أنا ولوحتي

حنان عبد الرحمن`بقلم

  • الأعمال الأصلية

    النوع
  • 2022-11-20ضع على الرف
  • 60.6K

    جارِ التحديث(كلمات)
تم إنتاج هذا الكتاب وتوزيعه إلكترونياً بواسطة أدب كوكب
حقوق النشر محفوظة، يجب التحقيق من عدم التعدي.

الفصل الأول

الفصل الأول

(أوراق محطمة)

لكم أحبك أيها الرحيل، لا أعرف لِمَ؟!

بداخلي شعور غريب يسألني الرحيل، أريد أن أترك ورائي كل ما أملك، أن أتجرد من كل شيء يربطني بذاتي،
ينتابني إحساس بأني أرغب في أن أمضي في طريق
بلا أسوار، طريق خال من كل ما يثقلني.

لا أريد أن أحمل في يدي حقيبة سفري، سأصنع رداء
من مشاعري، ولن أرى بعيني إلا ما أريد لعيني أن تراه، وبعدها فليكن ما يكون.

ما أجمل هذا التحدي!

عندما أعاند كل ما يعترضني، يجتاحني شعور بالرضا،
فقط لأني حطمت كل قيودي، وحلقت هناك بعيدا.

هذه أفكاري وأنا أعبر طريقي إلى حيث أعمل، فعملي هو وحده من يمكنه أن يتحكم في، وله فقط أسلمت
أمري، وكأني مسلوبة الإرادة.

طوعت له كل مبادئي، ربما لأنني به أحقق ذاتي، فهو كياني ورأسمالي، كل ما أتمناه وأنشده لا يكون له
وجود إلا من خلال عملي، كما أني أجد في عملي
منتهى لذتي.

فأنا أعمل كاتبة صحفية في جريدة آفاق، أكتب
مقالات عن الأحداث المتداولة في الساحة، كما أكتب في مجال الأدب، أعبر فيه عن قيمي وغاياتي؛ ليقرأها
من يشبهني، وعلمت من ردودهم على كتاباتي أنهم
قليلون، ولا يعنيني الأمر.

أن نكون فئة قليلة هذا من دواعي فخري واعتزازي،
وإني حقا لمدينة لصندوق بريد الجريدة الذي يمنحني كلمات القراء؛ فأتعرف على قيمهم التي كدت أظن
أنها ما عادت موجودة في زماننا.

ربما أنها موجودة فى مكان ما، لا يهم أن نلتقي،
يكفي تواصل أرواحنا الشفافة، هؤلاء هم من
يعطونني الأمل في مقاومة اليأس الذي ينتابني،
فبهم أرتقي، ولأجلهم أتمسك بقيمي.

منحوني شعورا لا يقدر بثمن، فأن أجد من ينتظرني
على لهفة؛ ليقرأ ما يخطه قلمي هو ما جعلني أن
أثابر من أجلهم.

فلدي إيمان بأن القارئ يرتبط بكاتبه بشكل ما،
هناك دائما رابطة تجمعهما في سلسلة من القيم،
وإن اختلفنا قليلا، ولكن ربما من الاختلاف ينضج
الكاتب والقارئ سويا.

عندما دخلت إلى مكتبي المشترك بين زملائي في
الجريدة، وفي اللحظة التي عبرت فيها باب حجرة
المكتب في واجهة الطاولة المكتنزة التي تحمل آنية الزهور، وقعت الآنية و تحطمت، وتناثرت المياه على
الأرضية.

شعرت بضيق رغم أني أكره التشاؤم، و لكي أطرد هذا
الإحساس الذي غلبني قلت في نفسي:

-لعله خير..

جاء عم رضا وهو يتمتم:

-ما الذي جرى؟! لا حول و لا قوة إلا بالله، فداك
أستاذة رحاب.

نظرت إليه لأقول له:

- لست أنا من أوقعت آنية الزهور.

ولكنه لم يلتفت لي، وظل منشغلا بتنظيف المكان.

ألقيت التحية على زملائي و زميلاتي في المكتب، كان الكل منشغلا لدرجة أن ردهم كان بالكاد.

نظرت إليهم في سخرية، و قلت في نفسي:

-إلى هذه الدرجة هم منشغلون حتى عن رد التحية؟!

ومن هنا طرأت لي فكرة مقالي الحالي، وإن كان لها خلفيتها التي تكونت سابقا في أفكاري، فقد اعتدت
أن أكتب مقالات عن بعض المعاني التي غابت عنا،
نشرت منها، واحتفظت ببعضها، وظل العديد منها
معلقا بفكري.

استرحت على مقعدي، وأخرجت أوراقي التي ظلت
طيلة الليل حبيسة درجها، وألقيت عليها تحيتي،
وتناولت قلمي المفضل من مقلمتي الخشبية،
وبدأنا سويا نبوح بما في صدورنا، وبعد أن انتهيت من كتاباتي شعرت براحة، فقد أفرغت مكنوناتي التي
ظلت راقدة في أعماقي، لا يعرف بها سوى الله.

الآن ستخرج إلى النور بعد فترة غياب، ستشعر بالأنس
بين عقول قارئيها، و ما كان يقرأها إلا عقلي كلما
تأزمت من موقف ما.

ترى:
-عن أى شيء تحدثت في أوراقي؟

لم يكن بالأمر الخطير، كتبت عن غياب المعاني في
زحام السطور، عندما يتصارع البشر لأجل البقاء، وكأننا في غابة يملكها من يستطيع أن يسود فيها، وإن كان الثمن أن يسحق غيره دون أن يبالي، أو يشعر بالأسف.

تجردت الإنسانية من مشاعرها، وفقدت الأحاسيس
دفئها، وتبلدت بيننا العلاقات الودية، انشغلنا في
حياتنا بالمادية، وتخلينا عن العواطف العفوية.

أصبحت الحياة لونا واحدا نختاره وفقا لظروفنا، ونسينا أن ننظر إلى الشمس؛ لنرى خيوط الألوان الممتزجة
التي تبهج النفس، وتبهر العين بصفائها؛ لننتقي
منها مع كل يوم لونا يعطر أوقاتنا العصيبة.

أصبحت لا أرى إلا لونا واحدا هو لون التلوي من أجل الوصول إلى ما نريده، أصبح للجسد البشري القدرة
على تغيير جلده والتشكل بأشكال مختلفة على
حسب الموقف الذي يقفه:

-من الذي أجبره على ذلك؟ أهى الروح الخبيثة بداخله أم مكر الشيطان الذي وقع فريسته؟!.

-لقد انتهيت من مقالي، لعله يعجب أستاذ منير.

نهضت من مقعدي، وسرت إلى مكتب رئيسي في
العمل أستاذ منير توفيق.

لكم أحب هذا المكتب الكلاسيكي الجذاب بألوانه
الداكنة، وتصميماته الهادئة.

إنه بمثابة حياة عندما تدخله تشعر بأنك انتقلت عبر
الزمن؛ لتعود إلى الوراء في رحلة إلى الزمن الجميل،
الزمن المفقود في وقتنا.

دائما ما كنت أحب أن أجلس إلى أستاذ منير في
مكتبه، وأتناول معه قهوتي، أحدثه في مقالاتي
واهتماماتي، ودائما ما كان ينصت لي باهتمام.

فبيننا شيء مشترك، روحه الجميلة، حديثه الجذاب،
وإيمانه بأحرفه، وأكثر ما كنا نتحدث فيه هو الفساد
الخلقي الذي يمكنه أن يدمر حياة أفراد بكاملها،
وحياة مجتمع، وحياة أمة.

تحاورنا ما يقرب من ساعة حول مقالتي، ورغم اقتناعه بكل سطر كتبته إلا أنه عارض نشره، وعندما سألته عن السبب قال لي:

ـ موضوعاتك لا تحقق الفائدة المرجوة لنشر الجريدة.

- أي فائدة تقصد أستاذي الفاضل؟!.

ـ أنت تعلمين أن الهدف الأساسي لجريدتنا تحقيق
أكبر عدد ممكن من المبيعات.

- والفائدة الأدبية؟! ليس لها أي اعتبار.

ـ الناس لا يستهويها مثل هذه المقالات؛ فهم يريدون موضوعات أكثر إثارة.

- من هم، عمن تتحدث؟!.

ـ أتحدث عن القراء.

- وهل كل القراء ممن يهتمون بأخبار السياسة
والرياضة واﻻقتصاد، أو ممن يلهثون وراء فضائح
الآخرين تحت ما يسمى بالقضايا اﻻجتماعية.

ـ ليس الكل طبعا، هناك من يهتم بالآداب، ولكنهم
قليلون.

- وما الضرر في أن يكون المهتمون بالأدب فئة
قليلة؟! وأنا أراه طبيعيا للغاية.

ـ لا تجادلي سأجعل مقالاتك موضع اهتمام إلى أن تتاح الفرصة وأنشرها لك.

- إذن ستكون مقالاتي مجرد كمالة عدد، إن اتسع
المجال سيتم نشرها وإلا تعود إلى أدراجها.

ـ هذا ما يمكنني أن أقدمه لك، عودي إلى ساحة
الأخبار؛ فقد حققت نجاحا، وكنت أكثر نشاطا.

- شكرا لك أستاذي الفاضل ولكني سئمت الأخبار، لا
أجد نفسي في مجالها ربما كنت مخطئة عندما
إتجهت إليها، فأنا مكاني في الآداب، ودراستي أدبية.

- لا تنسي فضل الجريدة عليك لقد منحتك اسم من
ذهب ينتظره القراء، وكأنهم على موعد معك.

- لا يمكنني أن أنسى إنه مكاني وأنا أنتمي إليه،
ولكنه مكان مجدب مقفر.

- كيف وهو يقدم الكثير، ألا يمكنك أن تلمسي هذا؟

- إن ما يقدمه في نظري هو شيء سطحي يشبه ما
يقدمه الآخرون.

- إننا نطرح العديد من الموضوعات التي تهم القارئ، وتجذب انتباهه.

- نعرضها بشكل غير مجدي له، مجرد حبر على ورق.

- هذا دورنا أن نسلط الضوء على القضية لنوقظ
الغفلة فينا.

- وهل أيقظناها؟!.

- أعتقد ذلك، وعلى العموم نحن لا نملك إلا أن نعرض الأمر على الجمهور، وهم يقررون، لا يمكننا أن نفرض
عليهم شيئا.

- لكننا لا نثري القضية بما يدعمها، إنها لا تأخذ
وقتها، وقبل أن ننتهي منها ننتقل إلى أخرى؛ لنترك السابقة معلقة.. وهكذا.

- لا تشككي في مصداقية جريدتنا، وإلا ماذا يتبقى
لنا؟.

- لا أشكك؛ لأني أعمل فيها، وأعرفها جيدا، ولو لدي شك ما استمريت فيها ولكني أراها لا تختلف عن
غيرها، أريد لها التميز.

- أنا أفكر في الأمر منذ وقت، وسأعقد اجتماعا؛ لنرى ماذا يمكننا أن نقدمه من فكر جديد، وطرح فعال
لا يقتصر على مجرد نشر العبارات والجمل في الجريدة؛ لتقرأ.

- لذلك سأمت الأخبار، وجدت نفسي أمامها مجرد أداة للنقل ليس أكثر.

- وما الذي يمكنه أن يرضيك؟.

- أن أتبنى القضية حتى النهاية، وألا أتركها معلقة
قبل أن أنتقل لغيرها.

قلت له:

- هذا هو الشيء الذي أريده، والذي فقدته في عملي، وأصابني بخيبة أمل في نفسي؛ فرجعت إلى الفلسفة
والمنطق والأدب؛ لأكتب مقالات عن قيم مفقودة في حياتنا، ومازلت في خيبة الأمل نفسها حيث تنشر
مقالاتي كل حين.

خيم الصمت علينا فترة، هممت أن أنصرف، يبدو على
جبيني الشعور بالضيق فقد تقلصت الخطوط التي
تعلو حاجبي.

شعرت بالحرج الشديد في نفسي من لهجته، و أعتقد
أنه أدرك ذلك، حاول أن يخفف عني؛ فغير من نبرته
على الفور، كان يعلم مدى حساسيتي.

زال عني ضيقي؛ فطبيعة الحوار هى من فرضت علينا
هذه اللهجة، كما أني احتددت عليه.

وعاد الحوار بيننا أكثر ألفة، وأحن فى عباراته:

ـ رجاء قدري موقفي، فلابد لهذه الجريدة أن تستمر،
وتستمر بشكل جيد، وأنت على دراية أن الاستمرار
يعني النجاح.

صمت لحظة ثم عاود حديثه:

ـ أقر لك بأن موضوعاتك لا يقتصر نشرها على وقت
معين، ولكن مجالها مفتوح؛ ولذلك أرى أنه لا بأس
من أن تنتظر قليلا.

- أعلم أنه سيأتي الوقت الذي تجد فيه مقالاتي
صداها في عالم القراء، أذكرك أن المادية طغت على حياتنا، وافتقادنا لمعان أصيلة غربتنا عن أنفسنا دعوة للقارئ ليبحث عن الكلمات التي تعيد إليه ما غاب
عنه، وأهملنا وجوده.

ـ طالما أنك تؤمنين بهذا؛ فأؤكد لك من خلال خبرتي
أنه في وقت ما ستحقق مقالاتك الهدف المنشود،
وعندها لن أتخلى عنك، سأساندك بكل ما أملك
وأدعمك، وسوف ترين.

عاودتني ثقتي بنفسي بعد أن كدت أفقدها، وقلت له وأنا على يقين:

- نعم سيدي الفاضل، لدي إيمان بأني سأمحو آلام
الكثير بكتاباتي، شكرا لك مرة أخرى، وأعتذر أني
أثقلت عليك.

ـ لا تعتذري؛ فأنت تعلمين مكانتك عندي، ودائما أنا هنا من أجلك.

عدت إلى مكتبي ألملم أذيال خيبتي، وأثناء مروري
ﻻحظت نظرات زملائي لي، بعضهم من يشمت،
والبعض الآخر يشفق، وإني لأمقت أن يشفق علي أحد.

علمت بحالهم دون أن ألتفت إليهم، فأنا أعرفهم
جيدا، وسبق لي أن درست أخلاقهم ليس عن قصد،
ولكن المواقف التي مررنا بها سويا كشفت لي عن
نواياهم، وعرفت الصديق الحقيقي من الزائف الوقتي.

اندفعت إلى مكتبي أحس بشيء من الإحباط، فإن كان ما أكتب ليس له قيمة، فأين نجد القيمة؟!.

في تلك المقالات التي لا تهدف إلا لإثارة مشاعر
الناس إلى العيوب والمساوئ لمجرد أنها تجذب
الانتباه وتحقق الربح.

ولكن .. هل صداها يبقى و يعيش أم أنها تنتهي
بانتهاء يومها؟.

ويكون مكانها سلة المهملات عندما تلقى الجريدة
بعد قراءتها كما هو معتاد، أو تنسى في مكان ما
مهمل من المنزل حتى يعلوها التراب؛ فيصفر ورقها، ويبهت حبرها، وتتلاشى أحرفها.

القيمة ليست مجرد حبر على ورق يباع كل يوم، ولكن
وجودها يدوم بدوام تأثيرها في النفوس؛ فتظل
محفوظة في القلوب؛ لتعطي نتائجها بين الحين
والآخر.


(لست عاجزة)

أخرجت من بين الأوراق التي حملتها إلى الأستاذ منير
توفيق مقالة أدبية بعنوان:

"من له أن يسلبني حقي في الحياة".

لم تكن لي ولكنها كانت لأختي هند.

هند تكبرني بسبعة أعوام عندما كانت في الخامسة
من عمرها أصيبت بحمى شديدة أثرت على حركة
رجليها، ومنذ ذلك الوقت فقدت قدرتها على الحركة
إلا حركة خفيفة تعطيها الأمل بين الحين والآخر،
وظلت قعيدة كرسي متحرك، من وقتها أغلقت على
نفسها، ورفضت الخروج إلى الحياة.

عذبتنا كثيرا بانطوائها، وانغلاقها على نفسها، ورغم محنتها إلا أنها ظلت في دراستها إلى أن حصلت على ليسانس الآداب قسم اللغة الإنجليزية.

اطلاعها في الآداب خاصة العالمية المترجمة أكسبها مهارة في صياغة مقالات أدبية، كتبت عدة مقالات في الأدب، لم يقرأها سوى أنا وهى، احتفظت بها في
مذكرة خاصة بها تعود إليها كلما أرادت.

كانت ترى في كتاباتها الحياة التي حرمت منها منذ صغرها، لم تعش فترة مراهقتها كأي فتاة عادية،
وعندما التحقت بالجامعة ما كانت تذهب إلا في فترة الامتحان.

بعد تخرجها لم يكن الحصول على عمل بالأمر الهين؛ لهذا فكرت في أن أنشر لها مقالاتها في الجريدة التي أعمل بها فهى موهوبة ومقالاتها هادفة.

عرضت عليها الأمر، رحبت به، ولكني لم أستطع أن
ألبي لها رغبتها، لم يكن في مقدوري أن أدخل
السرور إلى قلبها، وأحقق رجاءها.

لا أدري كيف أواجهها بالأمر؟

من المؤكد أنها ستحزن، لا أريد أن أزيد من همها،
فيكفي ما عانته طيلة عمرها من حرمان،ولكن من
يفهم، من يهمه الأمر؟ هى مجرد فتاة قعيدة، من
يهتم لشأنها؟.

هل أعود إلى الأستاذ منير ربما يتعاطف معها؟!.

ولكني أكره هذا، لا أحب أن أستعطف أحدا، إنه ضد
مبادئي، ولِمَ أتذلل؟! لأجلها؟. ولكن كرامتي تأبى أن
تفعل هذا.

قررت أن أخرج من مكتبي، وأذهب إليها، فقد عودتني هى بحكمتها أن أناقشها في كل ما يخصني قبل أن
أتخذ قرارا ما.

دائما ما أشعر براحتي كلما تحدثت إليها، وكأني أكلم نفسي، لديها من الفطنة ما يجعلني أعود إليها في
كل أموري.

لم يكن البيت الذي أسكن فيه بعيدا عن الجريدة التي أعمل بها، كنت أمشي مثقلة الخطى، أرغب في ألا
أصل، أفكر كيف أقول لها الأمر دون أن أجرحها، أو
أتسبب لها في ألم يضاف إلى آلامها.

ما أقسي إحساسي بالعجز! ليتني ما اقترحت عليها
الأمر، ما كنت أقف موقفي هذا، حاولت أن أسعدها
بأعمالها، ولكن سوء الحظ نال مني.

وصلت إلى البيت، وقفت لحظات أمام باب الشقة،
أنظر إلى الأتربة المتلاصقة في جوانبه، أمسحها
بإصبعي ثم أنفخها في الهواء، كدت أن أتراجع، وأعود من حيث أتيت، ولكني قررت أن أواجه مهما كان في
هذا من قسوة.

طرقت الباب طرقتي المعهودة المضطربة، سمعت
صوتها آتيا من الداخل، تغلفه نبرة تفاؤل وأمل:

- انتظري رحاب، أنا قادمة.

كانت فى غرفتها، تراجع مقالاتها استعدادا لنشرها
في الجريدة، استقبلتني بابتسامة متلهفة، حاولت أن
أتكلف ابتسامتي، وكان هذا واضحا.

لقد قرأت ما أردت أن أقوله دون أن أتفوه به، فدائما ما كانت تقرأ أفكاري، وتشعر بما يدور بداخلي، وتبدي
ملاحظتها على أحوالي المتقلبة دون أن أسألها.

تراجعت إلى الوراء في صمت، ومازالت بسمتها تعلو
خديها رغم تغير معالمها، فبعد أن كانت تشوقا
لسماع خبر سار انقلبت إلى بسمة خائبة.

حاولت أن أتجاوز الأمر فقلت لها:

- مساء الخير هند.

- أهلا رحاب، اشتقت إليك.

كنت معتادة عندما ألقي عليها تحيتي أن أعانقها،
وأقبلها، ولكني لم أجرؤ أن أفعل هذه المرة.

جذبتني من يدي وأجلستني على كرسي، وجاورتني
في الجلوس وقالت بصوت ضعيف:

ـ ما بك حبيبتي رحاب؟ أتمنى أن تكون أمورك على ما
يرام.

- ليس كما خططت لها للأسف، أعتذر إليك فأنا في
غاية الخجل منك.

ـ لا عليك عزيزتي، ألا يكفي أننا معا؟ وهل هناك ما
يساوي تواجدنا معا؟. كل شيء يهون ولكني لا أطيق أن أرى وجهك عابثا هكذا.

- تمنيت أن أقدم لك شيئا تحبينه يعبر عن مدى
امتناني لك وردا لجميلك، وعنايتك بي.

ـ كيف تقولين هذا؟. أي جميل تتحدثين عنه؟.
أنت أختي، ولك حق علي، كما أني أحتاج إليك؛
فوجودك في حياتي أعطاني الأمان، وانتشلني من
وحدتي.
في عنايتي بك ما يريحني، ويجعلني أحس أن لحياتي
قيمة وغاية لابد أن أعيش لأجلها، لولاك ما كان
لوجودي معنى، فما أجمل أن يحيا الإنسان من أجل
هدف يسعى إلى تحقيقه!

وكان هدفي أن أحقق حياة كريمة لي ولك حتى لا
تفتقدين إلى الدفء الأسري أو تسعين لإيجاده في
مكان آخر غير بيتنا، ومادمت نجحت في هذا فهو
بالنسبة لي أفضل بكثير من أي شيء آخر.

- نجحت، نعم نجحت، بكل تأكيد نجحت، ودليلي أني
أحبك، وأعتبرك مثلي الأعلى.

أمسكت هند بيدي، وضغطت عليها ضغطة تنم عن
الشكر والفرحة، عبرت عن إحساسها بشيء من
الخجل، فقد امتلأت عيناها دموعا، ونزلت على خدها
الأيسر دمعة، وجاهدت في حبس فيضها.

يا لفرط حساسيتها!

علمت الآن من أين لي بكل هذه الحساسية المفرطة
التي أخبئها في أعماقي، والتي تثيرني لأقل شيء
يمر بي؛ فـ هند مصدر إلهامي، ومصدر حساسيتي،
منها اكتسبت المشاعر الجميلة، والقيم النبيلة.

فما لقلمي أن ينطق إلا ما تعلمه منها، كم أنا فخورة بهذه الأخت الصافية.

سادت بيننا فترة صمت، كان صمت عرفان بالجميل
المتبادل.

عاودت حديثي قائلة:

- عندما كنت أكتب مقالا عن الأحداث اليومية وجدت ترحيبا لنشر مقالاتي، وفي كل مرة أكتب موضوعا في
الآداب أو الفلسفة إما أن ينشر بصعوبة أو أنه يلاقي
إعراضا.

ردت هند بصوت اختنق في حلقه قائلة:

ـ لو كان هناك عمود مخصص للأدبيات أو صفحة
تشتمل على فروع الأدب لكان أفضل من التناوب بين
الموضوعات.

- اقتراح رائع هند، ربما أعرض الأمر على الأستاذ منير
لعله يرضى.

وبفرحة رددت رحاب:

-أنت عبقرية يا هند.

ـ لا تبالغي في تدليلي، ما قلت شيئا يستحق الثناء،
مجرد فكرة طرأت على بالي قد تستحق وربما لا.

- بالفعل هى تستحق، أعتقد أن الجريدة تحتاج إلى
إعادة تنسيق، هناك بعض الأقسام التي تطغى على
الأخرى بلا مبرر مقبول، وبعض الأقسام الفرعية قد
تكون أفضل بكثير من غيرها، ولكنها لا تأخذ حقها
في العرض، كما أننا نعطي مساحة واسعة للإعلانات
في كل الصفحات.

- ما توقعت أن تتقبلي الأمر بهذه البساطة، ظننت أنه سيشق عليك، ما حزنت لأجلي؛ فأنا معتادة على مثل
هذه الأمور في العمل، ولكني خشيت أن تعرضي عن
الحياة مرة أخرى بعد أن تصالحت معها.

ـ لا تخافي أبدا، فقد خرجت من محنتي بشيء غال
لا يقدر بثمن ولا يستطيع إنسان أن يدركه كما أدركته أنا، لقد منحني الله الصبر الذي به أتغلب على كل
عقباتي، ولولا لطف الله بي لانهرت، وما كتبت، ولا
واصلت الكتابة.

في فترة ما من حياتي غلبني اليأس، وسيطرت علي
فكرة الموت، كانت بالنسبة لي الحل الوحيد لأهرب
من قسوة أيامي، لأسحق عجزي، وأتخلص منه، وأنجو بنفسي من وضعي الذي جلبته لي الأقدار.

ضعفت، بكيت، وما استطعت، وكنت في حالة لا يمكن لك أن تتخيليها، شعرت بالاختناق الشديد، كان
جسدي يرتجف، وكاد النفس أن يتوقف مع شدة
بكائي، ودون أن أدري وجدتني أهذي:

- يارب ارحمني من هذا العذاب، أين رحمتك يارب؟!.

- أي ذنب لي لأعاني هكذا؟!. لِمَ اختارتني الحياة
وتركت الآخرين؟!.

-إن لم ترحمني أنت، فأين أجد الرحمة؟!.

في قلوب البشر التي كبلتها أنانيتها،وفقدت
إحساسها بالغير، أم بين أحضان الثرى عندما أدفن
جسدا بلا روح لعلي التراب يحنو علي.

خرجت مسرعة إلى الشرفة تنهمر من عيني دموعي،
نظرت إلى السماء، وظللت أقول بهمس مسموع:
يارب ارحمني، وأردد: يارب رحمتك.

رأيت نورا شق السحب وخرج من بينها فأصاب قلبي،
ومعه شعرت بارتياح غريب، وجفت دموعي، ومازالت
عيناي شاخصتان إلى السماء أتعجب.

رغم أن الجو كان صيفيا إلا أني انتبهت إلى الغيوم
الملبدة في السماء بلونها الرمادي القاتم، كما
أثارني هبوب ريح هاجت معها أتربة الأرض، واختلط
نقاء الهواء بحبات التراب المتطايرة.

شعرت وكأن الكون تغير لأجلي، وما استطاعت
الأجواء تحمل دعائي العليل، أحسست وكأن يد الله
مسحت عني هذه الأعباء التي صارعتها في تلك
الليلة، ومنذ ذاك الحين تبدل حالي من الضعف
والاستسلام إلى الرغبة في الحياة.

حياة تشبه الآخريات. فما الذي ينقصنني؟! قدمان؟!.

الحمد لله أني لم أفقد عقلي، فالعجز لا يكون بفقد
عضو من أعضاء جسدي، ولكنه في عدم قدرتي على
أن أكون ما أريد، ولا يوجد مانع يحول دون تحقيق
رغباتي.

فأنا أمتلك عقلا وإرادة، وهبني الله ملكة التعبير،
أليس في هذا عزائي؟ عوضني بما قد لا يكون لغيري.

لِمَ لا أسخر موهبتي لأشعر بكينونتي؟

وبدأت أقرأ، وأجد متعتي في اطلاعي، وأكتب، وكلما
كتبت أحسست كم هى جميلة نعم الله علينا! ولكن
لكي نقدر هذه النعم علينا أن نستشعر مدى تأثيرها على حياتنا.

ـ فوضي أمرك إلى الله كما فعلت أنا ولا تكترثي
لهمومك، واعلمي أنه لن يصيبك إلا ما كتب الله لك، هذه هى فلسفتي في الحياة.

تركتني هند حائرة، كنت منذ ساعات أفكر كيف أطيب خاطرها، وها هى الآن تبدو أكثر تماسكا مني،
استطاعت أن تهون علي حدة انفعالي.

سبحان الله! من أين لها بهذا الرضا؟!.

ربما أن المحنة التي عايشتها صنعت منها نفسا
متمردة، ترفض أن تخضع أسيرة معاناتها، وتبحث عن
خلاصها في عمل يحقق لها ذاتها، ويعيد إليها
وئامها.

أما نحن القادرون قد لا ينقصنا شيء، ومع هذا نقف
عاجزين أمام أبسط أزماتنا، ولا نملك معها إلا
السخط.

لو أني أملك القناعة الكافية والرضا الذاتي بنصيبي
لكان الموقف أهون في نظري، وما انفعلت إلى هذه الدرجة والموقف لا يستدعي.

فما الضرر في أن تتأخر مقالاتي إلى وقتها؟ لماذا لم
أنظر إلى الأمر من زاوية أخرى؟. ربما هناك ما هو
أهم و أولى بالنشر خاصة إن كان يرتبط بوقت ما، أما مقالاتي فممدودة الأجل.

لِمَ لا أتنازل بعض الشيء لأجل غيري؟.

أليس هذا هو الإيثار الذي تحدثت عنه في إحدى
مقالاتي؟ أين أنا منه؟!.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي