الفصل الرابع

عاد حازم إلى بيته متأخراً ... أغلق ورائه الباب و دلف للداخل فوجد والدته تمرر حبات مسبحتها بين أناملها و تذكر الله و تطالعه بلوم و عتاب .. فعلم أنه على أعتاب تحقيق جديد فقال بنفسه:



_ كما افعل بالناس سيفعل معي الآن.



إقترب منها قائلا بإبتسامة هادئة و هو يضع مفاتيحه و هاتفه علي الطاولة :



_ مساء الورد على عيناكِ يا ست الكل .. لقد تأخرت عليكِ إعذرينى.



وضعت آمال مسبحتها جانباً و قالت بعتاب :



_ و ما سبب تأخيرك بني ... أنت دوام عملك يبدأ الساعة السادسة صباحاً و الآن الثانية عشر و النصف .. أخشي عليك من التعب .



جلس بجوارها قائلا بتلقائية :



_ لا تقلقي علي فأنا أخشي عليكم أكثر من قلقك علي .. سامحينى فقد كنت مع جيلان و كنا نتجول بعض الشئ .



زفرت بغضب و طالعته بحدة و هى تقول بقنوط :



_ جيلان مجدداً .. و تتجولون لمنتصف الليل و نعم التربية.



لم يغب عليه بغض والدته لها منذ البداية .. و كالعادة يبدأ فى تهدأتها و إمتصاص غضبها قائلاً بعقلانية تلائمة :



_ أجل يا أمى انتى تعلمين أنى احبها كثيرا و أريدها ان تكون زوجتى و اكمل نصف ديني بها .



لوت ثغرها بإمتعاض و قالت بنبرة ساخرة :



_ إخترت جملة خاطئة بني ... فأنا لا اراها ستكمل نصف دينك بشخصيتها تلك .



لم يكل و لن يمل فى إقناعها فعاد لجُمله المعتادة و هو يقول بثقة :



_ شخصيتها سوف اغيرها يا غاليتى انا اعمل على ذلك و لكن إعذريني .. قلبي متعلقٌ بها كثيراً .



هزت آمال رأسها بيأس و قلبها يخبرها ان إبنها تائه بطريق لا يليق به فقالت بنبرة فاترة :



_ لا اعتقد فمن يسمح لها والدها بالسهر لذلك الوقت لن تصلح لأي شئ .



حمل كفها بين راحتيه و تطلع بعيناها قائلا بهدوء متزن :



_ كل انسان وارد عليه التغيير من اجل اشياء كثيرة يرغبها بحياته و هى تحبنى كثيرا و ساجعلها تتغير من اجلى .



أجابته بحنو :



_ تعلم انى لا اتمنى لك سوى السعادة و الراحة و أنا اراك تنزلق بطريق لا يشبهك .



بعد أن سأم من ذلك الحوار الغير مُجدى قرر الهروب بطريقته فإلتفت برأسه و بحث حوله قائلا بمكر :



_ احم ... مالى لا أرى سجدة و لا مريم اين هما ؟!!



أجابته بإبتسامة خافتة :



_ نامتا بعدما تعبتا من شجارهما اليومي .



هز رأسه مستنكراً و هو يقول بمداعبة :



_ الشقيتان .



طأطأت آمال رأسها و هى تناجي ربها أن يحفظ ولدها و لا ترى به بأساً يشقيها .. فما اختارها قلبه تعلم جيداً انها ستكون سبب جرحه ... لم يمر سكونها عليه فقد فطن لما يدور بخلدها فقال بداخله :



_ أعلم ما يجول بداخلك أمى و لكن سأثبت لك صحة وجهة نظرى حينما تتغير جيلان لأجلي .



وقف قائلا بنبرة مازحة ليخرجها من شرودها :



_ هاتين الشقيتان إعتادتا على الشجار كل يوم سوف اريهما لاحقا .... و لكنى اشتقت اليهما كثيرا .. و ظروف عملي تجبىني على التقصير بحقكم جميعاً.



وقفت هى الأخرى و قالت بتثاؤب :



_ و هما أيضاً يشتاقون إليك .. إحمد الله يا حازم أنك لا تخرج بمأموريات كثيراً كآسر و زيد لأنني أشفق عليهما خصوصاً زيد والدته تشتكي دائما من قلقها عليه.



خلع سترته بإرهاق و رماها علي كتفه و هو يقول مؤكداً حديثها:



_ منذ تخرجنا من الجامعة وبدأنا العمل و أنا لا أراهما سوى كل بضعة أشهر للأسف و لكن زيد لطبيعة عمله بالحراسات يصبح ملتزم بمأمورياته السرية غالباً.



ربتت على ذراعه و قالت بحنو:



_ أعانكم الله يا بني... هيا حبيبي ادخل لغرفتك و اغتسل و نم كي تستطيع النهوض مبكراً .



انحنى مقبلاً كفيها و هو يقول بحب :



_ حسنا حبيبتى انا متعب حقا سأذهب لأنام و لكن بعد أُقبل يداكى الطاهرتين و تضمينى لصدرك الذى يشعرنى بالراحة بعد عناء يومي.



ضمته لصدرها قائلة بحنان :



_ اللهم اسعد قلبك و أبعد عنك كل سوء حبيبي .



ربت حازم على ظهرها و هو يقول:



_ اللهم آميييين اجمعين يا غالية تصبحين على خير و سعادة.



و تركها و دلف لغرفته و هو يبحث بعقله عن سبيل لتقريب المسافات بين جيلان و بينها .. متذكراً يوم رأى جيلان لأول مرة حين إصطدما ببعضهما بسياراتهما حينها عاملته بطريقة غير لائقة و مستفزة فسحبها معه بغضب لقسم الشرطة و أصر على حجزها لفظاظتها و هي لم تهتز و وجود والدها المهيب الذي جعل قسم الشرطة بأكمله يقف على قدمٍ وساق هو ما أنقذها منه ..



مستشار كبير مثله يقف له الجميع إحتراماً و تقديراً حتى حازم أعجب بشخصيته البسيطة و المجاملة رغم هيبته و إسمه الذى يزلزل أى مكان...



إعتذر له الرجل بكل هيأته و كبريائه و دعاه لتناول العشاء بمنزله و لبي دعوته و قد تحولت نظرات التحدى بينه و بين چيلان لنظرات إعجاب ثم مع مرور الوقت تحول الإعجاب لحب... و منذ عرف والدته عليها و هي تراها فتاة متكبرة و تعيش حياتها بحرية كبيرة عكس حياتهم تماماً.. لطالما أخبرته أمه أنها كانت ترغب له عروساً من نفس مستواهم الإجتماعي تعاملهم بمعاملاتهم لا أن تعاملهم بعلو...



و هو علي يقين أنه سيستطيع ترويض چيلان و جعلها كما تريد والدته لأنه يعلم مدى عشقها له....







.....................................................................



..................







كانت راما تقطع غرفتها ذهابا و إيابا و هي تطالع ساعة معصمها بملل.. جلست علي مقعدها أمام لوحتها التي تأبى أن تكتمل و كأنه ينقصها شئ كبير و حملت فرشاة الرسم خاصتها و غمستها باللون الأسود و بدأت في الرسم و هي تدندن بتركيز....



منذ وفاة والدتها و هي كلما شعرت بالضيق حملت فرشاتها و بدأت في الرسم كي تتخلص من أفكارها و توترها.. كما عودتها أمها سابقاً لتخطي ما مرأت به.. تبدو راما لأي شخص فتاة مدللة قد ولدت و في فمها ملعقة من الذهب و أموال والدها تحقق لها جميع أحلامها.. لم تدخل كلية من كليات القمة لأنها و ببساطة تعشق الرسم و قد ضاعت طفولتها بين دفاتر الرسم و الألوان و الوحدة.. لم يكن لها أصدقاء من عمرها سابقاً سوى ممرضات المشفى التى بين جدرانه ضاع الباقي من طفولتها فيه...



و رغم كل ذلك فهي تتمتع بشخصية قوية و صلدة إكتسبتها من والدها رحيم الساعاتى رجل الأعمال المشهور و الذى لفظ الفقر من حياته و أقسم و هو ببداية شبابه أن يهزم حاجته و ظروفه مهما حصل.. و بالفعل تحول المحل الصغير لتصليح الساعات خاصة عائلته لمصنع صغير أنشأه بالقروض و بيع كل ما يملك حتى أنه كان قد خصص مكان فيه للمعيشة هو و والدته التي كانت تقف بجواره و تعينه لثقتها فيه..



و بالفعل نجح بإثبات نفسه و ها هو الآن صاحب أكبر التوكيلات العالمية للساعات...



تزوج من والدتها و التي كانت حينها إبنة رجل الأعمال المعروف و هو مجرد شاب طموح و فقط و لحبها له و تعلقها به تحدت والدها حينها و تزوجته...



بعد سنوات مات والدها و ورثت هي و أخوتها كل شئ تركه و كل ما كانت تملكه تحول لقبضة رحيم الذي عن طريقه قد توسعت أعماله و كبُر مصنعه و علا سيطه بين الجميع و حتي هذه اللحظة لا يكل و لا يمل فى إثبات نفسه و تحدى أى شئ يقف بطريقه..



حتي بمرض راما القديم.. لم يتوانى عن فعل أي شئ.. أي شئ لجعلها إنسانة طبيعية كباقي الأطفال التى تركض و تلعب و تتمتع بحياتها.. لأنها قد جاءت بعد سنين طويلة من زواجه و بعد الكثير من عمليات تلقيح الأجنة..



دائما ما كان يقول لها أنه تمني كثيراً أن يرزقه الله ولداً ليكمل ما بدأه و لكن إرادة الله فوق كل شئ.. و مع ذلك ف راما عنده شئ كبير و ربما هي تلك اليد الضعيفة بشخصيته...



أنهت لوحتها و طالعتها بتعجب و هي ترى وجه والدها قد رسم أمامها.. إبتسمت شفتيها و هزت رأسها بيأس فهي كلما حملت فرشاتها و بدأت بالرسم ينطبع على الرسمة الشخص الذى يجول بخاطرها دون أن تدرى.. فهناك غرفة كبيرة كاملة كلها لوحات لوالدتها أو طبع بها وجه والدها دون قصد..



مثل تلك اللوحات تحتفظ بها و لا تفرط فيها أما البقية فهي تعرضهم بمعرضها الكبير و أحيانا تقيم عليهم مزادات و تهب ريعها للملاجئ و دار المسنين و الجمعيات الخيرية...



شعرت بثقل في عيناها فتركت الفرشاة من يدها و وقفت متمطأة بكسل و طالعت ساعة معصمها للمرة الأخيرة قبل أن ترتمي بجسدها على فراشها متطلعة بسقف الغرفة بعينين ثابتتين هائمة بذلك اللون الأبيض و التى تكرهه و بشدة و نادراً ما تستخدمه بلوحاتها فهو يمثل لها رمز مرضها السابق و عنائها الذى تخلصت منه و لكنها لم تتخلص من ألم ضميرها بعدها و آثرت العزلة و الوحدة لبقية حياتها .....



كعادتها كل يوم.. تغفو و هي سابحة بذكرياتها و تساؤلاتها و ضيقها من نجاتها التي دفع ثمنها شخصان لا ذنب لهما سوى أنهما فقراء....











.......................................................................



................







فى الصباح إستيقظت آية و هى فى قمة نشاطها و فرحتها ... إغتسلت وصلت الضحى وحضرت الفطار لها ولجدتها وفطرا سويا وبعد قليل سمعت طرقات على الباب فابتسمت بشوق .. فهذه الطرقات هى ما تشعرها أنها على قيد الحياة ....



زادت دقات قلبها و تقاطعت أنفاسها و لم لا فبمجرد رؤيتها له يسعد صباحها..



فتحت الباب و هى تطالعه بشوق كعادتها و تنتظر نظرات السخرية و البرود منه .. ولكن ... لحظة واحدة إنه و لأول مرة يبادلها نظراتها ... إبتلعت ريقها بتوتر و هى تعدل حجابها قائلة بخبث :



_ هذا انت إعتقدتك سارة .



تعمق و لأول مرة بليل عيناها و بياضها الوردى و ملامحها الرقيقة و لوهلة خاطفة جال على جسدها و الذى تغطيه ببراعه بإسدالها .. لم تغفل عن نظراته الجديدة عليها و بدأ التوتر يكسو ملامحها .. فقرر مروان أن يرحمها من خجلها و هو يقول مازحا :



_ نعم انا هو بشحمى و لحمى يا صغيرتي .. كيف حالك ؟!!

أنا أتوهم .. أنا أتوهم .. هذا ما كانت تقنع نفسها به و هى تراه يتخللها بنظراته و ربما يكون معجباً بها .. هذا ما تقوله عيناه و لكنها رغم كل ذلك تتوهم .. خرج صوتها متحشرجاً و هى تجيبه بنبرة مرتعشة :



_ أنا بخير الحمد لله .. كيف حالك انت ؟!!



كلما زاد خجلها و توردها اللذيذ يشفق عليها أكثر و لكن بقانونه لا توجد رحمة لمن يزيد جمالها بهذا الشكل فليمنحها ما يزيدها بريقاً وبهاءًا .... فإستند على إطار الباب مقترباً منها و هو يقول بنبرة مغوية قليلاً :



_ ما دمتى بخير فأنا بخيرٍ الحمد لله .



لا انا لا أتوهم .. ربما سقطت سقيفة غرفته على رأسه ففقد جزءًا من عقله .. تلك النظرات جديدة كلياً علي .. يالله فليترفق بحالتي لم تعد قدماي تحملني .. و لكن .. لحظة ماذا قال ؟!؛!!!



إتسعت عيناها بفرحة عارمة و هي تسأله ببراءة طفولية يبغضها بها قائلة لتتحقق مما قاله بتعجب إرتسم على ملامحها ببراعة :



_ حقا !!!



ذاب مع جمالها البرئ ذاك و الذى لم يرهُ بأى فتاة من قبل .. هذا ما كان يبحث عنه بأى فتاة عرفها .. البراءة. .. و ها هي تقف أمامه و إحقاقاً للحق .. فاق أى جمال رآه .. سحب نفساً طويلا و هو يقول بمكر عابث :



_ نعم هو كذلك يا صغيرتي أنتى .



رفعت طرف حاجبها و هى تتسائل هل لو كان بيدها سكيناً مصادفةً و أودعتها بصدره بكل قوتها هل ستحاكم مثلاً .. صغيرتي .. ها هو يعود لقواعده سالماً .. من المؤكد أن سقيفة غرفته بخير و الحمد لله ..



إمتعض وجهها الوردى و هى تقول بغضب سيقتلعه من جذوره حالاً و يلقي به من أقرب نافذة :



_ ألن تكف عن قول صغيرتي تلك .



لن ينكر أنه جاهد ضحكاته بكل قوته على قدرته البارعة بزيادة جمالها البرئ .. و لكنه إعتدل بوقفته و إقترب منها خطوة حتى بات قريبا منها و أنفاسه تلفح وجهها قائلا بمشاغبة :



_ لا لن أكف .. فأنا أحب أن أناديكي هكذا .. هل هذا يضايقك صغيرتي الجميلة .



رفعت عيناها بملل و فتور و هي تجيبه بنبرة ماجنة :



_ لا لقد اعتدت إدخل لجدتى لانها تنتظرك .



إبتسم إبتسامة عابثة و هو يجيبها بهدوء أبعد ما يكون لحالته :



_ و ما بك على عجلة لامر جدتي .. حسنا سوف أدخل .



كانت نظراتها كخناجر حادة تنطلق نحوه و تريد الفتك به .. إتسعت إبتسامته و هو يقول ببساطة :



_ افسحى الطريق بعض الشئ لأمُر .



إنتبهت لغباؤها المعتاد فإبتعدت من الطريق قائلة بخزى خجِل :



_ تفضل .



مر بجوارها و دلف للداخل و هى تطالعه بحزن أخرجها من حالتها تلك صوت سهام و هى تقول :



_ صباح الخير حبيبتي .



إنتفضت بذعر و هى تجيبها بإبتسامة لا حياة فيها :



_ صباح الورد خالتي .



إنتبهت آية لتلك المقتربة و هى تفرك عيناها بتكاسل و تتثائب و تبدو بحالة مذرية .. فكتمت ضحكاتها و هى تقول بمزاح ساخر :



_ هل كانت نموسيتك كحلي يا سارة .



تصنعت سارة الإبتسام و هى تقول بسخرية :



_ لا بل كانت وردية يا سمجة .



تعالت ضحكات آية و هى تبتعد عنهما و دلفت لمطبخها لتنظيفه ريثما ينهون روتين الجدة اليومي .. ما أن إنتهت حتى إنتبهت على وقوف سارة بخلفها قائلة بتساؤل و فضول :



_ لم تخبريني أى قسم من الجامعة قد إخترتي .



فكرت قليلاً و سألتها بشغف :



_ لا أعلم بعد .. و لكن ما كان إختيارك أنتى ؟!!



أجابتها سارة ببديهية جادة :



_ علاماتي تناسب قسم الصيدلة لذلك سألتحق به و أنتى إلى أين ؟!



أجابتها آية بتلقائية :



_ بالصيدلة معكِ مؤكداً .



علت الدهشة ملامح سارة من ردها و قالت بحنق :



_ لماذا حبيبتي ؟!! أين شخصيتك و طموحك أنتي ؟!!



إبتلعت آية غصة بصدرها و تصنعت الإبتسامة قائلة بمزاح :



_ أنا لا أريد الإلتحاق بكلية الطب أو الهندسة .. يكفي مهندساً واحدأ كمروان بأسرتنا.



إقترب منهما مروان و هو يقول بتعجب :



_ لقد سمعت اسمى .. ماذا قلتما عنى بغيابي .



ردت سارة عليه بغضب و هي تعتدل بوقفتها و تشير بيديها على آية المنهمكة بأعمال المطبخ :



_ إقترب يا مروان و إحكى معها لانها تريد الالتحاق بكلية صيدلة مثلي لكي تبقي معى فقط .



طالعتها آية بأسى و هى تقول برجاء طفولي :



_ تعودت عليكي بكل شئ يا سارة و لا اريد أن أنفصل عنكي .



لوت سارة ثغرها و تأففت بضجر و هي تقول :



_ حسنا و لو تزوجت من شخص ما ستتزوجينه كي لا تنفصلي عني .



ضحكت آية ضحكة عالية جعلت ذلك الواقف بينهما يقف مشدوها من جمالها بينما أجابتها قائلة بتلقائية شديدة :



_ لا تقلقي فزوجي إن شاء الله لن يجوز لكي .
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي