الفصل، الأربعون

كانت تسير و الوجوم مصيبها.. وخزها زياد بذراعها و قال بهدوء بعدما اشفق علي حالها متألما قلبه بقوة :
_ سارة حبيبتي هوني علي نفسك لمتي ستظلي علي حالتك تلك.. اشتقت لسارة القديمة و لمزحاتها.. وضحكاتك التي تمنحني سببا للحياة.
طالعته سارة بوهن و ملامح باهتة و قالت بخفوت :
_ الاجواء كلها حولي حزينة يا زياد و انا اتالم علي فقد آية.. اشتقت اليها كثيرا فنحن لم نفترق من قبل و هذا فراق مؤلم فانا لا اعلم اين هي.
جلسا علي اقرب مقعد و هما يطالعان النيل.. فخرج زياد عن صمته و قال ليخرجها من حالة الضيق المستمرة معها:
_ ما رأيك بأن نتناول المثلجات سويا و بأي نكهة تحبين؟!
سحبت سارة نفسا طويلا من هواء النيل النقي و زفرته ببطء و التفتت اليه قائلة بإمتنان:
_ ان لم تكن إلى جوارى الآن ماذا كنت سأفعل و ماذا كانت ستئول اليه حالتي؟! ربما قدر الله ارتباطنا بهذا الوقت لأنني من غيرك ربما كنت انهرت بعد كل ما مررنا به.
شرد زياد بالبعيد و قال بحزن:
_ ما بالكِ بمن مرت بكل شئ بقسوته و آلامه و جراحه ليأتي مروان و يكمل علي ما تبقى من إنسانيتها.
التفتت اليه سارة بوجهها و سالته بتعجب:
_ بعد كل ما مررنا به لماذا لم تفكر بان تتركني يا زياد؟! فما مررنا به يعد فضائح و ليست فضيحة واحدة بداية من حادث الاغتصاب لهروب آية و فضائح مروان اليومية.. لن انكر اندهاشي من موقفك!!
ابتسم بخفوت و هو يطوف علي وجهها قائلا ببساطة:
_ لو وصلتي لمرحلة عشقي لكِ يا سارة لما سألتي سؤالك هذا.. حينها كنتِ ستجدين الرد بقلبك.
تعلقت عيناها بعينيه متعمقة بهما مستشعرة صدق حديثه.. عادت بعينيها لمطالعة النيل و قالت بهدوء:
_ هل تقصد انك تحبني كل هذا الحب يا زياد؟!
اجابها مسرعا:
_ لا.. فأنا احبك فوق تخيلك و تصورك يا سارة.. لقد صبرت عاما كاملا بكل يوم كنت اخشي ان اجد خاتم شخص غيري بيدك .. كنت اتدرب بمكتب محاماه و بذلت كل جهدى بتوفير اكبر قد من النقود كي اتي اليكِ و انا استحقك.
تنفست بهدوء.. ليتابع هو قائلا:
_ هل تفهمين معني كرهي للاجازات الرسمية و ايام العطلة لانها كانت تحجبكِ عني.
ابتسمت بخجل و التفتت اليه طالعته مطولا و قالت بهدوء:
_ الفسدق.
قطب زياد حاجبيه و قال بتعجب:
_ ماذا.. فسدق!! أي فسدق؟!!!
ضحكت و قالت بمداعبة:
_ أنت سألتني عن نكهتي المفضلة للمثلجات و انا اجبتك الفسدق.
هز راسه ضاحكا و قال و هو يشير بيده:
_ اكبر مخروط مثلجات من اجلك يا حبيبة قلبي.. هيا اريد ان اسبقك كعادتنا سيرا.
وقفت و قالت بحماس متناسية كل آلامها مؤقتاً:
_ بل انا من ستسبقك هذه المرة و لن أضحك و اياك ان تضحكني كي تسبقني يا زياد.
وقف و رفع حاجبه قائلا بتحدى:
_ سنرى و ان سبقتك ستدفعين انتِ ثمن المثلجات.

تعالت ضحكاتها و هو يطالعها براحة فبضحكتها عاد قلبه للعمل مجددا ممنيا نفسه بيوم تكون له ليستطيع ضمها و بثها عشقه بكل قوته معاهدا نفسه علي ان تدوم الضحكه علي مبسمها طوال حياتهما....


........................................
..................

جلس حازم بمكتبه شارداً بما فعله مع مجنونته تلك أو آيات كما يقولون لها.. و التي تاخذ حيز كبير من تفكيره و مشاعره بشكل مرهق.. لأول مرة يعاتب نفسه بهذا الشكل فهو كان قاسى معها ولكنها تستحق ما يفعله بها فهى فعلت مالم يفعله أحد.. و لكن كلماتها الطفولية و سذاجتها البريئة تجعل جزءً صغير بقلبه يتراف بحالتها المذرية....
دخل عليه آسر مبتسما فوجده شارد على غير عادته الجدية في عمله و تركيزه القوى به.. فحازم يعشق مجال عمله و الجميع يشهد له بالكفاءة و الرحمة و هذه المهنة تحتاج الترفق و الرحمة أكثر من الصلابة و القوة.. سار ناحيته خطوتين و قال مازحا :
_ من المؤكد وراء عبوسك و تفكيرك هذا شخصا اغضبك.. فقط اعطني اسمه و انا ساجعله يندم علي عمره السابق و الحالي و القادم.
خرج حازم من شروده قائلا بإندهاش جلي:
_ آسر ! ولكن كيف؟!
وضع آسر كفيه في جيبي بنطاله و قال:
_ آسر.. نعم انا آسر.. و كيف.. بالسيارة بديهي جدا، اشتقت اليك كثيرا يا حازم و حزنت لما اصابك و لنقلك إلي هنا.
إبتسم له حازم بشوق و وقف و التف حول مكتبه وإحتضنه وقال بسعادة :
_ اشتقت اليك اكثر وربي و كنت دائم السؤال عليك حتي اتتني معلومة انك كنت بسيناء.
ربت آسر علي ظهره و قال:
_ نعم كانت اياماً شاقة و الآن اخترت نقلي و ساعمل هنا معك لن أتركك يا رفيق الدرب.
اتسعت عيني حازم و ابتعد عنه محملقا في وجهه و ساله بترقب شغوف:
_ هل عنيت ما قلته.. طلبت نقلك الي هنا كي تصبح معي ام انني اتوهم؟!
اتسعت ابتسامة آسر و قال مؤكدا:
_ لا انت لا تتوهم و نعم سأعمل معك هنا و سانتقل الي هنا كي اصبح بجوارك فبعد وفاة امي و زواج اخوتي ليس لدى غيرك و مازال عندى الامل في ان تصبح مريم لي بيوم من الايام.
فطن حازم لمقصده الرئيسي.. فإبتسم بمكر و تغاضي عن كلماته الاخيرة كابتا لسعادته فأخته لن تجد شخصا يحبها و يضحي من اجلها كآسر...
اشار له حازم بالجلوس و جلس قبالته قائلا بسعادة:
_ و اخيرا سنعمل سويا مجددا.. لا ينقصنا سوى زيد و تكتمل اللمة.
فقال له آسر بإبتسامة خافتة :
_ نعم اخيرا سنبقى معا.. لقد قابلت زيد قبل قدومي للمنصورة و وضح لي سبب انتقالك و حقارة تلك التي كنت مرتبط بها حتي اسمها لا يشرفني قوله.
تنهد حازم بأسي و قال بإمتعاض:
_ و انا ايضا لا اريد حتي تذكرها فانا ألعن نفسي كلما تذكرت حبي لها و تمسكي بها.. المهم انني ابتعدت بالوقت المناسب قبل فوات الآوان.
ساله آسر بترقب:
_ و هل هي سبب عبوسك و شرودك المرتسمين علي وجهك أثناء دخولي عليك بالبداية؟!
زم حازم شفتيه متذكرا تلك المجنونة و التي تضعه بين رحا تفكيره تارة يشفق عليها و تارة يصل غضبه منها حد قتلها.. طالع آسر و قال بهدوء:
_ لا ليست هي فچيلان لم تعد بحساباتي و لا أتذكرها من الأساس لقد لفظتها بكل ذكرياتها خارج حياتي و انتهي الأمر.
غمز له آسر بعينه و ساله بفضول بعدما استشعر بأن هناك امرا يخفي عليه قائلا:
_ و ان لم تكن هي فمن كان سبب عبوسك هذا؟!! يا حازم هيأتك كانت و كأن رجلا ما قد ضربك حتي استسلمت.
فهمس حازم قائلا بتلقائية:
_ ليته كان رجلا من ضربني.
وصلت كلماته لمسامع آسر الذي فغر فمه وقال بتعجب:
_ ان لم يكن رجلا.. فهل كانت إمرأة من ضربتك ؟!
إنتبه حازم لآسر الذى سمعه وقال له بتلعثم خجِل :
_ ماذا؟!! لا عن اي إمرأة و ضرب تتحدث يا آسر لم يحدث شيئا من هذا.. هل تهذى؟!
رفع آسر حاجبه و هو يتابع توتره و ارتباكه و قال مؤكدا :
_ لم اهذى و انت تعلم ذلك جيدا.. لقد قلت بعظمة لسانك ان من ضربك ليس رجلا فهل سيكون كائن فضائي مثلا؟!!
عدل حازم من سترته و قال مسرعا:
_ انت تتوهم ليس إلا فلنغير الموضوع افضل.
عقد آسر ذراعيه امام صدره و قال مؤكدا ثانيةً :
_ انت تعلم انني افهمك من نظرة يا حازم و لا اتوهم و لكن لك مطلق الحرية في ان تخبرني بما يضايقك او تبقيه لنفسك تأكد أنني لا أضغط عليك.
فقال له حازم بحيرة :
_ اخشي ان اقول لك ما حدث معي فتسخر مني لانه كما تعرفني انت جيدا انا ايضا اعرفك و لن اطيق منك حرفا بعدها.
ابتسم آسر بخفوت و قال:
_ لا تقلق لن اسخر منك فالأمر يبدو شيئا خطيرا و انا لن اسخر منه مؤكدا.
فقص عليه حازم ما حدث بينه وبين هذه المجنونة التي ضربته و اضطر ان يستضيفها بمنزله و يعالجها رغم غبطته منها ، دخل آسر فى نوبة ضحك وقال ساخرا :
_ عجبت لك يا زمن حازم جلال بجلاله قدره و كبريائه قد استطاعت فتاة ان تضربه.. انا لا اصدق.
طالعه حازم بفتور و قال بملل:
_ كنت أعلم انك ستسخر مني عامة هذا خطأى يا اسخف خلق الله اجمعين و ان ضحكت مجددا سألقيك بالحجز للصباح.
تمالك آسر نفسه وقال بجدية مصطنعة :
_ لن اضحك مجددا.. و لكن ستتركها معكم بمنزلك هكذا؟! الم تبحث عن اهلها؟!
حرك حازم كتفيه بعدم معرفة و قال بعبوس:
_ لا اعلم ما سافعله معها فأمي تعاملها علي انها ابنتها و انا لا اطيق وجودها امامي من الأساس و ارغب في التخلص منها بأقرب سلة مهملات.
فقال آسر بخبث مازح :
_ بقائها معكم و البيت به رجلا شيئا خاطئ.. ان كانت جميلة فتزوجها طالما والدتك تحبها.
دفعه حازم من ذراعها و قال بضيق :
_ الى الخارج يا آسر.. لا ينقصني سوى سخافتك و ان لم تختفي من امامي حالا حرفيا سألقيك بالحجز حتي يأتي أحد و يضمنك.
قهقه آسر قائلا بمزاح:
_ لن اهون عليك يا حزومي.
تذكر حازم سخرية آية من هذه الكلمة فأظلم وجهه اكثر و هو يطالع آسر بقوة جعلته يقول له بتعقل:
_ هل مريم بخير؟!
طالعه حازم قليلا و اجابه قائلا بهدوء:
_ بخير حال و الحمد لله.
فنظر له آسر بألم وقال متسائلا :
_ لم تسأل عني و لو لمرة يا حازم؟!
هز حازم رأسه بيأس وقال بحدة:
_ فلتستحي مني فانا اخوها يا بارد احترم غيرتي عليها.
قال له آسر بثقة :
_ أعلم أنك أخوها و انني لا يربطني بها اي رابط رسمي لكنك صديقي أيضا أليس كذلك؟!
اومأ حازم برأسه مؤكدا و قال مترأفاً بحالته:
_ صديقك و اخيك أيضا.. انت تعلم غلاوتك عندى جيدا يا حبيبي.
فقال له آسر بشوق :
_ تحدث معها يا حازم ان تفكر قليلا بي.. يعلم الله انها لا تفارق تفكيري لثانية واحدة و ادعوا الله دائما ان تصبح لي فأنا و ان قطعت الكرة الارضية مشيا لن اجد بأدبها و أخلاقها.
ربت حازم علي كفه بإمتنان و قال:
_ انت تعرف ان جامعتها عندها اهم من أي شئ و لا ترغب بأي شئ يعطلها عن هدفها ليس الا.
اجابه آسر بتعقل:
_ و انا سأصبر و كلي أمل بأن تصبح بيوما ما نصيبي و سأنتظرها حتي تنهي دراستها.
لاحظ آسر شروده مرة أخرى فأردف قائلا بنظرات ذات مغزى :
_ قلت لي ان تلك الفتاة المجنونة جميلة أليس كذلك ؟!
تنهد حازم طويلا وقال وقد لمعت عينيه:
_ ليست رائعة الجمال.. فتاة عادية بيضاء شعراتها ناعمة سوداء و طويلة.. عيناها كما الليل بليلة اختفي منها القمر.. عنيدة بشكل مستفز و لسانها اطول من نهر النيل.. اجمالا.. فتاة مقيتة.
نظر له آسر بإبتسامة مقتضبة وهو يوصفها فقد كانت عيونه تلمع كأنها تقف أمامه و تبتسم له فقال له ساخرا :
_ من وصفك يبدو انها مقيتة فعلا.
نظر له حازم بغضب وقال بضيق:
_ ماذا تقصد يا سخيف، هل تسخر مني؟!
عاد آسر بظهره لظهر الاريكة و قال بجدية عملية:
_ انا لا اقصد شيئا مجرد سؤال عابر ليس الا.. و الآن انا قد أتيت لك بقضية سترفعنا للسماء.
قطب حازم حاجبيه و سأله مسرعا:
_ أي قضية تقصد ؟!
اجابه آسر بنظرات قوية:
_ قضية مخدرات عبارة عن بيضة مقشرة و جاهزة للأكل يا صديقي و سنأكلها سويا كعادتنا.
لمعت عيني حازم و اعتدل بجلسته وقال بتلهف:
_ هذا هو المفيد.. ناولني التحريات و البحث و قص لي بالتفصيل الممل كل شئ و علي مهل.

..............................................
.................
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي