دُجى الروح

Hazeem Mohameed`بقلم

  • الأعمال الأصلية

    النوع
  • 2023-02-04ضع على الرف
  • 70.1K

    جارِ التحديث(كلمات)
تم إنتاج هذا الكتاب وتوزيعه إلكترونياً بواسطة أدب كوكب
حقوق النشر محفوظة، يجب التحقيق من عدم التعدي.

الفصل الاول

دُجى الروح

الفصل الاول
في زماننا هذا مهما كُنت حميدًا، طيب الأصل شريفًا لا تأمن الدهر وبشره في أن تُتهم بالخيانة، شريفًا كنت أو عزيزًا، أبيًا كنت أو وضيعًا فلن تُفلت من وصفك بعكس ما انت عليه في كل الأحوال.
لن تسلم نواياك من التشكيك فيها أبد الدهر حتى وإن كُنت صالحًا ناصحًا رفيع الخُلق، أنت هُنا في دُنيا التشكيك بجور أهلها وبؤس حالها وإضمحلال خُلق ساكنيها.
- إلى متى ستظل تتعقب أسري في الرواح والغدو؟
إلى متى ستظل تُعكر صفو حياتي بتصرفاتك هذي؟
بالله عليك أني سأمت كل ما تفعله، حتى أني بغضت وجودي في هذه الحارة لأجلك.
أرجوك كفاك إلى هذا الحد من أفعالك وأقوالك، أتركني في حالي وحياتي لله، كفاني ما أعيشه ولست بحمل هم أخر.
عليك أن تفهم أني لن أكون لك وأنت لن تكون الرجل الذي أرجوه، لمً لا تود فهم هذا؟ لمً كل هذا الأصرار وأنت تعلم أنه لن يغير في الأمر شئ؟
هو صوت خرج من فتاة في ريعان شبابها بملامحها الجذابة، ووجهها القمري البشوش، بعينين ينضح منهما أسى الدهر وأوجاعه، جمال يفتن جُل من ينظر إليها، فدون إرادته يهيم في عشقها، ثلاثنية العمر، ورغم هذا إن وقعت عينيك عليها تظن أنها لم تتجاوز العشرين بعد، بطولها المتوسط و ووجهها الطفولي ذاك.
بعد أن انتهت من حديثها حاولت أن تستكمل طريقها للعودة إلى منزلها، إلا أن ذاك القاسٍ طبعًا وخُلقا عاد مجددًا إلى إيقافها ومضايقتها، رجل لا يحمل من صفات الاسم شيء غير أنه شخص أعطاه الله من البنية الجسدية القوة، ومن الملامح الغلظة والعبثية، يلتف حوله مجموعة تُشبهه في الطباع، فاتخذوا منه زعيمًا وقائدًا لهم، هتف مرة أخرى قائلًا:
-من حقي معرفة سر التشبث الرهيب لديكي في رفضك الزواج مني؟
كيف تحول الحب والعشق الذي كان بقلبك ليّ إلى كل هذا البُغض والكره؟
كيف لقلب عرف طعم الحب وريحه أن يكره ويبغض إلى هذا الحد؟
تتعددت محاولاتي معك بكل الطرق وبشتى الإتجاهات ولكن في النهاية ماذا؟
كأني أتحدث مع صخر جامد لا قلب له ولا شعور، سلكت كافة الطُرق يا جهاد دون فائدة.
أعلمي جيدًا أنك لن تجدي شخصًا واحدًا على ظهر هذه الأرض يتمنى لكٍ الرضى ويحمل لكٍ في قلبه الحب والعشق كما أحمله أنا لكٍ في صدري.
لن تجدي غيري يُدير أمرك وينتبه إلى حاالك وحال والدك كمثلي، أثقسم أني سأجعلك ملكة في قلبي وعلى رؤس كل هذه الحارة بساكنيها.
خرجت تنهيده من جهاد تشعر من صعوبتها وكأن الروح تُسلب معها، لتجيبه بمُقلتين وقف الدمع على أعتابهما قائلة:
-  أُقسم لك يا سعيد أنك لو أخر رجال الأرض لن أكون ولن تكون لك أو ليّ.
-  لو أنك صرت تمتلك روحي بين يديك وصاحب الحكم والفصل في حياتي او مماتي والعياز بالله لن أخضع لمً تريد ولن اكون لك.
-  أرجوك كفاك إلى هذا الحد وأتركني ووالدي بحالنا وحياتنا.
كلانا لا يُشبه فينا الأخر، لست أشبهك ولا أنت بمثلي، كُنا فيما مضى مُتشابهان مُتحبان حبيبان، لكنك أتخذت طريقًا غير طريقي، طريق لا يحمل إلا سفك الدماء وتجارة المُخدرات وبيع السلاح، وما خفى كان أعظم.
فيما مضى كان الحال غير الحال أما الأن اصبح الأمر غير ما كان، ما زال أثر ما مضى منك محفور ب البال ولم يُنسى بعد, لا أنا ولا جُل أهل الحارة يا سعيد.
كفاك إلى هذا الحد يا سعيد وكفا كل ما تفعله، أتركني في حالي انا وولدي.
-  لك ما تُريدين يا جهاد الأن، لكن لنرى في النهاية من سيفوز، ابقى على حالك هذا وافعلي ما تشائين وما يحلو لك ونرى في النهاية اخر رغبتك.
ألقى كلماته الأخيرة ثم ابتعد عن طريقها وعاد إلى صحبته تلك، أولئك اللذين كانوا يراقبون حديثه وما يفعل من بعيد، جالسين على إحدى المقاهي المتواجدة في المكان، حارة قديمة باقية كما هي بشموخ القٍدم في المباني والشوارع والطُرقات، فما تبقى منها حقًا إلا جدرانها، إلا أنها فقدت عراقتها وقٍدمها من الرجولة والمرؤة والاتحاد، طباع آبائنا وأجدادنا.
إن أصاب أحد منا مُصيبة فزعت له جدران الحارة بأكملها قبل أصحابها، فـ التفوا حول المصاب ساندينه حتى تنقضي مُصيبته، إن كان في بيت أحدهم وفاة حزن الجميع لأجلها، وإن كان فرح سمعت أصوات الجدران بالزغاريد قبل أهلها.
في حارة لم يبقى من شموخها إلا جدرانها، أما أهلها فاندثرت طباعهم بمرور الزمان، وأصبح المتحكم في أمورها ذاك السعيد الذي لا ينتمي لاسمه بشيء، هو والمجموعة التي تلتف حوله، لا يستطيع أن يقف بوجههم أحد في المكان.
حين وصل الى مجموعته، سحب كُرسي ثم جلس برفقتهم بضجر طغى على ملامحه، وأخرج سيجار من عُلبته ليأخذ منها أنفاسا مُتتابعة، يُخرج معها هالات الغضب التي باتت تحاصر قلبه من محاولاته المستمرة في الظفر بتلك الجهاد، إلا أنها ما زالت تقف أبيه، شامخه في وجهه، كقائد خذله جُل جيشه، فبقى في أرض المعركة وحيدًا يُقاتل بشموخ بطل.
-  ما بك يا زعيم! وإلى متى سيظل أمر تلك الفتاة يبدل حالك؟
-  متى يكُف عقكل عن التفكير في أمرها؟ ويصمت قلبك عن الحنين إلى ماضيها؟
أكمل سعيد شهيقه وزفيره من سيجاره دون أن يُلقي بالا بما يُلقى له من حديث، فتحدث آخر بسُخرية عن حالة زعيمهم وما وصل إليه من اللين بسبب فتاة، ليتدخل آخر على سبيل السُخرية، لتتحول الجلسة إلى حفل اُقيم على شرفه بسبب تبدل حاله، إلى أن فاض به الكيل فألقى سيجارته بعنف ، ثم نهض ممسكًا بعنق آخر من تحدث منهم، بسبب ما تلفظ به كلمات أثارت روحه الغاضبة، فناوله لكمة في وجهه على إثرها تناثر الدم منه ثم هتف بحدة:
-  إن سمعت كلبً منكم يتحدث في هذا الأمر مُجددًا لن يجد مني إلا كل ما يبث الرعب في قلبه.
إن تفوه أخر بشئ من العبث الذي تقولونه هذا اقسم أني سأقص لسانه حتى لا يستطيع الحديث في شئ اخراي كان هو، أظن ان حديثي واضح كوضوح الشمس للجميع مفهوم؟
بدا الذعر والرعب على وجوههم جميعًا فهتف أحدهم بخوف:
-  نطلب منك السماح يا زعيم، لم نقصد أبدًا الأهانه أو المُضايقة، بل نتثامر سويًا لا أكثر.
بالإضتفة إلى أننا لا نود أن نترك أعمالنا ومصالحنا ونسير خلف أشياء لن تُفيدنا في شئ سوى أنها تُضيع وقتنا فقط.
أمورنا في الأونة الأخيرة باتت لا تصر حبيب أو عدو، قلت مصالحنا وشحت أموالنا وبات الأمر عصيبًا.
ترك سعيد ذاك الذي كان يُمسكه، ثم عاد وجلس على مقعده مُتحدثًا بهدوء لا تزال شظايا الغضب تتطاير منه:
-  اممم، سنعود إلى سيرتنا الأولى من جديد، سنعاود إلى اعمالنا وهذا الأمر الذي ارسلت خلفكم من أجله.
اُبلغت بعملية جديدة ستكون بمثابة العوض عن الإيام العجاف التي مرت علينا مُؤخرًا، ولن تكون الأخيرة بل هي بوابه جديدة للعديد من الأمور القادمة.
هتف أحدهم بفرحه:
-  أخيرًا هذا هو الحديث الذي يثفيد ويسر القلب حقًا، هذا هو الزعيم سعيد وقد عاد وعاد معه الخير لنا، لقد هرمت لسماع مثل هذا الخبر، نعود مُجددا للعمل، لكن ما هي العملية التي تُشير إليها؟ عبارة عن ماذا؟؟
-
نظر لهم سعيد بابتسامة عابسة، ثم أجابهم وهو ينهض من موضعه مُغادرا المكان:
-  تريث يا خيري، في الغد تعلم كل ما يحق لك أن تعلمه لا تتعجل.
على أي حال فإن القادم سيكون ملئ بما تشتهي أنفسكم فلا تقلقوا، فقط كل ما أريده منكم هو الإستعداد وأن تكونوا جاهزين، فـ القادم لا يُريد الإ أصحاب القلوب الميته ها!
صمت سعيد لوهلة ثم نهض من موضعه مُتحدثًا وهو يُغادر المكان قائلًا:
-  أراكم غدصا في المكان المخُصص لنا، نلتقي في اول الليل سلام.
أنهى حديثه ثم أكمل طريقه تاركا من خلفه حاشيته الفاسدة تلك التي تطبعت بطباعه، لكن مهما كانت قساوة قلوبهم إلا لن يصلوا لقسوة قلبه لم يلن يومًا إلا لتلك الفتاة التي سحرت عقله قبل قلبه، فبات لا يرى غيرها ولا يفكر بأمر سواها، أما عنهم فـ الابتسامات زينت وجهوهم بالأخبار التي تلقتها آذانهم منذ لحظات، يتوقون إلى العودة لعملهم من جديد، حتى وإن كانت أفعالهم تخالف قواعد المجتمع وأخلاق الدين الحنيف، إلا أنهم يرون أن ما يفعلونه هو الصواب، ما يزيدهم قوة وثقة بالنفس، وكأن النقص الذي يعانيه كل منهم يعوضونه في ما يفعلون.
***
وصلت جهاد إلى بيتها في الطابق الرابع، منزل تظهر عليه علامات الدهر، فوجدت باب منزلها مفتوح، تسمرت للحظات موضعها بعقل دار فيه من الأفكار السوداء ما كاد يُوقف قلبها، فهرولت سريعًا إلى الداخل، إلا أن روعها قد هدء حين وصل لآذانها صوت فتاها الوحيد ذو الخمس سنوات يبتسم ويقبل عليها بفرح، انحنت بحنان على ركبتيها تضمه إلى صدرها، ثم رفعته بحنان وتحركت إلى الطاولة المتواجدة بمنتصف البيت الذي يتكون من غرفتين وصاله متوسطة، بيت متواضع إلى حد كبير، ثم جلست على أحد المقاعد المجاورة للطاولة ثم تحدثت بـ ابتسامه حانية:
ـ كيف حالك يا أستاذ رحيم، أتمنى من الله أن تكون بخير حال أنت وصغيرتك ياسمينا.
خرجت ابتسامة خفيفه زينت ثغر ذاك الذي ما زال جالسا في موضعه بوجه قمحي، من الوهلة الأولى التي تنظر له تجد في ملامحه مسحة الرقة والحنان، بلحية مُهندمة سوداء كسواد الليل، ونظارة كلاسيكية بسيطة في بداية العقد الثالث، شخصية تُرى من ملامحها الهدوء والغموض، أجابها بشبه ابتسامة قائلًا:
ـ أنا الحمد لله بخير يا أستاذه جهاد، ايضًا ياسمينا بخير ولله الحمد، هي على حالها المُتعب في اللهو هذا وغلُب أمري معها، لكن على اي حال نحن في زحام النعم.
لا أعلم ماذا أقول غير أني أعتذر بشده على دخولي المنزل وأنت خارجه، لم اتحمل أن أسمع صوت بكاء جود ونحابه هذا، حتى طلبت منه أن يفتح لي باب المنزل ومن ثم جلست معه حتى هدء روعه وها أنت قد عُدتي بسلام.
ـ لا داعي لـ أسف ولا لشئ يا أستاذ رحيم، يعلم الله معذتك في قلوبنا، وأن من بعد وفاة سليم زوجي قل من يسأل عن حالنا أو يدق باب بيتنا يرى إن كان ينقصنا شئ او يطمئن على حالنا غيرك والقليل القليل من الجيران.
بـ الإضافة إلا أن جود شديد التعلق بك، يراك بمثابة الوالد له، خاصه وان والده توفى وهو لم يُكمل الثانية من عمرة، فـ حتى ملامح والده لم تترسخ في ذهنه.
تنهد رحيم بهدوء لا يعلم بما يُجيب غير أنه قد يكون قد اعاد في مُخيلتها بعض الذكريات الحزينه، فـحاول رسم بسمة هادئة على محياه يُعالج بها ما قد يكون سببه من جزن ثم تحدث:
-  لا داعٍ لمثل هذا الحديث يا سيدة جهاد، هذا اقل القليل الذي ينبغي عليّ فعله لكما على الاقل كجيران، ولا ثيم أن نبينا المُصطفى "صل الله عليه وسلم" أوصى بالجار خيرًا حينما قال:
" ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"
صدق الرسول الكريم.
أما عن جود فـ يعلم الله انه بمثابه ولدي ولا يقل عن ابنتي في شئ.
-  لا اعلم ما يمكن قوله بعد حديثك هذا استاذ رحيم، لكن شكرٍا على كل ما تفعله معي او مع ابني، رغم أن كلمة شكر لن تفي بشئ.
نهض رحيم من موضعه مستعدًا لمُغادرة المكان عائدًا لمنزله بابتسامته التي ما زالت تُزين ثغره قائلًا:
ـ لا داعي للشكر، لم أفعل شئ يستحقه، أستأذن أنا فمن المؤكد أن ياسمينا تنتظر على أحر من الجمر الأن، ولو أردتي شئ في أي وقت أنا في الخدمة، في أمان الله.
في قلبها الاف الاشياء التي ودت لو أن بإستطاعتها التفوه بها، غير انها تبقى صامته مُحتجزة كل تلك المور في قلبها فقط، أفكار ومشاعر في قلبها كـ أمواج تتضارب بسفينة قلبها ذات اليمين وذات الشمال، شئ من الحب أصاب قلبها تجاه ذاك الوجه الغامض في كل أموره، إلا أنها سرعان ما أنهت شرودها هذا وقبل أن تطأ قدمه خارج المنزل، نهضت جهاد من مقعدها قائلة بتوتر:
-  هل لي بسؤال إن تكرمت استاذ رحيم؟
-  بكل سرور، سليّ ما يحلو لكٍ.
هتفت بينما تتحاشى النظر لعينيه كأنها ترتكب جرمًا ما:
-  ارى منذ اليوم الأول الذي أتيت فيه إلى هُنا منذ أكثر من ثلاث سنون منقضية، اتيت أنت وأبنتك فقط دون زوجتك او والديك.
لا يعلم احد من هذي الحارة عن والديك شئ ولم تخبر شخصًا عن حياتك السابقه غير وفاة زوجتك فقط.
هل ليّ بمعرفة كيف توفت؟ أو لم الى الان جالس بمُفردك دون زواج خاصة وان ابنتك بحاجه لرعاية في سنها الصغير هذا؟
ايضًا أنك بسم الله تبارك الرحمن سيرتك وصيتك لا غبار عليه بين جُل الحارة رغم المدة القصيرة التي قضيتها هنا واي سيدة تتمنى الزواج بك.
توقف رحيم موضعه بعد أن وصل لباب المنزل، وكأن كلمات جهاد قد أمسكت بقلبه وهوت به من أعلى منحدر جبلي فحولته لحطام، حاول ترتيب بعض الكلمات، أو تكوين جملة وحجة تمكنه من الرد على حديثها، إلا أنه قد فشل في ذلك، وغلبته عَبره سقطت من مُقلتيه رغمًا عنه، حاول إخفاءها سريعًا حتى لا تراها تلك التي فتحت في قلبه أبوابا من الحزن كان يُحاول جاهدًا على الأقل مُوارتها، رغم أنه يعلم أنها أبواب لن تُغلق أبدًا مهما حاول مرارً فعل ذالك، بحركة خفيفة أزاح تلك الدمعة قبل أن تغادر مآقيه ثم تحدث وهو يُغلق باب منزل جهاد خلفه:
-  لو احتاجتى لشئ ما يُمكنك دق بابي فـ أنا في الخدمه اُستاذه جهاد، وغدًا إن شاء الله سأمر عليكٍ وجود لو أردتما شيئًا، ليلة سيعده سيدتي.
أنهى حديثه ثم أغلق باب المنزل، لم يترك مساحه أو مُهلة لجهاد للحديث بأي شيء إضافي عما قالته، تلك الحركة التي جلدت ذاتها لمً قالته له.
لو كان لديه نية أو عزم على أن يُخبر أحدًا عما حدث لزوجته لكان فعل ذلك منذ سنوات مضت، إلا أن الفضول المُميت يأبى أن يتركها قبل معرفة ما وراء ذاك الغامض.
لا تُخفي عن نفسها سرًا أنها ما تمنت أحدًا بعد زوجها كـهذا الرحيم الذي امتلك قلبها رغما عنها، لا تعلم ما السر في ذالك لكن كل ما يقدمه لهم من تضحيات بالوقوف في وجه ذاك العاص سعيد كلما أراد أن يمسهما بسوء، يقف في وجهه رحيم مانعا إياه من التعرض لهم، هو الوحيد القادر على الوققوف بوجه ذاك الطاغية دون خوف، فرصيده من حب الجميع في المكان يجعل منه ندًا لسعيد، تنهدت بتعب لا تعلم ما الذي تفعله مع ذلك الغامض، وإلى متى ستظل واقفه أبيه في وجه سعيد، لا شك أنه سيأتي اليوم الذي تنفذ فيه طاقتها، حينها ستصبح ضحية سهله المنال له ويحقق مُبتغاه.
أفاقت من شرودها على صوت جود الذي أخبرها أنه جائع، ابتسمت له ابتسامه حانية ثم طلبت منه أن ينتظر للحظات حتى تُعد له ما يبغي ويحب من الطعام، فأماء جود بعفويه طفولية وجلس على أحد المقاعد الموجودة في انتظار إنهاء ما وعدته به والدته.
***
أما عن ذاك الذي غادر منزلها نحو خاصته بأثقال كان في غنى عنها، لكن الكلمات التي ألقتها جهاد على كاهله أضافت أثقال اُخرى، كأن ما يحمله من هموم وأسى لا يكفي، بحركات مُتباطأة وكأن أكياس من الرمال تعلقت في قدميه فأثقلتهما عن الحركة فتح باب منزله، فإذ بملاك صغير في عمر الرابعه تُقبل عليه بشغف طفولي قائله:
ـ بابا، وحشتني جدا.
تنهد رحيم بابتسامة فيها من الحنية والأمان ما يكفي لتوزيعه على العالم بأسره، فحملها بين ذراعيه والتف حول نفسيه مرتين مما جعل ضحكاتها الطفولية تملأ الأرجاء، ثم وضع قبله على جبينها هامسًا بحنان:
-   ياسمينة عمري، وأنت ايضًا وحشاني يا ست الحسن بحجم الدنيا وما فيها، حقك عليا أني تأخرت اليوم لم يكن بودي هذا التأخير ولذى قررت أن نخرج اليوم في فسحة إلى الملاهي، فما رأي صغيرتي الجميلة في هذا الإقتراح؟
بفرحة طفولية، تعلقت ياسمينا بعُنق والدها ثم أجابت بلهفة: موافقة بالتأكيد هيا بنا الأن.
ابتسم رحيم بحنان ثم طلب منها الانتظار قليلًا ريثما يلتقط أنفاسه للحظات ويُبدل ملابسه، من بعدها يذهبان حيثما تُريد، أماءت ببراءة موافقة على طلبه، وابتعدت عنه قليلًا ليفعل ما يُريد، دلف رحيم إلى غرفته ليُبدل ملابسه سريعًا ومن ثم يُصلي فرضه، لم يستغرق الأمر منه الكثير فسُرعان ما انتهى مما يفعل ثم بدل ملابس ياسمينا سريعًا وتحرك بها إلى خارج المنزل حيث وعدها.
فور خروجه من منزله وجد جود يلهو في الطرقة الصغيرة الفاصلة بين الشقتين، طالعهما بابتسامة عفوية، ثم ترك ما كان يفعل واقترب من رحيم قائلًا له:
-  إلى أين ذاهبين؟
صمت رحيم للحظات يحاول إيجاد إجابه مُناسبة لسؤاله دون الحقيقة حتى لا يؤذي قلبه الصغير، لكن ياسمينا لم تمهله الوقت الكافي لإيجاد جواب على ما طرحه عندما قالت بعفوية:
-  ذاهبين إلى الملاهي أنا وأبي أتود المجئ معنا أنت أيضًا؟
تجلت الفرحة على ملامح الصغيربعدما سمع ما قلته ياسمينا دون أن يُجيب، فلم يبقى الصمت طويلًا حتى قاطعهما صوت جهاد الآتي من داخل المنزل بحثًا عن مكان الفتى الصغير، ابتسمت حين رأت رحيم وياسمينا أمامها، فقالت بابتسامة مشرقة:
ـ أهلا استاذ رحيم، كيفك يا ياسو،هل أنت بخير؟
ـ بخير ماما جهاد، ذاهبين أنا وابي إلى الملاهي وايضًا جود يود المجئ معنا.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي