الفصل الثامن

جلس مروان مع أصدقائه و هو ينفث من غضبه.. فقال له محمد محذرا بنبرة قاطعة :

_ من الواضح أن إيساف قد وضع إبنة خالتك في رأسه و لن يتركها إلا إذا أوقعها بشباكه.

فقال له مروان بتعجب و هو يصفع كفيه ببعضهما :

_ أنا لا أفهم لماذا هي.. ها هن الفتيات أمامه بكل الأشكال و الآلوان.

تنحنح عبده بحذر و هو يقول :

_صراحةً... إبن خالتك ساحرة.

نظر له مروان بغضب وقال بحدة :

_ سأعتبر نفسي لم أستمع لشئ منك.. و لكن إن إقترب منها هذا الثعبان.. سأقطع رأسه.

فقال له محمد بهيام :

_ تحدث معه اولا.. لأنه لا يلام بشئ فهي من تمتلك وجهاً يفتن أي أحد.

طالع مروان هيامهما بنفاذ صبر و زفر بحدة قائلا :

_ أنتما تريدان أن أتغابى عليكما أليس كذلك؟!

لم يجيباه و كلاً منهما بعالم آخر...

عاد مروان لمنزله و طرق باب شقة جدته بغضب .. فتحت آية

الباب .. فقال لها على الفور بإندفاع :

_ هل هناك شئ بينكِ و بين إيساف.

أجابته آية بخوف :

_ لا شئ بيننا.. هو من يضايقني و أنا لا أسمح له بالتقرب مني.

فصاح بها بغضب و هو يرفع سبابته بتحذير في وجهها :

_ إياكي أن تعطيه وجهاً.. هل تفهمين؟!

أجفلت بعيناها و إنكمشت فى نفسها وقالت بذعر:

_ حسناً.. لا تصرخ بوجهي فأنا أخشي الصوت العالي.

إبتسم لها بحنان وتطلع لها مطولا يتأملها متفرساً بملامحها البريئة.. فهى فعلا جميلة .. كيف لم يلحظها من قبل .. ثم قال بهدوء:

_ إهدأى و لا تقلقي و إحرصي على نفسكِ جيداً.

إبتسمت له وقالت براحة :

_ حسناً.. مع السلامة

قفلت الباب ودقات قلبها يسمعها من لا يسمع وإبتسامتها تتسع شيئا فشئ على إهتمامه بها .. ربما تكون غيرةً......



.....................................................................

.............

دلف حازم لمكتب آسر و سأله مباشرة بقلق:

_ آسر.. هل عرفت شيئاً عن زيد؟!

رفع آسر عينيه عن الأوراق التي أمامه و أجابه:

_ لا و لكنني عن طريق مصادرى علمت أنه بمأمورية ستطول قليلاً و أنه بخير.



أومأ حازم برأسه و تركه و خرج.. سار حتي سيارته و صعدها و ما أن أدار محركها حتى إلتفت علي صوت خبطات على نافذة سيارته فوجدها چيلان.. إمتعض وجهه و سحب نفساً طويلاً قبل أن يهبط من السيارة و وقف أمامها قائلا بتذمر:

_ ماذا تريدين؟!

وقفت قبالته و قالت بحزن:

_ إشتقت إليكَ يا حازم فلتترفق بي.. مضت أيام طويلة و أنا لم أترك أى وسيلة لكي أصل بها إليك و أنت تتجاهلني.

مرر انامله بشعراته الناعمة و قال بملامح جامدة:

_ كما لم أفرق معكِ اولاً.. ها انتِ لا تفرقين معي الآن.

هزت رأسها نافية و قالت بنبرة منكسرة:

_ لا انا لا أصدقك.

قبض على ذراعها بقوة و هو يقربها منه نافذاً داخل عيناها و قال بصوت قاتم:

_ تطلعي داخل عيني.. هل تصدقيني الآن.

تجمعت العبرات بعينيها و تأوهت من قبضته.. فتركها و هو يتابع بحدة مستقلاً سيارته بعصبية:

_ عودى لأصدقائك يا چيلان قبل أن تتأخرى عليهم.

و صفع الباب بقوة في وجهها و أدار السيارة مسرعاً مخلفاً ورائه غيمة ترابية عالية...

وقفت تتطلع لآثره و قد تساقطت عبراتها بحزن...



...................................................................

.........

لم يستسلم إيساف و هو يخطط لأن يوقع آية بشباكه.. فجند زميلتها غادة لتحضر له أخبارها ورقم هاتفها فتقربت غادة منهم أكثر .. وإنخرطت بداخلهم بسهولة لقلة خبرتهم .



ضحكت سارة ضحكة عالية وقالت :

_ أنتِ داهية يا غادة.. دمكِ عسل.

أجابتها غادة بغرور و هي تحرك كتفيها بزهو :

_هذا هو الطبيعي بشخصيتي.

ثم إلتفتت لآية و سألتها مباغتةً:

_ أخبريني يا آية هل تعيشين قصة حب؟!

ردت آية بجدية :

_ لا أنا أركز بدراستي و فقط

إبتسمت غادة بمكر و قالت :

_حسناً أيتها المُركزة أعطيني رقم هاتفك فأنا ربما أضطر أن أسألكِ عن المحاضرات.

اومأت آية برأسها و قالت ببراءة:

_ حسناً.. رقم هاتفي هو......... .

أخذته غادة وتركتهم ومضت أعطت رقم هاتفها لإيساف وقالت محذرة :

_ إياك أن تهاتفها تلك الأيام.. حينها ستعرف انني من أعطيتك الرقم.

أومأ برأسه مؤكدا وقال ببديهية :

_ أعرف لا تقلقي.

تطلعت إليه بنظرات تحذيرية و قالت:

_ أرجو ألا تؤذيها فهي بريئة و طيبة للغاية و أنا أحببتها.

فكر إيساف قليلا ثم قال بجدية :

_شكراً لكِ يا غادة فأنتِ فعلتي ما طلبته منكِ.

تركته ومضت وهى نادمة و تتسائل بضيق كيف خانت ثقة آية بها...

نظر له كريم بترقب وقال :

_ ماذا تنوى أن تفعل يا إيساف؟!

فقال بتنهيدة عاشق :

_ لا أعلم.. كل ما أعرفه أنني لن أؤذيها فأنا أعترف أنها هى من أوقعتني و سحرتني بحبها.

فقال له كريم بتعجب :

_ بهذه السرعة؟!

فقال إيساف مبتسماً :

_ نعم.. تلك المرة أنا وقعت و لم يسمى عليٰ أحد.



•   * * * *





إستمر إيساف فى محاولاته للتقرب منها دون ملل .. ولكن دون

جدوى أيضاً فقرر مخاطبتها هاتفيا أخيرا .



عادت آية لمنزلها بعد يوم طويل.. دلفت شقتها ووضعت حقيبتها على الطاولة ودلفت لغرفة الجدة و قالت بقلق :

_هل تأخرت عليكِ يا جدتي؟!

فقالت الجدة بإبتسامة حانية :

_ لا يا حبيبتي.. تعالى إجلسي بجواري ريثما ترتاحين.

خلعت آية حجابها و قالت بإرهاق:

_ لا سأصلي أولا.. و أسخن طعامنا و أحضره و آتي إليكي كي نأكل سوياً.

تركتها وأنهت أمورها وحضرت الغداء وجلست لتتناول وجبتها معها و هي شاردة.. فمروان يزداد تجاهله لها و كل يوم تراه مع فتاة مختلفة بالجامعة...

تنهدت بأسى وأنهت طعامها ثم أنهت أعمال المنزل وجلست تراجع محاضراتها فى غرفتها .. فرن هاتفها برقم غريب .. فردت بتوجس :

-  ألو .

فرد إيساف عليها بتردد :

_ هل أنتِ آية؟!

عقدت حاجبيها متعجبة وقالت بقلق :

_ نعم أنا.. من أنت؟!

إبتلع ريقه و قال بهدوء:

-  أنا إيساف يا آية .



دق قلبها بسرعة و إعتدلت بجلستها مسرعةً.. فهى لم تتحدث مع شخص غريب فى الهاتف من قبل ، ومع ذلك تسائلت بإندهاش كيف حصل على رقم هاتفها .

لاحظ صمتها فأردف قائلا :

-  هل تسمعينني يا آية؟!

إبتلعت ريقها وقالت بخوف :

_ نعم أسمعك.

شعر بإستجابتها فسألها بتودد:

-  كيف حالك؟!

إستجمعت قواها و قالت بثقة:

_ الحمد لله هل تحتاج مني شئ؟!

إبتسم على برائتها المحببة لقلبه وقال :

_ لا و لكنني أريد أن أتحدث معكِ قليلاً فسارة لا تعطيني أي فرصة في محادثتك.

قطبت حاجبيها بغضب وقالت بحدة :

_ لقد قلت لك سابقاً أنني لست كما تظن فأنا لا أصادق شباباً هل وضحت امامك الفكرة.

فقال بسرعة موضحا صدق نيته :

_ لا فقط إسمعيني.. ربما كنت ببداية الأمر أرجو صداقتك كما تتخيلين و لكن مع مرور الوقت بدأت أتعلق بكِ و أشتاق إليكِ و أنتظر بداية كل يوم لآراكِ.. أنا أظن أنني وقعت بحبك يا آية.

هنا زادت دقات قلبها فهذه الكلمة عاشت تحلم بسماعها من حبيبها... ها قد قالها لها شخص آخر غيره .

فقالت بتوتر متلعثمة :

_ يا إيساف .. أنا .. أنا فقط أري..... .

قاطعها قائلا بنبرة حادة:

_ أنا لا أريد منكِ شيئاً غير فرصة صغيرة أثبت لكِ بها أنني شخصاً جيداً و سأقص لكِ كل شئ عني ربما تعرفيني جيداً إذا إقتربتي مني.

فقالت له آية بضيق :

_ رغم أنني أحترم فيك صراحتك و وضوحك و لكنني لن أستطيع أن أتحدث معك مرة أخرى.

فقال لها مستعطفها :

_ أقسم لكِ أن لا أضايقك.. فقط إعتبريني إحدى صديقاتك التي تتحدثين معها و تثقين بها.. و وعد مني لن أتحدث بأمر مشاعرى تجاهك مجدداً.

تنهدت آية بألم وقالت :

-  يا إيساف إسمعنى أرجوك .

أتاها صوته قائلا بإصرار:

_ صدقيني لن أزعجك.. سأهاتفكِ لكي أطمئن عليكِ و بالجامعة لن أضايقك مجدداً.

صمتت قليلا وقالت بحزم :

_ أنا آسفة... فأنا مضطرة أن أنهي مكالمتنا و أرجو منك ألا تهاتفني مجدداً.. مع السلامة.

أغلقت الهاتف ودقات قلبها السريعة باتت تؤلمها .. ظلت كلمة بحبك تتردد فى أذنها فقالت فى نفسها :

_ لا أعلم لماذا فرحت عندما سمعت منه كلمة أحبكِ.. رغم أنني أرغب بها من مروان.. حبيبي.. الذى مازلت رغم تجاهله لا أرى سواه و أنتظره أن يقولها لي.. و ربما لن أسمعها منه قط.



•   * * * * *



أصعب شعور أن ترى و تسمع و تشعر بكلمة أحبك و لا يعترف بها حبيبك.. قلقه عليها.. نظراته لها.. غيرته حينما يقترب منها أحد.. نصائحه الدائمة بأن تغير طريقه لبسها.. حصاره لها طول الوقت.. كل شئ يقول لها أنه يعشقها..

لم تبارح شقتها لأيام و هي تفكر بكل ما مروا به الأيام السابقة.. لن تجعله يراها كما إعتاد.. سترى هل سيشتاقها أم سيكابر..

دلفت رمزية الغرفة عليها و سألتها بقلق:

_ راما حبيبتي هل ستظلين بالمنزل اليوم أيضاً؟!

إلتفتت إليها راما و هي جالسة على فراشها تضم ركبتيها لصدرها و قالت بجمود:

_ نعم لن آخرج اليوم.

هزت رمزية كتفها بتسليم و تركتها و خرجت لتنتبه على طرقات بباب الشقة.. توجهت ناحيته و فتحته فوجدت غنام أمامها مبتسماً بهدوء.. قال لها مُرحباً:

_ مرحبا خالتي.. هل راما بخير فهي مختفية على غير عادتها و قلقت عليها.

أجابته رمزية بسخط:

_ إنها تحبس نفسها بغرفتها و لا تتحدث معي حتي الخروج لا ترغب به.

زم غنام شفتيه مفكراً و قال بجدية:

_ أخبريها أنني أريد رؤيتها لو سمحتِ.

اجابته مسرعةً:

_ حسناً سأعطيها خبراً.. تفضل للداخل.

دلف للشقة يتطلع حوله بإنبهار من فخامة الشقة و مساحتها الكبيرة و آثاثها الراقي و جلس على أقرب أريكة حتى رأى راما تتقدم ناحيتة مسرعة و هي ترتدى منامتها..

وقف مسرعاً وقد جحظت عينيه و أشاح بوجهه عنها و هو يقول بحدة:

_ راما هل جننتِ.. عودى لغرفتكِ و إرتدى شيئاً آخر.

تطلعت لمنامتها و اغمضت عيناها لاعنة غباؤها و إندفاعها و هي تتمتم بخجل:

_ أعتذر منك فقط أعطني بضع دقائق و سأعود.

و عادت لغرفتها راكضةً.. قهقت رمزية بصوت عالي و هي تجلس أمامه و قالت بمزاح:

_ يبدو أنها كانت تنتظرك فما أن نطقت إسمك حتى إنتفضت راكضة بدون تفكير.

جلس غنام و هو يبتسم بشرود.. متسائلا بداخله، كيف لفتاة رائعة الجمال و نقية الروح و إبنة رجل أعمال كبير أن تتعلق بشخص مثله.. فهو بالأخير مجرد سايس سيارات بالطرق.. لماذا إرتبطت به لهذا الحد؟!!

يعلم أن مشاعره تجاهها مقبولة لأنه مجرد حلم و الأحلام قد خلقت لألا تتحقق.. أما هي لا يجد مبرر لمشاعرها تجاهه.. من المؤكد يحيطها آلاف الرجال الأغنياء فلماذا آثرته على الجميع...

أخرجه من شروده قدومها ناحيتة ببهائها الساحر.. وعطرها المُسكر قد سبقها إليه.. هو الآخر رأى الكثير و الكثير من السيدات و الآنسات و لكن قلبه لم يدق لأحد كما يدق لها الآن..

وقفت راما أمامه و قالت بإبتسامة مشرقة:

_ كيف حالك يا غنام؟!

لم يشعر و الكلمات تنساب من شفتيه قائلا بصدق:

_ لست بأفضل حال من دونك.

سقط قلبها تحت قدميه و هي تغوص ببحور عينيه المظلمة و قد تهدجت أنفاسها وإستحالت الوقوف أكثر بعدما خانتها قدماها و هي تجلس أمامه متعمقة أكثر بعينيه..

لم يستطع التحكم بمشاعره أكثر فترك لقلبه العنان أن يمنحها ما تتمناه منه و ترجوه منذ أول لقاء لهما...

كانت عيناه تخبرها بكل تفاصيل عشقه لها و هي كانت تستقبل ذلك بنهم.. قرر أن ينطق أخيراً بعدما تنحنحت رمزية لتنبههم أنها جالسة معهم فقال بهدوء:

_ ما رأيك أن أعزمك على الغداء بمطعم للكشري رائع.

إبتسمت برقة و هي تقول بمزاح:

_ بسببك قد زاد وزني إثنان كيلو جرامات و تريد أن تعزمني على كشرى أيضاً.

هز كتفيه بتسليم و هو يقول بجدية:

_ لا تخافي إنه مجرد طبق يتيم لن يضر.

وقفت و قالت بسعادة:

_ حسناً سأحضر حقيبتي و آتي معك.

احضرت حقيبتها و خرجت مسرعة.. فأشار لها بيده أن تسبقه و سبقته و خرجا سويا..

إستقلا المصعد.. و هي تقف أمامه فإقترب غنام بأنفه مغمضاً عينيه من شعراتها و هو يستنشق رائحتها.. بل يتنفسها..

إنتبهت راما لقربه فإلتفتت ليرتطم أنفها بأنفه.. فتح عينيه لتتقابل نظراته بنظراتها.. فهما لم يكونا بهذا القرب من قبل..

أنفاسها التي تتحطم على صخور وجهه و نظراتها الزائغة جعلته بدون أن يشعر إقترب منها أكثر..

حتي وقف المصعد فجأة.. خرجا من حالة التيه تلك وإبتلعت راما ريقها بتوتر ليقول هو مسرعاً:

_ أنا من سيقود سيارتك كالعادة إتفقنا حتي لا تأتين أمامها و تصرين علي القيادة بحركاتك الطفولية تلك.

تعلم جيدا جدا أنه يخرجها من خجلها فقالت و هي تفتح باب المصعد و تخرج منه:

_ أنا حركاتي طفولية.. إذا أنا من سيقود يا غنام و أرني ماذا ستفعل؟!

خرج ورائها و أغلق الباب و تصنع التفكير مطرقاً بأنامله على ذقنه و قال:

_ ماذا سأفعل... ماذا سأفعل؟!

وفجأة إلتقط مفاتيح سيارتها من بين أناملها و ركض مسرعاً و هو يقول بضحكات عالية:

_ بل ماذا ستفعلين أنتِ الآن يا راما.

ضيقت عينيها بتوعد و ركضت ورائه و هي تقول بتذمر مفتعل:

_ أعطني مفاتيحي أيها اللص.. لن أدعك تقودها هل تفهم!!

صغط جهاز التحكم عن بُعد و فتح الباب خلف المقود و جلس عليه مسرعاً.. وقفت راما بجوار السيارة تلهث بحدة و واضعة كفها على صدرها المتهدج بأنفاسه اللاهثة و غنام يحتمي بداخل السيارة من نظراتها الشيطانية مقهقهاً بصوت عالي..

ضغطت على شفتيها بأسنانها و دارت حول السيارة و هي تطرق الأرض بقدميها في حركة طفولية من حركاتها التي يعشقها منها..

فتحت الباب الخلفي و جلست ثم صفعت الباب خلفها و عقدت ذراعيها أمام صدرها زامة شفتيها بغضب..

زادت ضحكات غنام على حالتها.. و هي يخفي إعجابه بشعراتها الصفراء التى تناثرت من ركضها حول وجهها لتكون لوحة لو بإمكانه رسمها لكانت أشتهرت أكثر من لوحة الموناليزا.. و لكنه هدأ من مشاعره و قال بجدية:

_ لم جلستِ بالخلف؟!

رفعت عيناها بملل و أجابته دون أن تطالعه:

_ لا شأن لكَ أنت من إخترت دور السائق و أنا لن أحرمك منه.

هز رأسه بتفهم و هو يكظم ضحكاته بينما خرجت كلماته مازحة تحمل كل الجدية و هو يقول ببساطة:

_ و أنا تحت أمركِ سيدتي فسايس مثلي إذا تحول لسائق لكِ و لو لساعة واحدة يعد شرفً له.

لملمت راما شعراتها و هي تقول بتذمر:

_ تتفنن بإغضابي يا غنام أنت لستَ عادلاً بالمرة.

إلتفت بجسده ناحيتها و تطلع داخل عينيها مطولاً قبل أن يقول بهمس خافت:

_ لا تتحدثين عن العدل و أنتِ قد إحتكرتي الجمال بمعناه و مضمونة لنفسك تاركةً باقي النساء بدونه.

أغلقت عيناها بحركة تلقائية و هي تذوب مع كلماته حرفياً.. يراها جميلة.. بل يراها الأجمل..

شعور غريب من الرضا و الثقة قد ملأها فالجميع قبله يراها دائماً ناقصة بسبب مرضها السابق و تبعاته التي تصيبها كل فترة.. و لكن منذ قدوم غنام و إقتحامه لحياتها.. إختفي ألمها و إختفت نوبات مرضها.. و أضحت مشعة ممتلئة بالحب و السعادة...

لم يخفى عليه إضطرابها من كلماته التلقائية.. فعاد بجسده أمام المقود و هو يلعن عقله البائس على إندفاعه خلف مشاعر لا تصح وغير واقعية فمثلها لن ترتبط بيوم بشاب مثله أبدا...

أدار المقود و إنطلق بالسيارة و عيناه تحاصرها بتملك فى المرآة الأمامية.. ربما من الصعب أن تكون له بيوم من الأيام .. و لكنه لن يحرم عينيه من طبعها و وشمها بداخله للأبد...

طالع الطريق قليلاً و سألها بهدوء:

_ راما بإعتبارك صديقتي.

تهدلت ملامحها بحزن و قالت بنفسها بحنق:

_ صديقتك يا كذاب.

تابع هو قائلا:

_ هل لي ببعض الأسئلة عنكِ و ستكون شخصية جداً؟!
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي