الفصل الثاني

في مساء هذا اليوم إجتمع الملك مؤيد مع مستشاريه من أجل أن يخبروه بما قد توصلوا إليه.
الملك مؤيد: إذن تركتكم منذ ثلاثة أشهر لتفكروا في حلاً لما تمر به المملكة وها قد آتي اليوم كي استمع لما أنجزتم طيلة تلك المدة.
تقدم كبير المستشارين إلي أمام الملك: مولاي لقد فكرنا جميعاً حتي أننا طلبنا رأي الحكماء والعلماء في كل المملكة وتوصلنا إلي رأي واحد نرجو أن ينال إستحسان جلالتك، جميعاً نعلم أن بسبب لعنه الأميرة ورد لا تستطيع الزواج بأحد الأمراء وللأسف أننا تيقنا من هذا بخسارة أميرين شابين كانوا خيرة المملكة ولهذا الحل الوحيد أن تتزوج الأميرة أحداً من عامة الشعب إلي أن تتخلص من تلك اللعنة.
الملك مؤيد غاضباً: وهل نسلم العرش لأحداً من العامة،ما هذا الهراء الذي تقوله.
كبير المستشارين: لن يحدث أبداً إنتقال للعرش يا مولاي،كل ما قصدناه أن تتزوج الأميرة ويتم تعيين زوجها هذا فرضاً إن بقي علي قيد الحياة برتبة وزير بالمملكة حتي نتأكد أن لعنة الأميرة قد إنتهت ومن بعدها يمكن ان تتزوج الأميرة من الأمير صخر ونحن مطمئنين أن لا شئ سئ سيحدث لسموه.
الملك مؤيد: وأي أحمق سيوافق علي الزواج من الأميرة الجميع بالمملكة يتحدث عن اللعنة التي تلاحقها لن يخاطر أحداً بحياته من أجل هذا.
كبير المستشارين: منصب الوزير مغري للكثيرين فلنجرب ولن نخسر شئ حينها، ولكني أؤكد لك أن تلك هي الفكرة الوحيدة.
فكر الملك مؤيد مطولاً في هذا، بالفعل كبير المستشارين علي حق لن نخسر شئ من التجربة حتي هو لم يجد فكرة غير هذه.
إعتدل الملك مؤيد في جلسته علي العرش الفخيم: إذن فلتجمعوا أطياف الشعب غداً بالساحة الكبيرة ليتم الإعلان عن هذا، وليس من سيتزوج الأميرة يحصل علي منصب الوزير فقط بل سيكون الوزير الأول لي ليكن هذا حافزاً أكبر للجميع ويتزايد أعداد المرشحين.

في صباح اليوم التالي تم جمع الجميع كما أمر الملك مؤيد وتم الإعلان، وكانت الهمسات تتزايد بين من حضروا
أحد الناس محدثاً من بجانبه: حتي لو أنهم أعطوا لي منصب الملك فلن أقبل، هم يعلمون أن لا أحد يعيش بعد أن يتزوج الأميرة ولذلك لن يحصل علي المنصب أحد.
الأخر: معك حق من مجنون ليضحي بنفسه هكذا.
كانت تلك الكلمات علي ألسنة الجميع فالكل خائف من الإقتراب والإعلان عن قبوله للأمر وكان الحق معهم فيما فعلوه فأي عاقل لن يفعل هذا .

كان كبير المستشارين يقف يتفحص وجوه الجميع يدري بما تهمس به ألسنتهم هل يعقل أنه سيعود للملك دون وجود مرشح واحد، أليس من الشعب أحداً مجنون حتي ليوافق علي ذلك ويتزوج الأميرة الملعونة.

من بين الجميع، أتي شخص سمين الجسد كبير في السن بعض الشئ ذو ثياب عادية ليست بالفخمة ولا بالمهترئة.
الرجل وهو يلهث رافعاً يده: أنا أقبل بهذا يا كبير المستشارين.
توجهت جميع الأنظار عليه وساد الصمت المكان.
نظر له كبير المستشارين شرذاً من أعلي لأسفل فهذا الرجل لا يلائم الأميرة بأي شكل.
كبير المستشارين: من أنت؟؟
الرجل: أنا التاجر المرزوقي، لدي دكان صغير في السوق أبيع فيه الأقمشة وأنا موافق علي ما قلته يا حضرة كبير المستشارين.
نظرإليه كبير المسشارين شرذاً من رأسه حتي قدمه: ولكنك طاعن في السن، كم عمرك أنت؟؟
الرجل باسماً: لقد فهمت هذا بشكل خاطئ، أنا لن أتزوج الأميرة بنفسي ولكن أنا أوافق بإسم إبني وهو شاب حسن المظهر وطبيب أيضاً يا حضرة كبير المستشارين.
كبير المستشارين: وأين إبنك هذا، لا يجوز أن توافق بإسمه فمن الممكن أن لا يقبل بما تقوله أنت؟
التاجر المرزوقي: لا يمكن هذا فإبني غسق يستحيل أن يعترض علي ما أطلبه منه، سيفعل كل ما أقول وأنا أضمن لك هذا.
كبير المستشارين لم يكن ليضيع فرصة مرشح من بيده حتي ولو كان شخص واحد يأتي به للملك مؤيد يكفي، بدلا من أن يعود خالي الوفاض إليه ويسمع توبيخاً لا مثيل له من الملك بين الجميع .
كبير المستشارين: حسناً ما قلت ولكن أن لم تأتي بإبنك غداً إلي بوابة القصر سيقطع رأسك، أنت من تقدم لهذا.
إرتبك التاجر المرزوقي من كلمات كبير المستشارين ولكنه إبتلع ريقه وثبت من نفسه بأن إبنه يستحيل أن يرفض له طلب.
إنصرف الجميع والكل يتحدث عن ذاك التاجر المجنون الذي يضحي بإبنه ويزوجه من الأميرة الملعونة، كأن الحال قد إنقلب في اي زمان لو تزوج شاب عادي من أميرة المكان لحسدوه الناس بينما في مملكة الشمال الأمر منعكس تماما.

أخبر كبير المستشارين الملك مؤيد بأنه قد حصل علي المرشح الموعود وأنه سيأتي به غدا.
كان التاجر المرزوقي لا يعرف كيف يواجه إبنه الوحيد بهذا الأمر، كيف يبتدأ الحديث معه وكيف يقنعه بأن يفعل هذا، لقد إندفع من تلقاء نفسه بالموافقة علي هذا ولكن الآن هو في وضع حرج للغاية فرقبته علي المحك.
دخل التاجر المرزوقي لبيته المتواضع بعض الشئ فرغم أنه تاجر إلا أن تجارته قليلة وهذا لأنه لا يملك رأس المال الذي يمكنه من التوسع والإزدهار في اعماله.
دخل للمنزل ليجد صوتا يناديه من الداخل، صوت شاب يافع كان هذا هو غسق إبنه.
كان غسق شابا متوسط الطول ليس بنحيف ولا سمين، لم يكن محارباً من محاربي المملكة ولا كان يوما جنديا رغم هذا هو يحب مملكته كثيراً، جاب كل أماكنها البعيدة والنائية بحثاً عن الوصفات الطبية فهو يطمح أن يكون أشهر أطباء المملكة وبأن يكون شفاء لكل المرضي، دائماً ما فكر في الشعب وبأن من دوره أن يساعده كان شاباً مرحاً مبتسماً طيلة الوقت.
غسق: أهلاً بعودتك أبي لقد حضرت لك طعاماً شهياً لن تذوق مثله أبداً.
لم يرد عليه أبيه أكتفي فقط بنظرات أبدت توتره وخوفه من شئ ما، وشعر غسق بما يمر به أبيه.
غسق :ما الأمر أبي أراك علي غير عادتك؟ ولقد مررت عليك بالدكان فلم أجدك ووجدته مغلقاً قالوا أنك ذهبت للتجمع في الساحة هيا أخبرني ماذا حدث هناك.
لم يرد أيضا أبيه فلقد كان منشغل التفكير فيما ورط إبنه فيه وكيف سيفاتحه في هذا الأمر.
إقترب منه غسق وجثي أمامه علي إحدي ركبتيه: ماذا حدث أبي، أخبرني بما يزعجك؟
إحتضنه أبيه لفترة من الوقت وبادله غسق هذا الحضن الدافئ ثم إبتعدا عن بعضهم.
التاجر المرزوقي: تعلم يا غسق أنني لا أحب أحدا في هذه الدنيا غيرك وأني أريد أن أراك دوما في أعلي المناصب ومن أنجح أهل المملكة.
غسق : بالطبع أنت هكذا، أعلم أنك ليل نهار لا تتمني سوي أن أكون أنا الطبيب الملكي ولكن يا أبي أنا لا يهمني المناصب كل ما أريد فعله هو خدمة الناس ومراعاتهم ومحاولة أن أخفف من آلامهم فلا تحزن نفسك لأني لم أصبح الطبيب الملكي وأنهم لم يختاروني للتدريب مع الطبيب الملكي هذا العام أيضاً صدقني أنا لا أكترث بهذا ولكن إن كان الأمر بتلك الأهمية لك أعدك أني سأبذل ما في وسعي العام القادم حتي لو إضطررت لخطف الطبيب الملكي وإجباره علي الموافقة.
إبتسم التاجر المرزوقي بتردد: دوماً ما حلمت لك بأن تكون مع علية القوم في المملكة وكنت أظن أن مجرد كونك طبيباً ملكياً سيكون هذا أكبر شرف تحصل عليه بين هؤلاء الأغنياء ولكن أنا أراك الآن أكبر من هذا حتي يا بني، ستصبح أنت الملك يوماً ما ستكون زوج الأميرة ورد.
ضخك غسق بصوت مرتفع: الأميرة الملعونة،لقد أضحكتني حقاً يا أبي وهل أنا مجنون لأفعل هذا؟ وهل حتي لدي القدرة علي رؤيتها فقط؟ كلا الأمرين مستحيلين لي يأبي أن أكون الطبيب الملكي أيسر من هذا بكثير.
وجد غسق والده جم الوجه ولم يتأثر بما قاله فشعر أن الأمر جدي.
غسق: هل حقاً تقصد ما تقول؟ أري أنك لا تمزح.
قص عليه أبيه كل ما حدث وكيف أنه ورط إبنه في تسرع في مثل هذا المأزق.
جن غسق مما فعله والده فهذا كأنه يدفنه حياً،
غسق: كيف لك أن تفعل بي هذا يا أبي؟
التاجر المرزوقي: اهدأ يا بني، أنا لم أفكر سوي في كيف ستكون حياتك إذا أغتنمت تلك الفرصة ولكن إن كنت تري أن ما فعلته كان خاطئ فأنا لن أجعلك تتحمل هذا سأذهب أنا في الصباح وأتحمل نتيجة ما قلته، حتي إن قطعوا رأسي فأنا لن أكون حزيناً يكفي أنك بخير هذا ما يهمني فقط.
غسق: وهل تعتقد أني سأكون سعيدا وأنا أراهم يقطعون رأسك أمام الجميع ؟ ولكن لما خطرت تلك الفكرة برأسك؟ ألم تجد غيرها؟
التاجر المرزوقي: لا أعرف ظننت أنها فرصتك كي تتحصل علي المجد والشهرة والإحترام بين الكل، أعلم أنك إجتهدت كثيرا في طلبك للطب وأن ما يمنعك هو كوننا لسنا من أغنياء المملكة،بني لم أفكر إلا في سعادتك وأيضا أنا فكرت بأن الختم الذي حصلت عليه في صغرك سيحميك من أي لعنه.
غسق: هل تظن هذا حقا يا أبي كيف لختم لعين أن يحميني، ليس له معني حتي.
التاجر المرزوقي: صدقني يا بني، لقد كنت تموت حينها وتلك الساحرة أهادير ما أن أعطتك الدواء ووضعت ذاك الختم حتي عدت أفضل من الأول وأنك مبارك من روحها، وفعلاً منذ حينها وأنت لم تمرض ولا حتي مرة واحدة ألا تظن أن ما قالته كان حقاً.
غسق: أه منك يا أبي كيف لك أن تصدق كلمات ساحرة إختفت منذ سنوات طويلة حتي أنها لم تظهر منذ أكثر من عشرين عاماً، أين كان إسمها أهادير أم ماذا، أنا لا أصدق أي مما قالته حتي.
التاجر المرزوقي: إذن ماذا سنفعل الآن؟
غسق: أنت لن تفعل شئ أنا من سيفعل غداً سأذهب للملك وأقبل بالزواج حتي وأن أصابتني لعنة الأميرة وإنتهيت فأنا لست أسف علي شئ يكفيني أنك كنت أبي طيلة هذه السنوات وأرجوك ألا تشعر بأن لك ذنباً في هذا.
كان التاجر المرزوقي سيبكي ولكن غسق إبنه طمأنه بان كل شئ سيمضي وتكون الأحوال أفضل، علي الأقل هذا ما كان يأمل أن يحدث.

في الصباح توجه الطبيب غسق إلي القصر وما أن عرف عن نفسه للجنود حتي اخذوه لديوان الملك، كان جميع الوزراء حاضرين ليروا من هذا الأحمق الذي تخلي عن حياته فالكل واثق أن موته محتم وأن لعنة الأميرة لن تنتهي بتلك الفكرة السخيفة ولكن.
ما أن دخل غسق حتي تأملته العيون، فهو شاب وسيم للغاية يبدو عليه الثقة رغم ما يقدم عليه، توجه بين أربعة من الجنود ليقف بين يدي الملك.
حيا غسق الملك وكان متوتراً للغاية فتلك أول مرة يري هذا الجمع عالي المقام، أغني من قد قابله في حياته هو تاجر أغني قليلا من والده، ولكنه حاول تمالك نفسه فلا شئ ليخاف منه فهو ميت هكذا أو كذلك وكان ذلك راسخاً في نفسه.
كبير المستشارين: عرف عن نفسك للملك أيها الشاب ؟؟
غسق بصوت مرتفع بعض الشئ: مولاي انا غسق إبن التاجر المرزوقي أعمل كطبيب في الأحياء الدنية لم أتزوج من قبل.
الملك مؤيد: هل أنت واثق من رغبتك بالزواج من الأميرة ؟؟
غسق: بالطبع يا مولاي هذا شرف لم أكن لأحلم به يوماً.
نظر إليه الملك مؤيد مطولا ثم قال: هل تقدم أحد غيره للزواج من الأميرة .
ردد غسق في نفسه: بالطبع لا لن تجد أحمق مثلي .
كبير المستشارين: لا يا مولاي ؟؟
كرر غسق في نفسه: كنت أعلم هذا .
الملك مؤيد: حسنا سيكون الزواج يوم ميلاد الأميرة القادم أي بعد أقل من شهر ولكن قبل هذا فليتحدث غسق مع الأميرة، ثم أشار لغسق، جهز نفسك لهذا أخبره عما يتوجب فعله يا كبير المستشارين قبل ان يقابل الأميرة
ثم نهض وغادر من الديوان ومن خلفه الوزراء الذين كانوا يرمقون غسق بنظراتهم الفاحصة قبل مضيهم.
غادر الجميع ولم يتبقي إلا الطبيب غسق وكبير المستشارين الذي إقترب منه.
كبير المستشارين: أعلم أنك خائف من الإقدام علي تلك الخطوة ولكن لكل منا قدره في هذه الحياة وكلا يسير لقدره ولقد إختارك القدر لتكون الزوج الثالث للأميرة ورد، إسمعني جيداً أيها الشاب الأميرة لا تتحدث كثيراً فلا تفعل أنت وتظل تثرثر هي تمقت أصوات الأخرين وأيضاً عطر جسدك بالورود فالأميرة كإسمها تعشق الورود واهتم بملابسك وأجعلها نظيفة فالأميرة تلاحظ كل شئ متسخ وتغضب منه وهي دقيقة جداً في هذا يكفي هذا عليك تعال في الغد في نفس الموعد.
غسق: طبعا، ثم حياه ومضي من أمامه وهو يردد في نفسه: لما أتعب نفسه في ذكر كل هذا فأنا لن أطيق أن أقف معها دقيقة واحدة، حتي لو تزوجنا لن أعيش ليوما واحد بعدها، أه منك يا أبي أنت من ورطني في كل هذاماذا أقول لك؟


لا أحد يدري ما خفي خلف بابه, ما تظنه شرا يمكن أن يكون أفضل مما تمنيت يوماً والعكس صحيح أيضا لذا عش يومك وإستمتع بما أتي وأعلم أنه ما كان مقدرا لك غيره وبأن الأوقات السيئة ستنقضي والأوقات الجيدة أيضا هكذا فلا تبتئس علي شئ وأكمل رحلتك دون خوف ولا ملل.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي