلي خوفاً من تبللي بالمطر أكثر
رغم أن ملابسي كانت بالفعل غارقة بالماء
إلى أن رأيتها منكمشة على نفسها في الطريق
وصوت شهقاتها يخترق الشارع الفارغ
إقتربت مندفعة نحوها ظناً مني أن سيارة قد
صدمتها لتفر هاربة
ولكن حال رؤيتي لملابسها الممزقة أدركت الأمر
أدركت أنه أفظع من إصطدام أي شئ بك.

طرقتُ الباب بهدؤ لأفتحه دون إنتظار الإذن منه
خطوت بضعة خطوات لتقع عيناي عليه 
كان مستلقياً على السرير ووجه للجهة الأخرى حيث كانت عيناه الخاوية شاردة بالنافذة أو لأكون أدق "بما بعد النافذة"

تنحنحتُ ألفت إنتباهه بينما أتقدم نحو سريره
ولكنه رغم هذا لم يلتفت لي بل بقي شارداً في عالمه
أستطيع ملاحظة وجنته المحمرة من هنا
لا شك بأنه كان يبكي ولوحده..
بللت شفتاي قبل أن أقول بهدوء
" مرحباً باستيان، كيف حالك اليوم؟! "

أردت على الأقل بأن يجيبني ولو بـ لستُ بخير، مُدمَر، منكسر، حزين، مكتئب، أو أي شئ ولكنه فقط إكتفى
بـ" بخير "

"إنظر ماذا جلبت"
قلتها بينما أرفع الشئ الذي بين يداي أنتظره لكي يلتفت لي عندما فقدت الأمل بحديثه
" من الأن فصاعداً سنقوم أنا وأنت بالتعلم "

عند هذه الكلمة كان قد إلتفت إلىّ فرغم كل شئ يبقى
طفلاً تغلب عليه مشاعر الفضول

" أخبرتني أنك تجد صعوبة في القراءة لهذا أول ما
علينا فِعله هو أن نجعلك تتعلم القراءة وبعدها الكتابة
وعندها لن يستطيع أحد قول كلمة خاطئة بحقك "

كان يدحرج بصره نحوي ونحو الكتب التي بحوزتي
لا أعلم ولكن إستشعرت كما لو أن عيناه قد رقتا لوهلة
أعرف جيداً أنه سيساعدني لنجعله يتحسن، هو ليس
مثلما يقولون ضعيف، بل هو أقوى مما قد يتصوره أي
شخص
أرى ذلك في نظراته، يريد أن يثبت لهم جميعاً أنهم
على خطأ ولكنه لا يعلم كيف، وها أنا أقدم له الحل
بين يداي، وهو ليس بغبي كي يرفضه

سأجعله يثبت للجميع أنه أقوى من الإكتئاب ومنهم جميعاً، ولكن هذا يحتاج لوقت وتروي شديدين
وأنا جاهزة لهذا، يوما ما أثق بأنني سأرى وجهه البرئ
ينسج لي أجمل إبتسامة قد تراها عيناي،
وقتها فقط سأقول بحق أنني عالجت روحه.

.

.

.

كان يوماً حافلاً بالكثير من المشاعر والعواطف،
كنتُ قد خرجت لتوي من المشفى عائدة للمنزل
إلتقيتُ بأستارا قبل خروجي ولأول مرة كنتُ قد نسجت لها إبتسامة، ليس إبتسامة مُشفقة بل ممتنة!
كلامها ذاك قد جعلني أشعر بمشاعر غريبة عن نفسي
ككوني جيدة ولستُ مثلما أظن، يبدوا أن معتقداتي تتغير شيئاً فشيئاً،
هي قوية وصلبة وتستحق الثناء على قوتها تلك
فنسج إبتسامة كخاصتها بعد كل الذي قد مرت به
لهو يحتاج إلى قوة وقلبٍ حديدي.
مذهلة الناس التي تقابل الإساءة بالإحسان، وملهمة الناس التي تحارب اليأس بقمة الأمل وتخلق من الصدمات قوة دافعة للحياة، وتقول لكل شخص:
من حقك أن تبدأ من جديد، مهما كان العمر ومهما كانت الظروف، من حقك أن.. تعيش.

لسبب ما لم أرد إستقلال سيارة أجرة، أردتُ المشي
بهدوء لكي أنعم بهذا الجو الجميل، ونسمات الهواء
الباردة التي تنثر خصلات شعري الاسود بالهواء
تدحرجت حدقتاي نحو الحديقة ونحو ذلك المقعد الخشبي تحديداً
لم يكن موجوداً..
شعوراً بداخلي يخبرني أنني السبب.. كلماتي السبب
ولكن إلى متى... إلى متى سيظل يعيش في أوهامه تلك.. هي لن تعود!
مهما فعل وفعل لن تعود.. جميعهم لن يعودوا
ليتهم يستطيعون مبادلتنا الأمكنة
هم ينتظرون.. ونحن لا نعود!

إلتقطت عيناي تلك الورقة على ذلك المقعد
تقدمتُ بخطوات بطيئة لأرى ورقة قد تم تثبيتها
بحجر صغير كي لا تأخذها الريح معها بعيداً
شعرتُ بالتردد لأخذها أم لا
ولكن في النهاية قد وجدت نفسي أفتحها لكي
تسقط حدقتاي على ذلك الخط المتعرج كما لو أن
صاحبه يرتجف أثناء كتابتها

" بانتظارك..
غادرتِ دونَ وداع؛
تركتِ البابَ بغيرِ إغلاق..
فـ مكثتُ علىٰ عتبة الشوق؛
أرمي ببصري صَوبَ ذلك المِقعدِ الخشبيّ،
حيث آخِرِ لقاء..

لا أشعر بالتعب..
فقط.. غُصَّةً في مُنتصفِ أضلعي؛
تُعيقُ أنفاسي!
يتآكلُ قلبي اشتياقًا!
تمرَّدت ذاكرتي.. فـ مَحَت كُلَّ ما بها،
إلَْا ذكرياتي معك.

أنا.. بانتظارك! وسأبقى.. "

أغلقتُ الورقة لكي أرجعها مكانها بهدوء
في النهاية هو لم يكن مريضاً بالزهايمر بل كان مريضاً
بحبها...

.

.


.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رأيكم بالبارت؟

إنتقاداتكم؟

بدأت كتابتها 2024/1/7
إنتهيت من كتابتها 2024/1/9

.

.

.

رسالة إلى كل من لم تعجبه النهاية المفتوحة:

كنتُ أتمنى أن أقول أن النهايات السعيدة لا تحدث
فقط بالأفلام لكن الواقع ليس كذلك لاتوجد نهاية سعيدة للأبد..
الحياة مستمرة.. وإختباراتها لا تنتهي..
لهذا كونوا مستعدين .
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي