الفصل، الخامس، والعشرون

صعد مروان و زياد على صراخها .. حاولوا كسر الباب بكل قوتهم ودخلوا ليجدوها منكمشة فى جانب وهى تصرخ وتبكى بجنون... إقترب منها مروان وقال بحنو لتهدئتها و هو يدعس بحذائه شظايا الزجاج المتحطم :
_ إهدأى حبيبتي.. أنتِ بخير لا تقلقي و نحن معكِ و بجوارك لن نتركك أبداً.
حاول التقرب منها فصرخت قائلة بخوف:
_ إبتعد لا تقترب مني.. إخرج من الغرفة إخرجوا جميعاً لا أريد رؤية أحد.
تطلعت بسهام و قالت برجاء متذلل:
_ خالتي اخبريه أن يبتعد عني انا لا أريد رؤيته.
إقتربت منها سهام و سارة و هما تبكيان بحرقة على حالتها المنهارة.. تمسكت بسهام التى أوقفتها و ضمتها إليها لتهدئ من روعها وأخرجتها من الغرفة ظلت جدتها تناديها لم ترد عليها.....
صعدت سهام بها لشقتهم وأدخلتها غرفة سارة وتركتها معها وعادت لأمها المذعورة من صراخها...
كانت آية تجلس على فراش سارة و هر تفرك أناملها بتوتر و تتطلع حولها بعينين زائغة.. إقتربت منها سارة بتريث قلق و قالت بهدوء :
_ إهدأى حبيبتي لقد إنتهي كل شئ و أنتِ الآن بخير.
نظرت لها آية بألم و بنظرات مكسورة.. جلست سارة بجوارها و قالت بتعقل :
_ أنتِ أقوى من أي صدمة أو ألم يا آية.. لم تكوني بمفردك من تأذيتي.. جميعنا تأذينا و نشعر بما شعرتِ به و سنتخطى أى أزمة سويا.
ثم ربتت سارة على كفها بحذر و قالت:
_ ما رأيك أن تقومي معي و تغتسلي و تبدلي ملابسك من المؤكد أنكِ تحتاجين القليل من الراحة بالماء الدافئ.
حركت آية رأسها موافقة ، فأحضرت لها سارة من ملابسها وأخذتها إلى المرحاض وأغلقت آية ورائها الباب...
وقفت تحت الماء الساخن تبكى وهى تطالع جسدها و قد إمتلأ بالكدمات و الخدوش وهي تتذكر نظراته لكل جزء بها ولمساته لها....
أخذت تفرك جسدها بقوة لإزالة آثار هذا الحيوان من عليها .. و هي لا تشعر حتي بحرارة الماء المنسابة فوقها ...
دخلت سهام لغرفة أمها وجلست بجوارها فسألتها الجدة بتعجب و بطريقة مباشرة:
_ هل تخفون عني شيئاً؟! أريحي قلبي يا إبنتي و لماذا لم تجيبني آية عندما صحت بإسمها؟!! و ما سبب صراخها و تحطيمها لغرفتها؟!!
حملت سهام كفيها قبلتهما وقالت بهدوء حزين :
_ لن اخفي عنكِ شيئاً يا حبيبتي.. سأخبرك بكل شئ و لكن بالبداية أنتِ مؤمنة بقضاء الله و قدره.. و أن كل ما يصيبنا قد كتبه الله لنا.. أليس كذلك؟!
ضيقت الجدة ما بين عينيها و قالت بتوجس:
_ ونعم بالله العلي العظيم.
قصت لها سهام كل ما حدث مع آية من الإغتصاب إلى حالتها النفسية المصاحبة لها بعد الحادثة ، صرخت الجدة وقالت بعويل :
_ يا حبيبتي يا آية.. لماذا أخفيتم عني كل هذا؟! فهي يتيمة و أمانة أمها لنا.. عندما سأقابل أمها هل سأقول لها أنني خنت أمانتها و ضيعت صغيرتها بشللي وضعفي.
هدأتها سهام و هي تقول بدموعها:
_ إذكرى الله يا أمي.. أنتِ دائمة القول " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " إذكرى الله يا حبيبتي.
دفنت الجدة وجهها بين كفيها المرتعشين و أجهشت بالبكاء و هي تردد:
_ إنا لله و إنا إليه راجعون.. اللهم أجرنا في مصيبتنا.

كانت سارة تجوب الغرفة ذهاباً و إياباً و قد تسلل القلق لقلبها من تأخر آية فى المرحاض.. فوقفت أمام الباب وقالت بتوجس :
_ آية هل إنتهيتي حبيبتي؟!! أتحتاجين المساعدة؟
أجابتها آية مسرعةً بنبرة قاطعة :
_ لا لم أنتهي أحتاج المزيد من الوقت.
ظلت بالمرحاض قرابة الساعة فهاتفت سارة سهام بقلق و قالت:
_ أمي فلتأتي حالا.
وقفت سهام وسألتها بقلق:
_ ماذا هناك، هل حدث شئ معكما؟!
أخفضت سارة صوتها و هي تقرب الهاتف من فمها و قالت بخفوت:
_ آية تستحم منذ ساعة تقريباً و كلما طلبت منها الخروج او الانتهاء ترفض و أنا أشعر بالقلق.
مررت سهام كفها على وجهها بإرهاق و قالت:
_ حسناً لحظات و سأكون معك فقط إطلبي منها الخروج مجددا بهدوء.

تركت الجدة و صعدت لهم وحاولت مع آية لتخرج ولكنها رفضت أتى مروان على صوتهم وقال بتوجس :
_ ما بكما و لما تقفان هكذا أمام الباب؟!
أجابته سارة بخوف :
_ آية بقيت بالداخل أكثر من ساعة كاملة و ترفض الخروج نحاول معها و لكن دون جدوى.
رفع مروان حاجبيه بتعجب و قال مسرعاً بقلق :
_ إن بقيت أكثر ستصاب بحمي و جسدها لا يحتمل فهي لم تشفي و تعرضت لعملية جراحية.
تقدم ناحية الباب و صاح بها قائلا بنبرة عالية:
_ آية.. أخرجي حالا.
وصلها صوته فإحتضنت جسدها بخوف و لم تجيبه.. فأردف قائلا و هو يطرق على الباب بقوة:
_ أعلم جيداً أنكِ تسمعينني و إن لم تخرجي حالا سأكسر الباب فالأفضل لكِ أن ترتدى ملابسك و تخرجي من نفسك.
صرخت وقالت بحدة و هي تضع كفيها على أذنيها حتي لا يصل صوته لرأسها المتألمة:
_ إبتعد عني.. بل إبتعد من هنا انت تخيفني.
كانت كلماتها كنصل حاد يشق صدره.. تمالك مروان نفسه و قال لها محذرا و هو يعود لطرقاته على الباب :
_ لآخر مرة اقولها.. إن لم تخرجي حالا سأدخل أنا.. أنتِ حرة.
فقالت له بخوف و هي تغلق صنبور الماء و ترتدى ملابسها مسرعة:
_ لا إنتظر أنا سأخرج و لكن إبتعد من هنا.
إستند مروان برأسه على باب المرحاض و حاول التنفس و هو يقول بإرهاق نفسي و ليس جسدى:
_ حسناً سأبتعد لا تقلقي حبيبتي.
و إبتعد عائدا لغرفته.. إرترمى بجسده على الفراش وأخذ يتطلع لسقف الغرفة بشرود و كل ما حدث يسير أمام عينيه ببطء و كأنه شريط سينمائي يعرض.. نفس الأحداث صورتها و هي مكبلة و عارية.. الدماء التي إنسابت أسفلها.. أطبق عينيه بقوة وهو يحاول محو هذه اللحظات من رأسه المتألم و بشدة و كأنه سينفجر....
خرجت آية من المرحاض تتطلع حولها بخوف.. لاحظت سهام تورم جلد رقبتها ويديها و قد إصطبغوا باللون الأحمر فقالت بصراخ:
_ ماذا فعلتي بنفسك؟!! جلد جسدك كله ملتهب ألا تتألمين؟!
أجابتها آية بهدوء و هي تضم جسدها بذراعيها :
_ لم أفعل شئ.. فقط كنت أنظف نفسي.
حاوطت سارة كتفيها بذراعها و أخذتها لغرفتها و هي تطالع أمها بإشفاق...
وقفت آية أمام المرآه تتطلع لوجهها وللجرح بجبينها وللضمادات التي وضعتها سارة على جروحها.. ولأنفها المتورم ثم نزعت المنشفة عن رأسها وأخذت تنظر لشعرها المنسدل وقالت لسارة التي تتابعها بحزن:
_ أريد مقصاً.
قطبت سارة ما بين حاجبيها وقالت بتعجب إترسم على ملامحها و هي تقترب منها :
_ لماذا تريدين المقص ما غايتك منه؟!
إلتفتت إليها آية و هي تمسك أطراف شعراتها الطويلة بيديها و ققالت ببديهية و ببساطة:
_ كي أقص شعرى.
تصنمت سارة قبالتها وهي تستوعب ما قالته وقالت بخوف :
_ لماذا تريدين قصه فشعركِ جميلٌ جداً و يجعلكِ أجمل حبيبتي.
ردت عليها آية قائلة ببرود :
_ لا أريد أن يبقى بي شئ قد لمسه هذا الحيوان.. فأنا حاولت إزالة جلدى و لكنني لم أقدر فالأمر كان مؤلم.
كانت تتكلم و هي تخريش جلدها بأظافرها دون وعي منها.. فصرخت سارة من ذعرها وهي تحاول إيقافها.. حتي جاء على صراخها سهام و رؤوف التى ما أن رأته آية حتى صرخت بخوف و إنكمشت بنفسها... فخرج على الفور .
إقتربت سهام من سارة و سألتها بقلق :
_ ما بكِ يا سارة؟ لماذا تصرخين هكذا فزعتيني؟!!
إقتربت منها سارة و قالت بتلعثم من خوفها:
_ إنها.. إنها تخربش جلدها لتزيله و لهذا تأخرت عند إستحمامها و المصيبة أنها تريد مقصاً لتقص شعرها ستؤذى نفسها يا أمي.
هزت سهام رأسها بيأس و تهاوى جسدها على المقعد و هي تقول بتعب:
_ يجب أن نذهب بها لطبيب نفسي بأقرب وقت لن أنتظر حتي تؤذى نفسها.. يكفينا من الألم ما ذقناه الفترة السابقة.
أعطتها سهام ادويتها و القليل من الطعام و إختتمت بدوائها المهدئ فنامت على الفور ... جلست جوارها سارة و لم تغفو حتى الصباح و حددوا لها ميعاد مع طبيبة نفسية .....

•   * * * * *

تملك منها اليأس الأيام الماضية و هي تنتظره و كل يوم يزيد يأسها من عودته.. و تتأكد ظنونها أنه مجرد وهم و عشقه وهم و عام من عمرها إنصرف في حبه وهم في وهم...
أغلقت سحاب حقيبتها الأخيرة و هي تشعر بألم شديد في صدرها.. فوالدها بالطريق و غنام لم يظهر بعد..
جلست على الفراش تحاول التنفس بصعوبة حتي وصل لمسامعها صوت جرس الباب.. فتهدلت ملامحها بحزن فوالدها قد أتي و إنتهي الحلم الجميل...
دلفت عليها رمزية الغرفة و قالت بنبرة متحمسة:
_ راما حبيبتي تعالي فغنام بالخارج ينتظرك.
رفعت راما عينيها ناحيتها و سألتها لتتأكد بإرتجافة خفيفة:
_ قلتِ من؟!
إتسعت إبتسامة رمزية بعدما رأت تدفق الدماء قد عاد لوجهها الشاحب و إحمرار وجنتيها و قالت بغمزة من عينها:
_ غناااااام.. أقول غنام يتنظرك بالخارج.
ركضت راما ناحيتها و خرجت من الغرفة تدفعها بقوة حتي وجدت نفسها تقف أمامه.. عندما رآها وقف هو الآخر و طالعها مطولا بشوق و كأنه يرسمها بداخله...
رغم قنوتها و إنزعاجها منه.. إلا أن مجرد رؤيته جعلتها تشعر بأنها تحيا و لديها قلب ينبض و دماء تجرى بعروقها..
طال الهدوء و طالت الوقفة و طال الصمت حتي قطعته رمزية قائلةً بدهاء لقطع تلك الحالة الهائمة:
_ من الجيد أنك ظهرت يا غنام.. فهذه آخر ليلة لنا هنا و إن لم تأتي ربما كانت مرضت راما من فرط قلقها عليك.
إبتلعت راما ريقها و قالت بمكابرة و إيباء:
_ لا تصدقها إنها تبالغ ليس إلا.
إبتسمت عيني غنام و هز رأسه متفهما ثم إلتفت ناحية رمزية و هو يقول بهدوء متزن:
_ هل لي بكوب أخير من القهوة يا رمزية من يديكِ الجميلتين.
الأخير.. زادت دقات قلب راما و هي تستمع إليه.. بينما قالت رمزية بجدية:
_ تحت أمرك.
تركتهم و إبتعدت فإقترب غنام من راما و وقف قبالتها و قال:
_ إذا فأنتِ ستعودين لقصرك يا أميرة.
ضيقت راما أنظارها و هي تطالعه بحدة و قالت بثبات:
_ نعم سأعود.. و لكن يبقى السؤال الوحيد بداخلي لك هل سيفرق معك غيابي يا غنام ؟!
تنهد غنام مطولا و قال مسرعاً:
_ نعم من المؤكد أنه سيفرق معي غيابك.. لقد إعتدت على وجودك اليومي معي و لا أعرف كيف ستمر أيامي بدونك.
تريد أن تصفعه على وجهه و تصرخ به و ربما تغرس أظافرها بعينيه كي تطفئ نيرانها من بروده.. لكنها تحكمت بإنفعالها و قالت ببرود:
_ ستمر كما مرت الأيام الماضية لا فرق.
فهم مقصدها فقال موضحاً:
_ لم أبتعد بخاطرى فعندى ظروف جعلتني أبتعد رغماً عني تأكدى من هذا.
رفعت راما عينيها بملل و هي تقول بقنوط:
_ ظروف.. و هل هي ظروف عائلية و أنت تمتلك عائلة.. أم ظروف شخصية و أنت تمتلك أحداً يحبك و ينتظرك.. أم ماذا؟!
إفترت شفتيه بإبتسامة حانية و قال و هو يتعمق كعادته بعينيها التي تعكس له كل ما يدور بداخلها بمنتهي الشفافية:
_ انا أمتلك أحدا يحبني بالفعل.. أنتِ يا راما.
لم تشعر بنفسها و هى تكيل له اللكمات و الصفعات و كأن المارد التي حبسته بداخلها قد أطلقه بمنتهي اليسر بكلماته و قالت بغضب:
_ و ان كنت تعلم ذلك لماذا إبتعدت عني الايام الماضية يا عديم الإحساس و الشعور.
حاول السيطرة على إنفعالها و هو يضحك عاليا قائلا بمزاح:
_ أعطني فرصة للتحدث عالأقل يا مجنونة.
توقفت عن ضربه.. ليسرع قائلا:
_ صراحة.. علمت بأمر عودتك لبيتك و إبتعدت كي اعطي نفسي وقت للتفكير فيما هو قادم لنا.
لملت شعراتها و هي تقول بتعجب:
_ و من أين عرفت؟!
اجابها بثبات:
_ من حارس العقار.. لن أخفي عليك شعورى حينها.. فقد شعرت بأن روحي تنتزع مني.
إبتسمت براحة و قالت بصدق:
_ بل انا ما كنت أموت بالبطئ و انا أنتظرك.. غنام لن أستطيع ان أبتعد عنك.. فقط أخبرني برغبتك ببقائي و أنا سأتحدى العالم بأكمله و أبقي معك.
أغمض عينيه قليلا ثم فتحهما و قال بجدية:
_ بل جئت اليوم كي أستودعك الله التي لا تضيع ودائعه.
ألم رهيب أصاب قلبها مباشرة و إعتصره بقوة و هي تتابع جموده و غلظته.. هل ودعها منذ قليل.. رغم كلماتها الأخيرة..
تهدل كتفيها مع نظراتها القوية و وجدها تقول و هي تلتفت عائدة لغرفتها:
_ في آمان الله يا غنام.. إنصرف فوالدى بالطريق لا أريد أن يراك و يسألني ماذا يفعل السايس بشقته.
و سارت حتي غرفتها و أغلقتها عليها..
كان يتابعها بحزن و شفقة على حالها و لكنه لم يكن يمتلك حلا آخر.. إنتبه على وقفة رمزية بجواره فطالعها بنظرات ذات مغزى ففهمته وربتت على ذراعه..
تطلع بباب غرفتها للمرة الأخيرة و خرج مسرعاً...
شعور مقيت يتملكها كلها ببطء.. تتطلع بالغرفة و كأنها تضيق عليها و تتحرك.. إختفت أيضاً أنفاسها و أصبحت تتصبب عرقاً و سقطت مغشياً عليها...
لم يكن يشعر بساقيه و هو يري سيارة الإسعاف تغلق أبوابها بعدما وضعت بها راما و قد بدا له أن حالتها تبدو سيئة..
سيارات كثيرة قد إنطلقت خلفها و والدها يبدو عليه الضعف و الوهن.. صعد سيارته هو الآخر و تبعها و غنام يتابع إنصرافهم بحزن.. أغمض عينيه بألم و قد سقطت منهما عبرة ساخنة و هو يقول بضياع:
_ أعلم أنكِ يوماً ما ستسامحينني.. حبيبتي.


فى المساء توجهوا بآية للطبيبة النفسية التى إستقبلتهم بعد علمها بحالة آية وأدخلتها غرفتها وطلبت منهم الخروج وتركها معها لاحظت خوفها فسألتها بهدوء متزن :
-  ما إسمك؟!
ردت عليها آية بخوف :
-  إسمي آية .
ظلت آية معها قرابة الساعتين سمعوا فيها صراخها وبكائها ولم يتدخلوا و مروان يجوب الغرفة ذهاباً وإياباً حتى خرجت بملامح متهدلة... إقتربت منها سهام و خرجتا سوياً و توجهت معها لسيارة زياد الذى كان بإنتظارهم...
دخل مروان للطبيبة وسألها بتوجس :
_ هل هي بخير؟! هل ستعود لطبيعتها و تتجاوز ما حدث معها؟!
خلعت الطبيبة نظارتها الطبية و عقدت ذراعيها امام صدرها و هي تجيبه بعملية:
_ في الحقيقة الوضع معها معقد للغاية.
قطب مروان حاجبيه و هو يسألها بخوف:
_ معقد لأي مدى؟!
هزت رأسها و هي تقول بتنهيدة طويلة:
_ خطيبتك مصابة بحالة من حالات الإكتئاب تسمي كرب ما بعد الصدمة و هنا تكمن خطورة الوضع و الأخطر نتائجه.
سالها مروان مسرعاً بتعجب:
_ ماذا يعني كرب الصدمة هذا؟!
أجابته الطبيبة موضحةً:
_ إسمه كرب ما بعد الصدمة.. و معناه أنها قد فقدت الإحساس بالآمان و بداخلها كره شديد لجميع الرجال.. لأنها ببساطة لم تكن تعلم العلاقة الكاملة بين الرجل و المرأة كيف تكون بكل جوانبها.. و قد تفاجأت بذلك للأسف يوم الحادث.
أغمض مروان عينيه و مسد جبهته بألم و هو يتخيل ما تقوله الطبيبة.. تابعت حديثها قائلة:
_ من أعراض مرضها فقدان الشهية.. الذعر أثناء النوم و رهابها الشديد من الجميع.
فقال لها مروان بعدم فهم :
_ هل يوجد حل و علاج لمرضها ام الوضع صعب؟!
فكرت قليلاً ثم قالت بهدوء متزن:
_ يجب عليكم تغيير مكان الحادث فتواجدها به سيعيد تلك الليلة بخيالها بكل تفاصيلها و لن نتقدم بشئ.. ثانياً يجب عليكم أن تعيدوا لها ثقتها بنفسها و أن تشعر بالآمان و الراحة.. خاصة أنت.
أطرق رأسه بحزن وقال بأسي :
_ و لكنها ترفض التعامل معي من الأساس و نظرات الرعب بعينيها تقتلني.
أجابته بتعقل:
_ يجب أن تتحلي بالصبر و تحاول معها دائما مهما صدتك و حاولت إبعادك عنها لا تستسلم فوجودك بجانبها اهم ركن من ركائن علاجها فما عرفته منها أنك أنت أهم شخص بحياتها.
إبتسم مروان بأسى و قال بصوت شاحب :
_ كنا نجهز لخطبتنا الأيام المقبلة.. انا أريد أن أثبت لها أنني أحبها و لن اعشق سواها مهما حدث.
إبتسمت الطبيبة و قالت:
_ كن حريص على إثبات ذلك قبل قوله و فقط.. لابد أن تشعر بأن حبك لها لم ينقص و لم يتأثر بما حدث.
أومأ مروان برأسه و وقف و هو يقول بأسى :
_ اكيد.. شكرا جزيلا لحضرتك.. بعد إذنك.
و تركها و إنصرف..
عادوا لمنزلهم وقفت آية أمام باب شقة جدتها وقالت بلهفة :
_ أريد أن أرى جدتي يا خالتي لقد إشتقت إليها كثيراً.
أبتسمت سهام بسعادة و هي تقول:
_ وهي أيضا إشتاقت إليكِ يا روح خالتك.. تعالى معي.
جذبتها سهام من كفها و دخلت بها مباشرة لغرفة الجدة.. وقفت آية أمام جدتها تطالعها بنظرات منكسرة و كأنها تشكو لها ما اصابها... إنهمرت دموع الجدة وفتحت ذراعيها فإقتربت منها آية وإرتمت بحضنها وأخذت تبكى وتصرخ وظلت الجدة محتضناها في صمت...
تركهم الجميع وخرجوا أما الجدة أخذت تمرر يدها عليها بالرقية الشرعية حتى نامت بحضنها لأول مرة بدون مهدئات .

بطء حازم من سيره و هو يرى چيلان لأول مرة بعد إنفصالهما.. لقد كانت نظراتها له تحمل الكره و البغض و بعض من نيران الإنتقام.. لم تكن بمفردها بل كان بجوارها رجلاً يبدو من هيأته أنه مسئول كبير.. كانت تسير بإتجاهه و هي تطالعه بإبتسامة ماكرة خبيثة و تتطلع داخل عينيه بقوة...
شئ ما ينذره بالأسوء.. فوجودها بمكان عمله من المؤكد انه ليس وليد الصدفة.. فهي قد قررت اللعب على المكشوف بعدما فشلت كل محاولاتها السابقة بإتهامه بسبها و قد إستطاع بمعاونة رؤسائه أن يخرج منها بمنتهي اليسر...

تمهلت چيلان ببطء في سيرها و هي تقترب من حازم الذى يبادلها قوة نظراتها بترفع و إيباء حتي وقفت أمامه.. طالعته مطولا ثم قالت ببرود مستفز:
_ هذه المرة لقد إنتهيت يا حازم.
إفترت شفتيه بإبتسامة جانبية ساخرة و وضع كفه بجيب سترته و قال بنبرة فاترة ولا مبالية بما تشدقت به:
_ و هل أنتِ من قررتِ أنني سأنتهي أم لا؟!
رفعت چيلان حاجبها و قالت بتأكيد قوى:
_ نعم انا هي من قررت إنهاء مسيرتك العملية و ليس ذلك فقط.
هز رأسه و هو يقول بنبرة ساخرة:
_ وماذا ايضاً؟ هل ستفكرى بقتلي المرة القادمة؟!
تعالت ضحكاتها الرنانة و هي تعود لحديثها الهزلي بالنسبة له و قالت بمجون:
_ لا فقتلك يعني راحتك و أنا لن أتركك ترتاح يا حازم سأكون عقبة بحياتك و ستدفع ثمن تطاولك عليّ غالي.
هز كتفيه بتسليم و قال مضيقا عينيه متصنعاً التفكير:
_ أعتقد أنني هي تلك العقبة بحياتك.. فأنتِ لا تخرجيني من رأسك.. أشغلك بجنون كما جعلتك تحبيني بجنون و مازلتِ فمثلي لا ينسي حبه بسهولة يا چيلان.
تشنجت تعبير وجهها بحدة فعلم أنه أصاب الهدف فأردف قائلا و هو يطالعها ببرود:
_ بينما ألقيت أنا حبك بأقرب صندوق قمامة لأنه مكانه الطبيعي.. تعلمين شيئاً كلما تفننتي بأذيتي أتلذذ أنا و أشعر أنني أنتصر و أنتصر عليكِ.. لأنني سأظل عقبة في حياتك لن تجعلك تتقدمين.. توقف زمنك عندى و أنا إنتزعتك بزمنك خارج حدود تفكيري يا بائسة.
ضربت الأرضية بكعب حذائها و قالت بشراسة و عينيها تشع غضباً شيطانياً:
_ غرورك يصور لك أنني مازلت منشغلة بك و لكنني اتلاعب بك و بأمثالك بمنتهي اليسر ابدلك بألف و أبدل الألف بمليون إذا أردت.. فلا تعطي لنفسك أهمية يا نكرة.
تعالت ضحكاته تلك المرة و هو يصفع كفيه ببعضهما و إقترب منها قائلا بهمس حاد:
_ تتلاعبين بألف هاااه.. هذا لأنك كما قلت سابقاً.. عاهرة.
و تطلع بعينيها التي زاد إشتعالها و غمز لها و إنصرف و هو يضحك بهيستيرية.. بينما صكت هي أسنانها و إلتفتت إليه قائلة:
_ سيأخذك ندمك حيث حذائي يا حازم تذكر هذا و حينها ساجعلك تقبله كي أعفو عنك.
توقف في سيرته و إلتفت إليها يطالعها بإزدراء و هو يقول ببساطة و هو يشير على رأسه بقوة :
_ تلك الجبهة التي تنحني خمس مرات باليوم لرب العباد لن تنحني بيوم لغيره.. و مثلك.. لا يعلم هذا المبدأ لذلك انتِ كما قلت عليك ِ.
و تركها و إبتعد متجهاً صوب غرفة مكتبه.. إلتفتت چيلان للرجل المصاحب لها و قالت بغضب:
_ أريده مذلولا بأى ثمن.
اخفي ذلك الرجل إبتسامته و إعجابه من قوة حازم و قال لها بعملية و هو يشيح بنظره بعيداً عنها بمقت:
_ افهمك.. فقط إتركي الأمر لي و إنسيه تماما.
اومأت برأسها و خرجت مسرعة بينما قال هو بداخله:
_ من أنتِ لأبيع ضميري من أجلك.. فكما قال هو لنا رب إن نسيه أمثالك أنا لم و لن أنساه.
إطمئن انها صعدت سيارتها و إنطلقت بها فاخرج هاتفه و عبث بشاشته قليلا و وضعه على أذنه و بعد قليل قال بنبرة قاطعة:
_ بخصوص الرائد حازم.. لا أريد أى أذية له.. فقط إنقله لأى محافظة أخرى و تبقي صلحياته كما هي لا اريد لملفه ان يتأثر بأي شئ مفهوم.
أتاه الرد بالموافقة فأغلق هاتفه براحة و صعد سيارته و هو يشعر بمقت غريب ناحية چيلان و أمثالها من المستهترين و الذين يظنون انهم بنفوذهم يستطيعون اذية خلق الله متناسين ان كل شئ... بيد الله وحده.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي