دبليو حرب مشروط

أعجوبة`بقلم

  • الأعمال الأصلية

    النوع
  • 2022-11-25ضع على الرف
  • 90.5K

    جارِ التحديث(كلمات)
تم إنتاج هذا الكتاب وتوزيعه إلكترونياً بواسطة أدب كوكب
حقوق النشر محفوظة، يجب التحقيق من عدم التعدي.

الفصل الأول

دبليو حرب مشروط.

المقدمة.

اندلعت النيران في المكان بأكمله، وكل شيء أصبح رمادي، وبأقل من دقائق أعلنا الهزيمة وبأنه أنتهى كل شيء، ومع الأسف لم يتبقى جزء واحد لم تتسلل له تلك الألسنة الملتهبة.

أتذكر ذلك اليوم جيدًا كأنه بالأمس، فقد كانت النوافذ حمراء من شدة النيران، وبالكاد كان يظهر طيف الفتيات وهن يركضن من هنا لهناك وهن مشتعلات.

كان المنظر يفطر قلبي من الداخل، فعدم القدرة على مساعدتهن أحزنتني.

لكنك أنتِ كنتِ في..

صمت لدقيقة ونظر إليها، نظرة مختلفة وغير كلماته وقال: لكني أتذكر جيدًا، اذ جاءت فتاة ووقفت أمامي من اللاتي كانت تحتضر وهي مشتعلة كالشمعة وتمد يدها لي، فقد كان جسدها محترق بالكامل من كل اتجاه، فكل زاوية بجسدها تخرج منها النيران.

أقتربت مني وهي تشتعل وتمد يدها ومن ثم سقطت أمام عيني مغشياً عليها فوق الأرض والنار ما زالت تلتهمها.

من الواضح جدًا بأن هذا بفعل فاعل غير إنساني لأنه يعرف الأماكن هنا جيدًا، وقد أدى مهمته بشكل إحترافي دون إقتراف أي خطأ يذكر، أجل هو كان بكل تأكيد يعرف الأماكن التي يوجد بها غرف الفتيات وأشعل بالممرات ليصبح كل شيء فحمًا، وأشك بأنه أنهى مهمته عن طريق شخص خائن كان يعمل هنا.

في الحقيقة أنا لا أشك، فأنا بالفعل أتأكد يوم تلو الأخر من هذه الحقيقة.

لا أستطيع أن أصف لكِ كم كان إرتفاع أصوت الصرخات ليلتها، أشعر الآن بأنها مازالت بأذني ترتفع وتعاد مرة أخرى، كما لو كنت أراها ترفرف بالسماء كالأرواح تمامًا.

 الضحايا في تلك الليلة كانوا كثر، سواء من الفتيات التي تسكن بالدار أو العاملين فيه، أو من رجال الجيش اللذينَ كانوا يحرسونه، للأسف ما استطاعوا تحديد كم عدد الأشخاص المتوفين لليوم، لكنهم أعتبروا كل مفقود من اعداد الموتى.

 وبات ذلك اليوم ينعت بيوم الحزن المشؤوم، وثم تم تشبيهه ب "أيلول الحزين" ليمثل الشهر بالذكرى المختلفة الأليمة التي حدثت به، لكي لا ننساه بسهولة.

 لا ننساه أبداً.

الفصل الأول.

الضربات المتتالية.

القوة التي تتلاشى مع الأيام، من سيعوضني إياها؟

حقًا تعبتُ من تقمص شخصية لا تمثلني، حتى الأهل الذين يكونون مصدر للسعادة والدعم لم أحظى بهم طوال حياتي، فقد عشتُ أيامي وأنا لا أعرف عن والداي شيء.

أتذكر جيدًا بأن حياتي منذ الصغر لم تكن جميلة أبدًا، فقد كنت أتألم وأبكي كل ليلة وأنا وحيدة بالفراش، لا أحد يشعر بقلبي وبوجعي الذي يحرقني من الداخل يومًا بعد يوم.

حتى صديقاتي اللواتي أعيش معهن بالسكن أنانيات، هن فقط يفكرن بأنفسهن وبكيفية الخروج من السجن الذي كنا نعيش به.

أتذكر بأنه هو فقط من شعرت معه بشيء مختلف، أجل فأنا الآن أتذكر تلك العينين الجميلتين، هما ما جعلاني أطمئن في عز وحدتي، صحيح لن أعرف عنه الكثير لكن ما أدركه أن قلبي قد اهتز له في المرة الأولى التي رأيته فيها.

لقد كنت أحلم بقصة حب مختلفة مثل الأساطير، فأنا برغم اقترابي من سن العشرين، لم أعرف أحد ولم أعجبت بأي شخص من قبله، وبصراحة معرفتي قليلة عن الحب، أدرك فقط أن له نكهات رومانسية بسيطة خاصة تكتشف مع من تحبه بصدق.

الذي أفكر به الآن هو أنت، وأتمنى رؤيته في القريب لأنني أشتاق لتلك العينين لكي تنتشلني مني، فأنا ما زلت على قيد الحياة لأجلك، أسمعني وتذكر روحي جيدًا ف نارة تبعث لك حنيني، فأشعر به من فضلك.

25/1/2020

كانت فتاة في مقتبل العمر تركض بالطرقات كعادتها، وفجأة تقف وتنظر لتلك اللوحة التي كانوا يضعونها الرجال على الحائط، ومن ثم تقرأها بصوت مرتفع مع ظهور ابتسامة عريضة على وجهها وتغمرها ملامح السعادة الكاملة بتلك الابتسامة التي كادت تصل إلى نابيها وقالت:

-أهلا وسهلا بكم في حفلة تخرج الدفعة الثلاثين من الثانوية المستقلة الحديثة.

دخلت الفتاة التي تدعى حنان غرفتها وهي تفك عقدة شعرها لينساب شعرها الناعم على كتفها، و تجلس بجانب صديقتها وتقول: أليس بمظهرها التي تبدو عليه الآن يوحي بأنها سيكون حفل جميل ومميز يانارة.
أمسكت المشط وبدأت أمسك شعر صديقتي حنان وأنا أنظر للأعلى وأخذ أنفاس بائسة فقلت بحزن: لا أظن بأن ذلك سيكون، الحفل كما هو، سيكون تكريم مثله مثل كل عام فلن يتغير فيه شيء على حد علمي.
تركت شعرها وجلست أمامها على ركبتي وأكملت: أتدرين؟ أنا لا أرغب بالحضور اليوم، أريدك بأن تساعديني في التستر على اختفائي اليوم عن الحفل ممكن؟
لم تجيب علي فعاودت الحديث وقلت: هل اتفقنا؟

تركتها وجلست على الفراش وأمسكت الوسادة ومددت جسدي،  فلتفت حنان حولهي كالثعبان وبنظرات مريبة تقول: ماذا بك؟ أهل أنتِ تتألمين؟

قلت لها وأنا أغلق عيني لأحبس دموعي: لا شيء، فقط أنا متعبة، دعيني وشأني قليلًا.

ابتسمت حنان بسخرية، وخرجت وهي ترفع صوتها للأعلى وتنزل للأسفل وتقول: انقذوني فنارة متعبة كثيرًا.
عادت حنان للغرفة مرة أخرى وبرفقتها معلمتها فأقتربت منها المعلمة وقالت: ماذا بك يا نارة؟ هل أحضر الطبيب إلى هنا الآن؟  نارة.. نارة.

-غبت عن الوعي لمدة ساعات لم أدرك السبب الحقيقي وراء ذلك، ربما لخوفي وحزني المدفون طوال هذه السنوات، فأنا أبنة يتيمة قد تخلا عنها أبويها منذ الصغر، وليس لها أحد بالحياة يسألون عنها.

عشت وحيدة وسأموت وحيدة أيضًا، ماذا كان سيفرق بي أن حضرت الحفل أم لا؟ أو أن أكملت دراستي أم تركتها؟ هل يعتقدون بأن لنا أحلام ونحن هنا؟ فلو حلمنا سنحلم بالخروج من هذه المقبرة الدنيوية.

عندما أفقت كان هناك شخص من الجيش يرحل من غرفتي وعندما سألتهم عنهم فقد أخبروني بأنهم لحماية الحفلة من التعرض لأي سوء، فأغلقت عيناي ثانيةٍّ،وبعدما تركني الجميع، فتحتها لأرى تلك العينان أمام نظري، فقد كان رجل قوي، مفتول العضلات ومن طريقة حمله للسلاح الذي بيده يظهر بأنه شجاع لا يهاب أحد.

أخذت أتطلع لأسرح به وبالذي أراه أمامي، رجل عريض المنكبين وليس طويل أو قصير معتدل القامة، لكن عندما ركزت على وجهه لم أعرف كيف أصفه، بسبب ذلك ال قناع الأسود الذي يلبسونه على وجوههم.

لم تظهر لي من ملامحة شيء، فعبثت بوجهي بوقتها لأجده سلم سلاحه لصديقه، ورفع شيء صغير كان يضعه على عيناه فوق القناع، وأقترب نحوي وهو يحرك يده ليضعها على كتفي و ترك ثلاث لمسات سريعة علىّ وهو يقول لي:

-هل أنتِ بخير الآن؟

نظرت إليه وبقيت ساكنه فأردف: عزيزتي كل شيء بكِ طبيعي الآن فقد طمأننا عليك الطبيب قبل رحيله، ولا تقلقي فنحن هنا لكي نحميكم  جميعًا من أي خطر.

فوضع يده على رأسه وقال بمزاح: أنا قلقت من أن يكون هناك تسمم في جسدك، فحينها سنكون في ورطة حقيقية.

أنعقد لساني كأني خرساء لا تستطيع الكلام، فشعرت للحظة بأني عاجزة عن النطق بكلمة واحدة، وبالفعل تكلم وأنهى حديثه معي ولم أتفوه بحرف وأحد، رغم أني كنت أتكلم في داخلي بالكثير، فتفاجئت عندما وضع يده على جبهتي ليتأكد بأن حرارتي معتدلة.

 وأردف بصوت جاد وكأنه يقلق على صحتي كثيرًا:
-يمكنك أن تأخذي قسط من الراحة الآن أغمضي عينيك ونامي بسلام، لا تفكري بشيء وأنسي موضوع حفل اليوم أتفقنا.

أبتعد عني وكأن البعد  يتحرك في قلبي، فأخذ سلاحه من صديقه ومن ثم أغلق الباب خلفه ورحل.

عدلت من وضعيتي، أضع يدي على قلبي، فهذه هي المرة الأولى التي اشعر بنبضاته تكاد تتحكم بي.

شعرت بشيء يكتم على أنفاسي ويجعلها تتدفق للداخل، وأيضًا هذه هي المرة الأولى لي الذي يشعرني شخص ما بأنه يهتم بي ويقلق بهذا الشكل الحنون، و لو كان عن طريق عمل يتقاضى آجره.

لكن هو فعل ذلك  دون الجميع اللذين كنت أعيش معهم، أشكرك لأنك أشعرتني ببعض الطمأنينة بتلك العينان الخضراوتان.

 أغلقت الباب سريعًا بالقفل وفتحت خزانتي وأحضرت فستان الحفل الخاص بي، بصراحة من أسباب عدم ذهابي هذا الفستان الموحد الذي خُصص لنا، فنظرت له دون إهتمام.

بدلت ثيابي على الفور ووضعت بعض مستحضرات التجميل بشكل مرتب وبسيط، ولبست أسواره بيده كانت هدية المعلمة لي بعيد ميلادي، وجدت بالخزانة عقد جميل قد لمعت عيني كلما نظرت له، فهي كانتَ هدية لصديقتي في عيد ميلادها من معلمتي أيضًا.

عندما تعلم حنان بأني أخذتها ستوبخني لكني سأجازف اليوم بكل شيء لكي أراه، وفي أثناء خروجي وأنا أمشي على أطرف أصابعي صادفت زميلتي حنان تقف أمام الغرفة وتفاجئت عندما وجدتني نازلة للأسفل فتحدث بحزن:

-ظننتُ بأنك ستمكثين بالغرفة لأنك قد بدوتي متعبة، هل ستذهبين للأسفل حقًا؟

تركتها دون أن أجيب عليها لأنها عندما تعرف بأني أخذت العقد الخاص بها ستنفجر ك البالونة بوجهي.

 في الحقيقة أنا فقط ذهبت للحفل من أجل أن أراه ولو للمرة الأخيرة، هناك شعور أريد بأن أعرف الرد عليه.

خمنت أثناء سيري بأنه جالس مع أصدقائه الآن يمرح ويستمتع بالحفل وعندما يراني أنزل من على الدرج يمد يده لي ويطلب مني الرقص برفقته وأرى وجهه وأستطيع كشف أمره.

أجل فهي أحلام طفولية لكن أتمنى تحقيقها، ظننت أني سأتمكن من رؤيته دون ذلك القناع العجيب.

فأنا حقًا وبشدة أردت رؤية تفاصيل وجهه لأستوعب ء أذا كان يخاف عليّ أم أنه شعر بشفقة فقط لكوني فتاة يتيمة، وقفت على أسفل الدرج وأخذت عيني تجول يمينًا ويسارًا في كل مكان بالحفل لكن كانت محاولات فاشلة.

بقيت بأرضي نصف ساعة لا أتحرك انظر فقط من بعيد، وعندما لمحت معلمتي قررت عودتي لغرفتي وأنا حزينة قبل أن تراني، فسمعت أصوات ضحكات ترتفع وأنا على السُلم فدلفت إلى مصدر الصوت.

أخذتني قدمي إلى غرفة صغيرة في الأسفل وأخيرًا وجدته، كان يقف مع مجموعة من أصدقائه، فنظرت له وأنا أبتسم وقلت باستغراب بعدما دخلت الغرفة ورأيت الذي رأيته:

-أيها الجندي ماذا يجري هنا؟ ما كل هذا.

فقط وبأقل من ثانية وجدتُ الجميع يرفع السلاح بوجهي، فصرخت وتركتهم وأنا خائفة للغاية، فركض خلفي وأمسك يدي ليوقفني، حاولت أن أستجمع أنفاسي وأنا واقفة أمامه، فقال بخوف وهو ممسك يدي وينظر لي: ء أنت ِ لمَ تركتي غرفتك؟ أجيبني هل أصابك مكروه؟

شعرت بالسعادة وقلت وأنا أتطلع عليه بشوق: أظن بأني أفضل الآن بعدما سمعت صوتك الحنون.

للأسف لم أعرف ملامح وجهه لآني عندما رميت عليه تلك الكلمات شعرت بالخجل، فحاولت تركه والعبور من جانبه؛ لكن يده تحركت وأمسكت بزراعي مرة أخرى فأكمل بثبات:

-ولمَ جئتِ لمقر الجنود بالحفل؟ بالتأكيد أنتِ لن تكوني على معرفة ب..

قاطعته وقلت وأنا أحدق بذلك القناع الذي يختبئ خلفه، وكم كنت أتمنى لو عيني تخترقه وترأه على حقيقته: ماذا تقصد؟ بماذا علي معرفته عنك؟

قال الجندي وهو يحرك رأسه بعيدًا عني: بالتأكيد عن الغرفة السرية التي كنت بها بالأسفل، فنحن كنا نختبىء بها ولا أحد يعلم عنها سوء المسؤوليين بالدار، ولا نريد أحد أن يعرف بها أيضًا، فلهذا صوبوا السلاح بوجهك فهمتي.

يتبع.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي