الفصل الثالث

دوائها... دوائها...



الجميع يذكرها بدوائها و بحاجتها إليه.. لم تقنط من رحمة الله.. و لكنها باتت تمقت تلك الكلمة التي تذكرها بمرضها السابق و معاناتها.. و ما دُفع في سبيل نجاتها...



أطبقت عيناها بشدة كي تنسي تلك الأيام و صورة هذين الشخصين منطبعة بهما لا تفارقاها...



هي لم تقصر معهما و حتي الآن تعوضهما عما أخذته منهما بكل ما تملك و لكن ضميرها يؤنبها رغم أنها لم تكن على دراية بما سيحدث مسبقاً...



فتحت عيناها و سارت بإتجاه باب الغرفة و هي تقول بنبرة قاتمة كنظراتها و بملامحها إنكسار واهن:



_ حسناً سآتي معكِ.



..................................................................



......................







كان التوتر و القلق مرتسم على الجميع بلا إستثناء وكانت الجدة تمرر عيناها بينهما بهدوء و هما يقطعان الغرفة ذهاباً و إيابا.. كانت الفتاتان على نار سارة فى إنتظار النتيجة ، أما آية فكانت فى إنتظاره هو فهى ستراه مرتين هذا الصباح ، سعادتها كست ملامحها متجسدة بإبتسامة هادئة حالمة و بعينين تلمعان فرحةً فقالت لها سارة بحقد و هي تجلس بجوارها ممصمصة شفتيها :

_ إضحكي فمثلك ثقتها عمياء بعلاماتها ألستي الأولى دائماً .

رفعت آية عيناها بملل و هى تمتم قائلة بضيق :

_ إذكرى الله يا سارة .. لا ينقصنى سهم مباشر من عيناكي اليوم .

أشاحت سارة بيدها و قالت بسخرية:

_ انتي محصنة حبيبتي لا يؤثر بكِ شيئا.

إلتفتت آية لجدتها و قالت بسخط:

_ جدتي بالله عليكِ أنا فى قمة توترى فأمريها تصمت .



تعالت ضحكات سارة على حالتها و وقفت بالشرفة تنتظر قدوم مروان بقلق مجدداً...



بعد سويعات قليلة، عاد مروان فإستقبلته سارة بلهفة وجذبته من يده وهى تقول بتلهف :



_ هيا إنطق .. هل أمورنا بخير .



فقال و هو يحدجها بعدم تصديق :



_ كنت أعلم أنكما ستخذلونا بعلاماتكما تلك أيتها الفاشلتان .



تهدل وجه سارة و هى تقول بألم :



_ لا تمزح .. أعلم أنك تحرق أعصابنا فقط .



تعالت ضحكاته الساخرة و هو يقول بمداعبة :



_ نعم أمزح .. انتما تستحقان ثقتكما بنفسيكما .. أما أنا فلا أصدق حتى الآن .



تنفست الفتاتان الصعداء بينما أردف هو قائلا بذهول :



_ أنتما تأتيان بمثل هذه العلامات .. حقاً .. أنا منذهل .



وخزته سارة فى صدره و هى تقول بعتابٍ غاضب :



_ و لما هذا العرض المقيت ألا تمتلك ذرة شعور .



مسد مكان وخزتها و ابتعد عنها و هو يقول من بين ضحكاته :



_ لاننى ببساطة لا أصدق انكما فعلتموها .. أظن أن مصحح الإختبارات قد أخطأ حتماً .



إلتقطت كلا منهما ورقة علاماتها و طالعانها بفرحة حتى جلست آية على مقعداً بجوارها و هى تقول براحة :



_ حمداً لله لم يضيع تعبنا .



جلست سارة على ذراع مقعدها و هى تقول بزهو :



_ كنت على ثقة فنحن عائلة كلها عباقرة .



جلس مروان على ذراع المقعد الآخر قائلا بغرور لإغاظتهما بمكر :



_ تحدثوا عنى أنا .. فلا يوجد عبقري غيري في هذه العائلة .



دفعته الفتاتان بعيدا عنهما بينما قالت له سارة بحنق :



_كفاك غرورا فقد تخطتك آية بعلاماتها و يحق لها وحدها الغرور .



هز كتفيه بتسليم و هو يقول بهدوء متزن :



_ حسنا لا أمتلك سوى أن أقول لكما مبارك أيتها الفاشلتان .



تصنعت سارة الإبتسام و هى تقول بسخرية :



_ رأيك لا يهمنا من الأساس .



قلد نبرتها الساخرة و هو يقول بإمتعاض :



_ حسنا سوف أحتفظ برأيي لنفسي لا يهمني جوابك يا سارة .



ثم إلتفت ناحية تلك الهائمة بملامحه و قال لها بإبتسامة رائقة :



_ مبارك التفوق صغيرتي .



تنهدت مطولا و هى تجيبه بنبرة حالمة و إبتسامة رائقة :



_ بارك الله بعمرك يا مروان .



أخرجها صوت سارة من تأملها لوجهه و هى تقول لتفيقها من حالتها تلك مجدداً :



_ بمناسبة الغرور يا آية... قررتي أن تلتحقي بأى كلية .



إنتفضت فى جلستها و هى تجيبها بتلقائية :



_ سأنتظرك حبيبتى لتقررى .



إتسعت عيني سارة و هى تطالعها بعدم تصديق قائلة بحزم :



_ ماذا ؟!! انتى علاماتك أكبر منى إختارى أنتى كيفما تشائين .



بينما قال لها مروان بضيق :



_ ولكن كيف ؟! أين رأيك أنت ِ... فأنتِ تمتلكين العلامات الأكبر أعيدى التفكير مرة أخرى هذا مستقبلك لا تنتظرى أحد .



طأطأت رأسها و هى تقول بوهن :



_ سأكون مرتاحة أكثر مع سارة لا شأن لك .



رفع ذقنها و طالع عيناها مطولا لتذوب هي مع لمسة أنامله لوجهها و عطره الذى إقتحم شغاف قلبها و انفاسه التي ألهبت حواسها قبل أن يهدر بها بعصبية قائلا :



_ أنتى لا تمتلكين الرأى لذاتك .. لا تمتلكين الجرأة للتعبير عن نفسك، حسنا لا يهمنى ذلك .



و نفض ذقنها بقوة لاعناً عقلها البائس.. و هو يطالعها بنظرات قاتمة سوداء على حالتها المذرية و المقززة...



لاحظت سارة الحزن الذى كسى عيناها فأسرعت قائلة بمداعبة لتلطيف الجو قليلاً :



_ نعم كما قالت آية لا شأن لك .



إستدار بظهره عنهما و هو يقول بحزم غاضب :



_ حسنا لا شأن لي فلتحترقا سويا .



خرجت سهام من الغرفة تدفع كرسي والدتها المتحرك قائلة بسعادة بالغة :



_ مبارك لكما حبيباتى .. تستحقان و أكثر .



و قالت لهما الجدة بفرحة :



_ حبيباتي كبرن و على ابواب الجامعة لا أصدق .. مبارك لكما صغيرتٰي .



إحتضناتاها الإثنتان و قالتا بفرحة :



_ بارك الله بعمرك جدتي .



إقتربت سهام من آية و إحتضنتها قائلة بحنو :



_ مبارك حبيبتي تستحقين تلك العلامات على تعبك الأيام السابقة و الله لا يضيع تعب أحد إجتهد مثلك.



تمسكت آية بها و كأنها تشتم رائحة أمها بضمتها و قالت بحنين :



_ بدعمك و ثقتك بي خالتي .



سأم مروان من حواراتهم المملة تلك و التي ما أن تبدأ لن تنتهي الآن.. فوقف أمام المرآة هندم ملابسه وشعراته الناعمة و نظر لنفسه نظرة أخيرة شمولية و قال بنبرة ماجنة :



_ لا طاقة لي بحكيكم هذا.. سأذهب للقاء فتاتي الجديدة وداعا ايتها الفاشلتان .



إبتعدت آية عن سهام و هى تنظر له شرزاً و عيناها تطلق أسهماً نارية لو طالته لفتكت به .. بينما قالت له سهام بلوم و عتاب :



_ اتقي الله حتى الآن صادقت نصف فتيات بلدتنا .



أنهى إطمئنانه على هندامه و إلتفت إليها قائلا بثقة عمياء :



_ و لمن أترك النصف الآخر .. عامة .. هن الراغبات لصداقتي و لست أنا .



صكت آية أسنانها من شدة غضبها و سارة تطالعها بإشفاق و تكتم ضحكاتها بصعوبة مطالعة تلك النيران التى تشتعل بداخلها من الغيرة....



وكأنه خنجرا جديد يضاف لقائمة خناجره والتى تصيب قلبها مباشرة ..



فقالت فى نفسها بحزن :



_ شعر بنصف فتيات البلدة و لم يشعر بي .. شئٌ مطمئن .



قررت سارة أن تخرجها من شرودها و حزنها ذاك كعادتها فقالت صابة البنزين على النار بتلقائية :



_ آية حبيبتى ... لن تخبرى والدك بنجاحك .



أجابتها آية على الفور و عيونها تقدح شراراً مضاعفاً :



_ لا لن أخبره .. أمر نجاحى من عدمه لا يعنيه و لا يهمه .. و جودى بالحياة من الأساس لايهمه .



شعر مروان بوخزة خفيفة بقلبه فإلتفت ناحيتها مطالعاً إنكسارها المخفي و نفس الشعور القديم يعود إليه يوم تركها والدها عندهم و غادر و سقوطها على الارضية باكية .. حينها لم يشعر بنفسه و هو يضمها لصدره بقوة و كأنه يمتص حزنها و ألمها بداخله ......



إقتربت سهام منها و إحتضنتها بأسى على حالتها ..



لم تحتمل أكثر و تركت لعبرات عيناها الحرية فى شق طريقهما على وجنتيها و هى تقول بشعور اليُتم المقيت لأى شخص :



_ لا اعترض على قضاء الله و لكننى أشعر برغبة شديدة بأن ارى أمي و أرتمي بصدرها .



رفعت سهام وجهها المبلل بدموعها و طالعتها بلوم قائلة :



_ رحمها الله حبيبتى .. ألست أنا أمك .. ألست أنا من ربتك و لم تفرق بينك و بين سارة .



أجابتها بصعوبة من بين تعالى صدرها و هبوطه بسبب بُكائها :



_ نعم أنتى أمي وخالتي و لم تقصرى بأى أمر يخصنى و لكن هو ...



قطع مروان إسترسالها الحزين قائلا بإشفاق :



_ يكفي أننا نكترث لأمرك و فرحنا كثيراً لنجاحك صغيرتي .



رفعت عيناها ناحيته ليزداد شعوره بتكفيف دموعها وضمها لصدره بتملك ...



دائماً ما تبثه نظراتها شيئاً لا يفهمه.. ربما تستقوى بوجوده حولها.. تستشعر الآمان بقربه..



لا يعلم سوى أنه يخشى أن يفسر نظراتها على أنها.....



وقفت سارة بينهما قاطعة ذلك التواصل و هى تقول بنبرة قاطعة :



_ يكفي ... هذا اليوم غير مناسب لدموعكم و إكتائبكم هذا لنؤجلها ليوم آخر أكون قد إستعددت لأشارككم .



إبتسمت آية بخفوت و كففت دمعاتها ...



فتسللت الراحة لقلب مروان على حالها ... تركهم و إنصرف بهدوء تاركاً خلفه قلب يتمزق غيرة عليه .....


فى المساء إجتمعت معهم صديقاتهم و جاراتهم وأقاربهم ومعارفهم للمباركة و كانت الجدة تمرر عيناها على الجميع بسعادة بينما الفتيات يرقصن على نغمات محفزة و صوت غنائهم طغى على صوت الموسيقي الصاخب ..



و سهام تقدم المشروبات الباردة و الحلويات على الجميع بفرحة ...



عاد مروان لمنزله بعد مقابلته لفتاه جديدة أخذت منه وقتاً كبيراً جدا من أجل الحصول على موعد معها و بعد محاولاته نجح كعادته .....



صعد الدرج ليتفاجئ بصوت الموسيقي الصاخبة والتصفيق فقال بتعحب مازح :



_ ما هذه الضوضاء التي فى منزل جدتي ؟!!! هل جدتي قررت الزواج من جديد .



تعالت ضحكاته و هو يتابع صعوده و وقف أمام باب الشقة إقترب بأذنه و إسترق السمع حتى طاوع شيطانه و دفع النافذة الصغيرة بباب الشقة و تابع من شق رفيع بها ما يحدث بالداخل ...



وقف ينظر خلسة و هو يصفق ويرقص قائلاً بإعجاب :



_ يا إلهي !!! ماذا يفعلن كل هؤلاء الجميلات ف بيتنا.



أخذ يغني معهم و هو يقول بضحك هيستيري:



_ و آآااااه .. يا بنت السلطان حنى على الغلبان ....



سرقت نظراته فتاة توليه ظهرها و ترقص بتمكن جذاب فصفر قائلا بشغف :



_ و لكن .. من تلك الجميلة التى توليني ظهرها و التى ترقص بالمنتصف يبدو أنها أكثرهم جمالا و اتقاناً للرقص .. ليتنى مباح لي الدخول .



وفجأة إتسعت عيناه و فغر فمه من الدهشة و قال بصدمة :



_ ماذاااا؟!!!



فرك عينيه بكفيه و قال بملامح مشدوهة:



_ هل أنا مخدر .. أتلك صغيرتي حقا .



كان يتفحص جسدها بإعجاب فالرقص أظهر أنها لم تعد صغيرة بعد و نظرات الإعجاب بعيون جميع النساء الجالسات جعلته يتأكد أنها قد نضجت و طابت.. فلعق شفتيه بإشتهاء و قال بهمس ساخن:



_ ماذا حل بها فجأة لتبدو ساحرة هكذا .. أم أنا الأعمى؟!



وصل لمسامعه سعال والده و هو يصعد الدرج فصعد مسرعا لشقتهم و هو يقول بلهاث :



_ يا الهي هذا صوت والدى لو رآني سوف يلقيني من الدرج .. سأطير لشقتنا فأبي هذا يأتي بأوقات محرجة .



دس المفتاح بالباب و صوت خطوات والده يقترب و بعد تمكنه من رعشة يده فتح الباب اخيراً ... دلف للداخل و أغلق الباب ورائه و قفز على الأريكة جالساً و فتح التلفاز و تصنع الهدوء .......

دلف رؤوف لشقته ليجد مروان جالساً يشاهد التلفاز .. فإقترب منه قائلا :



-  السلام عليكم .



إلتف مروان ناحيته متصنعا التعجب .. بينما خرج صوته متلعثماً و هو يأخذ نفسه بصعوبة قائلا :



-   أبي!!! .... و عليكم السلام .



قطب رؤوف جبينه و هو يتابع لهاثه و عرقه الذى اغرقه فسأله بتعجب :



_ ما بك و ما بها أنفاسك كأنك خرجت من سباق .



إعتدل مروان بجلسته و أخفض صوت التلفاز وهو يقول بتلعثم :



_ هاه ... هاه .. ابداً كنت أمارس تمرين الضغط اريد ان اقوى عضلاتي بعض الشئ .



فقال له رؤوف بسخرية و هو يجلس بجواره :



_ أنت لا تحتاج المزيد من تلك التمارين فعضلاتك اوشكت على الانفجار من شدتها .



عدل مروان من ياقة قميصه قائلا بغرور :



_ إنها هيئة لجذب الفتيات يا ابي .



صفعه والده على مؤخرة رأسه و هو يقول بضيق :



_ عديم الأدب .. ألا تحترم وجودى لتقول هذا الكلام بهذه الجرأة في وجهي .



تعالت ضحكات مروان و أجابه قائلا بمداعبة و هو يلتف بجسده ناحيته و يثني ركبته تحته :



_ أخبرني يا أبي صراحةً .. حينما كنت بمثل عمرى ألم تهتم بهيأتك من أجل الفتيات .. ألم تصادق الكثير منهن ام كنت منطوى.



تنحنح رؤوف قائلا بمواربة :



_ صراحةً ... كنت أهتم و لكن ببساطة و لم أكن مبالغاً مثلك .



ثم تطلع بالتلفاز قائلا بتلقائية :



_ إتقي الله من أجل إخوتك البنات يا مروان .



تطلع مروان به متعجبا مما قاله قاطبا ما بين حاجبيه مضيقاً عينيه و سأله بنبرة عالية :



_ أخوتى ؟!!! هل تزوجت على أمى و أنجبت أطفال غيرنا .



فقال له رؤوف بخوف وهو يتطلع حوله بقلق :



_ أخفض صوتك هذا ... لو سمعتك أمك لصدقتك و ربي .



فسأله مروان بعدم فهم :



_ حسنا .. و لكن ما قصة أخوتي البنات تلك .. انتم لم تبلوني سوى بتلك الحمقاء الكبيرة الكونتيسة سارة .



إبتسم رؤوف و هو يهز رأسه مستنكراً و يقول من بين أسنانه بمزاح :



_ أقصد سارة و آية .. أعشق فطنتك و دهائك ببعض الأوقات .



فقال له مروان براحة و هو يتنفس الصعداء :



_ أتمزح يا أبي .. حمداً لله أنك لم تتزوج على امي .



عاد بعينيه للتلفاز و تابع قائلا بإبتسامة هادئة:



_ سمعت تلك الضوضاء بالأسفل .



أجابه رؤوف بفخر و إعتزاز :



-  الفتيات يستحقون الفرحة وفقهن الله .



فقال له مروان بأسى و هو يتنقل بين محطات التلفاز :



_ كنت أود أن أقفز بالداخل معهن و اشاركهن فرحتهم و لكن أمي كانت ستقتلعنى من أرضي .



تعالت ضحكات رؤوف و هو يهز رأسه بيأس على حال إبنه و إندمج معه بمشاهدة التلفاز ......
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي