الفصل، الثالث، والعشرون

ترك الطبيب القلم و إلتفت إليهم قائلا بتنهيدة طويلة:
_ من الواضح أنها كانت تقاومه بشدة و هذا زاد من خطورة وضعها.. ناهيك عن جروح كفيها و قدميها من تكبيله لها.
وقف حازم بجواره بعدما لاحظ إنهيار مروان و سهام و سأله بتعجب:
_ كل هذا بها ؟! و لكن أنت لم تذكر وجهها فأنا أراه به إصابات شديدة و رأسها أيضاً؟!
نظر له الطبيب وقال بعملية :
_ مرحبا يا حازم باشا.. بخصوص وجهها فهناك خمس قطب بجانب الحاجب الأيسر.. و هناك كسر في عظمة الأنف و كدمات متفرقة لقد كان يضربها بوحشية.
فسأله حازم مجددا و هو يتناول ورقة التقرر و يدسها بجيبه:
_ هل تظن ان يكون عندها إرتجاج بالمخ فأنا عاينتها و وجدت بجوار رأسها على الحائط دماء متناثرة فعلمت انه ضرب رأسها بالحائط أكثر من مرة و ذلك هو سبب جرح حاجبها الأيسر.
هز الطبيب كتفيه بعدم معرفة و اجابه مسرعاً:
_ لا اعلم و لكنني سارسلها لعمل الأشعة اللازمة قبل دخولها لغرفة العمليات يجب التحكم بالنزيف في اقرب وقت.. بعد إذنك.
و تركه و إبتعد.. صفعت سهام رأسها و قالت ببكاء :
_ يا حبيبتي كل هذا اصابك يا قلب أمك.
بعد دقائق مرت عليهم كالساعات عاد الطبيب معه اطباء آخرون و وقف امام سهام و قال محذراً:
_ كل ما قلته نستطيع السيطرة عليه و مداوته و لكن حالتها النفسية ما ان تفيق هي الأخطر لذا لابد من متابعتها مع طبيب نفسي بأقرب وقت لأن صمتها هذا يقلقني.
إقترب منه رؤوف و ساله بوهن:
_ ماذا تقصد؟!
وجه الطبيب حديثه لرؤوف وقال بجدية :
_ من المؤكد أنها ستفكر بالإنتحار.
وقف مروان مسرعاً و سأله بصدمة :
-  تنتحر !
اومأ الطبيب براسه مؤكداً.. فإشتعلت عيني حازم بغضب و قال له :
_ أريد تقرير طبي دقيق و كامل بكل خدش بها فهذه الورقة التي أعطيتني إياها لا تكفي.
أومأ الطبيب برأسه وقال ببديهية :
_ أنا تحت امرك يا فندم و لكن الفيصل في تلك الحالة هو تقرير الطب الشرعي و هؤلاء هم اطباء موكلون من الطب الشرعي سيعاينوها معي قبل نقلها لغرفة العمليات.. بعد إذنكم.
سأله حازم بتعجب:
_ و لكن من أخبرهم.. فالنيابة لم تعاين بعد؟!
إلتفت إليه احد الاطباء و قال مسرعاً:
_ لا النيابة الآن بمنزلها و هناك أوامر عليا بالتحرك فالموضوع للأسف وصل للصحافة بسرعة كبيرة و اصبحت بدقائق حديث السوشيال ميديا و الرأي العام.
إتسعت عيني سهام و هي تصفع رأسها على تلك الفضيحة.. بينما إقترب منها الطبيب و قال :
_ انا حاولت التحدث معها كثيراً و لم تسمعني.. حاولي انتِ معها ربما تتفاعل معكِ قبل دخولها غرفة العمليات.
دخلت لها سهام فوجدتها متجمدة تطالع السقف بعينين ثابتتين و الممرضات حولها تطالعها بإشفاق.. حاولت معها كثيرا و لم تستجب.. حتى إقترب منها مروان ودموعه لا تفارقه مال عليها وقال بتلعثم :
_ آية.. هل تسمعينني حبيبتي.. انا مروان.. اجيبيني أرجوكي لو سمعتني.. تطلعي ناحيتي يا صغيرتي.. اقسم لك بربي و ربك أنني سآتي لكِ بحقك من هذا الحيوان و لن أتركه هل سمعتني.
بدأت آية تخرج عن صمتها وأخذت تأن فنظر مروان ناحية سهام التي إتسعت عيناها وقالت بتلهف :
_ أكمل حديثك يا مروان لا تتوقف فهي تسمعك.
اقترب منها مروان أكثر وقال بنبرة عالية مكففاً دموعه :
_ آية تكلمي اسمعيني صوتك حبيبتي فأنتِ قوية و ستتجاوزى تلك المحنة.
أصبح أنينها آهات مختلطة بدموعها فقال لها مروان بنحيب عالي :
_ سلامتك من الآه يا عمرى.. لن تركك حقكِ تأكدى من هذا و لن أتركك سأظل بجوارك فقط إصمدى سنتجاوزها سويا.

تحولت آهاتها إلى صراخ و بدأت تحرك جسدها بتشنج غريب متواصل.. حاول مروان تهدئتها وتمسك بذراعها فدفعته عنها وإنكمشت فى نفسها وأخذت تصرخ وهي تطالعه بفزع كبير ...
إقتربت منها سهام وإحتضنتها بالقوة .... ومروان ينظر لها بألم ودموعه لا تقف...
دخل الطبيب و الممرضات مهرولين على صراخها إقترب منها الطبيب فدفعته هو الآخر بعيداً عنها فطلب من الممرضات حقنها بمهدئ كي تهدأ...
وقف حازم يتابع إنهيارها و صراخها الهيستيري متألما... شعر بالإشفاق عليها و هم يكبلوها بصعوبة وهي و كأنها تحولت لوحش كاسر وجاءت ممرضة وغرست حقنة المهدئ بذراعها فبدأت بالسكون لتعود لأنينها المؤلم مجدداً .. فابتعد عن الغرفة و وقف منزوياً...
نظر لها الطبيب وقال لمساعديه بسرعة :
_ إنقلوها حالا لغرفة العمليات كل شئ جاهز و النزيف قد زاد من حركتها المفرطة.
شعر حازم بصمتها فعاد لغرفتها مرة أخرى و وقف يتطلع إليها بألم وحزن وقال لسهام:
_ من الافضل ان يذهب احدكم للمنزل كي تاخذ النيابة اقواله.. اعانكم الله على مصيبتكم.
وقفت سهام أمامه و قالت بنار غضبها :
_ اريد حق إبنتي يا حضرة الضابط.. إعتبرها أخت لك.. حقها سيعود فقط بإعدامه.
تطلع حازم ناحية آية بعدما آلمته كلماتها و قال بحدة:
_ لن أتركه إلا معلقاً على حبل المشنقة بإذن الله.


•   * * * * *


تركهم حازم وصورتها لا تفارق عينيه عاد للقسم دلف مكتبه بغضب وقال بجدية صارمة :
_ احضروا لي الحيوان المتهم بالإغتصاب حالا.
اجابه أمين الشرطة بعدما أدى التحية العسكرية:
_ تمام يا فندم.
بعد قليل وقف إيساف أمامه بلا مبالاة فاقترب منه حازم و هو يطالعه بنفور وسأله بنبرة قاتمة:
_ ما السبب وراء ما فعلته بتلك الفتاة المسكينة؟!
دخل إيساف فى نوبة من الضحك الهيستيري فاقترب منه حازم أكثر ونظر له ثم صفعه على وجهه بقوة.. نظر له إيساف بغضب وقال هادراً بعصبية :
_ هي السبب.. لماذا يلومنى الجميع فهي من تركتني و إختارته هو.. ماذا به زيادة عني لتختاره و تتركني أنا.. فهي تستحق كل ما فعلته بها.
عدل حازم من وضعية ملابس إيساف وقال بهدوء :
_ احسنت.. قص عليّ كل ما حدث من البداية للنهاية و أنا سأسمعك.
و أشار لكاتب مكتبه بأن يدون كل إعترافات إيساف بتركيز..
قص عليه إيساف ما فعله من مراقبته للمنزل وتأكده من خروج مروان ووالده وبقائها فى شقتها لوحدها هى وجدتها العجوز وكيف دخل الشقة وكيف إغتصبها .
سأله حازم بسخرية :
_ هي من اصابتك تلك الإصابة بجبهتك.
صمت إيساف ولم يرد فقال له حازم وهو ينظر له بإحتقار :
_ قسما بربي سأجعلك تندم ندم عمرك و ستكره اليوم الذي بلتنا أمك فيه بشخص حقير مثلك من هول ما سأريك إياه.
ثم صرخ بوجهه قائلا :
-  يا أمين مهدى .
دلف امين الشرطة و قال بصرامة:
_ تحت امرك يا فندم.
نظر له حازم بحزم وقال بنبرة ماجنة :
_ أريد منك ان تحتفل به على اكمل وجه.. حفل إستقبال بسيط على شرفه عديم الشرف.
أومأ الأمين برأسه متفهما و إيساف يقف بينهما منكساً رأسه و كأنه بعالم آخر.. فتابع حازم حديثه قائلا:
_ و بعد أن تنتهي إرمه بالحجز و أخبر المساجين أنه إغتصب فتاة لم تذنب بشئ و أوصهم عليه.. خذه من أمامي قبل ان أفرغ به طلقات سلاحي.
جذبه الامين من ذراعه و خرج به.. بينما بقي حازم على حالته من الحزن الشديد على هذه الفتاة البريئة التى دُمرت حياتها قبل أن تبدأ ....
شعر بدخول الظابط المناوب فوقف مسرعا وإلتقط هاتفه ومفاتيحه وقال له بتعب :
_ من الجيد أنك أتيت لأنني أريد أن أرتاح اليوم كان طويلا و ختامه حادثة إغتصاب.
جلس الضابط على مكتبه و قال:
_ أعرف فتلك الحادثة الجميع يتحدث عنها و عليها تشديد من فوق.
أومأ حازم برأسه مؤكداً و قال و هو ينصرف:
_ أعرف فالنيابة تحركت بسرعة غريبة.. عامة سأذهب لارتاح ساعتين و أعود.. السلام عليكم .
تركه وعاد لمنزله بعدما صلى الفجر فى المسجد دلف شقته فوجد والدته جالسة تقرأ فى القرأن سحب كرسى وجلس عليه يزفر بضيق و آية لا تفارقه .... مرر أصابعه بشعره الطويل وظل شاردا... شعرت أمه بحالته فإقتربت منه وقالت بتحفظ :
-  حمدا لله على سلامتك يا حبيبى .
اجابها حازم بحزن و هو مطرق رأسه :
-  الله يسلمك يا أمى .
لاحظت احلام حزنه وشروده فقالت بقلق :
_ مابك يا حبيبي تبدو مرهقاً و حزينا؟! هل چيلان و أبيها عادا لمضايقتك من جديد؟! قلت لك تعال نترك هذه المحافظة و نغادر و نبتعد عنهم.
أسند رأسه على الكرسى وزفر بضيق وقال بتعب :
_ لا لم يفعلا شئً جديد و لكنني كنت أعاين حادثة إغتصاب بشعة يا أمي لفتاة ببداية العشرين انفطر قلبي على حالتها و حالة أهلها فالحيوان شوه وجهها بشكل صعب.
صفعت أحلام صدرها بصدمة و قالت بخوف و هي تترك المصحف من يدها :
_ إغتصاب!! لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم . اللهم إعفينا و إكفنا شر ما لا نقدر عليه يا الله.. و أستر ولايانا.
فقال لها حازم محذرا بنبرة قاطعة :
_ لا تفتحوا الباب لأحد غريب مهما حدث إلا إذا عرفتوا هويته يا أمي هل فهمتني؟! و أنا سأغير اقفال باب البيت من الأسفل لزيادة الإطمئنان.
ربتت أحلام على ذراعه و قالت بتأكيد:
-  حسنا يا حبيبى لا تقلق سأفعل كل ما قلته.. أشعر بأمها فهي الآن على نار من حرقتها.
أجابها حازم و هو يخلع جواربه:
_ امها متوفيه البنت يتيمة و والدها تركها لجدتها و هي طفلة ولا يربطه بها اى صلة للأسف.
مصمصت أحلام شفتيها و قالت بحزن:
_ كما يقولون الغلبان لا يكتفي من غلبه.
نظر حازم حوله وقال بقلق :
_ هل مريم وسجدة نائمتين؟!
اجابته أحلام بإبتسامة هادئة:
_ نعم ناموا بعد أدائهم لصلاة الفجر لقد سهروا بإنتظارك و بالآخر إستسلموا و ناموا بعدما اصابوني بصداع من شجارهما المعتاد.
تنهد حازم مطولا وقال بتمني:
_ حماهم الله من كل سوء.. سأدخل غرفتي لانام ساعتين لأنني متعب للغاية.
وقف و وقفت احلام امامه و قالت بحنو:
_ أراح الله قلبك و بدنك با حبيبي.
قبل حازم مقدمة رأسها و دلف لغرفته... إغتسل وحاول النوم لم يستطع ظل يفكر بها وصراخها لا يترك رأسه ، ولكن فى النهاية إستسلم لسلطان النوم .

إستيقظت الجدة لتجد سارة جالسة بجوارها و تحتضن كفها بين راحتيها فقالت بتعجب و هي تقاوم نعاسها الشديد و ألم رأسها :
_ سارة!! ما الوقت؟! و لماذا أنتِ هنا؟!
ربتت سارة على كفها لتهدئتها و هي تطالعها بحزن قائلة :
_ لا تقلقي حبيبتي الامور بخير.
بدأت الجدة في تذكر ما حدث خلال اليوم فإنتفضت و حاولت الجلوس بصعوبة و هي تجذب جسدها كي ترتمي على الأرض و هي تصرخ بحدة :
_ بالمنزل لص يا سارة.. لقد خدرني و سيأذي آية.. إنقذيها يا إبنتي منه.
تعالي صياحها و سارة تحاول التحكم بها بصعوبة و هي تقول بصوت متحشرج:
_ يا آية ردى عليّ يا ابنتي.. يا آية.
فقالت لها سارة بألم متحكمة في دموعها:
_ إهدأى يا جدتي أرجوكي و أنا سأفهمك كل ما حدث.
سكنت الجدة و هي تطالعها بخوف من القادم و قالت بوهن:
_ حدث؟!!! وهل حدث شئ ما؟!
جلست سارة امامها و قالت بثبات تحسد عليه:
_ لقد تم نقل آية للمشفي و لكن..... .
بترت الجدة حديثها و قالت بصراخ و عويل و هي تصفع رأسها:
_ يا إلهي.. هل تأذت؟! يا حبيبتي يا آية ماذا أصابك يا حبيبة قلبي؟!
حاولت سارة تكبيل ذراعيها و هي تقول بتلعثم :
_ لا تقلقي مجرد ضربة خفيفة على رأسها فسقطت مغشي عليها و الشرطة إعتقلته و آية فقط تم تقطيب جرحها و بالصباح ستعود سالمة للمنزل بأذن الله .
قالت الجدة وعيونها قد عادت للإنغلاق من آثر المخدر مجدداً و مالت رأسها للخلف :
-  يا حبيبتى يا إبنتى .
تهاوي جسدها ببطء على الفراش.. نظرت لها سارة بأسى وبكت بحرقة و عويل على حالتها وعلى ما أصاب أختها وصديقة عمرها ...
إنتبهت على رنين هاتفها فوجدته زياد.. طالعت المكالمة بحزن شديد فهي لا تعلم ردة فعله بعد تلك الفضيحة المدوية..
أغلقت باب غرفة جدتها و خرجت تتابع إستنفار رجال الأمن و الطب الشرعي المنتشرون بالشقة.. و عيونها لا تفارق فراش آية الغارق بدمائها لتعود لبكائها مجدداً....
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي